islamaumaroc

جدلية الإعلام الإسلامي

  دعوة الحق

220 العدد

هل انتهى بحق واجب الجهاد. في عصر وجد المسلمون فيه أنفسهم ضمن مجموعة (الدول المتخلفة)؟
قد تتشعب بنا الثنايا و نحن نفحص القضية المطروحة غير أن الأهم فقهه هو : ما مفهوم (الجهاد) و ما وسائله؟ ربما أقول ، الكفاح المسلح و المواجهة بالعنف، فتقول أنت و إنه أيضا الدفاع المستميت عن الحوزة بالكلمة إنه مقاومة الباطل بالتبشير لتباشير نور الحق إنه الذود عن المبادئ العقائدية و بها بأسلوب النضال السلمي على ما فيه من تضحيات دون توقف أو وهن ألا تعي معي أبعاد ذلكم المشهد الأسنى و الأعمق أيام مكة السيف؟ فها هو الداعي صلى الله عليه و سلم يبث محتوى الرسالة مجاهدا في ثبات و صمود دونما رفع سنان رمح أو نزع غمد فالفرصة لم تسنح بعد لغير الجهاد السلمي؟ ألم تر أن وقع (الكلمة الحق) أحد –يومها- و أمضى من ضربة السيف المهند؟
و في زمننا لئن تعدد الهجوم المسلح على الإسلام فقد صاحبت ذلك الهجمات أعتى و أشد هولا فلن نبرح كاشفين عن كمائن و غزوات فكرية جدلية بحثت لنفسها عن شرائط للبهرج الاخاذ و الجذب السريع و التغرير السمج فأتتها شوقا...و ما أشأم هاته "الصورة" الجديدة من حرب الردة و هي تجهز الإسلام في أربطته:
فهل انتهى الجهاد –بعد هذا- و هو أقدس أقداس ما في الدعوة؟ كلا، و ألف كلا و معنا كتاب الله تبارك (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)(1). ( و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (2).
إن النفر لواجب، طائفة وجهتها الغزو الفاتح لدين الله، و مجموعة بغيتها الدرس الثنائي الغاية، التفقه و الإنذار. و في هذا جمع لطرفي التصدي لجبهات التحدي السافل...
و تطبيقا للأمر الإلهي التزم ذوو العزم انتهاج المسلك كما تجلى –لقرون- في أنظمة (الرباطات) تلك المؤسسة على مدارسة ركائز الدعوة و ألوان المعرفة و التدريب العسكري، و لنا في أسد بن الفرات – منشئ  الأسدية و فاتح صقلية – أنصع الشواهد المتلألئة من رباط سوسة.
نعم قد تنتأ مؤقتة. عرضة لإرادة (التغيير المسلح) فما جاء هذا برهانا على الخدش من شرعية الحملات الدعائية، و لا دافعا للإحباط و الانتكاس و تعطيل ( ثورة القلب) إقرأ معي – أمدك الله بأيد منه – مقولة الداعي محمد صلى الله عليه و سلم : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان).
و أراك مدركا المعنى الثري لمدلول التغيير باليد و باللسان، و بالقلب، ذلك أن التغيير باليد يعم جميع ما تقدر اليد على إنجازه من حركة فمقاومة المعتدي (3). بأداة يمسكها الكف فعل، و هذا تغيير وصد  شبهة في الدين بآلة تعبير تشدها اليد إنجاز و هذا تغيير أيضا وقس مثل ذلك في النضال اللساني و في الصمود القلبي:
روى البيهقي من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عند قفوله من إحدى غزواته (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر – قالوا ما الجهاد الأكبر – قال -: جهاد النفس ).
انبثاقا من هذا المرتكز، تنكشف منزلة الحوار الإعلامي الإسلامي، في مجال التحمل و التبليغ، والمدافعة... و هي منزلة مرموقة يزيدها نقاء، التأكيد على جسامة وظيفة الإعلامي باعتباره منشط الحوار و باعث الحرارة فيه.
وعليه يرد العمل الإعلامي. من أخطر صور المواجهة و عليه يتوقف طي مراحل الفوز وتأمينها أو تمطيطها و تصعيد ضراوتها... و من ثمة أتت الوجاهة و بان وجه المزيد من الاحكام .
و لمزيد اطمئنان تمعن و إياي الأحدوثة التي أوردها ابن هشام في سيرته بالجزء الأول عن أبلغ الإعلاميين جعفر بن أبي طالب بمجلس دفاع إعلامي بمحضر النجاشي و داهيتي قريش : عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص... فقد نجح الإعلام الصدق و ذهب الزبد و شرفت المسيرة واستنار الإنسان بنور الحكمة.
أما اليوم فمن يمثل الإعلام؟ بكل تأكيد : أنا و انت و ببيان اوضح : كل مؤمن بالدين القويم –عقيدة و شريعة و حضارة- (4)  و على مستوى أخص : الإمام و المرشد الديني – بتعبير العصر – والمربي، و الصحافي المختص في الإسلاميات، ذلك الذي أريد أن تجيء ( حياته جهادا في سبيل الله يعرض قضايا المسلمين العادلة في قوة و وضوح و يدافع عن حقوقهم بإصرار وتصميم يناهض كل معتد عليها أو غاصب لها و لا يخشى في الحق لومة لائم)(5).
و لئن جمعت المجادلة بالتي هي أحسن ركنا أساسيا في منهجية الإعلام الإسلامي (6) فإن هذا يحركنا إلى استقصاء أمر المجادلة بالحسنى. فما معنى تصيد "الحسنى" عند المناظرة؟ أهي لطف الأخلاق-مثلا- و اللين و كفى (7) أم إتيان الحوار على أحسن الطرق وأفضل الأساليب اللامة من الأخلاق بالطاف و من المعرفة بأطراف و من السياسة و المنطق بعمد و من الوسائل الحسية بركائز ؟.
في زعمي تجيء الصورة الأخيرة هي الرؤية الامثل و الأوجب ما ذلك إلا لما يحف دور الإعلامي من تحديات لها كذلك منظورها النظري الخاص ذاك الذي لم يحرم - على الأقل من وجهة نظر أصحابه - من متانة السبك و صلابة العجم و أسباب الذيوع!
و من منا له الجرأة على إنكار الوعي الحضاري الممتد الجذور و الآفاق أو على جحود أبعاد الترابط و التمازج بين المدنية الغربية و الحضارة الإسلامية؟
عند هذا الموقع تصدر رجل الإعلام الإسلامي لا ليلقي (دروسا لتعليم نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة)...(8). بل لينفع الناس، على اعتبار أنه المحور المحرك في قضية الحوار التحليلي للنظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي...في الإسلام(9).
و إنه ليتراءى لي. من دعوة الله سبحانه إلى (إعداد القوة) لتأمين سبل الدعوة و كسب قضية الجدال، حيث قال تعالى عزه، (و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم و أنتم لا تظلمون) (10). قلت : يتراءى لي من ذلك أن من درجات الحركة نحو الإعداد للقوة : إعداد القوة البشرية (11). فهي أثمن و أوعى و هي الفاعلة بيدها باقي أصناف القوى الأخرى خاصة في عهدنا الحاضر و في الآية جمع للأمر بإعداد القوة و تحضيض على الاتفاق في سبيل الله. و من أوجه الصرف : النهوض بأعباء الإعداد  الإعلامي فكيف السبيل إلى إعداد رجل الإعلام أو بالاحرى : ما علائم منهج تخريج أنفسنا على "الجدل بالحسنى"؟.
أ-بالاطلاع الدائب على أصول العقيدة و أبعاد فرائض التعبد و بواطن رغائب التعامل لوعي نظرية الإسلام المتكاملة في انسجام و شمولية (12).
ب- بانتهاج الأسلوب الحاوي لدلائل الترغيب و ملامح التوضيح (13). بعيدا عن البكائية و"التشاؤمية" عند تناول الإسلام والعصر والمستقبلية، فإنك إن لم تفعل كنت منفرا، أو ناشرا القتامة و السوداوية زارعا طفيليات قد تدعدع راسخ اليقين و ثابت الإيمان برحمة الله...إن البكاء على الإسلام لن يفيده في شيء مع غياب محاولة التركيز على نوعية (الوهن) لاستئصال شأفته. فليس الدين عواطف هوجاء عمياء إنما هو وجدان هادف واع متعقل بل قل – إن استقامت العبارة ... هو القلب النابض العاقل بنور الله.
شكا – يوما – رجل إلى الرسول صلى الله عليه و سلم أنه يتخلف عن صلاة الصبح مع الجماعة لأن فلانا يطيل بالناس، فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال : ( إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليتجوز –فليخفف- فإن فيهم الضعيف و الكبير وذا الحاجة).
ج- بالتعويل على انتهاج ملك يتلاقى و المستوى الحضاري لناس العصر بتعبير موسع، تلح ضرورة الزمان و المكان على اتخاذ (صيغة جديدة) في المخاطبة و عند التعامل مع النصوص، لإثراء المعرفة بتوليدات يطبقها النص و يتقبلها المتلقي، و أسوق المثال: الطهارة، فعند تناول الوضوء إن استبد الحديث بتعداد الفرائض و السنن و المستحبات و كفى، لإنسان اليوم، سوف نجده لا يستسيغ منا ذلك أو هو سيتنحى من حلقتنا لما طبع عليه من طلب التعليل، و تقصي الغايات و استحضار الامتدادات التشريعية، فالإعلام و التوعية سيساهمان – بلا شك- في السمو بالفرد و الجماعة و بالعقيدة نفسها و في مثالنا نميل إلى ملاحقة الدواعي و الاهداف لنفقه –مثلا – سر استحسان الإسلام لتقليل الماء عند الوضوء و طلبه طهارته، مشاركة منه في الحفاظ على أثمن ما في الحياة من عناصر، و في لفت الأنظار إلى ذلك حتى يتقوم السلوك البشري مع المياه، كما نميل إلى إبراز مدلول الوضوء أصلا، ألا و هو التنظف اتقاء من الجراثيم و العدوى و قبح المنظر...(14) 
د- بتكثيف الاتصال المباشر بالجمهور، إن في شكل ندوات أو في صورة دراسات ميدانية و ذلك لرصد مشاغلهم و تحديد اتجاهاتهم و التعرف على نمط تعاملهم. فإنه بقدر معرفة الداء يأتي الدواء أنجع و أفيد..شريطة الاستفادة بعلم النفس الاجتماعي، تمتينا لعري التخاطب و جلبا لأواصر الإيجابية .. و لنا في رسول الله صلى الله عليه و سلم الأسوة الحسنة خذ لك شاهدا لذلك خروجه إلى تثقيف بالطائف ووقوفه على منازل القبائل العربية: قال ابن اسحق ، و حدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى بني حنيفة (وهم أهل اليمامة) في منازلهم فدعاهم إلى الله. وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم ..(15).
...فإن تقومت الدعاية للإسلام، بالمنهجية السليمة لاشك سيحصل الاقتناع الواثق، والاقتراب المكين و الوعي المركز وذلك هو الإيمان الخادم للسملم دنيا و آخرة و كذلكم لهو (موقف الجهاد في سبيل الله بمعناه الإسلامي الطاهر وهو بذل الجهود بالنفس والنفيس والعلم والمال والصدق والرحمة) (16).
وقديما، أدى العلماء دعاة الرسالة المحمدية، رسالتهم فأحسنوا النهوض بواجب التبليغ و شرفوا به ذلك أنهم تصدوا الهجمات لافحة، و تربصات صالية ، من فاسد المذاهب ووثني النحل وباطني الشبع و بهرج الوارد الدخيل، فابتدأوا بإدراك دعاوي التفكير الجديد و سير ثنايا المنطق الأخاذ، ثم حلت فرصة الوثوب و الإفراز. بعد التمثل و الاحتواء فتبددت سجوف (17)التهافت و سقطت أحابيل الايقاع ووهنت أنسجة التشكيك وشباك التغرير. و تلاشت مخططات الردة والاحتواء فزكت ألوية حماية الدعوة و جميع ذلك انعقد بالتي هي أحسن (18).
و بعد ..فهل وعى كل منا دوره الإعلامي على هدى ما استعرضت من أقباس ...؟ أمل ذلك؟
و تبارك المولى و هو خير القائلين: "ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا و قال إنني من المسلمين)
         

(1) سورة التوبة ا= 38
(2) سورة التوبة ا= 122.
(3) استعمل المعتدي بالمعنى الواسع فالمتجسس على المسلم (معتد وصور الدعارة و الرذيلة معتدية على أخلاقيات المسلم و القاذورات الجرثومية معتدية على صحة المسلم...
(4) يقول الدكتور محمد حسين الذهبي في رسالته (الدعوة و الدعاة) الدعوة إلى الله واجب عام  و مسؤولية الوفاء به في أعناق المسلمين جميعا.. مجلة دعوة الحق .س21 ص 69.
(5) مشروع ميثاق شرف الإعلام الاسلامي د محمد عبدع يماني مجلة دعوة الحق س21ع6ص34.
(6) يقول الله تبارك شأنه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنةو جادلهم بالتي هي أحسن ) انظر مجلة الدعوة  الحق س 20 ع 9 الافتتاحية
(7) انشئت في القديم رسائل في آداب المجادلة تدعو إلى حسن المعاملة و تبادل الاحترام أنظر الغزالي في فاتحة العلوم فصل 5 ص 47.
(8) كلمة جلالة الملك الحسن الثاني عند إنشاء المجلس العلمي الأعلى بالمغرب دعوة الحق ص21ع1 ص16
(9)  نفس  المرجع السابق فليراجع.
(10) سورة الأنفال آية6.
(11) روى مسلم عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر و هو يقول: ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ( ألا إن القوة الرمي . ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي.) و هذا لا ينفي كون غير الرمي من القوة قد يصح حمل الحديث على التمثيل لا الحصر و ثمة تحاجل المفسرين منحى توسيع مفهوم إعداد القوة ليشمل ما يمكن إبداعه من قوى يتقوى بها على العدو.
(12) أنظر كلمة جلالة الملك الحسن الثاني عند غنشاء المجلس العلمي الأعلى بالمغرب دعوة الحق ص21ع1 ص16
(13) يصر أبو علي السكوني و امثاله على تسيير الحوار بطريقة : ترغب في سمعه الاذان و يسهل مدركه على الأذهان ) عيون المناظرات ص 14 تحقيق سعد غراب منشورات الجامعة التونسية سنة 1976.
(14) لا أدل على تخلفنا عن الايفاء بمثل ذلك من تيقظ الراسخين في العلم لتنظيم الندوات كندوة حج 1397 هـ بمنى - أنظر من منشورات وزارة الحج و الأوقاف بالمملكة السعودية : ( التوعية في الحج، و الحج و التضامن الإسلامي) .
(15) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص65 دار إحياء التراث العربي .بيروت.
(16) د. المهدي بنعبود مجلة دعوة الحق ص 21 ع 6 ص24
(17) سجوف التهافت (ظلماته).
(18) ... و هو جهاد علمي طويل النفس  و عظيم التكاليف اقتضة من البعض التضحية بالحياة فداء للعقيدة.. الأستاذ عبد القادر الإدريسي دعوة الحق س 21 ع 6.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here