islamaumaroc

المارودي: أبو الحسن علي بن محمد حبيب.

  دعوة الحق

218 العدد

تمهيــد:
إن قوام المجتمعات الصالحة قديما وحديثا، أساسه العدل بين الأفراد وسبيله الحكم بين الناس، وقد قيل: العدل أساس الملك، ويتحقق العدل بحسم الخصومات والمنازعات وإيصال الحقوق إلى أصحابها، بمقتضى الأحكام الشرعية المستقاة من الكتاب والسنة، والتشريع الصادر من ولي الأمر فيما لا يخالفهما.
وقد اهتم العلماء المسلمون ببحث شروط القاضي وكيفية تعيينه، وانفرد الماوردي بدراسة التنظيم القضائي وتأسيسه، وفي دراسة ذلك التنظيم ما يصل بين حاضرنا وماضينا، وبالمقارنة بينه وبين الأنظمة الحديثة يتضح لنا مدى أصالة شرعنا، وعمق تفكير مفكرينا، ومدى إسهامهم في رقي الإنسانية وإسعادها.
وفي إلقاء أضواء سريعة على شخصية الماوردي ما يعين على الإلمام بالتنظيم القضائي وما يجب أن يتصف به القاضي في نظره، وهو السياسي البارع، والكاتب الأديب والفقيه المجتهد، وعمدة القضاة في عصره.

معالم حياتــه:
هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، ولد بالبصرة عام: 364 هـ- 974 م من أسرة تنتمي إلي بيع ماء الورد.
وصل إلى بغداد وتعلم بها، وعلم فيها، واشتغل بالقضاء في البصرة وبغداد، حتى وصل إلى منصب أقضى القضاة في سنة 429 هـ-1037 م ، وقد نتج عن اشتغاله بالقضاء أنه درس واقع حياة الناس، ومشاكلهم، والتعمق في دراسة الأحكام الفقهية والإفادة منها في إصدار أحكامه.
كان قريبا من الخلفاء والوزراء، وسفيرا بينهم، وبين خصومهم السياسيين، وقد ساعدته تلك القربى على أن يكتب في السياسة كتابات كان لها أثر كبير في الفكر السياسي الإسلامي من بعده. وكان أديبا لغويا كتب كتابات ممتعة في تاريخ الأدب العربي، كما كتب في الأخلاق والتربية، كما كانت له بعض النظرات الصائبة في بعض الأحاديث، ووثقه فيها بعض علماء الجرح والتعديل، وكان فقيها شافعيا مجتهدا ينهج نهجا علميا يكاد يكون حديثا، فيعرض لوجهات النظر المتعارضة والمختلفة في المسألة ويرجح بينها، وينتهي لرأي يرى فيه وجه الحق والصواب، حتى انتهت إليه زعامة الشافعية في عصره.
انفرد في تفسيره ببعض الاتجاهات التي تدل على أصالة وعمق في التفكير.
وتتميز جميع كتاباته بأسلوب واضح بليغ ينتقي ألفاظه ومعانيه، ويؤلف بينها كأنها شعر منثور.
وكان أخلاقيا في سيرته ومعاملاته بين الناس، وعمر طويلا فعاش ستا وثمانين سنة، ومات سنة 450 هـ 1058 م ودفن في بغداد.

الماوردي القاضي:
لم نجد في كتب التراجم العامة أو الخاصة بالقضاة ما يفيد كثيرا عن الماوردي كقاض، وليس أمامنا إلا ما كتبه الماوردي نفسه عن القاضي وما يشترط فيه، ومن خلال ما كتب يمكن أن نستشف شخصية الماوردي كقاض وصل إلى درجة قاضي القضاة، يتولى تعيين وعزل القضاة، ويتفقد أحوالهم، ويراجع أحكامهم.

شرط القاضي في نظر الماوردي:
يضع الماوردي مقاييس خاصة، لا بد أن تنطبق على كل من يتولى القضاء:
1- يقصر تلك الوظيفة على الرجال دون النساء لقول الله تعالي في سورة النساء آية 34 )الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ( ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لن يفلح قوم  ولوا أمرهم امرأة»، رواه البخاري والترمذي والنسائي (ص 7 من المعجم المفهرس لألفاظ الحديث).
2- أن يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل وأن يكون صحيح التمييز فطنا ذكيا بعيدا عن السهو والغفلة.
3- أن يكون حرا مسلما ويستدل بقول الله تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (الآية 141 من سورة النساء)
4- أن يكون عدلا، والعدالة معتبرة في كل ولاية فيكون صادقا أمينا عفيفا عن المحارم.
5- السلامة في السمع والبصر ليصح بهما إثبات الحقوق، فإن كان ضريرا فولاية القضاء باطلة.
6- أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ويستدل بقول معاذ بن جبل حين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن وسأله: "بم تحكم ؟" قال: "بكتاب الله ، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى الله ورسوله"، (رواه أبو داود وأحمد: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ج7 ص 266) ويجوز للقاضي أن يأخذ بأي مذهب من المذاهب تأكيدا لمعنى الاجتهاد الذي يجب ان يكون للقاضي في جميع أحكامه.

حكم تولي القضاء بالرشوة:
أبطل الماوردي تعيين أي قاض تقدم لهذه الولاية عن طريق الرشوة، لأن الباذل لها والقابل لها مجروحان، وكانت الرشوة قد انتشرت في الدولة العباسية، ويستند لقول النبي عليه الصلاة والسلام: " لعن الله الراشي والمرتشي والرائش"، رواه ابن حبان والحاكم عن أبي هريرة – الترغيب والترهيب ج 4 ص 231 –كتاب القضاء.

منع القاضي من قبول الهدية:
وليس لمن تقلد القضاء أن يقبل الهدية من خصم ولا من أحد العاملين معه . ويرى الماوردي أن الهدية إذا أخذها القاضي فعليه أن يعجل بدفع قيمتها الحقيقية لصاحبها حتى تصبح ملكه، وإن تعذر ردها أو رد قيمتها ردت لبيت مال المسلمين.

المتخصص في القضاء:
ومن تنظيمات الماوردي للقضاء أن تكون هناك محاكم خاصة لكل نوع من أنواع القضاء - وهو ما يطلق عليه حديثا الاختصاص النوعي - فيقول: " كان يرد إلى أحدهما نوع من الأحكام والى الآخر غيره، كرد المداينات إلى أحدهما والمناكح إلى آخر فيجوز ذلك، ويقتصر كل واحد منهما على الحكم الخاص عن البلد كله ".
ويوجه النظر أيضا إلى تكوين محاكم تتمايز بشخصيتها، إذا تميز من يقدم إليها بنزعاتهم الخاصة: "يجوز أن يكون تقليد القاضي مقصورا على بعض الأهل دونهم جميعا إذا تميزوا عن غيرهم"، كما في المحاكم العسكرية، كما جعل لكل جهة قاضيا خاصا بتلك الجهة - ويعرف حاليا بالاختصاص المكاني حتى لا يتحمل المدعي والمدعى عليه مشقة الانتقال من مكان إلى آخر.
سرعة الفصل في القضايا:
ومما يلفت الانتباه اهتمام الماوردي بما نعانيه الآن في محاكمنا، وهو عدم البت بسرعة في القضايا فيقول: " ليس للقاضي تأخير الخصوم إذا تنازعوا إليه إلا من عذر ".

استقلال القضاء:
وجعل الماوردي للقضاء جهازا مستقلا يسمى: "ديوان قاضي القضاة"، يختص بأمور القضاة والعاملين معهم، فأصبح للقضاء استقلاله في مواجهة  الخليفة والأمراء والعاملين معهم. فليس لأحدهما حق عزل القاضي، وإنما العزل لقاضي القضاة عند ظهور الجرح أو الخيانة أو عدم ثبوت الكفاءة.

آثــاره:
يذكر لنا ابن تغرى بردي في كتابه: (النجوم الزاهرة) في سنة:450هـ "وفيها توفي علي بن أحمد بن حسيب أبو الحسن الماوردي البصري الإمام الفاضل الفقيه الشافعي صاحب التصانيف الحسان منها: (التفسير) وكتاب (الحاوي) (والأحكام السلطانية) و( قوانين الوزارة والأمثال) " وولي القضاء ببلدان كثيرة وكان محترما عند الخلفاء والملوك.
واشتهر الماوردي في العصر الحديث بأنه صاحب الكتاب (الأحكام السلطانية )، وحظي بدراسات خاصة في مؤلفات المستشرقين عن الحضارة الإسلامية، وكتابه هذا مطبوع ومتداول، وقمنا بتحقيق كتابه: "قوانين الوزارة " بالاشتراك مع الدكتور محمد سليمان داود الذي أسهم في مؤتمر الماوردي ببحث عنه بعنوان: (الفقيه الأصولي).
كما أن مؤلفات الماوردي السياسية: أيضا لتسهيل النظر وتيسير الظفر وهي محفوظة قام بعرضها الأخ العراقي الفاضل محيي هلال السرحان، الذي كان له شرف الحصول على رسالة الماجستير في الشريعة الإسلامية في تحقيق جزء من كتاب الحاوي للماوردي الخاص بآداب القاضي، ولقد قال ابن خلكان في الحاوي: " لم يطالعه أحد إلا يشهد له بالتبحر والمعرفة التامة في المذهب"، وقد اختصر الماوردي كتاب الحاويفي الإقناع، فيقول: "بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة واختصرته في أربعين".
يريد بالمسبوط كتاب " الحاوي" وبالمختصر كتاب "الإقناع " الذي ألفه باعتباره زعيما لجماعة الشافعية في عصره بناء على تكليف من الحاكم وقت ذلك القادر بالله. يروي لنا ياقوت في معجم الأدباء تلك الواقعة فيقول: " تقدم القادر بالله: 336 -422 هـ = 947 -1031 م إلى أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة أن يصنف له كل واحد منهم مختصرا على مذهبه، فصنف له الماوردي الإقناع ، وصنف له أبو الحسين القدوري مختصره المعروف على مذهب أبي حنيفة، وصنف له القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصرا آخر، ولا أدري من صنف له مذهب أحمد، وعرضت عليه، فخرج القاضي إلى أقضى القضاة الماوردي وقال له: "يقول لك أمير المؤمنين: (حفظ الله عليك دينك كما حفظت علينا ديننا)".
وقبل أن نختم بحثنا نتعرض لذكر بعض الأقوال التي قيلت فيه، قال ابن الجوزي عنه في المنتظم: "كان وقورا متأدبا ... وكان ثقة صالحا" وقال ابن كثير في البداية والنهاية عن الماوردي: "وقد كان حليما وقورا أديبا، لم ير أصحابه ذراعه يوما من الدهر من شدة تحرزه وأدبه، ولقد وثقه الذهبي في ميزان الاعتدال فقال عنه: "كان صدوقا في نفسه"، وقال عنه ابن حجر العقلاني في لسان الميزان: " كان صدوقا في أعماله صريحا في الحق، لا يحابي أحدا فيه".
وقد أجمل الشيخ أبو زهرة رحمه الله صفاته فيقول: " اتصف أبو الحسن بصفات جعلته في الذروة بين رجال العلم عبر التاريخ الإسلامي - وأولى هذه الصفات: ذاكرة واليمة  وبديهة حاضرة وعقل مستقيم، والثانية: اتزان في القول والعمل ... والثالثة: الحلم وضبط النفس ... والرابعة: التواضع وإبعاد النفس عن الغرور ... والخامسة: الإخلاص".

الخاتــمـة:
ونختتم بحثنا بفتوى للماوردي تكشف عن قوة شخصيته وأثره في العهد العباسي الذي عاش فيه. فقد أفتى القضاة بجواز تسمية الوزير جلال الدولة (شاهنشاه) أي ملك الملوك، وكان من القضاة الذين جوزوا هذه التسمية: أبو الطيب الطبري (450هـ)، والقاضي البيضاوي ( 450 هـ) ، وأبو القاسم الكوفي، وغيرهم، ولكن لم يوافق الماوردي على تلك التسمية. واستند إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أخنع اسم عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك! لا ملك الأملاك إلا الله "، رواه الشيخان عن أبي هريرة - الترغيب والترهيب ج 4 ص 140- كتاب النكاح .
وكانت توجد علاقة طيبة بينه وبين جلال الدولة، فهو من أخص الناس قربا منه، وكان يتردد على داره، فامتنع عن زيارته ولزم داره، فأرسل إليه جلال الدولة وقال له: قد علم كل أحد أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا، وقد خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتباع الحق، وقد بان لي موضعك من الدين ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك بأن أدخلتك إلي وحدك، وجعلت أذن الحاضرين إليك ليتحققوا عودي إلى ما تحب.
وتقديرا لشخصية الماوردي وما أسهمت به في مسيرة الحضارة العربية فقد احتفلت جامعة عين شمس بالقاهرة بمرور ألف عام على مولده بعقد مؤتمر عربي له في الفترة من 22 إلى 27 نوفمبر 1975، تناول فيه كبار الأساتذة والمفكرين في العالم العربي فكر الماوردي وشخصيته بالبحث والدراسة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here