islamaumaroc

المصادر التراثية في المسرح المغربي

  دعوة الحق

220 العدد

استعرضنا في الفصل السابق جملة من المواقف المطروحة على الساحة العربية من قضية التراث مؤكدين على تبني الدعاوي الجادة لإعادة قراءة هذا التراث و استنباطه و توظيفه في العمل المسرحي خاصة، كما استعرضنا جملة من الآراء المتصلة بمنهج التعامل مع التراث...
و إننا إذ لم نحدد طبيعة هذا المصطلح "التراث" في الفصل السابق فإننا نجد أنفسنا ملزمين هنا بتحديد طبيعة هذا المصطلح قبل الشروع في دراسة مدى العلاقة بين التراث و المسرح المغربي خلال الفترة التاريخية التي تهم دراستنا هذه:
فماذا نعني بالتراث في هذا المجال؟
1. التاريخ المشترك للأمة العربية ( المسلمة )، و ما يتضمنه من مواقف و معارك و شخصيات فكرية و حربية و إنسانية.
2. تاريخ المغرب قبل و بعد الفتح الإسلامي، و ما يتضمنه من مواقف و رجالات في العلم والسياسة و الآداب و الفنون و الحروب.
3. تراث القصص الشعبي المغربي العربي المستمد جذوره من الحضارة العربية الإسلامية والذي أكسبه الوجدان الشعبي تماريزا خاصا و الذي لا يزال يتجدد من خلال هذا الوجدان.
4. الفنون الشعبية المغربية من تقاليد و فلكلور.
5. الادب الشعبي المغربي، و ما يتضمنه من أشعار جزلية و أمثال و حكايات و أساطير وألعاب احتفالية.
6. القرآن الكريم السنة النبوية الشريفة السيرة
7. الكتب الوثائق التاريخية المشتملة على أخبار العرب و فنونهم و امثالهم و سير أبطالهم.
و إن هذا التجديد سيضعنا بلا شك أمام جملة من الحقائق الهامة المتصلة بتوظيف المسرح المغربي منذ العشرينيات من هذا القرن للتراث المغربي العربي، كما سيحدد لنا جهة أخرى أشكال هذا التوظيف من الناحيتين الفنية و التاريخية.
لقد اعتبرالعديد من الباحثين في تاريخ المسرخ المغربي، أن علاقة التراث بالمسرح في المغرب جد حديثة و أن استخدام التراث لم يتبلور كاتجاه إلا في السنوات الاخيرة إلا ان رصدنا لحركة المسرح المغربي (1) منذ ظهور أول فرقة مسرحية قادنا إلى حقيقة هامة، و هي أن استخدام التراث واكب الحركة المسرحية منذ قيامها إلى الآن.
فمن خلال مراجعة بسيطة لجدول المسرحيات التي انجزتها أقلام مغربية ابتداء من العقد الثاني من هذا القرن سيتبين لنا ان التراث المغربي العربي- كان أهم موضوع للمعالجة المسرحية.
فبين سنة 1923 و 1935 أنجزت الاعمال التالية:
أ- مجنون ليلى ...للأستاذ محمد القرى(2)
ب- العباسة أخت الرشيد للأستاذ المهدي المنيعي.
ج- بلال يعذب للأستاذ العربي الناصري.
و هذه الأعمال جميعا، استلهمت التراث العربي الإسلامي و وظفته توظيفا جيدا في أعمال مسرحية مازالت تحتفظ  بقيمتها الأدبية و التاريخية.
و قد ارتكزت هذه الأعمال من حيث موضوعاتها على القيم العربية الأصيلة و على إبراز مفاخر العرب و بطولاتهم و شهامتهم و كرمهم مع عرض لأمجادهم التاريخية و الحضارية.
و إذا ما عدنا إلى النصوص الأصلية لهذه الأعمال فيمكن أن نخرج منها بالملاحظات التالية:
1. بصرف النظر عن القيم الفنية، فإن هذه الأعمال نقلت التاريخ العربي بوقائعه و أحداثه بصدق إلى الخشبة.
2. أن نزوع هذه الأعمال نحو التاكيد على القيم العربية كان هو جوهر هذه الأعمال من الوجهة السياسية و الفكرية.
3. أن اللغة التي استخدمها المؤلفون في هذه المسرحيات لغة فصحى شاعرية دقيقة قريبة إلى لغة القوامين منها إلى لغة المسرح.
4. إن مؤلفي هذه المسرحيات لعبوا دورا أساسيا و اجتماعيا هاما في زمنهم السياسي، فجاء مسرحهم منسجما مع دعواتهم الوطنية و السياسية و من ثمة فإننا نعتقد أن استخدامهم للتراث العربي لم يتات عفوا في تلك الفترة الهامة من تاريخ النضال السياسي في المغرب، إذا كان هذا الاستخدام يدخل في إطار التأثير على عروبة المغرب و استنهاض مواقف البطولة العربية كأحد أساليب إيقاض الوعي القومي و بعث الشعور الوطني.
و بين سنة 1923-1956 أنجز المؤلفون المسرحيون المغاربة الأعمال التالية:
أ. المنصور الذهبي – للأستاذ محمد بن الشيخ.
ب. مصرع الخلخالي – للأستاذ أحمد عبد السلام البقالي.
ج- سليمان القانوني –للأستاذ حسن السايح.
د. الوليد بن عبد الملك –للأستاذ محمد الحداد.
و سمة هذه الأعمال المسرحية أنها وظفت التراث /المغربي/ العربي/ الإسلامي / على أسس مصدرين هامين، تاريخ المغرب و تاريخ الحضارة العربية بما تضمن من شخصيات و مواقف و بطولات .
و إننا إذ نعفي أنفسنا من تلخيص هذه الأعمال (3) لأن عناوينها كافية للدلالة على محتوياتها فإن طبيعة البحث لا تعفينا من الوقوف عند الظروف السياسية التي طبعت هذه الظاهرة.
أن الفترة الفاصلة بين سنة 1912 و سنة 1955 انطبعت بذلك النضال المؤمن ضد كل انواع الهيمنة الإستعمارية سواء منها المتصلة بالأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية أو المتصلة بمظاهر الثقافة و التعليم و السيادة الوطنية.
لقد خاض المغرب خلال هذه الفترة عدة حروب و مجابهات مع الاستعمار الفرنسي و الإسباني لتأكيد حضوره على الساحة العربية و الدولية، في وقت كان المسرح يختار من جهته –تدعيما لهذا النضال- شخصيات إسلامية طبعت التاريخ العربي ببطولتها و جهادها في سبيل إعلاء كلمة الله مثل شخصية المنصور الذهبي أو شخصية سليمان القانوني و الوليد بن عبد الملك و هي شخصيات مازالت بصماتها مطبوعة على الحياة العربية المعاصرة.
إن اختيار شخصيات بطولية من هذا النوع، كان هدفه الأول إبراز انعكاسات الأحداث الماضية على الحاضر الوطني، و تأكيد ذلك الترابط الروحي و التاريخي بين المشرق و المغرب و القائم على النضال المستمر و الدائم ضد كل أنواع العبودية و السلطوية و الإستعمار .
و يمكن التأكيد هنا أن تحريك هذه الشخصيات و غيرها(4) على المسرح المغربي لعب دوره كاملا في إذكاء الوعي و إيقاض الشعور القومي من اجل وحدة الصف العربي و ضرورة التعجيل بالاستقلال الوطني.
و في إطار مراجعتنا لهذه النصوص سواء التي اتخذت التاريخ المغربي أو التي اتخذت التاريخ العربي الإسلامي مصدرا أساسيا لها فإن طبيعة البحث تلزمنا بأن تسجل الملاحظات التالية:
1- أن الشخصيات التاريخية وسعت بشكل عام سطحية يغلب عليها طابع الإبهام و الجمود والتفكك.
2- أن هذه الشخصيات كانت في الغالب – كما هو الشأن بالنسبة لشخصية العباسة أخت الرشيد أو شخصية المنصور الذهبي كانت قريبة إلى المذكرات التاريخية منها إلى العمل الدرامي.
3- إن مؤلفي هذه المسرحيات على العموم نقلوا الأحداث التاريخية بأمانة مبالغ فيها ضيعت على النص المسرحي سمائه الدرامية و الفنية.
4- إن مؤلفي هذه المسرحيات أقحموا أنفسهم كطرف أساس الشيء الذي ضيع على العديد من هذه الشخصيات طابعها التاريخي و دورها الدرامي.
5- من حيث اللغة إن البناء الفني لجل هذه الاعمال كان أقرب إلى القصيدة العمودية منه إلى الحوار المسرحي.
6- إن هذه الأعمال جميعا شحنت بمنولوجيات طويلة مملة ضيعت على العمل المسرحي صيغته الفنية و أسقطته في متاهات الخطابة الشعرية.
إلا أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمة هذه الأعمال خاصة و انها ترتبط بتاريخ ظهور الادب المسرحي في المغرب، و تسجل فترة من اهم الفترات في تاريخنا الوطني...و الرجوع إليها والبحث في موضوعاتها و أساليبها و مناهج كتابتها أضحى ضرورة نقدية و فنية و تاريخية هامة.
إن قيمة هذه النصوص تكمن في أنها اعتمدت على التراث اعتمادا كليا، و انها أنجزت في وقت مبكر من هذا القرن، حيث كانت الدعوة السلفية للرجوع إلى التراث العربي الإسلامي تواجه بأشكال مختلفة من التحدي و التصدي في العالمين العربي و الغربي و في وقت انطبع بالصراع و المواجهة بين العالم العربي الرازح تحت نير الاستعمار و أوروبا القابضة بزمام السلطة والسالبة لإرادة الجماهير العربية في المشرق و المغرب.
و من ثمة فان اعتماد هذه النصوص على التراث و اتخاذها للتاريخ و شخصياته موضوعا للمعالجة المسرحية جاء نتيجة لهذا الصراع الذي اتخذ في المغرب شكل المواجهة و التحدي.
و لأن هذه الفترة (1923-1955) كانت مميزة بالكفاح الوطني و سلسلة من الثورات الشعبية ضد الاستعمارين الفرنسي و الإسباني في جنوب و شمال المغرب، فإن الإنجازات المسرحية قد انطبعت بهذه الفترة... و بما عرفته من صراع و مواجهة...

فكيف كانت سمات المسرح التراثي في المغرب بعد سنة 1956؟
فإذا رجعنا إلى جدول الأعمال المسرحية التي أنجزت بعد هذه السنة. سنلاحظ أن الأعمال المستقاة أو المستفيدة أو الموظفة للتراث كانت كالتالي:
1. الحلاج يصلب مرتين لمحمد قاوتي.
2. معركة وادي المخازن، الطيب الصديقي.
3. المغرب واحد، الطيب الصديقي
4. سيدي ياسين في الطريق، الطيب الصديقي
5. مقامات بديع الزمان ، الطيب الصديقي
6. مولاي اسماعيل، السعيد الصديقي
7.  ديوان سيدي عبد الرحمن المجدوب، السعيد الصديقي.
8. سلطان الطلبة ، عبد الصمد الكنفاوي.
9. الحلقة فيها و فيها، عبد القادر البدوي.
10.  الحراز، عبد السلام الشرايبي .
11. المولى إدريس –أحمد عبد السلام البقالي.
12. ابن الرومي في مدن الصفيح، عبد الكريم برشيد.
13. عرس الأطلس – عبد الكريم برشيد
14. حزيران شهادة ميلاد- أحمد العراقي.
15. الواقعة – عبد الله شقرون.
16. قراقوس- عبد الكريم برشيد.
17. عنترة في المرايا المكسرة – عبد الكريم برشيد.
و قبل أن تتناول مصادر استخدام التراث في هذه المسرحيات تجدر الملاحظة هنا إلى أساليب هذه المسرحيات رغم تباينها و تعدد منابعها الفكرية تعبر عن استجابتها للدعوة التي رددها النقاد المسرحيون و المفكرون العرب في النصف الثاني من هذا القرن، و الداعية إلى العودة بالمسرح العربي إلى المنابع الفكرية للامة العربية، من اجل تأصيله و ترسيخه و تجديده في الوجدان الشعبي العربي.
و لهذا فإننا سوف نعتمد على زاوية هامة، و هي معرفة مصادر الإستخدام التراثي، كمحاولة لرؤية هذه الاعمال من الداخل وصولا إلى ارتباطها بمراحلها التاريخية، و أشكالها الفنية المميزة، و هكذا يمكننا أن نجمل مصادر الإستخدام التراثي في التالي:
أ- التاريخ العربي الموثق و المسجل.
ب- التاريخ المغربي الموثق و المسجل.
ج- السير والأقاصيص الشعبية المغربية.
د- المظاهر الإحتفالية المغربية (أمثال.حكم.أساطير. رقص .غناء،ألعاب، تقاليد اجتماعية...إلخ)على رأس مصادر الاستخدام، التاريخ العربي الموثق به و المسجل و قد استمد منه ثلاثة مؤلفين موضوعاتهم و عالجوا من خلالها قضايا متباينة الأساليب و متعددة الرؤى.
أ‌. محمد قاوتي، اختار شخصية الحلاج، الفيلسوف الزاهد الصوفي العربي لتكون موضوعا لمعالجة ( الحلاج يصلب مرتين) و على الرغم من أن هذا الموضوع سبق أن عالجه الأستاذ صلاح عبد الصبور سنة 1966 و الأستاذ عدنان مردم سنة 1971 فإنه وجد على يد هذا المؤلف الشاب (من مسرح الهواة) ولادة جديدة.
و إذا كان محمد قاوتي قد ركز في بحثه المسرحي على جانب (العدمية) في حياة هذا الفيلسوف العظيم فإن معالجته قد أسندت إلى ما جاء في مراجع التاريخ العام للامة العربية من أحداث وبطولات و إرهاصات أدت إلى صلب (الحلاج) الرمز للمرة الثانية.
ب‌. عبد الكريم برشيد اختار هو أيضا شخصية ابن الرومي الشاعر الصوفي لتكون موضوع مسرحيته (ابن الرومي في مدن الصفيح) معتمدا على الجانب الفكري لهذه الشخصية الادبية العظيمة... و على ظلالها العقائدية لتكون قاعدة للمواقف التي طرحها المؤلف انطلاقا من البؤس و الفقر و الظلم الإجتماعي في مدن الصفيح بالمغرب.
ج. عبد القادر البدوي، ركز على جانب التسلسل التاريخي للاحداث التي شاهدها العالم العربي منذ عهد صقر قريش إلى اليوم، حيث سلبت من فلسطين و ضاعت لنا من قبل الاندلس فجاء وضعه لمسرحية (الحقلة فيها و فيها) التي ألقت بنا في خضم من المواقف و الاحداث العربية القديمة منها و المعاصرة.
إن مسرحية (الحقلة فيها و فيها) يمكن اعتبارها سردا أمينا لن قول تاريخية، كما يمكن اعتبارها محاكمة للبطولة العربية ابتداء من صقر قريش و انتهاء بأي بطل عربي معاصر للجرائم التي ترتكب في حق الامة العربية.
و على أن هذه المسرحية ممغربة عن فكرة (المهرج) للمسرحي الشاعر السوري محمد الماغوط، فإنها حولت الأمجاد العربية مطية طيعة بغية الخلاص، و لم تجد أمامها سوى عبد الرحمن الداخل- صقر قريش الذي جاء من الشام ليحكم الاندلس كامتداد للدولة الاموية و لكن تحديات العصر والتي هي إفراز لطاقات الجماهير تحوله دون تحقيق ذلك فبعثة البدوي من جديد في عصر أعقاب فلسطين ليشهد هذا التحول الذي عرفه العصر...وليؤكد أن ما يحدث الآن في العالم العربي ماهو إلا امتداد للتفريط الذي عرفته الدولة العربية في الماضي.
و من خلال هذه الاعمال الثلاثة التي استلهمت أحداثها و شخصياتها و مواقفها من التاريخ العربي الموثق و المسجل، و ما يحمل من طياته من أخبار و احداث و تراجم يتراءى لنا ذلك التأكيد المستمرعلى القيم العربية الأصيلة، و على البعد الاخلاقي لهذه الشخصيات –الحلاج- ابن الرومي –صقر قريش- و من خلال جنوح واضح نحو الخطابة و الرومانسية الاخلاقية.
فإن هذه المسرحيات في ملامحها العامة لم تكن إعادة صياغة للتاريخ الذي تستمد منه موضوعاتها قدر ما كانت استحضارا لهذا التاريخ، دون بذل أي مجهود في توظيف الرمز أو إخفاء ظلال جانبية عليه، كما انها لم تبذل أي مسعى لشعرية الواقع الإجتماعي و الاقتصادي لهذه الشخصيات و لكنها اكتفت في النهاية على إثبات الشخصية الأخلاقية والبطولية الرومانسية لهذه الشخصيات .
إن المصدر الثاني للاستخدام التراثي يتعلق بالتاريخ المغربي الموثق و المسجل و قد استمد منه خمس مؤلفين موضوعاتهم و عالجوا من خلاله جملة من القضايا المتصلة بأعلام مغاربة لعبوا دورهم البارز في تاريخ هذه المنطقة من العالم العربي و يتصل الأمر بـ:
أ‌. الطيب الصديقي في معركة وادي المخازن و هي مسرحية سجلت البطولة المغربية في معركة الملوك الثلاثة، و التي خرد فيها جيش المغرب منتصرا على جيوش إسبانيا و البرتغال اللذين وصلا إلى المنطقة الشمالية القصر الكبير و القضاء على دولته المسلمة.
تحكي الوثائق التاريخية أن دون سباستيان قد قاد جيشا قويا 16.000 رجلا و 36 مدفعا لجهة قرب مدينة القصر الكبير سنة 1578 في إطار التحديات الأوربية الصليبية للمغرب الإسلامي.
و خلال هذه المعركة مات الملك المغربي و هو على محمله في بداية المعركة و غرق كل من دون سباستيان و مولاي محمد في النهر، و لم يقدر لأي منهم أن يعيش نهاية المعركة و أصبح الملك من نصيب "أبو الحسن أحمد" شقيق الملك المتوفي الذي لقب بالمنصور فاندهش الكثير من الدول لهذا الانتصار الذي أبرز المغرب كقوة كبيرة في افريقيا و أوربا.
و قد سجل الطيب الصديقي في هذا العمل المسرحي شريط الأحداث التي شهدتها المنطقة في زمن هذه الواقعة تسجيلا تاريخيا حرفيا رغم ما بذله من جهد من أجل إخراج هذا العمل في شكله المسرحي.
و جدير بالملاحظة هنا أن هذا الموضوع عالجه بعد الصديقي كل من الشاعر حسن طريبق *شعرا* و احمد الطيب العلج و محمد مصطفى القباج *نثرا* و لكنهم لم يخرجوا عن الإطار الذي رسمه الطيب الصديقي للمسرحية في صياغتها الأولى إذ بقوا ملتزمين بالحدث التاريخي وملابساته و هوامشه.
ب‌. السعيد الصديقي في "شخصية المولى إسماعيل" ذلك الملك البطل الذي استطاع توحيد المغرب و فك العزلة التي حاولت بعض البلاد الأوربية تطويقه بها، و فتح منافذ جديدة، لسياسته الخارجية.
لقد قاد المولى اسماعيل (1672-1727) بنفسه الغزوات ضد الأتراك المستوطنين بالجزائر. واسترد من الاسبان معمورة *مهدية* كما حرر طنجة و العرائش.
و حيث أنه لم يأتمن من بعض العناصر البربرية، أدخل جماعة من العرب تدعى *جيش الاوداية* ضمن جيشه. و انشأ الحرس الأسود من احفاد العبيد الملونين الذي جاء بهم السعديون من السودان و كان هؤلاء العبيد يؤدون يمين الولاء على كتاب( سيدي البخاري) المقدس فلقبوا "بعبيد البخاري" و كان عددهم يتراوح بين ثلاثين ألفا و خمسين ألفا من الجنود.
اختار المولى إسامعيل مدينة مراكش عاصمة له و بها أنجز المنشآت العمرانية و الحضارية الهامة.
و في إطار سياسته الخارجية، ربط علاقة هامة مع لويس الرابع عشر و مع امراء و ملوك عصره في أوربا و الشرق العربي.
إن هذه المسرحية لا تختلف في شيء من حيث صياغتها عن مسرحية "معركة وادي المخازن" إذا تقوم هي الأخرى على سرد الاحداث التاريخية و إحاطة شخصية "البطل" بشريط من الاحداث التي اتفق مؤرخو الدولة العلوية على تسجيلها بامانة في مصنفاتهم و مذكراتهم التاريخية.
ج. عبد الصمد الكنفاوي في مسرحية "سلطان الطلبة" ذلك الحدث الذي كانت تشهده جامعة القرويين بفاس بمناسبة انتهاء السنة الدراسية. و الذي ينتخب فيه الطلبة ملكا لهم يأخذ بزمام سلطة الملك لمدة أسبوع كامل.
و حيث أن شخصية "سلطان الطلبة" ليست شخصية تاريخية ذات ملامح محددة، فإن الحدث: عملية الانتخاب. الأخذ بالسلطة. تنظيم مملكة الطلبة المظهر الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي للحدث أصبح ذا دلالة خاصة لها وزنها التاريخي و السياسي.
و عبد الصمد الكنفاوي في هذا العمل قام بعملية تسجيل الحدث و رسم إطار مسرحي له من خلال ما توفر لديه من وثائق تاريخية و هو بذلك لم يخرج في صياغته عن نقل التاريخ إلى الخشبة المسرحية، و عن تسجيل الأحداث و المواقف وفق ما جادت به قرائح المؤرخين لهذا الموضوع.
د. أحمد عبد السلام البقالي في مسرحية*المولى ادريس* الفاتح مؤسس الدولة المغربية الحديثة، تلك الشخصية التي احاطها مختلف المؤرخين المغاربة بهالة من التقديس لما لها من أيادي
بيضاء على المغاربة الذين وجدوا في الإسلام ضالتهم و مبتغاهم و ارتياحهم الروحي و الفكري.
إن شخصية المولى ادريس ذات أبعاد متعددة فهي شخصية القائد و شخصية الملك و شخصية الفاتح و شخصية المفكر المسلم و المؤرخون تناولوا كل على حدة هذه الشخصية من أحد جوانبها المتعددة... و احمد عبد السلام البقالي قضى مع المصنفات التاريخية و الموسوعات والوثائق الرسمية زمنا طويلا من اجل تحريك هذه الشخصية على الخشبة في جوانبها المتعددة ... و في مختلف مراحل حياتها الفكرية و السياسية و العسكرية .. و في ما قرره المؤرخون و مع ذلك فعمله لم يخرج عن نطاق تسجيل الحدث بأمانة كما فعل من قبل الطيب الصديقي، و السعيد الصديقي، و عبد الصمد الكنفاوي في أعمالهم التي سبق ذكرها.
هـ ـ إدريس التادلي في أمجاد محمد الثالث (محمد بن عبد الله) حفيد الملك المولى إسماعيل تلك الشخصية التاريخية التي حاولت أن ترث عن جدها كل مظاهر السلطة و المهابة.
أصلح محمد بن عبد الله 1780-1757 الجيش. و حاول أن يمسك بزمام السلطة في شمال وجنوب المملكة فطاف بنفسه أرجاء مملكته على رأس جيوشه و شيد في هذا التجول العديد من المنجزات منها أنفا (الدار البيضاء حاليا) و المحمدية بالقرب منها.
و حيث كان يؤمن بقوة الجيش و يعتمد عليها في المسك بزمام السلطة، أراد أن ينشئ أسطولا مغربيا و مواصلة الحرب من أجل تحرير الأجزاء المغتصبة من الأراضي المغربية.
و رغم العزلة التي كانت مضروبة على المغرب في عهده استطاع أن يبرم عدة معاهدات تجارية مع فرنسا و غيرها من البلاد الأوربية.
و إلى جانب هذا قام محمد بن عبد الله بتشييد المدارس، و المساجد و الدور الثقافية و بذل الجهد الكبير من أجل تعميم التعليم و توحيد التراث.
إن سمة هذه الأعمال جميعا اعتمدت نصوصا تاريخية جاهزة مصدرا لها، كما بقيت من التقنية أسيرة تفاصيل التاريخ و جزئياته دون ان تخلع عليها وهج العصرنة و دون أن تتمكن من شحن حوادثها و شخوصها برموز تتفق و طبيعة العمل الدرامي.. فغالبا ما اتصفت هذه الأعمال من حيث صياغتها بما يمكن أن نطلق عليه الأمانة التاريخية بحيث يبدو تعاملها مع المراجع والمصادر التاريخية جاء وفقا لما رواه الرواة و كتبه المؤرخون و بذلك كان الإبداع شبه منعدم في غالبية الأعمال.
أما المصدر الثالث الذي استخدمه المؤلفون المغاربة في إبداعاتهم المسرحية فيتصل بالسير والأقاصيص الشعبية المغربية و يتعلق الامر بـ :
أ‌. السعيد الصديقي في ديوان سيدي عبد الرحمن المجدوب و شخصية الشاعر المغربي الشعبي. تجاوزت حدود زمانها لما تركته من بصمات واضحة على الفكر المغربي.
ب‌. إن الشاعر سيدي عبد الرحمن الذي عاش في القرن السادس عشر ترك رباعيات جزلية انتقد فيها الظلم و التمييز العنصري و الغنى المفحش و طالب من خلالها بالعدالة الإجتماعية والمساواة بين البشر .
و احياء هذه الشخصية لم يعتمد على مراجع ثابتة بقدر ما اعتمد على الرواة، و على الأقاصيص الشعبية المنسوجة حولها، وعلى توظيف "المظاهر الإحتفالية" التي عاصرت هذا الشاعر و التي كانت في العديد من الأحيان موضوع إلهامه الشعري.
ب. عبد السلام الشرايبي في "الحراز" و هي شخصية وهمية لشاعر عاشق، يحتال للوصول إلى حبيبته فيأتي إلى منزلها في صور خادعة مختلفة ليحظى برؤيتها.
و قد وظف العديد من شعراء الملحون خلال الثلاث قرون الأخيرة شخصية الحراز في قصائدهم المطولة من أجل إبراز عواطفهم في الحب و الغزل (5).
و شخصية الحراز شخصية شعبية يتغنى بأشعارها النساء و الرجال في جل المدن المغربية لما فيها من دعاية، ووداعة، و لما تنطوي عليه قصص غرامية مشوقة.
و لإحياء شخصية الحراز. اعتمد الأستاذ عبد السلام الشرايبي على ما نسجته المخيلة الشعبية من حكايات و أقاصيص حول غراميات و مغامرات الحراز، كما ضمن لوحات مسرحيته مقتطفات هامة من أشعار الحراز التي أبدعها الشعراء الشعبيون المغاربة خلال القرن الأخير بالخصوص.
و هكذا نجد كلا من السعيد الصديقي وعبد السلام الشرايبي حاولا من خلال "المجدوب" و"الحراز" تطويع التراث المغربي في السير و الأقاصيص الشعبية و إضاءته إضاءة عصرية وشحن مواضيعه الإجتماعية و التاريخية و شخوصه بأبعاد جديدة و برموز جديدة تعبر عن هموم الإنسان المغربي و تناقضاته و طموحه.
إن عبد الرحمن المجدوب كشخصية تراثية لها من الإبداعات الشعرية ما أغنى عصرها و ما جعلها شخصية مميزة بين شعراء (الملحون) في العصور المتعاقبة ظهر على الخشبة كمناضل يكافح كل أنواع الظلم الاجتماعي و كل الانحرافات العقائدية و كل المخلفات الاستعمارية التي رست على سطح الفكر المغربي.
و "الحراز" ذلك الشاعر المتجول. الباحث عن حبيبته في الازقة و الدروب و الذي يرتدي الأقنعة و يغير شخصيته كل يوم من أجل الوصول إلى حبيبته تحول هو الآخر إلى ناقد إجتماعي. إلى ملاحظ ملتزم بالقضية التي تهمه و تهم حبيبته في الجانب الآخر.
ومن خلال هاتين المسرحيتين استطاع الصديقي و الشرايبي صياغة حوادث السيرة بمفهوم اجتماعي جديد ممجدان من خلالها العقل و الحكمة رافضين أية قيود تربط السيرة الشعبية بالماضي أو تشدها بعيدا عن المستقبل .
و المصدر الرابع في الاستخدام التراثي فيتصل بالمظاهر العريضة للاحتفالية المغربية ..(الأساطير،الأمثال،الحكم،التقاليد،الفلكلورية...إلخ)
و هذا النوع من التراث استفاد منه العديد من الكتاب المغاربة في مسرحياتهم و على رأسهم أحمد الطيب العلج في:
- البلغة المسحورة.
-حليب الضياف.
- الشطاب.
- طالب ضيف الله...وغيرها.
و عبد الكريم برشيد في مسرحياته.
- عرس الأطلس
- قراقوش
- عنترة في المرايا المكسرة .
- ابن الرومي في مدن الصفيح
و الطيب الصديقي في :
-  في سيدي ياسين في الطريق .
و إذا ما رجعنا إلى نصوص هذه المسرحيات فسنجد موضوعاتها تدور جلها حول أساطير شعبية متداولة كما سنجدها من حيث الصياغة و المعالجة توظف الامثال و الحكم و فنون الرقص والغناء الجماعي و الحلقة و البساط و الكثير من مظاهر المسرح الاحتفالي في المغرب.
أ. بالنسبة لأحمد الطيب العلج و في حدود معاملته مع التراث الشعبي استطاع إبراز طبائع الناس و تعرية نواياهم و مشاغلهم من خلال امثال الشعبية المتداولة و صياغة الحكاية و الأسطورة صياغة تمثيلية جديدة، كما استطاع أن يرتقي باللغة العامية إلى درجة هامة من التعبير المسرحي.
ففي "البلغة المسحورة" و "الشطاب" كان المثل الشعبي هو البطل الحقيقي فوق الخشبة في حين ان اللغة تحولت إلى بطلة في مسرحية حليب الضياف القائمة على أسطورة شعبية و كذلك الشأن بالنسبة لمسرحية "طالب ضيف الله".
ب- أما بالنسبة لعبد الكريم برشيد. و هو أحد الكتاب المغاربة الذين يعملون من اجل إرساء نظرية متكاملة في المسرح فقد استفادت مسرحياته من التقاليد الموجودة في التراث الشعبي المغربي، و التي تحمل في طياتها بذور الفن المسرحي و لهذا نجد مسرحياته "عرس الاطلس" و"قرقوش" و "عنترة في الرايا المكسرة" و "ابن الرومي في مدن الصفيح" تقوم على أساس انها مجموعة من الاحتفالات الشعبية و تتضمن ألوانا من الفرجة المعروفة في الأسواق و الساحات العمومية. فعرس الأطلس تقوم على الغناء المتعدد الأصوات و عنترة في المرايا المكسرة.  هي عبارة عن حلقة يقيمها الراوي ليعيد من خلالها بطولات عنترة أما ابن الرومي في مدن الصفيح وقراقوش فتستفيد من خيال الظل و القراقوز و غيرهما من الفنون الشعبية المغربية و العربية.
ج-و بالنسبة للطيب الصديقي . فتعامله مع الأسطورة في سيدي ياسين في الطريق فجاء وفق منظور خاص حيث جسم إلى جانب الأسطورة. مجموعة كبرى من التقاليد المتصلة بالحياة العامة في المغرب. فجاءت مسرحيته وثيقة اجتماعية هامة أرضيتها الأسطورة و آفاقها فنون القول ( شعر، غناء ، رقص ، أمثال ..الخ)
و من خلال المعالجة المباشرة طرح الطيب الصديقي في سيدي ياسين مواقفه السياسة والاجتماعية المعهودة مع حرصه على إبراز المسير المأساوي لذلك ابطل الذي صرع من أجل أفكاره الإصلاحية في زمن غارق في براثن الرجعية و التخلف الفكري.
و آخر هذه المصادر، الأدب العربي في نصوصه الكلاسيكية القديمة، و يأتي على رأس الكتاب الذين وظفوا هذا النوع من التراث الطيب الصديقي في مسرحيته الشهيرة "مقامات بديع الزمان".
و انطلاقا من فكرته الرامية إلى تأصيل المسرح و تحذيره في تحذيره في الحركة الفكرية العربية أعلن غير ما مرة أن الأدب العربي يفيض بنصوص قابلة للفرجة و التمسرح. و على رأس قائمة هذه النصوص المقامات الهمدائية و الحريرية و الزمخشرية و كذا بخلاء الجاحظ وغفران المعري و قصائد سوق عكاظ و حديث عيسى ابن هشام إلى غير ذلك من النصوص الهامة و الغنية في الأدب العربي القديم.
و في إطار هذا التصور. قام الطيب الصديقي بإعداد مقامات الهمداني للمسرح. كمحاولة لاستلهام التراث العربي عن طريق تبني هيكل المقامات و اعطاءها شكلا مسرحيا معاصرا.
و قد استطاع عن طريق هذه التجربة الانتقال بالمسرح المغربي إلى مرحلة الاكتشاف و التأصيل بعد ما وضع المسرحيين المغاربة أمام إمكانات الأدب العربي، وما يختزنه من نصوص درامية هامة، في استطاعتها إغناء الفكر المسرحي في الوطن العربي..
من خلال هذا العرض حاولنا إبراز أهم المصادر التراثية التي استفاد منها المؤلفون المغاربة، وأن نفسر في ذات الوقت طرق الاستخدام التراثي بعد ما أثبتنا أن هذا الاستخدام جاء مواكبا لظهور المسرح في المغرب خلال العشرينيات من هذا القرن.
و من خلال استعراضنا للنصوص المسرحية، أدركنا أن استخدام التراث في الفترة السابقة لاستقلال المغرب كان رافدا من روافد الاتجاه التنويري في الفكر المغربي، في حين أن هذا الاستخدام تحول فيما بعد سنة 1956، أي بعد حصول المغرب على استقاله إلى ميدان للتجريب و التنظير...و ذلك على الرغم من أن الاستخدام التراثي المتصل بالتاريخ العربي و التاريخ المغربي ظل حبيسا لإطاره التاريخي جامدا، لا يمتلك أي رؤية جديدة تكشف عن الأعماق الثرية لهذا التراث.
و لا شك ان المحاولات الأخرى التي استخدمت التراث في مصادره المتصلة بالتراث الشعبي والإحتفالية و السير. والأقاصيص الشعبية أرادت تعميق رؤاها لهذا التراث للوصول إلى وجدان وعقل الجمهور عن طريق إيقاض وعيه و وضعه أمام قضاياه السياسية و الإجتماعية مباشرة.
و إذا كانت للمسرحيين المغاربة أهداف محددة من استخدامهم لهذا التراث، و توظيفه في أعمالهم الإبداعية فإن الرغبة في إرساء أسس جمالية و فكرية للمسرح العربي و محاولة الوصول إلى استقراء ملامح مسرح عربي متميز و مستقل و متجانس مع تجربته و واقعه تكون هي الأهداف الكامنة وراء هذه الاهداف.        

(1) راجع في هذا العدد جدول المسرح المغربي منذ سنة 1921 في آخر هذا الكتاب.
(2) حكمت المحاكم الفرنسية على الأستاذ محمد القرى بالأشغال الشاقة المؤبدة في بداية الأربعينات من أجل السياسية و اغتيل داخل أحد السجون المغربية سنة 1937 و تمكن مراجعة ترجمة مختصرة لحياته في مقالنا بمجلة(الإيمان) الرباط و المعنون ب: محمد القري من ادباء اليقظة.
(3) فيما يخص مسرحية (مصرع الخلخالي) تمكن الرجوع إلى تلخيصها في البحث الخاص بـ أحمد عبد السلام البقالي من هذا الكتاب أو في بحث الأستاذ العلامة عبد الله كنون في كتابه القيم أحاديث عن أدب المغرب الحديث.
أما فيما يخص المسرحيات الأخرى فيمكن مراجعة أبحاث في المسرح المغربي للأستاذ الحسن المنيعي (صوت المكناسي 1974) أو كتابنا : المسرح المغربي من أين و إلى أين (دمشق 1975).
(4) قدم المسرح المغربي مسرحيات أخرى من نفس النوع التاريخي لمؤلفين عرب أمثال: أحمد شوقي و نجيب حداد ، و مخائيل عيسى سابا، و غيرهم وحيث أن موضوع دراستنا هو المسرح المغربي فلا نجد مبررا كافيا  لذكرهم  أو الحديث عنهم.
(5) أنجز الأستاذ محمد الفاسي العديد من الدراسات الهامة حول شخصية الحراز و جميع في بحث خاص أنواع الحراز في كل من فاس و مراكش و آسفي و مكناس و الرباط و سلا خلال القرنين الثامن و التاسع عشر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here