islamaumaroc

مشاهدتي في أندونسيا: حفلة زفاف.

  دعوة الحق

218 العدد

في مستهل شهر شعبان سنة 1401 ذهب وفد من علماء المغرب الى جاكرتا من أجل المشاركة في انجاح الدورة التدريبية التي نظمتها رابطة العالم الإسلامي لارشاد الأئمة والوعاظ الشباب في اندونيسيا.
وكانت مساهمة الوفد المغربي في هذه الدورة التدريبية مساهمة ايجابية خلفت في نفوس المتدربين، وفي نفوس المشرفين على التدريب آثارا حميدة وشعورا فياضا بعواطف المحبة والأخوة والمودة ...
والى جانب هذا الشعور الأخوي الفياض تميز عمل الإخوان المغاربة بالجديدة والمثابرة والفعالية ...
وكان من شأن ذلك أن أصبح وجود الوفد المغربي في الدورة التدريبية وجودا ملحوظا له قيمته وفعاليته.
ورأت لجنة التسيير أن تبعت بأعضاء الوفد المغربي المشاركين في الدورة الى بعض الأقاليم والجهات خارج العاصمة جاكرتا قصد الاتصال بشباب بعض المعاهد والجماعات الإسلامية.
فمن إخواننا من ذهب الى (باندونج) ومنهم إلى( سوربايا) وبعضهم الى (مالانج) ... وكان من نصيبي أن أذهب إلى مدينة (أسمرنك) بجاوا الوسطى، وكان البرامج بالنسبة لهذه الرحلة إلقاء محاضرتين، أحداهما على أعضاء جمعية نوعية الأسرة ومعظمهم من طلاب وطالبات الجامعة. والثانية بمسجد الميتم التابع للجمعية الإسلامية بأسمرنك.
امتطيت الطائرة (كارودا) من مطار الخطوط الداخلية بجاكرتا الى مدينة (أسمرنك) التي تبعد عن العاصمة بأكثر من : 500 كلم. وهذه المدينة هي عاصمة جاوا الوسطى، وأهل (أسمرنك) يعتقدون أن مدينتهم أجمل مدينة في جاوا.
تقع المدينة على ساحل البحر ومبانيها تشغل سفح هضبة تتدرج في الارتفاع من الساحل إلى قمة تل مرتفع. ويشرف الجزء العلوي من المدينة على البحر من جهة، وعلى حقولا الأرز والمزارع الخضراء من جهة أخرى.
رافقني في هذه الرحلة الأستاذ باعلوي السقاف .. وهو من سكان هذه المنطقة، درس بجاوا الوسطى أولا ثم تابع دراسته بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى أن حصل على الإجازة من شعبة الشريعة الإسلامية، وهو يتحدث اللغتين العربية والأندونيسية بطلاقة تامة.
في مطار أسمرنك وجدنا ثلاثة شبان من جمعية توعية الأسرة في انتظارنا فرحبوا بنا وركبنا معهم سيارتهم، وتوجهنا إلى المدينة، نزلنا بحرم مسجد بيت الرحمن بوسط المدينة، ودخلنا المسجد الذي يتكون من طابقين خصص القسم العلوي للصلاة.
أما القسم الأسفل فبه أماكن للوضوء وقاعات للمحاضرات، والمسجد بكامله يقع وسط حديقة مزينة بالأشجار والأزهار.
دخلنا إحدى القاعات المعمدة لإلقاء المحاضرات فوجدنا بها واعضا منهمكا في إلقاء وعظه وأمامه مكبر الصوت والناس من حوله على الكراسي، النساء في جهة والرجال في جهة أخرى يفصلهما ممر ضيق.
كانت الساعة في هذا الوقت تشير إلى العاشرة صباحا، واليوم يوم أحد والناس يفدون أفواجا على المسجد، لأن اليوم يوم عطلة رسمية ـ لسماع الوعظ والإرشاد الذي يستمر وبخصوص يوم الأحد من الصباح الباكر إلى الزوال.
أغلب المستمعين من النساء اللاتي يصحبن معهن أطفالهن وهن في حلة نظيفة وأنيقة، ويستمر بعض المستمعين في الاتصالات إلى نهاية الموضوع المعد من طرف الواعظ. في حين أن بعضهم الآخر لا يلبث إلا قليلا.
ويجلس بعض الناس في حديقة المسجد، وترى بعض الناس في الساحات حول المسجد ومعهن أطفالهن، وعلامة الاحتفال بهذا اليوم بادية في اللباس وفي مظاهر أخرى، منها: تجول فرقة من الكشافة مكونة من الذكور والإناث في طابور طويل، يتقدمها جوق موسيقي يعزف أنغاما حماسية تتحرك المجموعة على نغماتها، وتطوف الشوارع والساحات الرئيسية بالمدينة، وهي في تطوافها هذا تمر بحرم بعض المساجد وبعض الكنائس مخترقة أهم شوارع المدينة، ولا تنتهي من تطوافها إلا عند الزوال.
بعد التعرف على مرافق مسجد بيت الرحمن، ومشاهدة بعض زواره، قصدنا بيت مدير المسجد السيد (جو سيدي غزالي) الذي كان في الانتظار حسب الاتفاق معه من طرف المشرفين على الدورة بالعاصمة، لم نجد السيد غزالي لأن اليوم يوم أحد، ولمدير المسجد ارتباطات كثيرة وأعمال متعددة.
فتحت السيدة الباب وأشارت إلينا بالدخول وذكرت أن زوجها مشغول في حفل زفاف.
وفي غرفة الضيوف أحضرت لنا إحدى بنات السيد غزالي الشاي والحلويات، ورحبت السيدة من بعيد، ثم كلمت زوجها بالهاتف وذكرت أن زوجها يدعونا إلى مكان الحفل.
بعد خروجنا من بيت السيد جوسدي غزالي توجه بنا الإخوان إلى البيت الذي تقام فيه حفلة الزفاف. طرق المدينة مزينة بالأشجار اليانعة، معظم المنازل يتوفر على حديقة مزينة بالأشجار والزهور.
وبعد لحظات يسيرة وقفت السيارة بباب مكان الحفل الذي هو منزل والد العروس يقع هذا المنزل وسط حديقة واسعة محاطة بسور مرتفع، وعندما فتح الباب ظهرت صفوف الكراسي بالحديقة وقد صفت في مساحة مسقوفة مزينة بالزهور وبالثريات المتحدة من أغصان الأشجار في فنية وبراعة، وفي الممر الذي يفصل صفوف الكراسي تتدلى بعض الثريات المصنوعة من ورق الأشجار وزهورها في أشكال مختلفة، وبنفس الطريقة زينت بعض جوانب قاعة الحفل.
وفي مدخل الحديقة جلس شخص حول منضدة مهمته فحص الاستدعاءات وأمامه دفتر كبير ذو ورق صقيل، فعلى المدعو أن يظهر بطاقته أولا ثم يكتب بالدفتر اسمه، وعنوانه، ومهنته، ثم عبارة التهنئة فالإمضاء. وسائر المدعوين والمدعوات يقومون بهذه العملية.
لم تكن عندنا نحن الأربعة استدعاءات لحضور الحفل، الا أن السيد (جوسدي غزالي) مدير مسجد بيت الرحمن كان في انتظارنا فلما وصلنا أقبل علينا بحفاوة، رحب وأشار علينا بالوقوف إزاء المنضدة وبكامل السرعة أحضر الإستدعاءات فأظهرناها لصاحب الدفتر، ثم كتبنا أسماءنا وما جادت به القريحة من عبارات التهاني، ووقعنا بالدفتر الشرفي، ودخلنا مكان الحفل يتقدمنا السيد غزالي الذي وصل بنا إلى الصف الأمامي إزاء المنصة الشرفية، وأجلسني بجوار والد العروس وهو رجل نحيف يميل إلى الطول يلبس بذلة أروبية ممتازة، رحب بي بالغ الترحيب، فهنأته ودعوت بالسعادة والذرية الصالحة، فأمن وفرح ... وطلب مني أن أجلس في المنصة الشرفية. إلا أنني اعتذرت  بأني  لا أعرف تقاليد البلد، وخير لي أن أجلس بمجلس هذا حتى ألاحظ وأتعرف على ما يجرى، فقبل عذري.
وفي هذه الأثناء كانت الموسيقى تصدم بالأنغام الموسيقية الأندلسية في نعومة ولطف.
وبعد وقت قصير من جلوسنا أعلنت مقدمة الحفل ـ وهي فتاة تلبس حلة زاهية، تقف عند منضدة وضع عليها مكبر الصوت، في مكان تشرف منه على جميع الحاضرين، أعلنت أنه قد حان وقت إجراء مراسيم الخطبة.
وبعد لحظة يسيرة تشكلت هيئة الخطبة :
تسعة أفراد من أهل العريس. وتسعة من أهل العروس، اصطفت كل مجموعة ثلاثة صفوف يتقدمهم مفوض، وتفصل المجموعتين مسافة نحو خمس أمتار.
تقابلت المجموعتان، و أصبح المفوضان ـ مفوض العريس، ومفوض العروس ـ وجها لوجه.
وبعد ما أخذت كل مجموعة وضعها في الممر بين الحاضرين أعلنت مقدمة الحفل عن بداية الخطبة، وسكتت الموسيقى والتفت الحاضرون نحو المجموعتين اللتين يلبس أفرادهما لباسا تقليديا خاصا يتكون من قطعتين من قماش فاخر ذي لون بني غامق، أحذية سوداء لامعة تغطي نصف القدم، أحزمة حريرية واسعة في لون بني مزركش بالأصفر، وبين الحزام والبذلة من جهة الخلف، وضع خنجر ذو مقبض ابنسي لامع ، وعلى رأس كل فرد من المجموعتين قبعة على شكل عمامة هندية صغيرة قماشها من نفس لون قماش الحزام الحريري.
بدأ مفوض العريس بالكلام فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ـ وهذه التحية الإسلامية شائعة بين المسلمين في أندونيسيا ـ أجابه مفوض العروس: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد هذه الإجابة على التحية شرع مفوض العريس في الخطبة باللغة الأندونيسية الجاوية، ومما قاله في كلمته:
« أن أسرة السيد فلان ـ والد العروس ـ أسرة كريمة معروفة بالمروءة والأدب والكرم، وان ابننا (فلان) الشاب المهندس جاء طالبا منكم كريمتكم لتصبح زوجة له على سنة الله ورسوله، وأننا نلتمس منكم قبول خطبتنا هذه، حتى نسعد بالمصاهرة معكم، وأن ابننا هذا سيصبح ابنكم، وواحد من أسرتكم فاقبلوا خطبتنا التي القصد منها ربط أواصر المحبة مع أسرة كريمة» ... وينهي كلمته بالإطراء والثناء في أدب جم وعبارات رائعة.
ويجيبه مفوض والد العروس ويبدأ كلامه بالتحية الإسلامية، ومما جاء في كلامه قوله:
«نحن نرحب بخطبتكم الميمونة، ونرحب بابنكم وأسرتكم نظرا لما تتصفون به من مروءة وأخلاق كريمة ولما يتصف به ابنكم من نبل وأخلاق عالية. وها نحن قد قبلنا خطبتكم، وجعلنا بنتنا واحدة من أسرتكم الكريمة، ونحن نتشرف بهذه المصاهرة التي هي على الطريقة الشرعية، وعلى مقتضى كتاب الله وسنة رسوله (ص)».
وبعد الاستماع إلى الخطبتين تتقدم المجموعتان بخطوات وئيدة نحو بعضهما ويتصافح المعوضان ثم باقي أفراد المجموعتين، ويمتزج بعضهما ببعض وتتشكل منهما مجموعة واحدة يتقدمها العريس في هذه المرة. أما المفوضان فيخرجان من المجموعة ويأخذان مقعدهما في المنصة الشرقية.
العريس يحيط به ثلاثة شبان يحملون هداياه، واحد منهم أمامه يحمل صحنا كبيرا من الفضة بداخله هدية مغطاة بقماش حريري أسود مطرز بخيوط الذهب، الشبان الآخران يحملان هدايا أخرى زينت بالزهور في شكل محابق كبيرة ينوء بها حاملاها.
تسير المجموعة بخطى وئيدة تحت أنغام الموسيقى إلى أن تقترب من المنصة الشرفية التي يكون قد جلس حولها نائب القاضي وشاهدان عادلان، والمقرئ، والمفوضان، ومدير المسجد، ويطاف إلى هؤلاء العريس الذي يأخذ مكانه في وسط المنصة الشرفية بعد أن ترك المجموعة هيئة الخطبة واقفة في مكانها.
تعلن مقدمة الحفل عن بداية عقد الزواج وتترجى من الحاضرين الاستماع الى الآيات البينات التي ستفتتح بها عملية العقد.
يرفع المقرئ صوته بالقراءة، وهو شاب أسمر نحيف يلبس قميصا ومعطفا، يأتزر بالإزار الأندونيسي ذي الألوان الزاهية. وبصوت رخيم يشبه صوت عبد الباسط عبد الصمد تلى قوله تعالى:
« ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ...».
وآيات أخرى مثل قوله تعالى : « وعاشروهن بالمعروف ...»
التلاوة جيدة، المقرئ يقرأ بدون مصحف، الجميع ينصت في خشوع. وبعد نهاية التلاوة خطب فضيلة نائب القاضي خطبة مؤثرة للغاية كان موضوعها الحث على الزواج، وبيان منافعه وفوائده، وما لحياة الأسرة السعيدة من أثر على المجتمع مقتبسا من الآيات القرآنية الكريمة، ومن الأحاديث النبوية الشريفة ما نسب موضوعه، وبعد ذلك قال: لقد طلب الشاب فلان ابن فلان الآنسة فلانة كريمة السيد فلان بن فلان، وقد وقع الرضى والقبول بحضور الوالي، أما الصداق فهو نسخة من المصحف الكريم ،،، وبالفعل وضعت على المنضدة نسخة من كتاب الله العزيز ملفوفة في نسيج حريري  فاخر ولم يذكر غير هذا في الصداق.
ومن عادة المسلمين بأندونيسيا أنهم يتساهلون في المهر تساهلا كبيرا، وقضية المهر ليست عندهم مشكلة أبدا. بل هم يتساهلون فيه إلى أقصى الحدود. وغالبا ما يكون مصحفا شريفا لا أقل ولا أكثر، ولا يذكر عادة غيره في عقد الزواج.
والهدايا الأخرى لا تذكر مهما كانت قيمتها، وهي غير مشروطة وإنما هي على حسب الاستطاعة، ومع الإمكان.
وبعد كلمة نائب القاضي تعطى الكلمة للعريس فيتعهد أمام الحاضرين أنه سيعاشر زوجه بالحسنى  والمعروف طبق تعاليم الإسلام الحنيف، ويطلب من الله تعالى أن يوفقه وزوجه إلى الخير وأن يرزقهما السعادة في حياتهما...
كلمة العريس في هذا المشهد كلمة مؤثرة حقا، ثم يأخذ نائب القاضي الكلمة من جديد فيبارك ويدعو وبعد الانتهاء من دعواته تصدح الموسيقى. وهنا تبدأ حركة داخل البيت حيث تستعد العروس لمقابلة العريس على باب المنزل الذي تقف إلى جانبيه سيدتان أحدهما تحمل منديلا كبيرا مطويا طيا مستطيلا، وبداخله بيضة نيئة تضعه على عتبة البيت، وتحمل الأخرى طست نحاسيا أصغر لامعا بداخله ماء ممزوج بالورد والزهور.
ينهض العريس من المنصة ويحيط به حاملوا الهدايا ويتقدم في تؤدة نحو باب المنزل، ويتحرك موكب العروس من الداخل ويلتقي العروسان عند عتبة البيت ويخلع كل منهما نعله اليمنى فيضعان قدمهما معا دفعة واحدة على المنديل ويكسران البيضة بداخله، اشارة إلى انكسار الحواجز والعوائق، ويقفان وجها لوجه في حياء. وفي أبهى حلة من الزينة.
لقد زينت العروس بطريقة يابانية تقريبا من حيث تصفيف الشعر وليس عقود الجواهر، والأقراط الفاخرة، وأساور الذهب، كل هذا مع لباس فاخر أنيق.
وفي انحناءة شرفية معبرة تجثو العروس على ركبتيها، وتدخل يدها في الطست المملوءة بالماء الممزوج بالورد والزهر وتغسل رجل العريس، وتنشفه بمنديل خاص لهذه الغاية، وتقف بعد ذلك لتتأبط يده اليسرى وتقف مع عريسها جنبا إلى جنب.
الموسيقى تصدح، وبريق آلات التصوير يلمع من هنا وهناك، العروسان يسيران وخلفهما موكب من الفتيات، وبسرعة يغيب الموكب عن الأنظار، وتبدأ عملية توزيع الشاي والحلويات والمشروبات على المدعوين، ثم يقدم لهم بعد ذلك طعام الغداء.    
وكان مما أثار انتباهي في هذا المشهد غسل العروس رجل عريسها، ولما سألت عن ذلك قيل لي انه عادة قديمة متوارثة، وذلك عندهم دليل على طاعة الزوجة لزوجها.
العروس في نحو الخامسة والعشرين من عمرها، نحيفة سمراء تميل إلى الطول، وهي حاصلة على الماجستير في العلوم الاقتصادية. وهي ابنة أحد أغنياء المدينة.
العريس شاب مهندس في نحو الثلاثين من عمره مكتمل القامة جميل الطلعة يميل إلى البياض وتعلو وجهه حمرة الشباب ومسحة من الحزم والرصانة.
والعادة في اندونيسيا أن العريس يدخل على عروسه في بيت والدها ويمكث مع أصهاره مدة من الزمن، قد تطول أحيانا إلى شهر، وقد تكون ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك ينتقل العروسان إلى منزلهما الجديد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here