islamaumaroc

لماذا تهمل الجامعات تاريخ الأندلس تعليق على "محنة المورسكوس في اسبانيا" لمحمد قشتيليو.

  دعوة الحق

220 العدد

وقع في يدي خلال وجودي بالمغرب. كتاب من نوع خاص عنوانه " محنة الموريسكوس في اسبانيا" (سنة 1980) لمؤلفه الأستاذ محمد قشتيليو. والموريسكوس هم بقية الأمة الأندلسية المغلوبة الذين ارغموا على التنصر ثمنا لبقائهم. في الوطن القديم. وأطلق الإسبان عليهم هذا الإسم los Moriscos اعني " العرب الأصاغر" ونفضل نحن أن نسميهم المريسكيين أو "العرب المنتصرين" ومؤلف هذا الكتاب حسبما يخبرنا في كتابه هو  مغربي من مدينة القصر الكبير ومن اصل أندلسي أو بعبارة أخرى من أصل مريسكي حسبما يدل على ذلك إسمه. وقد كانت ثغور المغرب الشمالية. ولا سيما مدينة تطوان. والمناطق القريبة منها جنوبا وغربا حتى القصر الكبير وغيره. منزل أعداد كبيرة من المهاجرين الأندلسيين. قبل سقوط غرناطة النهائي في يد الإسبان في سنة 1494. أو بعده حينما تحولت بقايا الأمة الأندلسية. بعد التنصر المفروض إلى طائفة المورسكيين. وقد تلقى المؤلف في مدريد تربية إسبانية. ونحن نعرف أنه ما زال حتى اليوم في مدينة تطوان. وفي منطقتها عدد كبير من الأسر الموريسكية المحترمة. ومنها الكثير ممن لا يزالون يحملون أسماءهم الموريسكية القديمة. مثل مليفة ومدينة ومرثين ومراريش (موراليس) والطريس وبرمنجو ومرشينة وقشتيليو وركينة وراغون وغيرها.
ويقدم إلينا الأستاذ قشتيليو في كتابه عرضا وافيا لحياة الأمة الموريسكية وما توالى عليها منذ سقوط غرناطة في سنة 1492 حتى نفيها النهائي من إسبانيا في سنة 1609 من ضروب الاضطهاد والمطاردات والمحن المروعة. ويشرح لنا كذلك موقف المدجنين الأندلسيين في شرقي الأندلس. وهم الذين سبقوا الموريسكيين في تحديد أوضاعهم مع الملوك النصارى عقد سقوط أوطانهم في أيدي الإسبان. وكانوا لظروفهم واعتماد النبلاء والسادة على جهودهم وأعمالهم في الزراعة والصناعة، أسعد حظا وأقل شقاء من الموريسكيين في منطقة غرناطة. وهو يعتمد قبل كل شيء على المصادر الإسبانية. ولا سيما مارمول فيما كتبه عن ثورة الموريسكيين الكبرى. وفلوريثيو خانير في كتبه "الوضع الاجتماعي للمورسكيين". وهو ينقل إلينا معظم الاسماء التاريخية والجغرافية بصورها الاسبانية. ولا يقدم إلينا منها سوى القليل بأسمائها العربية. ويقدم إلينا كتابا في أسلوب متواضع ولكنه مؤثر بالرغم من ذلك. لروعة الأحداث والآلام التي يقصها علينا.
ومع ذلك فإن صدور هذا الكتاب في موضوعه. يعتبر حدثا أدبيا وتاريخيا، فإنه لم يصدر في هذا الموضوع باللغة العربية في العصر الاخير سوى كتابي "نهاية الاندلس وتاريخ العرب المنتصرين. منذ نحو ثلاثين عاما وظهرت طبعته الثالثة في سنة 1966، والمصادر الإسبانية هي وحدها عمدتنا في هذا الموضوع، لأنه بالرغم من كثرة ما كتب بالعربية عن تاريخ الأندلس، وعن آدابها وحضارتها. فإنه لم يكتب عن تاريخ الموريسكيين سوى القليل، وهو عبارة عن شذور أوردها إلينا المقري في كتاب "أزهار الرياض في أخبار عياض" وعن فصل كتبه محمد بن عبد الرفيع الأندلسي الموريسكي عن أحوال الموريسكيين ضمن مخطوط بالمكتبة الكتانية (مكتبة الرباط العامة) عنوانه "الأنوار النبوية في آباه خير البرية" وأما المؤرخون الإسبان فإنهم تتبعوا تاريخ الموريسكيين منذ سقوط غرناطة حتى نهايته بصدور قرار النفي. ومن بعد ذلك في مؤلفات عديدة متوالية تاريخية ووصفية ونقدية وقد كانت مأساة الموريسكيين تجري تحت أعينهم تباعا. ولديهم كل ما يريدون الوقوف عليه من الأحداث والوثائق والقرارات الملية ومن ثم فإنه يوجد لدينا كل ما يجب الرجوع إليه من مختلف المصادر ومنها مصادر كثيرة تسبغ عطفها على المورسكيين منذ سقوط غرناطة حتى نهايته بصدور قرار النفي. وقد كانت مأساة الموريسكيين تجرى تحت أعينهم تباعا. ولديهم كل ما يريدون الوقوف عليه من الأحداث والوثائق والقرارات الملكية. ومن ثم فإنه يوجد لدينا كل ما يجب الرجوع إليه من مختلف المصادر ومنها مصادر كثيرة تسبغ عطفها على الموريسكيين وتأييدها لقضيتهم ونقد السياسة الإسبانية في اضطهادهم ومطاردتهم وتشيد بجميل خلالهم وبراعتهم وبالرغم من محنهم المتوالية. ومن ثم فإن كتابا يقدم إلينا قصة الموريسكيين ملخصة عن هذه المصادر الإسبانية يعتبر تصويرا حسنا لأدوارها وأسبابها ونتائجها.
ولقد قلنا أن صدور هذا الكتاب يعتبر حدثا أدبيا وتاريخيا، لأنه يعالج موضوعا أندلسيا قلما عولج بالعربية. وهذا هو الأمر الذي نريد أن نلفت إليه النظر. فإن تاريخ الأندلس، وجغرافيتها وآدابها وجمال مدنها، ومحاسن أهلها. وحضارة الأندلس. وروائع علومها وآدابها، كل هذه قد لقيت من الأقلام العربية أعظم الجهود وعولجت بالعرض والدرس على أوسع نطاق. وفي سائر العصور. ولكن الموضوع الجوهري. وهو موضوع سقوط الأندلس لم يلتفت إليه البحث. ولم تتناوله الأقلام والبحوث الغربية بأية صورة جدية. وكذلك لم تتناوله الاقلام العربية باية صورة وافية. وهنا مما يدعو إلى أشد لأسف. فكثيرا ما نتمثل بمحنة الأندلس ونهايتها المحزنة. ولكننا لم نبذل أي جهود للبحث عن أسباب هذه النهاية التي تعتبر أعظم مآسي التاريخ الإسلامي ومآسي التاريخ الحديث.
لقد عرض علينا المقري في "نفح الطيب" صورا من أروع وأمتع الصور عن جغرافية الأندلس. وعن حواضر التالدة. قرطبة واشبيلية وبلنسية ومرسية وطليطلة وغرناطة وغيرها وعن مروجها وحدائقها. وعن أهلها وشعوبها ومحاسنهم. وعن آدابها وشعرها. حتى ليكاد الإنسان يعتقد أن المقري قد عاش في تلك الوديان والمروج والحواضر العظيمة والأمر بالعكس فإن المقري بالرغم من كونه قد عاش بالمغرب في الضفة الأخرى من بحر الأندلس. لم ير الأندلس، ولم يحاول أن يراها. ولم يكن قد بقي من جنة الأندلس عندئذ سوى الذكريات المؤلمة. وسوى العرب المنتصرين (الموريسكيين) يعيشون محنتهم الغامرة، ولم يحاول المقري، بعد أن حدثنا طويلا عن جنة الأندلس أن يحدثنا عن أسباب محنتها وسقوطها، ولم يحاول أي كاتب أو مؤرخ آخر ممن كتبوا عن الاندلس وعن تاريخها العظيم، أن يقترب من هذا البحث وأما الذين كتبوا عن تاريخ الأندلس من كتاب الغرب أمثال كوندى ودوزي وسكوت ولاين بول. وغيرهم، فإنهم تناولوا هذا الموضوع بصفة عابرة، ولم يحدثنا أحد منهم عن أسباب سقوط الأندلس بصورة واضحة مقنعة وأما نحن الكتاب المشارقة. فلم نحاول أن نعالج هذا الموضوع بأية صورة وما زالت جهودنا تقف عند كتابة التاريخ الأندلسي والآداب الأندلسية.
وانه لمن المؤسف ألا يوجد في أية جامعة من جامعاتنا كرسي خاص لتاريخ الأندلس وحضارتها، وأن دراسة هذا الفرع توضع دائما تحت كرسي التاريخ الإسلامي أو تحت كرسي تاريخ العصور الوسطى. ولعل هذا القصور في العناية بتاريخ الأندلس وحضارتها. لا يمكن أن يؤدي إلى تهيئة أكابر العلماء المختصين في تاريخ الأندلس. الذين يمكن أن يعهد إليهم بالدراسات العميقة المتخصصة التي يمكن أن نستخرج في ظلها النتائج والحقائق العلمية المرغوبة إن مثل هذا البحث في عوامل سقوط الأندلس وظروفها جدير بأن يملأ كتبا، وأن يستغرق اعواما. وهو موضوع غزير المادة، غني بالأصول والتفاصيل والمهم هو أن نبدأ المحاولة والمراجع لدينا وفيرة بين مطبوع ومخطوط، ووثائق تاريخية لا نهاية لها. تشمل سائر عصور التاريخ الأندلسي.
ولما كانت هذه المهمة العلمية الخطيرة تفوق طاقة المجهود الشخصي. فإنه من الممكن أن تندب لها لجنة خاصة من العلماء المتخصصين في تاريخ المغرب والأندلس، تعمل تحت رعاية إحدى الهيئات العلمية الجامعية تتولى إمدادها بالاعتمادات والبرامج اللازمة، وتنظيم رحلات أعضائها إلى المغرب وإسبانيا للقيام هنالك ببحوثها ودراستها العلمية والطبوغرافية.
ويجب أن يكون لهذه اللجنة طابع دولي عربي إسلامي، وأن تقوم بمهمتها العلمية. لحساب الأمم العربية الإسلامية التي كانت الأندلس المسلمة خير ممثل لها لدى الأمم الغربية والنصرانية والتي كانت حضارتها الزاهرة أغزر مستقى لأمم الغرب. وعالم العصور الوسطى، وما زالت أمم الغرب تشي حتى اليوم بدينها العلمي والحضاري للأمة الأندلسية، وما زالت أسماء ابن زهر وابن رشد وابن طفيل وغيرهم من أقطاب الحضارة والعلوم الأندلسية تنير لديهم أعظم الإجلال والتقدير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here