islamaumaroc

كفاح الجريمة والانحراف في التشريع الإسلامي -1-

  دعوة الحق

218 العدد

وجدت الجريمة مع الإنسان منذ وجد. ارتكب آدم الخطيئة الأولى (1) فعد عمله جرما استحق عليه العقاب بالطرد من الجنة (2) وفرض عليه ـ لسبب هذه الخطيئة ـ أن يهبط الى الأرض فيعاني من المتاعب والمصاعب هو وأولاده وانسالهم ما لا نزال نعانيه الى اليوم.
وارتكب أحد أولاده الأوائل قابيل جريمة كبيرة، قتل أخاه هابيل  في سبيل الطمع والشهوة (3)، السببين الرئيسيين لجميع الجرائم على مدى تاريخ البشرية.
وتوالت الجرائم من بعد، وتنوعت أشكالها وتباينت صورها وتطورت أساليبها مع تطور الإنسان في مختلف درجات الحضارة سموا وتروبا، ووجد المجرمون لهم، شركاء أصلاء وتابعين ومعاونين على تنفيذ جرائمهم، ودافع المعتدى عليهم بما يستطيعون، واحتدمت الثارات والانتقامات، ونشبت المناوشات والحروب وعظمت حتى شملت جميع بني آدم في المعمورة بأجمعها في وقت واحد. وتفاقمت الخسائر حتى قدرت بمليارات الدنانير الذهبية، وذهب ضحيتها ملايين من الخلائق. ولنا في الحرب العالمية الأولى (1914 -1918) والحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) صورة واضحة عما استخدم فيها من غازات سامة وخانقة وقنابل محرقة وذرية ... مما يعجز الإنسان عن تصور فظاعتها وشناعتها وقبحها.
بدأ الرد على الجريمة في منبثقها إلى الوجود بالثار الفردي انتقاما من المجرم الفاعل الأصيل. ثم بالانتقام الآلي collectif تقوم به أسرة المجني عليه متعاونة ضد الجاني. ويدافع المجرم عن نفسه تعلقا بالحياة، ويساعده أهله وأقرباؤه بحكم الآصرة الدموية والرابطة العصبية أو المصاهرة .. ويعيش الثار والانتقام من هذا وذاك مع الزمن، ويمتد إلى الحمولة فالعشيرة فالقبيلة فالمدينة حتى يصل مع الزمن إلى الدولة وينقلب إلى حروب طاحنة، تذهب بالأخضر واليابس والزرع والضرع ومعالم المدنية والحضارة، فكم من أمم بادت ودول زالت، لا نسمع اليوم لها حسا ولا ركزا. أين عاد وثمود وطسمم وجديس ... التي ورد ذكرها في القرآن الكريم؟ أين البابلية والآشورية والسومرية والفنيقية و الأوغاريتية  والمصرية التي ذكرها التاريخ؟ أين الفرس والرومان والفراعنة والدولة الإسلامية الشامخة والإمبراطورية العثمانية ..؟ الم يذهب كل هؤلاء بسبب جرائم فردية أو عشائرية أو دولية ؟! الم يكن الطمع والشهوة والطموح دوافعها الأولى ؟
الجريمة إذا، ملازمة للإنسان منذ وجد، وما زالت تعايشه بأشكال وصور شتى. ولقد تنبهت لها الشرائع القديمة والحديثة وحاولت مكافحتها بوسائل وأساليب متنوعة، رغبة في السلم والسكينة والهدوء وخدمة للحضارة، فلم تفلح في ازالتها ومحوها من الوجود الاجتماعي. فهل هي ضرورة ملازمة للإنسانية لا يمكن التخلص منها؟ هل هي مصيبة من المصائب المرضية اللاحقة بالمجتمعات، قد يكون الشفاء منها ممكنا ميسورا يوما ما؟ وما هو نظر الذين الإسلامي للجريمة؟ هل حاول ردعها ومكافحتها؟! وما هي رسائله في هذا الكفاح ؟!
وردت كلمة « الجريمة » ومشتقاتها في القرآن الكريم 58 مرة على الصور الآتية:
العدد
1 ـــ أجرمنا     ... ... ... ... ... ...  1
2 ـــ أجرموا     ... ... ... ... ... ...  3
3 ـــ تجرمون    ... ... ... ... ... ...  1
4 ـــ اجرامي     ... ... ... ... ... ...  1
5 ـــ المجرم      ... ... ... ... ... ...  1
6 ـــ مجرما      ... ... ... ... ... ...  1
7 ـــ مجرمون   ... ... ... ... ... ...  15
8 ـــ مجرمين    ... ... ... ... ... ...  34
9 ـــ مجرميها   ... ... ... ... ... ...  1
                                            ــــ
المجموع          ... ... ... ... ... ... 58

ولو تتبعناها في آياتها واحدة واحدة، لوجدنا أنها لا تعني سوى أمرين اثنين، هما:
أ ـ الكفر والشرك في مقابلة الإيمان. مثال ذلك « أن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون » (المطففين 29 ) « انه من يأتي ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا» (طه 74) « أفتجعل المسلمين كالمجرمين » (القلم 35).
ب ـ الافتراء والكذب على الله، ومناهضة الأنبياء في رسالتهم. مثال ذلك: « فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته، أنه لا يفلح المجرمون » ( يونس 17) « فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين » (الفرقان 31) .
فمعنى الكلمة الظاهر إذا، متصل بالعقيدة، بايمان الفرد وبشخصيته وحده. على أننا لو أمعنا النظر قليلا، لوجدنا العلاقة بينه، اذ الكفر والشرك عند الله، أكبر الذنوب على الإطلاق. « إن الله لا يغفر أن يشرك  به ويغفر ما دون ذلك » (النساء 84 ـ 116). « ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما » (النساء  48) والاثم  هو الذنب، بل هو الذنب العظيم. وقد تأيد هذا المعنى بقوله تعالى « لا جرم » بمعنى « لا ذنب  » في خمس آيات (4) وقوله  «لا يجرمنكم » أي يجعلكم تأثمون، فتجرمون في ثلاث آيات (5)، ولو تحرينا مادة « جرم» في معاجم اللغة لوجدناها تفيد معنى الذنب والإثم وترادفه كذلك :
جرم ـ جريمة. وأجرم واجترم اليه وعليه: اذنب.
جرم و جريمة : عظم جرمه
جرم وتجرم : أتهم بالذنب
الجرم : الخطأ والذنب
الجريم : المذنب. والكبير العظيم الجسد
الجريمة : الجرم و الذنب
نستخلص من هذا أن مصطلح الجريمة في اللغة، مطابق لما هو في القرآن الكريم، وهو يعني الإثم والذنب العظيم. وما ترادف مع « الخطأ » الا من باب التوضيح ، ولأن الخطأ نفسه ذنب. فخطيئة آدم ذنب عصى به أمر ربه فعدت خطيئته جرما. ولو أن له عذرا بأن الشيطان قد أغواه. أما قابيل فلم يرتكب الخطأ  بطريق الصدفة أو الإهمال أو النسيان، ولم يغوه أحد، بل تعمده تعمدا بدليل قوله :  « قال لاقتلنك » (المائدة 27) وقول أخيه له: « لئن بسطت يدك الي لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك » ( المائدة 38).
نستنتج من هذا: أن الإسلام ينظر إلى نوعين من الجريمة:
أ ـ جريمة تقع بطريق الخطأ أو النسيان أو الإهمال أو الخضوع للإغواء ... وما شابهها.
ب ـ جريمة تقع بعد تصور وتصميم وتعمد.
وهذا التفريق بين نوعي الجريمة مهم جدا في الصدى الذي تتركه الجريمة في المجتمع، وفي الارتكاس الذي يرتد عليها بالعقاب والتأديب.  وسنعود لهذا البحث من بعد.
أما تعريف الجريمة فيمكن وضعه في الإطار الآتي : « الجريمة هي انتهاك القيم والحرمات الثابتة في المجتمع» (*) وعلى هذا فلا يمكن تصور الجريمة خارج المجتمع الإنساني، ولما كان لكل مجتمع قيمه الخاصة به، وله حرمات معينة يقدسها، فإن ما يعتبر جرما في مجتمع ما، لا يعد كذلك في مجتمع سواه. فالهندوس يقدسون البقرة ويؤلهونها، والمسلمون يذبحونها كما يذبحون أي حيوان ويأكلونها. فقتل البقرة محرم لدى الهندوس محلل لدى المسلمين لا يدخله أي معاني التجريم.
أما الإسلام فإنه ينظر إلى الجريمة في ذاتها، على اعتبار أنه نظام حضاري متكامل طموح لان يسود العالم كله أبيضه وأسوده وأصفره وأحمره، ولتبقى أسسه ثابتة خالدة ما دامت الحياة على وجه الأرض. فإذا كان شرب الخمر مثلا لا يشكل جرما في البلاد غير الإسلامية، فإنه في الإسلام جرم أينما كان المسلم الذي يتعاطاه في أي مكان من العالم . وما اختلاف الفقهاء في مدى التجريم والعقاب الا ظاهري سطحي، أما الأساس فثابت لا يتحول. وقد سار علماء الشريعة في جميع مباحثهم وتحرياتهم الفقهية واستخلاص الأحكام .. على طريقين: نقلي وعقلي. أما الأول فهو القرآن والسنة. وأما الثاني فهو الإجماع والقياس والمصالح المرسلة والاستحسان .. وتوابعها. ولنعرض لها جميعا فيما يلي بمنتهى الإيجاز :

أ ـ القرآن الكريم:
هو كلام الله الثابت الذي لم يتغير منه حرف منذ أنزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حتى اليوم وآيات الأحكام فيه واضحة جدا، لا ترتكز على مجاز ولا تستند الى استعارة. فلا تنبع فيه قواعد أصول الفقه المتفق عليها ما بين مطلق ومقيد وعام وخاص ... وما شابه ذلك مما يعرفه الأصليون والفقهاء ودارسو الشريعة وأساتيذها على اختلاف مذاهبهم.

ب ـ الحديث الشريف :
هو مجموعة أقوال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأوامره ونواهيه وتعليقاته وإجاباته على ما يسأل عنه أو يستفتى به . واذا كان القرآن الكريم دستور الإسلام المجمل، فإن الحديث الشريف توضيح له وشرح وتفسير.
على أن موضوع الحديث بالذات يحتاج إلى شيء من تعليق: بعد أن افترقت الأمة الإسلامية إلى فرق متعددة تجد وصفها مجملا في كتاب « الفرق بين الفرق » للبغدادي، ومفصلا مشروحا في كتاب « الملل والنحل » للشهرستاني، وكتاب « الفصل في الملل و الأهواء و النحل » لأبن حزم الأندلسي. ودخل على الحديث عدد هائل جدا من المكذوب والمفترى والمنتحل، بسبب شقاق الفرق فيما بينها، وتناصر الأحزاب السياسية والشعوبية، وتخاصم  القبائل وتنافس الزعماء : مما دفع المتتبعين  المخلصين للرسالة السماوية إلى البحث والتحري وتبيان المكذوب والملفق، وعرض الصحيح الصادق الناصع. ووضع لذلك علم « الرواية والدراية » وعلم  « التجريح والتعديل » بقصد التصفية والترويق. وظهر على أثر ذلك كتب الصحاح، وأشهرها : صحيح البخاري وصحيح مسلم.
وإذا كانت مذاهب أهل السنة من حنفي وشافعي ومالكي وحنبلي وأشعري ... قد قبلت هذه الصحاح، ووضعتها في مقدمة المرويات الصادقة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فقد رفضها الشيعة واستندوا إلى مرويات آل البيت وحدهم. وحصل بسبب اختلاف المنبع، اختلاف الاتجاه والمنزع . ونحن نفرق أن الشيعة يشكلون 
نصف الأمة الإسلامية تقريبا، وهم منتشرون  في إيران وباكستان والهند واندنوسيا وجنوب العراق وسوريا ولبنان ... فما هو أساس رأيهم في هذا ؟!
قال أمام الشيعة السيد شرق الدين العاملي (6) :« أن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري، وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة ، لم يكن لتحزب أو تعصب ، ولا للريب في اجتهاد ائمة تلك المذاهب، ولا لعدم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم  وجلالتهم علما وعملا. لكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذاهب الأئمة من أهل البيت، بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل. فانقطعا إليهم في فروع الذين وعقائده. وأصول الفقه وقواعده، ومعارف السنة والكتاب ...الخ (7).
ولسبب هذا الاختلاف بين السنة والشيعة في تلقي الحديث من مصادر متباينة ونزوع إلى نتائج متخالفة، فلن نأخذ من هذا ولا من ذاك، إلا إذا كان هناك اتفاق تام في المضمون بينهما، أو انطباق كامل على آية قرآنية صريحة واضحة من غير تأويل (8) ... واستوحينا القرآن الكريم وحده في بحثنا هذا، لكي لا نميل إلى جهة دون أخرى، وهو الكلام الخالد الذي  « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد»  (فصلت 42)، ولا يعني هذا رفض السنة أبدا، فرفض السنة كفر لا شك فيه، ولكننا وجدنا لهذا البحث في القرآن الكريم  كل ما نريد وزيادة فاكتفينا به.

ج ـ الإجماع:
وهو الأصل الثالث من أصول الفقه، ذكر الغزالي انهم اتفقوا على تعريفه بما يلي : « هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من الأعصار، على أمر من الأمور، والاتفاق ينبغي أن يكون تاما بالقول والفعل و الاعتقاد معا» ومن هنا جاء مطعنه، فمن يستطيع الدخول إلى أعماق النفس الإنسانية ليتأكد من صحة الاعتقاد أو فساده؟ ومن يدعو الناس إلى الاجتماع ؟ وبأي حق يدعوهم ؟ وبأي حق يجتمعون؟ وكيف يجتمعون في صعيد واحد من جميع أقطار الأرض ؟ ومن ينقل إلينا اجتماعهم؟ وهل حصل في التاريخ اجتماع من هذا النمط؟ وهل نقل إلينا عبر الآحاد أو بالتواتر؟ ... الخ .
ولهذه الأسباب ولسواها، نفى الإمام ابن حنبل الإجماع وقال :  « من ادعى الإجماع فهو كاذب»(9).
على أن هناك اجماعات من أنواع أخرى ، لا ندري اذا كانت قد حصلت فعلا أو لم تحصل، كاجماع أهل المدينة، واجماع الصحابة، واجماع الائمة الأربعة، واجماع الخلفاء الراشدين، واجماع العترة النبوية، والإجماع السكوني ، والإجماع التوافقي ، والإجماع التتابعي ...(10) الخ.
فالزيدية والامامية، يعتبرون اجماع العشرة النبوية حجة: لأنهم من آل البيت.
ومالك: يعتبر اجماع أهل المدينة لأنه مدني.
وابن حنبل : يعتبر حجية الأئمة الأربعة لأنه واحد منهم.
وأبو حنيفة : يعتبر حجية الصحابة لأنه لا يرى نفسه دون التابعين، ولديه القدرة على أن يقيس عليهم.
وداود الظاهري: يعتبر حجية الصحابة كذلك، لأنه يرفض القياس! !
فانظر كيف اتفق أبو حنيفة وداود على حجية الصحابة وحدهم، واختلفا في المبدأ الذي انطلقا منه للوصول إلى الهدف ذاته  ! ! (11).
وبهذا السبب، فانا لن نعتمد على ما يدعي بعضهم من الإجماع لكي لا نمسك بطرف دون طرف، ونكون مع جماعة دون أخرى، ونعود دائما إلى المنبع الصافي، إلى القرآن الكريم، كتاب الله الخالد وإلى ما يؤيده من حديث متفق معه.

د ـ القياس :
 
وهو تطبيق حكم على حادث لم يرد عليه نص صريح، ولكن له فيما مضى شبيه، وتلحق به المصالح المرسلة والاستحسان، تطبيقا للقاعدة العامة في تطور الأحكام مع تقلبات السنين والأعوام. وهو من أجل المبادىء الأصولية، يستند فيه إلى حكم أصيل، من القرآن الكريم أو السنة المطهرة، وتفرع عليه الفروع، وتلحق الأحداث بأحكام هذه التفاريع، تمشيا مع الزمن وتطور الأحوال والمجتمعات. ولنا في هذا الباب أسوة حسنة بالخلفاء الراشدين، فهم ائمة الهدى في سياسة الدولة، حين كان الإسلام برعما آخذا بالتفتح للنور وللحياة، شاديا يدفع خطواته الأولى في طريق الأمجاد. كما نتأسى بعباقرة المفكرين المسلمين من فقهاء وقضاة وشراح ومفسرين ... الخ.
ولن نجرؤ على القول برأي ندعيه ونسنده إلى الإسلام، ما لم يكن عليه نص قرآني صريح واضح أو حديث شريف متفق معه.
لقد نظر فقهاء القانون الوضعي والمشرعون إلى الجريمة من وجوه متعددة، فشرحوها تشريحا يوضحها ويجليها ويبين الدافع اليها وأثرها في المجتمع وشدة وقعها فيه ... ووضعوا العقاب لكل حالة بما يناسبها. نظروا إلى الباعث الدافع إلى ارتكاب الجريمة، فوجدوا ارتباطها بالأخلاق حتميا، وأنه لا يتجاوز حالين هما : باعث شريف، وباعث دنيء. فخففوا عقاب الأول، وشددوا على الثاني . مثال ذلك : القتل دفاعا عن النفس أو العرض أو المال ... تخفف فيه العقوبة أو تعفى إعفاء ضمن حدود معقولة، بترك الأمر الأمر في تقريرها إلى القاضي تطبيقا لنص قانوني. والقتل للسرقة والاعتداء على العرض والانتقام الشخص والتأمر على الدين والشرف والدولة ... تشدد فيه العقوبة تبعا لنص قانوني كذلك.
فهل نظر الإسلام إلى الجريمة من هذه الوجهة وعالجها؟!
القتل في الإسلام مثلا محرم تحريما واضحا جدا، لكن يمكن تبريره بحق المجتمع في الثأر لنفس ازهقها القاتل من قبل، أو بسبب فساد وفتنة يتمزق بها المجتمع. قال تعالى: « من قتل نفسا  بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا » (المائدة 33 ).   « أقتلت نفسا زكية بغير نفس، لقد جئت شيئا نكرا » ( الكهف 74 ).  « وأن قاتلوكم فاقتلوهم » (النساء 191 ) .  «  وان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم » (النساء 89) . وأيد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيقا وعملا، فأمر بقتل المخربين والجواسيس والمفسدين على المسلمين عقيدتهم، غير أنه عفا عن حاطب بن أبي بلتعة حين تجسس للقرشيين على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مسلم ومن شهود بدر، فلم يقتله كما قتل الجواسيس والعيون، بل توقف في عقابه عند العتاب واللوم !! (12) لرأي طيب رآه فيه.
والسرقة حدها معلوم واضح: «  والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالا» (المائدة 38) وطبق القطع على السارقين زمن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، ولكن عمر لم يقطع في عام المجاعة، إذ نظر إلى الباعث وهو الجوع، وتعجب لمن لا يجد طعام يومه ويبيت جائعا كيف لا يخرج على الناس بالسيف!!.
والزنى حده صريح جدا في القرآن الكريم، غير أنه فرق ما بين محصن وغير محصن شدد على الأول بالرجم وقال (ص) في شرحه : « الولد للفراش وللعاهر الحجر». وخفف عن الثاني فقال: « الزاني والزانية فاجلدوا كل منهما مائة جلدة » (النور 2 ). وقصة ماعز في هذا الموضوع مشهورة جدا.
ونظر فقهاء القانون إلى الجريمة من وجه آخر:
فوجدوا أن الباعث قد يكون شخصيا وقد يكون اجتماعيا. فالأول قد يقع بسبب اختلال عقلي أو أخلاقي من طمع وطموح وانتقام  ... وقد يقع بسبب حاجة تتعلق بالحياة كالجوع.
ويكون الثاني بسبب اختلال في  التوازن الاجتماعي كوقوع ثورة أو اضراب أو وضى أو مجاعة عامة .. أو بسبب تركيب اجتماعي مختل غير متوازن ..
وقد نظر الإسلام إلى كل هذه الحالات فأعفى المختل جسديا أو نفسيا أو عقليا من المسؤولية كما أعفى الحيوان الأعجم  و« جناية العجماء جياد » فقال: « ليس على الأعمى حرج و لا على الأعرج حرج و لا على المريض حرج » (النور 61 ـ الفتح 17 ) . « أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي » (الزخرف 40) . «أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل » ( الفرقان 17). « وما أضلنا الا المجرمون» ( الشعراء 99 ).
وفي الضلال والإضلال  206 آيات في القرآن الكريم، يمكن بتحليلها وحدها أن نفرق بسهولة ما بين الباعث والهدف في الجريمة بمختلف صوره وأنواعه.
ونظر فقهاء القانون إلى الجريمة من وجه ثالث، ففرقوا مابين العمد من جهة، والخطأ والسهو والنسيان من جهة أخرى. فهل نظر الإسلام  فهل نظر الإسلام إلى هذا التفريق كذلك؟!
نعم، ففي جريمة القتل مثلا، تجد صورتين للعمد وللخطأ بينتين. جاء في القرآن الكريم: « ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة »(النساء 91 ) . « وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» (النساء 91) . «ومن يقتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم خالدا فيها » (النساء 92 ).
وقسم فقهاء القانون الجريمة بحسب شدتها إلى ثلاثة أقسام: جناية، وجنحة، و مخالفة، فهل نظر الإسلام إلى هذا التفريق؟!
أشاد القرآن الكريم إلى نوعين من الجرائم هما:
أ ـ جرائم شديدة الأثر في المجتمع كالقتل والزنى والسرقة والبغي وقطع الطريق ... وحد لها عقابا يتناسب وآثارها في المجتمع شدة وضعفا. وسماها « جرائم الحدود » وقال: « تلك حدود الله فلا تقربوها» (البقرة 187) «  تلك حدود الله فلا تعتدوها»(البقرة 229 ).
ب - جرائم أقل أثر في المجتمع، لا تهزه بعنف كما تهزه جريمة القتل العمد مثلا، أو قطع الطريق. وسماها: « جرائم التعزير» ترك الاجتهاد في عقابها للحكم والقاضي والمحتسب.
والملاحظ في هذا التقسيم أنه يرفع بعض الجرائم إلى درجة الجنايات: ويخفض بعضها إلى درجة الجنح. أما المخالفات البسيطة فلم يعبأ بها كثيرا، وتركها لتقدير الحاكم، ان شاء شدد فيها وان شاء خفف، أنظر إلى موضوع الحسبة، فهو في الأصل تطبيق للآية الكريمة «وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان» (9) وما يشابهها من الآيات الآمرة بالعدل في المبايعات، من باب « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فقد كان المحتسب الموكل بالأسواق يمتحن المكايل والموازن والأسعار ويراقب غش السلع وصلاحها، فإذا وجد خطأ، نظر، إن كان فيه تعمد أو معاودة قسا قسوة شديدة فهرق وكسر وجلد ... وان وجد الخطأ ناتجا عن السهو أو إهمال بسيط أو نسيان .. اكتفى بالتأنيب، وما بين هذا وذاك من تعزيز وتشهير.
فأنت ترى أن التلاعب بالميزان قد ترتفع عقوبته إلى جنحة شديدة، إذا كان فيه عمد وسوء نية. وقد تهبط إلى مستوى مخالفة بسيطة اذا نتج عن نسيان أو ذهول، وكان خاليا من سوء النية وخبث القصد (13).*
والجريمة العمدية، تمر بصفحات متعددة، يمكن تتبعها في الخطوات التالية:
أ ـ خطوات تمهيدية.
ب ـ خطوات تنفيذية.
والتمهيد للجريمة يمر بثلاث صفحات على الأقل هي:
1 ـ التفكير بارتكاب الجريمة.
2 ـ دراستها من جميع وجوهها، مقابلة النجاح في استكمالها حتى نهاية التنفيذ، بالإخفاق المتوقع.
3 ـ اعداد الأدوات التنفيذية كالسم أو الأسلحة الجارحة أو النارية أو المفرقعة أو الحارقة ...الخ.
كما تمر الخطوات التنفيذية كذلك في الصفحات التالية على الأقل :
1 ـ السير نحو ارتكاب الجريمة كاستئجار سيارة ينتقل بها الجاني إلى مسرح الجريمة.
2 ـ مباشرة التنفيذ كالكمون في ركن خفي  وتعبئة المسدس وانتظار بروز المجني عليه.
3 ـ اتمام التنفيذ بإطلاق النار عليه. وينتهي التنفيذ بالنجاح إذا انطلق المسدس في حينه، وكانت الإصابة مسددة تسديدا صحيحا وأصابت المجني عليه إصابة مباشرة، وقد ينتهي التنفيذ بالإخفاق ونجاة المجني عليه من الموت لسبب ما خارج عن ارادته: باكداء السلاح وامتناعه عن الانطلاق، أو تحرك المجني عليه فجأة، أو صياحه عليه وشعور الجاني بالخوف والتردد، أو ظهور ناس آخرين في نفس اللحظة، أو مرور سيارة الشرطة ...الخ.
والقانون لا يؤاخذ المجرم بشيء ما دام ضمن صفحات التمهيد الأولى، أو يؤخذه على أمر آخر غير جريمة القتل أو الأعداد لها كجريمة حمل السلاح من غير ترخيص، مثلا، وإذا دخلت حيز التنفيذ، ينظر، إذا تمت الجريمة بنجاح وكملت، فإنه يجرم بها حتما، واذا قصرت دون النجاح يترك الأمر للقاضي، إن شاء جرم بجرم كامل، وإن شاء جرم بجرم ناقص.
فهل نظر الإسلام إلى الجريمة من هذه الزاوية هذه النظرة التفصيلية؟!

(1) « وعصى آدم ربه فغوى » ( طه 122 ).
(2) « فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه، قل أهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين» ( البقرة 36).
(3) « فطوعت له نفسه قتل أخيه فأصبح من الخاسرين »( المائدة 30 )
(4) الآيات الخمس هي : ( هود 22 ـ النحل 23 ـ ـ 62 ـ 109 ـ غافر43 ).
(5) الآيات الثلاث هي :( المائدة 2 ـ 8 ـ هود 89 ).
(6) كتاب المراجعات : الطبعة العشرون، مطبعة النجاح بالقاهرة، المراجعة رقم 3 ص:4 .
(*) التعريف الشرعي للجريمة : « هي محظور شرعي زجر الله عنها بحد أو تعزير.»(6) كتاب المراجعات : الطبعة العشرون، مطبعة النجاح بالقاهرة، المراجعة رقم 3 ص:4 .
(7) المصدر السابق المراجعة رقم 4 ص 5 ـ وذكر الحديث التالي ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا أيها الناس إني تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي». ثم قال : ولذلك نعلنها صريحة بوجوب اتباع الائمة من أهل البيت دون غيرهم.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي  والنسائي عن جابر ونقله عنهما المتقى الهندي في أول باب الاعتصام من كنز العمال. ص 44 جزء أول 1 .
(8) بالغ الشيعة في التأويل فخصصوا آيات كثيرة عامة بعلي رضي الله عنه، من غير داع إلى التخصيص، وهي لا تتعلق به صراحة مطلقا. وقد أخرج إبن عساكر عن إبن عباس قوله: « نزل في علي وحده ثلاث مائة آية» ! ( أنظر الصواعق لابن حجر فصل 3 باب 6 ص 86 ). وقال غيره: نزل في آل بيت وحدهم ربع القرآن ! ! وأخرج الكليني عن سالم قوله سألت أبا جعفر(الباقر) عن قوله تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق للخيرات .. فأجاب : السابق بالخيرات هو الامام. والمقتصد هو العارف بالإمام. والظالم لنفسه هو الذي لا يعرف الامام  ! ! أما السنة. فقد وقفوا عند التفسير والشرح. ولم يلجأوا إلى التأويل الا نادرا جدا.
(9) الإسلام وأصول الحكم تأليف الشيخ علي عبد الرزاق. نقد وتعليق الدكتور ممدوح حقي. ص 51 منشورات دار الحياة ــ بيروت 1966 .
(10) المصدر السابق ص 53 .
(11) المصدر السابق ص 54.
(12) جاء في صحيح البخاري (باب الجاسوس ). قال علي: بعثني رسول الله أنا والزبير والمقداد بن الأسود وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة  ومعها كتاب فخذوه منها. فانطلقنا تعادى بنا خيولنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله. (ص) فإذا به من حاطب بن بلتعة إلى أناس من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياحاطب!! ما هذا ؟! قال : يا رسول الله لا تعجل علي . إني كنت أمرا ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهلهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي . وما فعلت كفرا و لا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله: لقد صدقكم . فقال عمر يا رسول الله : دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال : أنه شهد بدرا ... أنظر فتح الباري شرخ صحيح الإمام البخاري لأحمد بن علي بن حجر. مجلد 6 ، ص 143 . طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ــ الرياض.
(13) ورد ذكر الميزان في القرآن الكريم 23 مرة. منها 11 آية تحض على وجوب الدقة في الوزن والكيل في المعاملات التجارية والبيوع في هذه الدنيا. و 12 آية في ذكر الميزان الأخروي وهو ميزان معنوي توزن به الحسنات والسيئات يوم القيامة.
(*) جاء في الحديث الشريف: رفع عن أمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here