islamaumaroc

بيت النمل (قصة قصيرة) (تر. أ.إ. السباعي)

  دعوة الحق

220 العدد

 ذات يوم انتقلنا إلى سكن آخر، قال عنه صاحبه:( إنه من الدرجة الأولى ) - سكن له – دون ان امارتكم –شرفة، حيث يمكن للجدة ان تقضي االنهار كله قابعة في كرسيها المتأرجح و هذا هو ما فعلته بمجرد وصول أفراد العائلة -الأحد عشر- في زيارة استطلاعية له، فقد شغفت به إلى حد أن أرسلتني دون أن تفكر لأحضر لها كرسيها بسرعة و كما أقول قضت ما تبقى من النهار جالسة في الشرفة و لم تغادرها إلا بعد الغروب، حيث عادت إلى السكن القديم لتناول طعام العشاء لكنها لم تلبث به طويلا حتى رجعت بسرعة إلى كرسيها بالشرفة لتتأرجح و تدخن.
كان الوقت صيفا، و الحر شديدا في تلك الليلة لكن جدتي بقيت بالشرفة إلى أن أيقظناها في اليوم التالي، عندما شرع الحمالون في نقل الأثاث، و كان علينا – نحن الأحد عشر – أن ننتقل بين السكنين أربع مرات لنساعد على نقل الآثاث كله.
و في الساعة الثانية كان الأثاث بأتمه مرتبا في السكن الجديد، أما العم (وفورد) فقد ذهب إلى المدينة ليقوم بإجراءات الحصول على الغاز و الماء و الكهرباء و في تلك الليلة كان الماء يجري في صنبور المطبخ و الغاز يشتعل في الموقد و الكهرباء تغمر جميع الغرف.
أما (سام) – و نحن نتجاوز في إدخاله في زمرة النافعين للأسرة رغم مزاجه الحاد – فإنه يشتكي من كل شيء حتى أنه هدد أثناء تناول العشاء بالإنفصال عنا كما سبق أن فعل ذات مرة.
قالت له الجدة:
- يجب أن تخجل من نفسك يا (سام) و أنت تهدد بالإنفصال عنا أمام الأطفال، أية قدوة هذه التي تقدمها لهم و أنت في سن الأربعين؟
- مهلا –أجاب سام- إن هذا ليس حسنا كما تعلمين يا أماه إن نقلي من سكن إلى آخر كما لو كنت نكرة..
- لم نقل عنك ذلك أبدا قال العم (وفورد)..كل ما قلناه هو أن تتخلى عن الشكوى و تحاول أن تكون نافعا بأي حال.
- و فيماذا تنفع أنت يا ترى؟
- فبماذا ؟ ألم أذهب إلى المدينة؟ ألم أسع في الحصول على الماء و الكهرباء و الغاز؟ لقد قمت بإعطاء إسمنا و عنواننا الجديد إلى وكلاء هذه الشركات و ها نحن نتمتع بالماء و الغاز والضوء.. يبدو لي أن القيام بكل هذا شيء نافع و لا يجب أن تنساه يا صديقي.
- لم يكن هناك أي داع للتخلي عن سكننا القديم... ثم أية مصلحة لنا في ذلك ؟.. المانع الوحيد هو انه لم يكن في إمكاننا تسديد الكراء.. و لا شيء غير ذلك.
قالت الجدة :
- ليس ذلك فقط.. إن السكن القديم كان صغيرا جدا و ليست له شرفة.. و لهذا تركناه.
- كمشة من الأنانيين – قال سام- لا تعطون أقل اعتبار لفني..ماذا سيكون مصير جميع القصائد و  القصص التي كتبتها حول المنزل القديم.
- أكتب قصائد و قصصا حول البيت الجديد، هيا .. خد قلما و اشرع في كتابة ما تريد من قصص و قصائد.
و بدانا نعيش في السكن الجديد.. بعضنا يعيش داخله و البعض الآخر خارجه أما ابن عمي (ميرلي) ففضل الإقامة في السطح حيث ينعم بمنظر جميل على حد قوله.
كان السكن رائعا لولا النمل – ففي كل مكان- بالداخل و الخارج – كان النمل يمرح في حرية فوق أجسامنا و فيما نتناول من أطعمة طيلة النهار و أثناء الليل.
في البداية كان ذلك يثيرنا كثيرا، و يدفعنا إلى أن نلعن صاحب السكن الذي لم يصارحنا بالحقيقة باستمرار – كان النمل يجتاح كل شيء: الخزانات .. الملابس – ما تحت القبعة و فوق الشارب أو الحاجب حاربناه.. عملنا على إبادته.. صببنا الماء فوق البلاط لكن فهمنا في النهاية أنه من الأفضل تركه يمرح في سلام و الحقيقة أنه كان سعيدا بهذه الحرية بينما نحن نقفز و ننتفض من تحركه على أجسامنا و نلوح بأيدينا و نحك أرنبة أنوفنا لحظة واحدة كنا ننعم فيها بالهدنة و هي اللحظة التي كنا ندخل فيها إلى الحمام.
قال سام:
- بعد هذا أنتظر أن نعود إلى السكن القديم.
- لا – لن نعود- أجاب العم (وفورد) – سنبقى هنا... و سنقاوم.. إننا هنا ننعم بالماء و الضوء والغاز... أرجال نحن أم لسنا رجال؟
- إنني لن أستطيع أن أتكلم إلا بإسمي الخاص.. لكن يبدو لي أن استحمال النمل فوق جسمي طوال النهار إهانة لا تطاق.. لو كان لديكم شيء قليل من الاعتزاز بالنفس لفعلتم شيئا.
- ذلك ما نفعل.. دائما نعمد على فعل شيء.. نحك هنا تارة و هناك تارة أخرى..ثم نأخذ حماما ونأوي إلى الفراش .. فاعتززنا بأنفسنا.. كما ترى- لا يقل عن اعتزازك بنفسك.
- و سارت بنا الحياة نعمل و نقاسي في السكن الجديد كل الأيام ..دقيقة وراء دقيقة.. ندق الأرض بأحذيتنا و ننتفض و نضرب براحة أيدينا في كل مكان و نأكل النمل مع الخبز .. و الصلصا.
قالت جدتي:
- رأيت كثيرا من النمل لكن النمل بهذه الكثرة لم أشاهده في حياتي قط.
أما ابنة عمي (بلما) فكانت تقفز و تضحك و تهز ذراعيها و تفتحهما على شكل صليب و تصبح كالهنود الحمر.
- أوه
شيء جميل أن تسمعها و هي تقلد الهنود الحمر، و يأتي الناس من كل مكان فيتطلعون بنظراتهم إلينا ليروا ما حدث. لكن سرعان ما يطأطؤون رؤوسهم و يتابعون سيرهم نحو بيوتهم.
لكن ذات مرة استطاعت الشيطانة (بلما) بصياحها المتواصل أن تصطاد خطيبا.. شابا يرتدي (خرسيا) أحمر اللون.
- ماذا يحدث في بيتكم أيها الصغيرة؟
- النمل، أجابت بلما.
- و لماذا لا تقتلينه؟
- ها أنذا أفعل..بل نفعل .. لكنه وفير.. و اكثر منا ذكاء.
- أنا أعرف كيف أزيحه من الوسط فليس من الحق أن تتعبوا و تقاسوا هكذا..
- لم نعد نقاسي لقد تعودناه.
- و هذا القفز المتواصل.. ألا يتعبكم؟
- قليلا
هكذا بدأت قصة حب بلما .. اسم الفتى جون ..بحار –حسب ما قال-  و قد سبق له مرة  ان أبحر على ظهر باخرة من سان فرانسيسكو إلى كينغسبورغ و هذا على كل حال يخول له ان يقول، أنه اشتغل على ظهر باخرة كبيرة تدعى (فاسكودي كاما) .
و أحبت جدتي ( جون) لجرأته و نقمته على الحياة.
- ألا تصدقين ما أقول؟. لكن هذه هي الحقيقة.. لقد اشتغلت بتلك الباخرة، باخرة كبيرة سبق لها أن زارت الهند..و أماكن أخرى.
- يالله ..الهند؟ رددت الجدة بإعجاب أية رائحة تعقبها يا ترى بعد ان كانت هناك.
- رائحة البن و البترول ..أما في صالة الآلات فالحرارة مرتفعة و لأجل هذا عدلت عن الذهاب إلى امريكا الجنوبية..
- أمريكا الجنوبية؟ كنت على وشك أن ترحل إلى بعيد .
- و هو كذلك.
ثم تابع كلامه:
- اسمعي.. لو وضعت دولارين أحدهما فوق الآخر فهل أستطيع أن أتزوج (بلما).
- و لم لا يا ولدي؟.. يبدو لي أنك فتى محترم.
ثم أردفت قائلة :
- و إلى أي مكان آخر وصلت الباخرة التي كنت تعمل على ظهرها؟
- حكوا أنها وصلت إلى لفربول .. و أماكن أخرى كثيرة. 
- رائع. إنه لشيء مهم بدون شك أن يستطيع الإنسان التحدث إلى شاب زار كل البلدان.
و تزوج جون حبيبته بلما بعد خمسة عشر يوما من تعارفهما، و قد قام العم سام بإدارة مراسيم الزفاف و القاء بعض القصائد أما ابن عمي ميرلي فتكلف بعزف قطعة غنائية بالمناسبة و الحقيقة أن جون لم يستطع الحصول على دولارين لتسديد قيمة وثيقة الزواج لذا اقتسم الخطيبان المقدار بينهما.
علقت الجدة على ذلك قائلة:
- في إمكانك ان تؤدي بقية المقدار فيما بعد.. أي حينما تحصل على النقود.. إنها عملية مشروعة أو ليس كذلك يا سام؟
و منذ ذلك الحين أصبح عددنا في البيت إثني عشر ..نقفز كلنا و ننتفض لإزالة النمل وننعم بأيام لطيفة .. بل ممتعة مع كثرة الأشياء الصغيرة التي تدعو إلى التفكير.
قضت بلما و جون شهر العسل بالجانب الأيسر من الشرفة و كلما سألت الجدة جون عن الاماكن الاخرى التي زارها تبادل الشابان النظرات و انطلقا في الضحك.
و ذات يوم اقتربت بلما من الجدة و همست في أذنها فرددت هذه الاخيرة :
ماذا؟.. ماذا تقولين ..يالله؟ ساعة مباركة.
و علمنا أن بلما حامل.
و بين هذه الأشياء و اخرى قضينا شهرين ممتعين في السكن الجديد الذي يكتسحه النمل.. مع باخرة جون و قصة حب بلما.
و ذات يوم حرمنا الماء و الغاز و الكهرباء و بقينا اسبوعا بدون هذه الإمكانيات المريحة و إثر ذلك جاء صاحب السكن يطالب بثمن الكراء.
فقالت له جدتي:
تسديد الكراء .. ياللغلط.. إن السكن مملوء بالنمل.
و حملنا أمتعتنا .. وودعنا السكن الجديد غاضبين.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here