islamaumaroc

النصيحة لله.

  دعوة الحق

220 العدد

أخرج تميم الداري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (الدين النصيحة (ثلاثا) قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين وعامتهم)
وفي صحاح أحمد و مسلم و أبي داود و النسائي و الترميذي عن أبي هريرة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ( الدين النصيحة لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم).
فأما النصيحة لله تعالى فهي التصديق و الإيمان به، و نفي الشريك عنه و تنزيهه عن الوزير والصاحبة و الولد، فهو مدبر الملك وحده دون سواه،(لو كان فيهما آلهة (أي السموات والأرض) إلا الله لفسدتا) و من النصيحة لله تعالى كذلك الابتعاد عن الأصنام و الأوثان و عبادة الشخصية و تفويض الأمر إليه جملة و تفصيلا في الأخذ و العطاء فهو سبحانه (الحميد المجيد الفعال لما يريد لا يسأل عما يفعل و هم يسألون ) و النصيحة لله تقتضي أيضا اجتناب الإلحاد بجميع مظاهره و أشكاله المكشوفة و المقنعة، كما تستوجب وصفه بجميع صفات الكمال والجمال و الجلال في صفاته و أسمائه كلها، فهو سبحانه و تعالى غير موصوف بأي وصف ذميم إذ يستحيل في حقه كل نقص و مقام الربوبية و الألوهية فوق كل المقامات و العجز عن الإدراك في هذا الباب هو تمام الإدراك (ليس كمثله شيء و هو السميع البصير) و كل ما خطر ببالك فربنا مخالف لذلك و النصيحة لله هي القيام بطاعته و ذلك بامتثال أوامره و اجتناب نواهيه بما جاء في الكتاب و السنة و انتهاج الطريق المستقيم الذي هو طريق الله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فالمؤمن المسلم لا يقرب الآثام و المعاصي و الفواحش الا اللمم فإذا وقع في مخالفة من المخالفات أسرع بالرجوع و الاثابة إلى الله تعالى و استغفره و تاب و قدم الأعذار لمولاه في خشوع و ذلة و انكسار و المؤمن المسلم يحب في الله، و يبغض في الله فيعادي من عاداه و يوالي من والاه و يجاهد من كفر به فطغى و استكبر و تجبر و من الإيمان بالله و النصيحة له الإعتراف بآلائه و نعمه و تفضلاته التي لا تعد و لا تحصى و شكره عليها وسلامة النية و الإخلاص في جميع الأمور و المعاملات و الصدق في الدعاء له، و الحث على فعل الخير و إصلاح ذات البين، و كظم الغيظ و العفو عن الناس و التشبث بالاحسان من دون انتظار جزاء على ذلك فعليك أن تفعل الخير في أهله و في غير أهله حتى تجد من يستأهله فإن لم تجد فأنت له أهل و الله هو وحده الأعلم بالأسرار و الخفايا و النوايا و من النصيحة لله التلطف مع الناس قولا و عملا و الحث على ذلك في كل الظروف و الاحوال و الإستقامة ما أمكن مع النفس و مع الغير و محبة الله و الشعور بمعيته و الشوق إلى لقائه في خلقه لأن حقيقة النصيحة لله هي الاتصاف بأحسن الأوصاف الخلقية فيما يرجع للعبد مع نفسه و معرفتها و سير أغوارها و اعماقها لأن من عرف نفسه فقد عرف ربه و إلا فالله تعالى غني عن نصح الناصحين.
و أما النصيحة لكتاب الله فهي الإيمان بأنه منزل من عند الله، فلا يشبه كلام الخلق و لا يستطيع الإتيان بمثله أحد و كل من ينصح لكتاب الله فهو يعظمه و يتلوه بخشوع و ينطق بحروفه بإتقان ويدافع، عنه بقدر ما أوتي من علم الاطلاع، لا يخشى في الله لومة لائم ضد تأويلات المفرضين و المنحرفين، و بصدق بما جاء فيه، و يعمل بأحكامه و يفوض الأمر إلى الله و لا يخوض في متشابهه و يتفهم علومه و أمثاله و احكامه و يسترشد بمواعظه و يفكر في آياته و عجائبه ومعجزاته و يبحث عن عمومه و خصوصه و ناسخه و منسوخه، و يعلم ما أمكنه العلم من دقائقه و خفاياه البلاغية و اللغوية و التفسيرية و ينشره على صفاته من غير أدنى تحريف بين الناس كافة و يكون معتزا به لا يسترشد و لا يهتدي إلا به و حقيقة هذه الخواص تثوب العبد في نصيحته لنفسه و حثها على الخير و إبعادها عن الشر و مهاوي الانزلاق و إلا فكتاب الله غني عن نصح الناصحين (إنا نحن نزلنا ال1كر و إنا له لحافظون).
و أما النصيحة لرسول الله فهي الإيمان و التصديق برسالته و بجميع ما جاء به، و الطاعة الدائمة لأوامره و نواهيه، و مناصرته و مؤازراته بالغيب و تعزيز مواقفه حيا و ميتا و محالفة من حالفه و محاربة من حاربه و تعظيمه وتوقيره، و إعلاء مكانته و العمل على إحياء منهجه وسنته و نشر دعوته  ونفي كل ما يتهمه به دعاة التدجيل و الضلالة و الشعوذة و التشكيك و المذاهب الباطلة الهدامة، و كل أساليب الإلتواء و الزندقة و التفكير المنحرف الخاطئ .. و من النصيحة لرسول الله التفقه في الدين و الإجتهاد في أسراره و معانيه، و الدعوى إليه و المجادلة فيه بالحسنى ..و من ذلك أيضا التبحر في السنة النبوية الشريفة مع ما يليق بها من تأدب و إعظام وإجلال عند قراءتها و تدارسها و الإمساك عن الخوض فيها بغير علم، و إضفاء الوقار والاحترام على أهل الحديث لانتسابهم إلى صاحبه عليه أزكى الصلاة و أفضل التسليم، و السير على منهاج الهدي المحمدي و التخلق باخلاق الحضرة النبوية و التأدب بآدابها و محبة آل بيت رسول الله و لقرابتهم منه و محبة أصحابه الكرام و مجانية أهل البدع أو الذين يتعرضون لأحد من أصحابه بسوء القول و ما شابه ذلك و قد قال الله تعالى:(( من يطع الرسول فقد أطاع الله)).
و أما النصيحة لأئمة المسلمين فمؤازرتهم على الحق و معاونتهم على توطيد العدل و الإنصاف و طاعتهم في طاعة الله و رسوله و تنبيههم و تذكيرهم بما غفلوا عنه في أدب و رفق و تلطف والفات نظرهم إلى حقوق المسلمين في دينهم و دنياهم و تأليف القلوب على موالاتهم ومناصراتهم في مخططاتهم و منجزاتهم و الصلاة خلفهم و الدعاء لهم بالتأييد و التمكين و الجهاد معهم و اداء الواجبات لهم، و عدم الثناء عليهم، و التماس الصلاح و الإصلاح على أيديهم و في ظلهم و تحت رايتهم و التمسك ببيعتهم لأنهم خلفاء الله في الأرض و الساهرون على شؤون المسلمين و القائمون بولاياتهم و من النصيحة لائمة الأمة الذين هم أيضا علماؤها إحسان الظن بهم و نية الخير في الاقتداء بهم و تصديق ما رووه من الكتاب و السنة و مالهما من شروح وإيضاحات و ما ترتب عليهما من اجتهادات تنضح بالرحمة و الاخذ بيد المسلمين إلى طريق الهدى و الفلاح و الصلاح (يا أيها الذين آمنوا و أطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و احسن تأويلا).
و اما النصيحة لعامة المسلمين فهي توجيههم التوجيه الصالح في دنياهم و أخراهم و تشجيعهم على التنافس في الحق و التقوى و الإحسان قولا و فعلا و هو الإسلام الرفيع، و ستر عوراتهم و إصلاح ذات بينهم و إسداء المعونة لهم و دفع الشر عنهم و جلب الفوائد و المنافع لهم و امرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر و المباعدة بينهم و بين الحقد و الحسد، و المشاحنة و العداوة والبغضاء، و الرفق بهم و الإخلاص إليهم في كل الظروف و الملابسات و توقير كبيرهم والرأفة بصغيرهم و الشفقة عليه، و تأليف قلوبهم بالحسنى و الموعظة البالغة و الكلمة الطيبة ، و تحبيب الخير إلى نفوسهم و تكريه الشر إليهم و الدفاع عن اموالهم و اعراضهم و تجديد الإرشاد لهم على الدوام لتنشيط هممهم على الطاعات و الفوائد الحسية و المعنوية التي تعود بالخير العميم على الأفراد و الجماعات و كفى ديننا الحنيف شرفا و رفعة أن جعل النصيحة هي جوهر الدين و الإسلام و قد قال الله تعالى في محكم التنزيل:( و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر).
و سواء كانت النصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم واجبة وجوب عين أو كفاية، فإنها على كل حال حجر الزاوية في تصحيح العقيدة السليمة و السهر على دوامها و استمرارها إذ لا وجود للإيمان القوي إلا بالتناصح و التآزر و التعاون على البر و التقوى و الفضيلة والإحسان. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here