islamaumaroc

شيخ المغرب العربي الفاضل ابن عاشور مؤرخ التشريع الإسلامي

  دعوة الحق

220 العدد

في هذه الذكرى العاشرة التي نقيمها للعلامة مفخرة الإسلام الشيخ محمد الفاضل بن عاشور يشرفني أن أؤدي بعض الحق المناط بذمتي نحو الشيخ الذي تدين له الاجيال و تعترف له بالفضل و لا تنسى له كليتنا الزيتونية أياديه البيضاء.
و موضوع كلمتي أوحته إحدى مواد منهاج الدراسة بالكلية الزيتونية و هي مادة كان الشيخ الفاضل فارس ميدانها. يتجول بنا عبر محاضراتها في آفاق رحبة من المعرفة العميقة المفيدة ويأخد بأيدينا في دروب بحثها إنها مادة تاريخ التشريع الإسلامي التي كان لأسلوب الشيخ في تدريسها أثر يحببها إلى  نفسي ... و بعد ان قرأت له ما كتب في هذا الموضوع و سمعت بعض أحاديثه الإذاعية فيه وقارنت بمؤلفات غيره في تاريخ التشريع. تكاملت عندي صورة عن منهجه في هذا التاريخ و اتجاهه في تخطيط مراحله و ابتكاره في تنظيم معلوماته و هدفه من تدريسه وأرجو ان يحالفني التوفيق في التعبير عن هذه الصورة و إبرازها و إذا تحقق لي ذلك فإنني أكون قد ساهمت في استجلاء جانب من جوانب النبوغ المتعددة لدى شيخنا ذلكم النبوغ  الذي بهر اجيالا من تلاميذه و قرائه و مستمعيه في مختلف المجالات التي تناولها بعض أساتذتي و إخواني في هذه المناسبة التي ستعرف بملامح شخصية الفاضل، و تشعره شبابنا و تحسه بعطاء تونسي للثقافة الاسلامية المعاصرة يبعث الفخر و يثير الاعتزاز.
و ستكون متناولة في العناصر التالية :
-نشأة علم تاريخ التشريع الاسلامي.
- منهج الشيخ الفاضل بن عاشور في تاريخه للتشريع.
-موارده في إثراء هذا العلم.
-مميزات النظرة العاشورية إلى تاريخ التشريع.
-خاتمة.

نشأة علم تاريخ التشريع الإسلامي :
من مواد الدراسات الإسلامية مادة علم تاريخ التشريع الإسلامي. وهي إحدى المواد الخادمة لثقافتنا الإسلامية المعرفة بجوهرها و لكنها حديثة العهد بالنسبة إلى المواد الأخرى التي كانت قديمة النشأة وبحثت وأثريت عبر العصور و كانت من مظاهر ازدهار الحضارة الاسلامية مثل التفسير و الحديث و العقيدة و الكلام و الفقه وأصوله ففي القرن الماضي الميلادي لم يكن من عناصر المعرفة الإسلامية علم قائم الذات مستقل عن غيره حامل لإسم تاريخ التشريع .
و إزاء الحرص الشديد من قبل رجال الإصلاح في العالم الإسلامي على الأخد بأسباب النهضة و تقليد الغرب في بعض مظاهر تقدمه و خاصة في المجال العلمي و في تنظيم الدراسات العليا ظهرت فكرة مضاهاة مادة تاريخ الحقوق التي تدرس في كليات الحقوق بالبلدان الأوربية و ذلك بإيجاد مادة تاريخ التشريع الإسلامي، لكن بإقامتها على أساس إسلامي و لما أنشئت في أوائل هذا القرن مدرسة الحقوق بمصر كانت هذه المادة الجديدة ضمن مناهج التدريس بها، و تأثر الشيخ محمد الخضري بطريقة البحث الغربية، واندفع يجمع المعلومات المرتبطة بهذا العلم الناشئ وألف في ذلك كتابه الشهير الموسوم بتاريخ 
التشريع الإسلامي و هو أول من أطلق هذا الإسم على هذا المولود الذي كان من نتائج الاقتباس عن الغرب و محاكاة أسباب نهضته كما أفادنا المرحوم شيخنا الفاضل(1) .
و كان استمداد مسائل هذا العلم من فنون موجودة من قبل معهودة لدى الدارسين و من مواد قديمة هي من عناصر ثقافتنا الاسلامية الواسعة الثرية و تتمثل خاصة في أصول الفقه بكتبه المختلفة. و في الفقه الاسلامي بمدوناته العديدة وفي كتب الحديث الشريف والسنة النبوية. وفي كتب التراجم و الطبقات التي عرفت بمن خدموا الثقافة و ساهموا في إثراء التشريع الاسلامي و في كتب التاريخ العام عبر العصور الاسلامية وهي الكتب التي تغطي أنحاء العالم الاسلامي ومراكزه العلمية الكثيرة .
وبهذه المصادر كان علم تاريخ التشريع الاسلامي متميزا عن تاريخ الحقوق في منهجه و مادته رغم قيامه على روح محاكاته فهناك معطيات تجعل للتشريع الاسلامي خصائص وعوامل تكيف أطواره. وهناك تنظيم لمسائل هذا العلم الجديد تقتضيه أحداث التاريخ و اطوار الاجتهاد في مختلف العصور.
ولئن شارك شيخنا الفاضل بن عاشور في إقامة صرح هذا العلم و إثراء مسائله بالاستمداد من المصادر المذكورة فإن ثقافته المتسعة و اطلاعه العميق هيأ له ان يضيف مصادر أخرى، وان يكون له نظرة أسمى و تحليل أدق واستقصاء اشمل واجتهاد شخصي في تفسير مواقف الفقهاء واستنتاج اهم يعتمد ادلة مقبولة و يجعل النفوس تقتنع والعقول تفهم وتستسيغ وهذا ما سنراه في العناصر الموالية .

منهج الشيخ الفاضل في تأريخه للتشريع:
لقد كتب في علم تأريخ التشريع الإسلامي بعض نشأته كثيرون. وكان هناك من أفرده بالتأليف في كتاب مستقل مثل الشيخ الخضري المذكور (2)  والأستاذ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي صاحب (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ) (3) . و الدكتور محمد يوسف موسى الذي ألقى محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي بمعهد الدراسات العربية العالية و نشرت في أجزاء والأستاذ مذاع القطان مدير المعهد العالي للقضاء بالرياض صاحب كتاب ( التشريع و الفقه في الإسلام تاريخا و منهجا) و الدكتور محمد فاروق النبهان مؤلف المدخل للتشريع الإسلامي.
و بالإضافة إلى هؤلاء تناول كثيرون جوانب من هذا العلم و بعض أطوار من تأريخ التشريع الاسلامي في بحوث خاصة أو في فصول من مؤلفاتهم أو في مقدمات كتب حققوها مثل الدكتور أحمد أمين في موسوعته و فضيلة الشيخ محمد الشادلي النيفر في تقديمه لتحقيق ماوجد من موطإ علي بن زياد و المحامي صبحي محمصاني في كتابيه مدقة في إحياء علوم الشريعة و فلسفة التشريع في الاسلام و الدكاترة احمد الكبيستي و محمد السامرائي و مصط فى الزلمي في كتابهم المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية .
و كانت الفكرة السائدة لدى أغلب الذين استعرضوا أطوار التشريع الإسلامي أنه مر من الطفولة إلى الشباب و الازدهار ثم إلى الانحدار و الشيخوخة و الضعف مع الإغراق في عزو ذلك إلى الأسباب التي حتمته و أبعدت سلطانه عن حياة المسلمين ثم يعلق البعض آمالا على الحركات الإصلاحية و دورها في تجديده و فتح باب الاجتهاد للنهوض به و إعادة مكانته في المجتمع الإسلامي.
أما الشيخ الفاضل فله منهج في تاريخ التشريع الاسلامي نابع من روحه وعقله المستوعب لأطوار تاريخ حضارتنا و قد سلك هذا المنهج –بعد تخطيط محكم- في محاضراته بمدرسة الحقوق العليا و بشعبة الشريعة في الكلية الزيتونية للشريعة و أصول الدين و في محاضراته المغربية و فيما نشره بالمجلات الإسلامية مثل ( مجلة المسلمون) و (جوهر الإسلام) و في احاديث التي بثت على موجات الأثير من الإداعة التونسية .
و يمكنني إعطاء الملامح العامة لهذا المنهج و تقديم بعض عناصره فيما يلي :
- مدخل للتمهيد.
- استعراض أطوال الاجتهاد الفقهي.
-  دعوة الإصلاح و تجديد الاوضاع.
ففي المدخل يمهد به الشيخ لهذا العلم ويضع به طلبته وقراء بحوثه في إطاره يعرف بالمدلول الخاص للتشريع الإسلامي المستمد من الخصوصيات المنهجية و الأساسية التي يختلف بها الإسلام عن غيره من الأديان.ويباين بها تشريعه غيره من القوانين و يعرف بالفقه الإسلامي وشمول تعلقه فيقول: (الفقه الإسلامي كما يتعلق تعلق القانون بالصلات التي بين الإنسان فإنه يتعلق بما للإنسان من صلات بينه و بين نفسه، و ما للإنسان من صلات بينه و  بين العناصر العالمية غير الإنسانية ثم ما بين الإنسان من صلات بينه و بين خالقه.
و من هنا كان الفقه الإسلامي أو التشريع الإسلامي مرتكزا على العقيدة و مبتدئا منها لأن نظرياته العامة لا يمكن أن تتصور و لا أن تتقرر إلا مبنية على ما أرادت العقيدة أن تقرره للإنسان و ان تطالبه بالاقتناع به من معرفة للإنسان لحقيقة نفسه.
فالأديان إنما جاءت ليعرف الإنسان حقيقة وجوده، والدين الإسلامي إنما جاء ليكشف الغموض الذي بقي من الاديان الماضية، أو الذي علق بالأديان الماضية مما يرجع إلى تصور الإنسان ولحقيقة معنى الإنسانية (4).
و يوغل الشيخ بعد ذلك في بيان الفوارق القائمة بين الشريعة الإسلامية الإلهية و بين القوانين الوضعية البشرية، رابطا هذه الشريعة بالهيكل الكبير، هيكل الثقافة الإسلامية التي اقيمت على الدعوة المحمدية موضحا أن احكامها أثريت بحركة الاجتهاد الديني التي أعطى الإسلام انطلاقتها في نطاق تحريره للعقل و تكريمه له إثارة سبيله بالوحي الإلهي النازل على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم .
و من هنا يبدأ استعراض الشيخ لأطوار الحركة الاجتهادية التي تنشأ على يد الرسول نفسه عليه الصلاة و السلام، ثم يتحمل عبأها القراء من أصحابه و هم على مراتب من حيث قلة الفتاوى وكثرتها كما اوضح السيوطي و تبعه شيخنا الفاضل ثم ينتقل العبء إلى جيل التابعين الذين يفيض في الحديث عن أثرهم و انتشارهم في الأمصار و تكوينهم للمدارس الاجتهادية (5)التي تدخل بالاجتهاد عهودا يرتبها الشيخ على النحو التالي :
دور التأصيل و فيه عرفت المذاهب التشريعية استقرارها و تميزت مصادرها و قواعدها مدارسها و ذلك في القرنين الثاني و الثالث، و اجتهاد أيمة المذاهب يعرف بالاجتهاد المطلق وهو لا يتقيد بأصول إمام آخر.
- دور التفريع و فيه عرفت المذاهب فقهاء مجتهدين يلتزمون أصول  مؤسس المذهب و يفرعون الكثير من الاحكام باجتهادهم الذي يؤدي بهم في كثير من المسائل إلى مخالفة الإمام المؤسس، ويعرف اجتهادهم بالمقيد.
- دور التطبيق من منتصف القرن الرابع إلى أواخر الخامس. واكثر عمل المجتهدين فيه منصب على .إحصاء الأقوال وتدقيق مجال اتفاقها واختلافها و التخريج عليها فيما لم تشمله من المسائل و التمحيص و الترتيب و التهذيب للفروع الفقهية الموروثة عن الدورين السالفين.
- دور التنقيح الذي ملأ رجاله القرنين السادس و السابع و كانوا (لا يحدثون في الفقه قولا جديدا و لو تخريجا . و لكنهم يعللون و يحتجون و يناقشون و ينصرون قولا على آخر لقوة سنده أو قوة دليله أو ملاءمته لأحوال الناس في ذلك العصر ... و قد ادى هذا الاختيار إلى نهاية ضيق المذاهب لأن ما كان فيها من سعة بالخلاف الداخلي قد آل إلى اختصار و اقتصار فألغيت الأقوال غير المرجحة ووضعت الكتب المختصرة على قاعدة الإكثار من المسائل و الاقتصاد في الألفاظ و الأعراض عن الادلة و الاكتفاء في كل مسألة بقول واحد هو الذي أخذ به رجال التنقيح (6).
و يلاحظ شيخنا الفاضل أن الاجتهاد في هذه الادوار الثلاثة كان يضيق شيئا فشيئا و ان من الفقهاء و أن من الفقهاء من كان لا يساير اتجاهه نحو الضيق و يندد بالتعصب و التقليد مثل القاضي أبي بكر بن العربي الأندلسي المتوفي سنة 543 و منهم من لا يقتصر على عرض احكام مذهبه مثل ابن رشد الحفيد المتوفي في سنة 595 هـ في كتابه –بداية المجتهد و نهاية المقتصد-و مثل الشيخين عز الدين بن عبد السلام المتوفي سنة 660 و تقي الدين بن دقيق العيد المتوفي سنة 702 هـ اللذين اظهرا نزعة إلى الاجتهاد في علمهما و كتابتهما .
- دور التقنين الذي يزداد الاجتهاد فيه ضيقا و تتواصل فيه حركة الاقتصار و الاختصار و شرح المختصرات و المتون و التعليق 
عليها مع ظهور التفقه و التوسع في الترجيح على يد ابن عرفة و تلاميذه و العناية بفقه القضاء و بما جرى به العمل في مختلف المراكز و مع ظهور الدعوة السلفية المقاومة للبدع المنكرة على التقليد على يد تقي الدين ابن تيمية و تلميذه ابن قيم الجوزية، و مع ظهور فئة من الفقهاء تهتم بالقواعد الكلية في الفقه مثل ابن نجيم الحنفي و ابن رجب الحنبلي و القرافي المالكي و الغمام السيوطي، و مع ظهور طائفة من كتب التوثيق و من كتب النوازل كالمعيار للونشريسي ومن الرسائل التي تتناول مواضيع فقهية مخصوصة و يتوج ذلك كله في هذا الدور ظهور مجلات قانونية تضع أحكام فقه المعاملات في فصول تسهيلا لقضاة المحاكم و إلزاما بالسير عليها.
- و تختم هذه الادوار بالحديث عن الدعوة الإصلاحية الافغانية و ما أعلنه زعماؤها و نادوا به من تجديد لأوضاع المسلمين و إحياء للحقائق الإيمانية في النفوس حتى تعود ثقتها بالتشريع الذي يعدد الشيخ العوامل السياسية و الاجتماعية و النفسية التي أقصته عن حياة الناس و نظام تعاملهم و محاكم القضاء ومجال العقوبات والحدود ومع بوادر اليقظة الإسلامية طرحت على بساط البحث قضايا متعلقة بالتشريع الإسلامي بهدف إعادة سلطانه إلى واقع المجتمعات الإسلامية ويرجع شيخنا هذه القضايا إلى هذه العناصر:
1. أمور فينا نريد أن نتحلل منها.
2. أمور بعدت عنا نريد أن نردها إلى واقعنا
3. أمور مرتبكة تريد أن تقدم عليها بوجه (7) .
و كل هذه الامور يقبل عليها الشيخ بالتحليل و البيان و يرجع إليها مشاكلنا المعاصرة في حياتنا داخل الأسرة. وفي النطاق الاجتماعي وفي الميدان الاقتصادي و التعامل الجاري بين الناس وفي تنظيم الحكم ليسير وفق المنهج الإسلامي.
هذا و إن تناول شيخنا الفاضل لادوار تاريخ التشريع السالفة كان يتم بتحليل شاف للغليل و بتوسع و استصقاء : فهو –مثلا- عندما يتحدث عن اجتهاد الرسول صلى الله عليه و سلم يعرض آراء الأصوليين في ذلك و يرجع منها ما يراه قوي الحجة و يضرب الامثلة العديدة لاجتهاده و عندما يتحدث عن اجتهاد صغار الصحابة و التابعين يستطرد إلى بيان الظروف  التي اكتنفت حياتهم وأدوارهم في الأمصار التي توزعوا عليها، و عندما يتحدث عن رجال المذاهب يعدد المشاهير منهم في كل مذهب و في كل قطر عاشوا فيه و عن مؤلفاتهم التي يحللها و يعدد خصائصها ويذكر هل هي موجودة أو مفقودة و هل هي مطبوعة أو مخطوطة مع الإشارة إلى مواطن وجودها في المكتبات العامة و الخاصة أحيانا ... و كثيرا ما يربط بالعوامل التاريخية والاجتماعية و السياسية التي كان لها أثر في سير الاجتهاد.
و على سبيل المثال أسوق هذه الفقرة التي يعلل فيها الشيخ الفاضل تزايد ضيق الاجتهاد بعد القرن الخامس و يرجعه إلى أسبابه المختلفة فيقول:
( أصبحت كثرة الأقوال الفقهية في نظر الفقهاء في اوائل القرن السادس موفية الحاجة و زيادة وهذا أمر يرجع إلى أن ظروف الحياة في القرون التي مرت من لدن العصر النبوي إلى نهاية القرن الخامس قد كانت ظروفا متقاربة في جملتها أو متشابهة من حيث أوضاع الحياة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، و ان الاضطراب الاجتماعي الذي بدأ يظهر من اواخر القرن الخامس و استفحل أمره في القرن السادس واتصلت به مصائب الحروب الصليبية، إنما كان حافزا على ان يحتاط الناس و أن لا يتركوا في الفقه مجالا واسعا يمكن أن تستند إليه النفوس الضعيفة والأوضاع السياسية المختلفة و الاوضاع الاجتماعية المنحرفة المهلهلة و أن المذاهب قد يكون فيها معنى من التعصب الالتزامي بحيث أن كل إنسان التزم مذهبا من المذاهب فأصبح النظر في الفقه يكاد يكون ذي جدوى لأن المقلد مادام ملتزما مذهبا معينا فإن حاجته إلى النظر و إلى الترجيح قد أصبحت حاجة ضعيفة أو ضئيلة أو غير مجدية) (8) .
و هكذا يفيض الشيخ في تحليل الاوضاع السياسية و الاجتماعية، و التيارات الفكرية في كل بيئة و يتابع أطوار كل مذهب متابعة الملم بالانتاج الفقهي الدارس لتراجم الفقهاء.

موارد الشيخ الفاضل في إثراء علم تاريخ التشريع .
إن تتبع الشيخ لمراحل حياة الحركة الفقهية على النحو المذكور ليدل صادق الدلالة على سعة الاطلاع و براعة التنظيم للمسائل. و ينبئ أن استمداده –رحمه الله- كان من علوم تبحر فيها واستوعبها و اجاد التصرف فيها إلى أبعد حد و أثرى بها هذا العلم لم يمض طويل عهد على نشأته.
و هذه العلوم التي مثلت مصادر الشيخ في تأريخه للتشريع الإسلامي و التي نلمس أثرها في محاضراته منها ما يلاحظ أنه  
أساسي باعتبار توالي استعماله و منها ما يلاحظ أنه ثانوي باعتبار أن الاستقاء منه يكون في مناسبات عابرة لتطعيم المحاضرات أو المقالات و إغنائها بالطريق المجدي و تنويع معلوماتها و تزكيتها بالمشوق من ضروب المعرفة و الإفادة.
ففي النوع الأول نجد المصادر التاريخية و كتب الطبقات و التراجم بأنواعها و نجد الأمهات الفقهية و كتب أصول الفقه و الجدل التي تستمد المعلومات منها ابتداءا من المحاضرات التمهيدية فنعرف منها حقائق عن الاجتهاد و التقليد و أسباب اختلاف  الفقهاء و الحكم الشرعي و الصحة و البطلان و الحسن و القبح الشرعيين و غيرها من المصطلحات الفنية التي هي مفاتيح هذا العلم.
و في النوع الثاني نجد طائفة متنوعة من كتب تمت إلى فنون مختلفة و لا أستطيع ادعاء حصرها لان للشيخ جولات كثيرة في أرجاء المعارف الإسلامية، يساعده على النجاح في خوضها حسن تصرفه وسعة اطلاعه فهو يزود مادة تاريخ التشريع الإسلامي بلمحات من علم الكلام و العقيدة والفرق الإسلامية و من تاريخ القوانين الوضعية ومن الفلسفة التي قامت عليها اتجاهات القوانين المعاصرة و مذاهبها المنتشرة و من علم التفسير و تاريخ رجاله و من السيرة النبوية المطهرة ومن مختلف علوم الحديث رواية و دراية، و من كتب البيليوغرافيا قديمها و حديثها مثل مفتاح السعادة و كشف الظنون و مما اعد من فهارس خزائن المخطوطات في انحاء العالم و لعل لعلم مقاصد الشريعة  نصيبه الأوفر في دعم تاريخ التشريع لدى الشيخ الفاضل الذي ألحقه بسلسلة الاعلام الذين كانت لهم أياد بيضاء في إبراز المقاصد الشرعية و إظهار الحكم و الأسرار لأحكام ديننا الحنيف و هم اقلية بالنسبة لعدد الفقهاء الذين أنجبتهم المدارس الاجتهادية و المذاهب الفقهية، و أذكر من أعلام هذه السلسلة عز الدين بن عبد السلام و شهاب الدين القرافي و ابن قيم الجوزية و أبا اسحاق و الشاطبي و علال الفاسي و العلامة محمد الطاهر بن عاشور والد شيخنا الفاضل مؤرخ التشريع الاسلامي.
و لكي اخرج بحضراتكم عن خط العرض الخاطف الموجز يحسن بي ان أختار لكم مثالا حيا من نجاح الشيخ في الربط المحكم بين تاريخ المذاهب السنية و غيرها و بين التيار العقدي الذي تنوعت اتجاهاته و امتدت خيوطه إلى نسيج المذاهب الفقهية، فاهتم شيخنا بذلك و لم يقصر نظره على الناحية التشريعية و لم يفصل تاريخ التشريع عن تاريخ الفرق الاسلامية لتكون الصورة أكمل و أوضح.
يقول شيخنا رحمه الله:
(كان أيمة المذاهب الأربعة سنيين، و كانوا بذلك مجافين لمذهب الاعتزال منكرين عليه و استمر أتباع المذاهب و ايمة المذاهب الذين نشأوو متأخرين في القرن الثالث مثل الإمام أحمد بن حنبل استمروا على الموقف السني الذي هو موقف أهل الحديث في مقابلة النزعة الكلامية المخالفة لطريقة السنة أو طريقة الحديث ، و هي النزعة الاعتزالية فكان كل من الحنفية و المالكية والشافعية و الحنابلة... على موقف واحد من مقاومة المعتزلة و مجافاتهم و الأزورار عنهـــــم) (9).
و يقول : ( ... ثم جاء المذهب الحنفي فظهر ما بين أتباعه و بين أتباع المذهبين المالكي والشافعي من التقارب في الموقف الكلامي ماكان ناشئا من ظهور الإمام أبي منصور الماتريدي مقارنا ظهوره تقريبا لظهور الإمام أبي الحسن الأشعري و على طريقة من التأويل تشبه طريقة الأشعري و على غاية من الحفاظ على أقوال أهل السنة و أهل الحديث تشبه غاية الأشعري ...كان من نتيجة ذلك أن تقارب الحنفية مع المالكية و الشافعية فأصبحت المذاهب الثلاثة الحنفية بكونهم أتباعا للماتريدي و المالكية و الشافعية باعتبار كونهم أتباعا للأشعري. أصبحوا واقفين في موقف يقابل موقف الحنابلة الذي تمسكوا بأنهم حنابلة و بأنهم أتباع لأحمد بن حنبل فيما قاله لا يحيدون عنه و لا يقبلون له تأويلا و لا يتبعون غيره...
ثم كانت نشأة المذاهب الفقهية الأخرى غير السنية التي ترجع إلى أصول اعتقادية مختلفة عن أصول المذاهب السنية قضت بأن تكون الفروع الفقهية لهذه المذاهب مختلفة بالطبع عن الفروع الفقهية للمذاهب الأربعة (10).
ثم يفيض الشيخ في الحديث عن الشيعة يفرقها و عن الخوارج مبرزا مظاهر الاتفاق و الاختلاف بينها.

مميزات النظرة العاشورية إلى تاريخ التشريع:
يعتبر شيخنا الفاضل بن عاشور من أبرز المؤرخين للتشريع الإسلامي في هذا القرن و من الرواد في تعريف المسلمين بجوانب حضارتهم القديمة و كانت له في رحلته مع الأطوار التي مر بها التشريع نظرة متميزة قائمة على الشمول وسعة الاستيعاب منصفة للحركة الاجتهادية رابطة لمواد العلم بأجمل رباط يجعل التسلسل حسنا و التنظيم رائعا يستهوي القارئ و ينبه إلى كل العوامل التي كان لها أثر بعيد أو قريب في الحركة الفقهية عبر عصورها.
و لئن تردد مؤسس العلم محمد الخضري في بناء تقسيم مراحل هذا التاريخ على العصور المتمايزة أو على أشخاص المجتهدين تبعا لاختلاف طوابعهم النفسية ثم رجع التقسيم على العصور (11). فإن شيخنا لم يسايره في تقسيمه و ابتكر منهجا آخر مبنيا على مراعاة طبيعة عمل الفقهاء و على ما غلب عليهم عبر العصور من تضييق للاجتهاد دون أن يغفل الحديث عن – الدعوات المتكررة إلى إحياء أقوال اجتهادية مهجورة أو إلى الرجوع إلى مصادر الشريعة الأصلية مع بيان أثر كل دعوة و نتائجها.
كما آثر –رحمه الله- أن لا يكون تأريخ التشريع مجرد عرض تتسلسل فيه الأدوار و أحداثها. بل يكون بيانا لصفحات خالدة من عمل الفقهاء و تحليلا دقيقا لمواقفهم و اعمالهم و إبرازا لقيمة ما انتجته قرائحهم من ثروة ضاع بعضها و رقد البعض في رفوف المكتبات و توفر البعض للدارسين و إبرازا لما وقع من مظاهر التطوير المساير لروح الشريعة و المراعي للمصالح ولأعراف الناس مثل العمليات التي اشتهرت في بعض الأمصار و تم تدوينها و شرحها.
و مما يخرج به الدارس لتأريخ التشريع على الطريقة العاشورية أن المذاهب كلها ادت دورا هاما و خدمت الشريعة و لبت حاجة مجتمعاتها و انها تتقارب في أهدافها و أصولها و ان ما بينها من خلاف كان من عوامل الإثراء و مظاهر التيسير و أن رجالها قاموا بمناصرتها بصفة علمية بعيدة عن التعصب الممقوت و كان لبعضهم فضل تدوين قواعدها و لبعضهم فضل نشرها وتقريب مسائلها للناس.
كما يخرج بحكم عادل عن الاجتهاد الذي ضاق و لم ينهدم ركنه، و الذي يمكن ان ينقطع منه ماهو راجع لتحقيق المناط في أي عصر من العصور (12).
كما يخرج متصورا لأهمية دور المدونين للفقه و المفتين من الحفاظ الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد و القائمين بالاختصار للفروع و جمع المعتمد في الفتوى هؤلاء الذين استهدفوا لانتقاد ابن خلدون فتابعه كثيرون من مؤرخي التشريع الإسلامي.
و يدرك أيضا دارس تاريخ التشريع الإسلامي على طريقة شيخنا ابن عاشور أهمية اختلاف الفقهاء في الفروع هذا الاختلاف الذي عده قاصروا النظر موطن نقص. كما يدرك أن انحراف بعض الفقهاء في بعض العهود لايؤخذ منه حكم عام على عهدهم أو على من كان في طبقتهم وعاصرهم.
و من أهم فضائل هذه الروح التي تسود الطريقة العاشورية في تدريس علم تأريخ التشريع أنها تنجب الطلبة ان يرزحوا تحت عبء التشاؤم و تبعد عنهم النظرة القاتمة لعمل فقهائنا كما تتيح الإجابة عن كثير من الأسئلة المحيرة الناجمة عن احتكاكنا بالحضارة المعاصرة و تياراتها المناوئة للدين.

خاتمة:
إن المادة التي كونها مؤرخ التشريع الإسلامي الفاضل بن عاشور و نسقها و نضدها بنظرته الشخصية و بروح ثقافته الإسلامية و معارفه العامة ..موزعة بين محاضرات لا يتوفر منها الآن –فيما أحسب- إلا شذرات لدى قدماء مدرسة الحقوق العليا و كلية الشريعة بفاس و شعبة الشريعة من الكلية الزيتونية كما تتضمنها المقالات العديدة المنشورة بالمجلات الدينية و بكتابي (المحاضرات المغربيات) و (ومضات فكر) كما توجد  ضمن ما بقي بالإذاعة التونسية من رصيد.
و الملاحظ أن هذه المحاضرات و الدراسات و المقالات لئن اشتركت في الموضوع و سارت في خط التأريخ لتشريعنا بالروح التي ألمعنا إليها فإنها لا تكون مكررة متطابقة فكلما أعاد الشيخ محاضرة ذات موضوع واحد إلا و لاحظت فيها إضافات و إفادات أخرى و أسلوبا آخر في طرقها و لعل هذا راجع إلى عاملين أولهما أن الشيخ كان يستمد من معين لا ينضب بذكاء ومهارة و براعة تصرف، و ثانيهما أنه كان يتمتع بحاسة مرهفة تجعله يقدر مستوى المخاطبين و ظرفهم و ملابساتهم و تجعله يميل إلى التركيز على عنصر دون آخر حسب المناسبة و الظرف.
و قد لمست ذلك حتى في المحاضرات التي ألقيت على طلبة الحقوق و علينا معشر طلبة الشريعة في سنة جامعية واحدة و نص البرنامج واحد فكان الحرص على مزيد الاستفادة يدفعني عند المراجعة إلى الجمع بين مذكراتنا و مذكرات الحقوق.
جزى الله شيخنا فقيد الاسلام و مفخرة العصر أحسن الجزاء عما بلغ من ميراث النبوة، و ادى من رسالة العلم، و شيد من ثقافة إسلامية و نشر من علم و وعي في نفوس الاجيال التي اعترفت له بالفضل.
         


(1)  المحاضرة الأولى من محضاراته  في تاريخ التشريع بشعبة الشريعة  السنة الثالتة  بالكلية الزيتونية سنة 1963 .
(2) طبع كتابه أكثر من مرة، و منذلك طبعة دار الفكر ببيروت  سنة 1967 و هي الثامنة.
(3) صرت طبعته الأولى في أربعة أجزاء بتونس (مطبعة النهضة) بدون تاريخ ثم أعيد طبعه اخيرا.
(4) المحاضرات المغربيات ص 51 طبعة الدار التونسية للنشر.
(5) الاجتهاد : ماضيه و حاضره 2 مجلة المسلمون عدد مزدوج 9و10 صدر سنة 1964 –ص 907 المجلد الثامن.
(6) و (7) نفس البحث ص 911
(8) ومضات فكر ص153- طبعة الدار العربية للكتاب سنة 1981
(9) نفس الكتاب ص 144-145.
(10) المحاضرات المغربيات ص 98.
(11) نفس الكتاب ص 100-101.
(12)  تاريخ التشريع الاسلامي للخضري (المقدمة) ص3 طبعة 8 دار الفكر.
(13) يتابع الشيخ الفاضل بن عاشور في هذا الرأي الإمام أبا إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات.
أنظر منه ج 4 ص 95 و ما بعدها –طبعة المكتبة التجارية الكبرى بمصر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here