islamaumaroc

الحسن الوزان وكتابه "وصف إفريقيا"

  دعوة الحق

220 العدد

حينما كنت في القاهرة أوائل الخمسينات عن لي ان أكتب عن الحسن الوزان ...وبدأت الكتابة فعلا ولكن حوادث 53-و56 وما تلاها غير اهتماماتي...فانشغلت بالأهم عن المهم...إلا أن الرغبة كانت تساورني الفينة بعد الأخرى...ولما علمت بأن الأخ الجليل و السيد الأستاذ الكبير محمد حجي عميد كلية الاداب قام  بإنجاز هذا العمل الوطني المهم...وأخرج الكتاب إلى حيز الوجود  فرحت جدا وكيف لا وقد أضيف كتاب هام إلى المكتبة العربية...لاسيما والمحقق غني عن التعريف...فهو أستاذ الأساتذة المبرز واسع الاطلاع يتمتع بذكاء حاد وذاكرة قوية وبصيرة نفاذة وقد حباه الله بأخلاق فاضلة اشتهر بالتواضع والحياء...ولاغرو فهو من عائلة عريقة في المجد ومتأصلة في الثقافة والإستقامة ورث العلم والثقى ماجدا عن ماجد...
ولا يسعني إلا أن أضم خلاصة بحثي المتواضع إلا عمله القيم...حيث القصد هو الخدمة وتيسير سبل البحث وإطلاع الجمهور العربي عامة والمغربي خاصة على تراث جدير بالاطلاع عليه...لا سيما وأن كثيرا من الحقائق كانت مدفونة أو مطموسة وشتى المعارف كانت مقبورة...حتى أكل عليها الدهر وشرب وعفت عليها الأيام...وطمحت رداحا من الزمن...حتى نسيت ونسبت إلى غير أهلها ورمي أهل الحق بالعقم والعقوق ثم الإجحاف...ولما كان الحسن الوزان من أولائك العمالقة الأفذاذ الذين خدموا المعرفة الإنسانية وأناروا السبل...بعد أن تضلع بالمعرفة وتسلح بالعرفان في المغرب...وتدرج في وظائف سامية بالبلاط الوطاسي أتاحت له الفرصة ليجوب البلاد الافريقية والاسيوية على السواء. باحثا و متجولا مستقصيا و مسجلا ارتساماته ومدونا ملاحظاته وقد أدرك قبطان سفينة اللصوص...كما أدرك  الباباليو  حصافة عقله وسعة اطلاعه ومدى خبرته بتلك الدول التي زارها وشاهدها عن كثب ورأى أن من حسن التدبير الاحتفاظ بهذا الشاب المتوقد الذاكرة فهو اثمن من الكنز يفيض بالمعارف ويزخر بالحقائق الهامة والنادرة التي لم تتوفر عليها أروبا...
والبابا على درجة عالية من الحدس شغوف بتحصيل المعرفة كيف ما كان مصدرها وفي نفسه كثير من الحرص الشديد على مصدرها وفي نفسه كثير من الحرص الشديد على الحصول على معلومات عن افريقيا لحل اللغز المطلسم خدمة للإقتصاد الأروبي وطعنا للاقتصاد العربي من الخلف..أو تحطيما لكبرياء الباب العالي...ولم يكن مخطئا في ظنه...اومجازفا في تقديراته...ولا نستنكر هذا عن رحالتنا...أو نستغرب إذا علمنا أنه اول من اتى بمعلومات دقيقة عن القارة السوداء وخطط أول خريطة لها...فلما رأى البابا مذكرته أفسح له المجال ليظفر منه بما يشفي غليله ويثلج صدره...ولذلك شمله بالرعاية والعطف...
والحق يقال أن الوزان يعتبر من المؤسيسين الأوائل لعلم الجغرافية دون منازع وأول من أفاد أروبا في هذا الميدان...وظلت معلوماته وأبحاثه المرجع الهام حتى بعد ظهور الكشوف العلمية الحديثة بشهادة المستشرقين الفرنسيين منهم والألمان نذكر على سبيل المثال الأستاذ  (شيفر)  والأستاذ  (هرتمان)  حيث قال ما معناه لقد سبق جيوفاني اليوم المؤلفين الجغرافيين بإعطاء نظرة دقيقة و معلومات نادرة ووصف أمين اعتمادا على مشاهدته أولا و على ما استقاه من الاخبار من أبناء البلد وما توصل اليه التجار العرب.. و ظل كتابه المرجع الوحيد في التاريخ الافريقي والاسيوي... و كان لاوربا كنزا ثمينا و هدية نفيسة... و يحسن بنا أن نعطي و لو نظرة وجيزة عن المؤلف و الكتاب و ظروف تأليفه و الأسباب التي دعته إلى ذلك مع عدم إغفال الظروف السياسية .. و البيئة التي أنتجته أو تأثر بها و أثرث فيه...فنقول: و إن كان قد ولد الحسن الوزان بغرناطة فإن والده محمد الوزان من أسرة مغربية كانت تقطن بواد زين الموقع المعروف الآن بوزان بالمغرب نزحت أسرته إلى الأندلس في جملة من نزح، تلقى دراسته الأولى بمسقط رأسه.. كما أخذ حظا وافرا من اللغة الإسبانية و أتقن فن الرماية ..في وقت كان الإسبان يتحرشون ببني الأحمر ليبتلعوا ما تبقى في الأندلس و كان أهل البلاد يعانون من غلاء المعيشة والدولة في حالة احتضار و أهل النفوذ في حرب بعضهم بعض يتزاحمون على الكراسي ويتناحرون على الحكم أو التقرب من الحاكم العاجز الذي لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا... فضلا أن يبث في شؤونهم.
و في هذا الوقت بالذات كان المغرب بدوره يتخبط في مشاكل عويصة فرقت صفوفه و شتت أوصاله... و أطمعت العدو فيه حيث احتل البرتغال أغلب مدنه و موانيئه و هذه الأسباب جعلت العون المغربي المعتاد يتوقف تجاه الأندلس، و فقد المسلمون هناك الأمل في النجدة.. لما فقدوا المساعدات فأصبح الجو ملغما محموما يؤذن بالانفجار .. و حرب الاسترداد الاسبانية آخذة في التصاعد و الاشتعال... تستعير وتنشط و يرتفع لهيبها و يتسع حتى اتسع الخرق على الراقع وزادت الهوة عمقا و سحقا. و شملت النار أطراف البلاد... مما جعل الرعاة و الفلاحين يلجئون إلى الأحواز و كثر المهاجرون إلى المدينة مما ضاعف من البطالة و زاد أثمان المواد الغذائية كما أدى ارتفاع أحوال المعيشة إلى اضطرام نار الفتنة داخل المدينة و خارجها، و لم تكن هناك قيادة حكيمة توجه الناس إلى حرب أعدائهم فوجد اليأس و القنوط طريقهما إلى النفوس و زاد الطين بلة تآمر(أبو عبد الله محمد بن علي) آخر ملوك بني الأحمر على نفسه و وطنه و شعبه... فوقع اتفاقية الاستسلام مع الملك الاسباني (فرديناند) و الملكة (إيزابيلا) في مقابل شروط أهمها:
 1. تأمينه على نفسه و عياله و امواله و أملاكه.
 2. ترك الحرية للمواطنين المسلمين و اليهود في مزاولة شعائرهم الدينية.
 3. إنهاء الحرب و إطلاق الأسرى.
 4. عدم التعرض لمن يرغب مغادرة غرناطة ليتوجه إلى المغرب...
 فكانت هذه الاتفاقية آخر مسمار في نعش دولة بني الأحمر ... وهدم الركن الأخير... و بوجبها سنحت الفرصة لقوة الإسبان الضاربة الخناق حول احواز المدينة... بالانقضاض على غرناطة 1492- آخر معقل للعرب و أقام الاسبان مجزرة وحشية بشعة قتل فيها النساء و الشيوخ والأطفال...
و شاهد حسن الوزان و هو صغير ذبح أمه و اخوته و أهل حارته..كما شاهد العلم العربي المكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله يتهاوى لترتفع مكانه الراية الاسبانية... يتوسطها الصليب.. و في لمح البصر طوى رمز القوة الإسلامية... و بذلك انمحى أهم مظهر من مظاهر السيادة ..الروحية و المعنوية و انطفئ القبس النوراني الذي طالما شعت منه المعارف والحضارة الإنسانية المثلى على مدن أوربا و قراها... وفي لمح البصر طويت ثمانية قرون فانطوى معها سجل حافل بالبطولات و الأمجاد و العظمة و البناء نورا و عرفانا... طالما سارت على هديه الإنسانية و الحضارة البشرية..و الآثار خبر شاهد على ذلك... و لا حاجة بنا أن نتعرض لمحاكم التفتيش و التنكيل بالمواطنين العزل و الذين فروا بدينهم في عرض البحر والذين ابتلعتهم المياه... لكن لا يفوتنا أن ننبه إلى أن الحسن الوزان هرب مع والده... في جملة من هربوا من الاضطهاد و الطغيان.
فكتب التاريخ مليئة بالأخبار عن سفن القراصنة من البرتغاليين المدججين بالسلاح و العتاد الحربي... الذين كانوا يعترضون مراكب المسلمين الهاربين بإيمانهم و أنفسهم عند عبورهم البغاز و انحدارهم إلى المغرب... و غالبا إنهم عزل لأن ظروفهم الطارئة لم تمكنهم من أخذ العدة... فتنشب معارك بين الفريقين غير المتكافئين في السلاح و التدريب على مثل هذه المغامرة ...ورغم قلة المؤن و تعب السفر و عدم توفر العتاد الحربي و الاستعداد.. دافع المهاجرين إلى المغرب دفاعا مريرا و استماتوا في المقاومة إلى أن استطاعوا أن يمنعوا بعض سفنهم و أن يردوا عنهم العدو بسلاحه الذي غنموه منه وفي خضم هذه المعارك كانت تنجو بعض السفن لتصل إلى الشواطئ المغربية كالسفينة التي أقلت صاحبنا الوزان و والده بعدما أثخنوا العدو بالجراح و أصلوه بوابل من النبال و كان من بين الرماة رحالتنا الفذ... الذي تابع رحلته إلى فاس حيث استقر والده في هذه الربوع التي تزخر بالعلم و تفيض بالمعرفة و يتوفر فيها العيش ... فتلقى الحسن الوزان العلم في جامعة القرويين على يدي علمائها الأفذاذ. و عكف على التحصيل رغم القلاقل و الاضطرابات ..لأن البلاد في هذه الآونة كانت تنهشها الأطماع وتستعمر فيها الأحقاد.. و كثر الطامعون في كل مكان و الإسبان شاهرين أسلحتهم من الشمال... و البرتغاليون قد طوقوا البلاد من الغرب و من الجنوب... و كأن المغرب أصبح في فم الكماشة او مثل سفينة تضطرب وسط الأمواج العاتية و أهله أصيبوا بالذعر و الفزع و هرع الناس إلى رجال الطرق يلتمسون العون أو المخرج و بذلك بدأت سلطة الزوايا تتقوى و تستعر. و سلطة الوطاسيين في تدهور مستمر و كأن يدها شلت عن درء الأخطار المحدقة بها... و الدول الأجنبية فاغرة فاها لتبتلع الموقع الممتاز كمدخل لإفريقيا السوداء محطة العاج و كنوز الذهب الذي تسيل عليه العاب الأوربيين.. و بقض الجناح الأيمن لإفريقيا تتم السيطرة على الثروة الهائلة... والشرق لاه بنفسه غارق في حروب عقائدية و قد تحولت عنه بوصلة السير عند اكتشاف رأس الرجاء الصالح و بدأ في التدهور حيث احتلت منه أغلب طرق التجارة و المسلمون في مصر لا يستطيعون حولا و لا قوة و قد احتلت أراضيهم من قبل المماليك العثمانيين... و قد اشتعلت النار في العراق و إيران بين الشيعة و السنيين .. و الدولة العثمانية غير آبهة بالخطر البرتغالي الذي سعى لتحطيم الاقتصاد... فلم تحرك ساكنا إزاء طرق المسلمين من الأندلس.
و في هذه الآونة كانت أغلب الشواطئ المغربية محتلة من طرف العدو الطامع و الأتراك يتربصون بنا الدوائر... و الدولة الوطاسية مكتوفة الأيدي عاجزة عن صد غارات المغيرين ورغم هذا الجو المشحون بالاستفزاز و المنذر بعدم الاستقرار والمليء بالكوارث و المحن... استطاع صاحبنا أن يتضلع بالمعرفة و يتسلح بالعرفان حيث تمكن من الإحراز على ثقافة واسعة و دراية أهلته بين علماء عصره رغم صغر سنه أن يحتل مكانة مرموقة في البلاط الملكي و أن يتقلب في وظائف هامة و قد ذهب عمه في مهمة دبلوماسية إلى مالي و النيجر من قبل محمد ابن الشيخ 1512 – و ربما انتدب إليه السفارة و كانت هذه فرصة أخرى ليطلع على هذه الربوع المهمة باحثا عن الأمن و الاستقرار و حز في نفسه و ساءه أن يترك بلاد الأجداد التي آوته وشملته بالعطف و نعم فيها بالراحة و الاستقرار النسبي.. إلا ان في نفسه ريبة من أن تؤول البلاد إلى ما آلت إليه الأندلس لاسيما و البرتغال احتلوا الشواطئ المغربية حتى أزمور سنة 1513- و بينما هو في مباحثته.. و عند معاهدة الأخوة و الصداقة مع الدول الافريقية المجاورة و الأخبار تتوالى عليه.. من التجار و المسافرين إذ علم أن المغاربة تجندوا للجهاد تحت راية الشرفاء السعديين...
فلم يكن منه إلا أن تابع سفره متوغلا في افريقيا و كانت فرصة مكنته من الاطلاع عن كثب على أحوال أشقائنا الأفارقة متنقلا بين مدنها و قراها و أدغالها و مجاهلها ... و اختراق جبالها و عبر أوديتها... و من أغرب ما شاهده في غينيا قبائل تحكم فيها النساء على الرجال يعرفون باسم شابولي... بحيث يخرج النساء للعمل و الكسب تاركين الرجال لتربية أطفالهن و طهي الطعام وترتيب المنزل و إذا رجعن في المساء وجدنهم قد زينوا أنفسهم بالزهور و الورود.. يستقبلونهم بالبشر و الترحاب... و قد تتزوج المرأة  أربعة رجال... و حينما تكون مع واحدة منهم تضع علامة على الخيمة فلا يدخلها بقية الرجال الآخرين... و يبدو أن جنس الرجال هنا معرض للسخرية و الاستهزاء لتهالكه على الجنس و انصرافه عن العمل المثمر الخلاق ..همه الإدمان في الخمر و الحشيش و انصرافه عن العمل المثمر الخلاق... همه الإدمان في الخمر و الحشيش و الإمعان في الشهوات البهيمية.. و صاحبنا الوزان كأنه صحفي أو مصور.. و كان لجولاته آثار قيمة و نتائج عظيمة ...فهذه الرحلة مكنته من معرفة أحوال افريقيا السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الفكرية و الحربية... حيث طلع بمعلومات ثمينة و وصل سفره إلى الحبشة و منها عرج على السودان و مصر عن طريق النيل و زار الأزهر و اتصل بالعلماء. ألقى محاضرات قيمة...و ألقى دروسا في التاريخ و الجغرافية... و لكنه لم يستقر هناك.. و لعله لم يجد مشجعا على البقاء في القاهرة لاسيما إذ قويت المعارضة و كثر الحساد فسافر إلى مكة المكرمة حيث حج و زار المدينة المنورة حيث ترك آثارا حميدة و صدى طيبا... و من ثم جعل ينتقل بين البلاد الأسيوية معلما و باحثا و من تركيا عرج على اليونان... و تعلم اللغة اليونانية ليطلع على الفكر اليوناني و من ثم ركب البحر لعله راجع إلى بلاده .
و لعل الأقدار لم تسعفه حيث طلع القراصنة المدججون بالسلاح على السفينة التي كانت تقله وجماعة من التجار المسلمين الذين معه فنهبوا ما في السفينة و قتلوا كل من سولت له نفسه روح المقاومة.. و أخذوا الباقين أسرى... و من بينهم صاحبنا الوزان و كان ذلك حوالي 1518 و لم يفكروا في بيعه في أسواق الرقيق مثل أصحابه .. و لعلهم لما وجدوا معه أوراقا أو مذكرة ... ويهمهم أن يطلعوا على مافيها لعلها تفيدهم و كان صاحبنا يحسن الإسبانية و مبادئ اللاتينية ملما بالديانات فأدرك قبطان السفينة أنه ليس أمام شخص عادي و لم يسبق لهم أن شاهدوا شابا ذكيا واسع الاطلاع غير هياب و لا متخاذل... فقرروا الاحتفاظ به... و أحسنوا إليه.. و ظلوا في مراقبته و هو ينتقل معهم في الموانئ الأوربية.. و من جنوى إلى نابولي ثم إلى روما حيث أهدى إلى (البابا) ليو العاشر... و حكوا له ما عاينوا منه... فاختبره هذا الأخير فلاحظ فطنته و شدة ذكائه و حسن اطلاعه و معرفته بأغلب بلدان افريقيا آسيا فقدر الهدية الثمينة... و رأى أن من الحكمة أن يرد إليه حريته و ان يشمله بالرعاية...
و يحسن بن أن نشير إلى أن (ليو) هذا كان شغوفا بفتح أفريقيا و كان قد تباحث مع فرنسوى ملك فرنسا إذاك في مشروع هجوم على افريقيا من ناحية تونس... و طعن العثمانيين من الخلف و قد تخوف ملك فرنسا و لم يستطع أن يقحم نفسه في مغامرة قد تكون خاسرة لاسيما و الأتراك العثمانيين في هذه الآونة قد استحفل نفوذهم حتى تلمسان..
و قد ثبت تاريخيا أن ملك فرنسا اعتذر للبابا و ادعى أنه لا يتوفر على معلومات تمكنه من الهجوم على افريقيا من ناحية تونس...و لا سيما أن العرب كدروع واقية أو كسد منيع تحفظ الشاطئ الافريقي... و من هنا لا نستغرب إذا رأينا عناية البابا المتزايدة بهذا الشاب الافريقي وفسح المجال له ليتعلم اللغة الإيطالية و يطلع على لغات أخرى و أن ينهل من المكاتب و أن يتصل بالتجار القادمين من هنا و هناك لعله يستطيع أن يستفيد منهم أو يظفر بمعلومات تسهل عليه اقتحام البلاد أو على الاقل لتنشيط التجارة في بلاده .. كما اننا لا نستغرب اهتمام البابا كرجل دين بالتجارة و بمعرفة طرقها و تهيئ  وسائل السبل و إذا بحثنا تاريخيا عن أسرة (المدتشي) التي ينحدر منها البابا و التي استمدت مجدها و ثروتها من التجارة العالمية ... و من هنا جاءت اللهفة الشديدة للتعرف بالعالم الافريقي و برعاية ابن من أبنائها لعله يحطم بذلك السد العثماني المتين أو يحرز على واسطة العقد... و قد أفرد له منزلا فخما و أجرى عليه مرتبا محترما وهيأ له كل أسباب المتع لكي يتمتع بطيبات الحياة حتى ينسى بلاده، و لا يفكر في الرجوع إليها ثانيا...
و انكب صاحبنا على دراسة اللغتين اللاتينية و الإيطالية و الاستزادة من الاسبانية و مراجعة المؤلفات بها... إلى أن اجتمعت عنده المادة الخام.. ووضع البابا تحت تصرفه مكتبته الكبرى فنهل منها ما استحسنه... و كان يلتقي بالتجار و المسافرين فيستزيد منهم ما جد من المعلومات ... و لما أتقن اللغة و ألم بالديانة المسيحية حتى أصبح عالما بها جعل يقارع علماء إيطاليا و لم يجد البابا صعوبة في تنصيره... و ربما تظاهر بالنصرانية من باب المجاملة أو اللياقة ... و تسمى باسم (جيوفاني اليو) نسبة إلى البابا و لما علا كعبه في علم اللاهوت أصبحت له مكانة كبيرة بين علماء إيطاليا و قد أكبروا مواهبه و اعترفوا بسعة اطلاعه لاسيما بعدما طارحوه في المسائل العلمية و الأدبية و الجغرافية و تفوق عليهم إذا كان غزير المعرفة واسع الأفق ذا فكر ثاقب و نظر نافذ و رأي صائب يحدثهم بالجديد و يقمع الحجة بالحجة و يصف لهم الأشياء حتى كأنهم يرونها يبهرهم بالمعنى الدقيق و يتفوق عليهم في تحديد المواقع و الوقائع، حتى كأنهم عاينوا تلك البقع و الحوادث يتنقل بهم من أودية إلى جبال، ليغوص بهم في الأدغال ويتنقل بهم من بحر إلى بحر ومن بلاد إلى قرى يطلعهم على العجائب و الغرائب حتى أخذ بلبهم و أصبحوا لا يستطيعون فراقه ليلا و لا نهارا لما يدخل عليهم السرور و يزيدهم من المعارف والحبور.
و في سنة 1525 طلب منه العلماء تأليف كتاب ليكون لهم كنبراس يذكرونه به فلبى طلبهم وربما ترجم المذكرة التي كانت معه إلى اللغة الإيطالية أو اليونانية، و المهم أن مؤلفه كان جديدا وسجلا حافلا بالمعارف و المعلومات ضمنه وصفا دقيقا وشاملا... سجل فيه ارتساماته ومشاهداته وما استقاه وعاينه في تلك الأقطار النائية و ما فيها من العجائب و الغرائب و الطيور و الوحوش و الزواحف و الهوام... و البحيرات والجبال و الأدغال والفواكه والخضر... والمعروف أن في وسط افريقيا غلة تسمى بالبابار لذيذة الطعم عذبة المذاق و لها خصائص عجيبة تشفي كثيرا من الأمراض بسرعة مذهلة.
و قد جاء كتابه وصفا حيا دقيقا لتلك الأقطار و ما حباها الله به من خيرات و مناظر طبيعية ساحرة تشتاق إليها النفوس... و ترتاح لها القلوب.. فكان مطابقا لروح العصر.
أسلوبه وطريقة سرده :
لا تتجلى قيمته فيما أطلعنا عليه فحسب بل في كيفية العرض و التحليل و بداء ملاحظته الشخصية و الإنسانية شأنه شأن علماء عصره كابن خلدون و غيره.
و رغم أنه تضلع في اللغات الأجنبية فإنه احتفظ بالطريقة العربية المثلى و الروح الإسلامية النبيلة في شكل العرض و السرد و التبويب و الوصف و التصوير...و النقل بأمانة وإخلاص ... جمع فيه بين الأسلوب العلمي و القصصي الطريف... و قسمه إلى تسعة أقسام .. و مع أن القسم التاسع علمي محض في مضمونه فإن العذوبة تتجلى في شكله ..كما أن الروعة و الدقة و الإتقان تستشف فيه من الفوائد و العبر وبسط المواضع و استخلاص النتائج شأنه في ذلك شأن أدباء عصره.
يرد علينا سؤال مهم هل عاد إلى الدين و الوطن؟
أنا لا أجزم بتنصيره لكن الذي يبدو لي من طريقة فراره إلى افريقيا ثانيا... أنه كان يحن إلى وطنه و قد ظل مشتاقا إلى أهله و وطنه لم ينس أحباءه الأولين والوطني وطني و المسلم الذي تمكن منه الإسلام في نفسه لا خوف عليه ففطرة العقوق والجحود تزول مع زوال سن المراهقة أو الشباب و يرجع المسلم إلى إيمانه الصحيح و إلا كيف تفسر هروبه من روما مع انه كان يحيى حياة البذخ و أن البابا قد أضفى عليه ما يستحقه شاب ذكي مثله.. و قد تفتحت له سبل الرقي و مناهل العرفان و مع ذلك يترك هذا كله و يبحر إلى تونس و يعتكف بمسجدها الأعظم... لعله كان يتحين الفرصة و انه ظل يعاني الشوق و يتجرع الغصص مما يصله عن طريق المسافرين من أخيار و الشهم لا ينفر من أرض بها قبائله و لا ينسى دارا بها قوابله ...ظلت نفسه متعلقة بوطنه إلى أن واتاه الوقت و عدلت عنه أعين الرقباء فأبحر 1550 إلى تونس الخضراء و اعتكف بجامع الزيتونة ينشر العلم و يشع العرفان و يؤدي فروض الصلاة و قد أحبه أهل تونس الأبرار و تشبثوا به و لعل في نيته الرجوع إلى فاس لكن المنية عاجلته سنة 1552 في عهد آخر ملوك بني حفص و قد شيع جثمانه في جمع غفير و ترحم عليه أهل الصلاح... و لنا عودة بحول الله في تحليل كتابه و التوسع في حياته اكثر...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here