islamaumaroc

التشريع الإسلامي بين الاكتفاء بالنصوص والتوسع في المصادر.

  دعوة الحق

218 العدد

سأتناول موضوعا أحسبه جديرا بالدراسة والبحث نظرا لما ثار ويثار حوله من جدل لم يحسم الخلاف فيه بعد، وهو: الاكتفاء بالنصوص أو التوسع في المصادر كما عنونته..

المصادر الأصلية والتبعية: 
1- مصادر التشريع الإسلامي نوعان: أصلية وتبعية، فالأولى تنحصر في الكتاب والسنة والإجماع، والثانية:عد علماء المالكية منها:القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والعرف، وسد الذرائع، وعمل أهل المدينة،وقول الصحابة، والبراءة الأصلية، والاستصحاب، والاستقراء،وشرع من قبلينا، مع اختلافهم في مراعات الخلاف (1).
2- ولا شك أن النوع الثاني كان ميدانا فسيحا للتشريع، اعتمده الفقهاء في التخريج والاستنباط، والترجيح والتضعيف، والتخصيص والتقيد ..
3- غير أن كثير من الناس يتساءلون اليوم كما تساءلوا بالأمس، لماذا اللجوء إلى التوسع في المصادر ؟ مع أن كتاب الله وسنة رسول الله (ص) فيهما ما فيه الكفاية، بهما أكمل الله شريعته، وبين أحكام دينه عبادة ومعاملة « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » ، ويعتبرون أن تخطيهما إلى ما سواهما، منازعة لله في أحكامه، وتطاول على السيادة الأهلية، إذا لا حكم إلا لله، ولا سبيل إلى معرفة الحق في مصالح الناس إلا بالرجوع إلا الخالق، فالشريعة اكتملت بوفاة رسول الله(ص) ، وكشفت بالنصوص عن حكم الله في كل قضية وكل مشكلة، ولا عبرة بتبدل الزمان أو المكان..
4- وعلى وجاهة هذا الرأي، وتقديرنا لأصحابه، إلا أننا نخالفهم الرأي فيما يذهبون إليه، إذ من المعلوم لدى كل عاقل أن النصوص متناهية، والوقائع والنوازل غير متناهية، فالنوازل تتجدد باستمرار، وهي لا توفي بها النصوص، ومعلوم قطعا أنه لم يرد في كل حادثة نص صريح، والرأي السائد لدى جمهور العلماء أنه لم يقدر لرسول الله (ص) أن يستوعب إلا القواعد الكلية للتشريع، وجانبا من الأحكام الفقهية التي تتصل بحياة الناس وواقعهم..
5- وليس معنى هذا أن شريعة الإسلام قاصرة أو عاجزة عن استيعاب هذه الأمور، وشمول المواضيع المستجدة والمعاصرة، فشريعة الله وسعة كل شيء، ما كان واقعا على عهد رسول الله (ص) وما حدث بعده، وما سيحدث يوم القيامة، إلا أنها أتت بالكليات والقواعد العامة، وتركت التفاصل والجزئيات إلى العقل يوجهها حسبما تتطلبه المصلحة البشرية وحسب التطورات الزمانية والمكانية، وهذا من إتمام كمالها، ولان النبي (ص) كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس، ومقتضيات الظروف الزمانية « لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم » (2)،ولم يمضي على وفاته (ص) إلا زمن قصير، حتى ظهرت حاجات جديدة لم يعرف الصحابة والتابعون لها حلا في الكتاب، ولا في ما صح من السنة النبوية « فكان أبو بكر إذا ورد عليه خصم ينظر في كتاب الله، فان وجد بما يقضي بينهم قضى به، وان لم يكون في الكتاب وعلم عن رسول الله (ص) في ذلك الأمر سنة قضى بها فان أعياه خرج فسأل الصحابة قائلا: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله (ص) قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرعن رسول الله (ص) فيه قضايا يقول أبو بكر : الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبينا، فان أعباه أن يجد فيه سنة عن رسول الله (ص) جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فادا اجتمع رأيهم على أمر قضى به » (3) ، وجاء في وصية عمر بن الخطاب للقاضي شريح « فان جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله (ص) ولم يتكلم فيه أحد بتلك، فاختر أي الرأيين شئت، ان شئت أن تجتهد رأيك لتقدم فتقدم، وان شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك » (4) . ويؤثر عن ابن مسعود رضي الله عنه من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فان لم يكن في كتاب الله ولم يقض فيه بسنة نبيه (ص) فليقض بما قضى به الصالحون، فان جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه، ولم يقضي به الصالحون فليجتهد برأيه، فان لم يحسن فليقم ولا يستحيي (5) .
6- وهكذا نرى الفقهاء من الصحابة لجأوا إلى أعمل الرأي والاجتهاد منذ الأيام الأولى لوفاة رسول الله (ص) في المسائل المستحدثة، وليس اللجوء إلى الاجتهاد بمختلف أشكاله إلا دليلا قاطعا على أن الكتاب والسنة لم يستوعبا الوقائع المستحدثة بالحكم الخاص، إذ لا معنى للاجتهاد وأعمال الرأي فيما نص عليه الكتاب أو السنة بحكم صريح..
يقول الحفيد ان رشد :« أن الوقائع بين أشخاص الاناسي غير متناهية والنصوص والافعال والاقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهي » (6) ، والى هذا الرأي يجنح ابن خلدون، فهو يرى أن الوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص، فيحمل على المنصوص لمشابهة بينهما (7) ، وجاء في الملل والنحل للشهرستاني : أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بعدد كل حادثة اجتهاد (8)، ولا يختلف رأي الحافظ بن عبد البر عن الآراء السابقة، فهو يؤكد أن الفروع لاحد لها تنتهي إليه أبدا، وبذلك تشعبت، فمن رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل إليه، لأنه لا يزال يرد عليه ما لا يسمع ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره لكثرته، فيحتاج إلى أن يرجع إلى الاستنباط (9) ولعل هذا المعنى يرشد إليه حديث رسول الله (ص) لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن فقال : كيف تصنع أن عرض لك قضاء؟ قال : أقضي بما في كتاب الله، قال:فان لم يكن في كتاب الله، قال فبسنة رسول الله (ص)، قال : فان لم يكن في سنة رسول الله (ص) قال: اجتهد رأيي ولا آلو ، فضرب بيده في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضاه
رسول الله (10)، ولا عجب فان الاصول محدودة، والحوادث ممدودة كما قال العلامة السرخسي (11) .
7- على أن قضية الاكتفاء بالنصوص كمصادر للتشريع في المصادر كانت دائما مثار اختلاف علماء الإسلام، وانقسموا فيها فريقين: فمنهم من قال بأعمال النصوص القطعية فقط (من كتاب وسنة وإجماع) على خلاف في هذا الأخير شاذ، ومنهم من توسع في المصادر، ورأى أن النصوص القطعية لاتكفي لاستيعاب ما يجد وما يحدث من علاقات ومشاكل وأحداث..
فالفريق الأول المكتفى بالنصوص القطعية يذهب إلى أن كلام الله فيه كل شيء، ولا داعي إلى إيجاد المصادر الجديدة للاحكام، وهذا الفريق يستدل لرأيه ببعض النصوص من الكتاب والسنة والآثار..
فمن الآيات: قوله تعالى : « ما فرطنا في الكتاب من شيء » (12) وقوله تعالى : « ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء » (13)  ومن الأحاديث ما أخرجه الترمذي وغيره أن رسول الله (ص) قال : «ستكون فتن، قيل وما المخرج منها ؟ قال: كتاب الله .. فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم » (14) ، وما روي عن أبي هريرة (ض) أنه قال : قال رسول الله (ص) : « أن الله لو أغفل شيئا لاغفل الذرة والخرولة والبعوضة » (15)..
ومن الآثار : ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال : « من أراد العلم فعليه بالقـــــرآن، « فان فيه خبر الأولين والآخرين » (16)، وما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود (ض) قال : « انزل في القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء، لكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن » (17)، وقال أبو العباس المرسي في تفسيره : « جمع القرآن علم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله (ص)  خلا ما استأثر به سبحانه وتعالى، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس، حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان تم تقاصرت الهمم ، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حملته الصحابة والتابعون من علومه، وسائر فنونه فنوعوا علومه، وقامة كل طائفة بفن من فنونه، فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته ومعرفة مخارج حروفه وعددها »  (18) ، وقال الإمام بن حزم :« كل أبواب الفقه ليس فيها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنـــة نعلمــــــه » (19) ، ويقول الحافظ البرزلي: « وأكثر الوقائع في آخر الزمان واقعة فيما قبله بل يفتقر للحفظ والفطنة من تطبيق الواقعة على ما حفظه » (20) ويقول العلامة ابن حزم :« إن رسول الله عليه وسلم أتانا بهذا الدين وذكر أنه أخر الأنبياء وخاتم الرسل وأن دينه هو لازم لكل حين، ولكل من يولد إلى يوم القيامة في جميع الأرض، فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت  فهو ثابت أبدا في كل مكان وكل حال حتى يأتي نص ينقله عن حكمة في زمان آخر أو مكان آخر، أو حال آخر، وكذلك ان جاء نص بوجوب حكم في زمان ما أو في مكان أو في حال ما، وبين لنا ذلك في النص وجب أن لا يتعدى النص، فلا يلزم ذلك الحكم 
حينئذ في غير ذلك الزمان ولا في غير ذلك المكان، ولا في غير تلك الحال، قال تعالى: « ومن يتعد حقوق الله فقد ظلم نفسه » (21) .
8- فعلى هذا الرأي تكون النصوص كافية، وأن محاولة إيجاد المصادر التكميلية للأصلين منازعة لله في أحكامه وتشريع ما لم يأذن به الله ولا يجوز التردد في تطبيق حكم من أحكام الشريعة الإسلامية بدعوى مراعاة روح العصر أو ظروفه، وأن الشريعة هي المعيار والحجة على كل عصر، وهي الحاكمة على أهواء الناس، وهذه النظرة وان كانت فكرة صالحة نشيد بقيمتها، إلا أنها نظرة جامدة تقف مع النص لا تتعداه، وهي تتحمس للنصوص أكثر مما تعتمد على العقل، بل تلغي هذا الأخير، وتحط من قدره، متجاهلة أن الشريعة جاءت موجهة العقل إلى توجيه النصوص توجيها يتماشى مع واقع الناس ومصلحتهم.
9- والفريق الثاني نظر إلى مصالح الناس، والى أوضاع المجتمعات الإسلامية والى الواقع المعاش، مستخدما عقله في إدراك الأشياء وتحقيق المصلحة، وبناء الوقائع على النصوص، ولا ريب أن رأي هذا الفريق يبدو أكثر وجاهة من الأول، فهو يعتمد النصوص وينطلق منها ولا يرى في ممارسات الاجتهاد وأعمال الفكر، واستنباط الاحكام، وتنوع المصادر، إلا تأييدا للنصوص، واكتشاف مواضع المصلحة، كما يرى أن الوقوف المطلق مع النصوص وتطبيقها على الواقع المتجدد منهج يصطدم بتلك النصوص نفسها..
10- واذا كانت الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، فان ذلك لا يتأتى مع الجمود، لان العالم كله متغير متطور، ولعل وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يؤيد هذا الاتجاه، فما وجد إلا بسبب ما كان في الزمان النبوي من تغيرات الأحوال ، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى:«عليكم أنفسكم » أن هذه الآية يعود العمل بها في أخر الزمان، فالدين ما أتى إلا رحمة بالناس، وهو بذلك يستجيب لحاجاتهم وتحقيق مصالحهم، والمصادر التكميلية ما هي إلا استجابة لحاجات الناس، لأنها واجهة مشاكلهم ، فإذا تعددت المشاكل، وتبدلت الأوضاع فلا بد أن تتغير الأحكام وتتطور، فالكل في هذا الكون متجدد متطور لذلك وجب مسايرته ...
11- فالنصوص على كثرتها محدودة بالقياس إلى المشاكل المتجددة، والسوابق التي ثبتت في عهد النبوة وصدر الإسلام مهما تعددت، فهي بدورها محدودة العدد، بالقياس إلى ما يطرأ في كل يوم من مشاكل، والعالم كل يوم يزداد بالتجارب الإنسانية، وبما وصلت اليه العلوم الحديثة في ميادين الدراسات الاجتماعية والنظم السياسية والاقتصادية والمعاملات التجارية، لا يملك إزاءها مشرع معاصر أن يسقط هذه المستجدات من حسابه، فلا بد من مسايرة التطور البشري، لا سيما والفقهاء يعرفون أن الله بين أشياء، وسكت عن أشياء وفي ذلك دعوة للعقل لكي ينطلق، ويبحث عن وجوه المصلحة، وإعطاء الحلول لكل ما يحدث .
12-  وأيضا فالنصوص نفسها فيها عموم، وفيها مجمل، وفيها تفصيل كذلك، فما كان منها مفصلا شاملا لا مجال للعقل لأن يستدرك عليه، أو يزيد فيه، وما كان مجملا وعاما، فهذا محل اعمال العقل، والشريعة الإسلامية يتسع صدرها لهذا الاجتهاد، فأصحاب المذاهب الإسلامية الذين استنبطوا الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس لم يستوعبوا كل شيء ولم يحيطوا بكل شيء وإنما كان نظرهم في الغالب منصبا على ما حدث في عصرهم، ولم يضيفوا على أنهم أصلوا لمن يأتي بعدهم ...
يقول القاضي عياض: « لكنهم (أي  الائمة) لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل، ولا تكلموا من الشرع إلا في قواعد ووقائع، وكان أكثر اشتغالهم بالعمل بما علموا والذب عن حوزة الدين، وتوطيد شريعة المسلمين، ثم بينهم من الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يبقى المقلد في حيرة ، ويحوجه إلى نظر وتوقف، وإنما جاء التفريع والتنقيح وسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم، فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم، وبنوا على أصولهم، ثم جاء من بعدهم العلماء من أتباع التابعين والوقائع قد كثرت، والنوازل قد حدثت والفتاوي في ذلك قد تشعبت، فجمعوا أقاويل الجميع، وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم، وحذروا انتشار الأمر وخروج الخلاف عن  الضبط، فاجتهدوا في جمع السنن، وضبط الأصول، وسئلوا أجابوا وبنوا القواعد، ومهدوا الأصول، وفرعوا عليها النوازل ووضعوا للناس في ذلك التصانيف وبوبوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فتح عليه ووفق له فانتهى إليهم عمل الأصول والفروع والاختلاف والاتفاق وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه أو يشبهه» (22) ..
13- فالحكم الشرعي يتأثر كثيرا بالظروف الاجتماعية التي ترافقه، وقد تطور المجتمع الإنساني من الحيات البدائية إلى الحياة المتمدنة، وانتقل الإنسان من الصحراء والأرياف إلى المدن الآهلية، وتحولت الحياة البدائية البسيطة إلى الحياة الاجتماعية المتحضرة المعقدة، وتغيرت علاقات الفرد بالكون والمجتمع ووسائل التقدم الحضاري، وتبعا لذلك فان التشريع الإسلامي يجب أن يلاحق هذا التطور، وهذه المدينة ببناء الفروع على الأصول حتى يحفظ أصالته وسلامته وثباته، واتصاله بالطبيعة البشرية الفردية والاجتماعية، ويضمن بذلك صلاحيته للبقاء والاستمرار في الظروف الاجتماعية المتطورة(23) ولأمر ما رأينا أصحاب المذاهب الإسلامية أحدثوا مقاييس للرأي، واستنبطوا معايير جديدة للاستنباط، وألوانا من الاجتهاد، وبذلك كانت تختلف مذاهبهم في ذلك، فكان بعضهم يرفض وجهة نظر الآخر في الحكم، وكان القياس أول هذه المعايير التي استعملها أرباب المذاهب، وتشعبت مدارس الفقه الإسلامي، وصيغت الأفكار في صيغة علمية محددة، حتى أصبح علم أصول الفقه صناعة علمية لها أصولها وقواعدها، وذلك كله يدل على عدم وفاء نصوص الكتاب والسنة بما استحدث للمسلمين بعد عصر النبوة، وما جد لهم من حاجات على طريق التفاصيل.
14- ومن هنا ذهب معظم الفقهاء إلى القول بأن النصوص لا تغني عن المصادر التبعية، إذ النصوص لا يمكنها أن تستوعب جميع الجزئيات والتفاصل ولذلك لجأوا إلى العرف والى المصلحة والى الاستحسان وغيرها من بقية الأصول التبعية..
15- فالعرف لا بد من مراعاته في استنباط الأحكام وتطبيقها لأن كثيرا من النصوص الآمرة بنيت عليه، حتى في الجرائم والعقوبات، ففي جريمة التعدي على الكرامة الإنسانية من شتم واهانة إنما يعتبر من الكلام فيها ما يكون في عرف الناس شتما واهانة للمقول فيه، كما أنه يخصص النصوص العامة، فيحمل العام على ما يقتضيه العرف ويبني عليه، ويكون حجة في فهم الأدلة في خلق جريمة أو عقوبة خاصة، فالعقوبة التعزيرية التي لم يحدد الشارع لها مقدارا ولا نوعا، وإنما فوض الأمر فيها لرأي الحكام وانظارهم حسب المصلحة في زمان وحسبما تؤديه من تحقيق زجر الجاني، إنما تكون شرعا بالقدر الذي يعتبر كافيا للقمع والزجر في نظر القلاء وعرفهم بحسب درجة الجرم بحيث لا يكون أكثر مما يستدعيه الجرم المرتكب فتصبح هي ظلما وجرما، ولا أقل، فيكون فيها تهاون في حقوق الناس، وتنتفي منها الرهبة الزاخرة، فالتعازيز تختلف باختلاف البلدان والعادات، فما قد تبيحه سلطة تشريعية في بلد ما قد تحرمه سلطة أخرى في بلد أخرى، وما قد تعاقب عليه سلطة تشريعية من وجه قد تعاقب عليه سلطة أخرى من وجه آخر في بلد آخر (24)، لأن القاعدة: أن ما رتب عليه الشرع حكما ولم يجد فيه حدا يرجع فيه إلى العرف (25) ، ومن ثم كان المجتهدون المستنبطون للأحكام من القواعد العلمية يتأثرون إلى حد كبير بالوسط الذي كان يعيش فيه هؤلاء الناس، والعادات التي تكتنفهم، فلو لم تتأثر الأحكام المبنية على العادات في استنباطها ببيئة الناس، ولو لم تكن مناسبة لظروفهم، لشعر الناس بالضيق والحرج، وصارت الشريعة مجانية للغرض الذي بنيت عليه (26)، وليس معنى هذا أن العرف والظروف يتحكمان في النصوص الصريحة فيحملان المجتهد على القول بحكم غير الذي تعطيه النصوص، بل معناه أن من النصوص ما هي قواعد عامة يمكن تطبيقها حسب ظروف الناس وأحوالهم، ومنها ما هو معلل بمصالح خاصة يمكن أن تدور الأحكام التي تشتمل عليها مع هذه المصالح (27)،  ولا شك أن مصالح الناس تتبدل بتبدل مظاهر المجتمع البشري، فمهما كانت مصالح العباد أساس كل تشريع، كان من الضروري والمنطقي أن تتبدل الأحكام وتتغير وفق تبدل الزمان وتغيره، وتتأثر بمظاهر المحيط والبيئة الاجتماعية.

تغير الأحكام بتغير الزمان والأحوال:
17- ومن المقرر في فقه الشريعة: أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمانية تأثيرا قويا في كثير من الأحكام القصد منها: اقامة العدل،وجلب المصلحة، ودرء المفسدة ، فلها ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمانية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيرا أو علاجا ناجحا لبيئة ما في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يفي بالغرض المنشود، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق ..
وقد اهتم العلماء المتأخرون بهذه الحقيقة ولاحظوها في كثير من المسائل أفتوا فيها بعكس ما أفتى به أئمة المذاهب القدامى، وأسسوا على هذا القاعدة الفقهية القائلة:« لا ينقل تغير الأحكام بتغير الزمان » وقد أوجب القرافي على أهل العصر تفقد مذاهبهم (28) لهذا الغرض.
وكم اصاب ابن القيم عندما لاحظ ان تغير الفتوى واختلافها تتغير بحسب تغير الازمنة والامكنة والنيات والعوائد، وذكر ان بسبب الجهل بهذه الحقيقة وقع غلط عظيم على الشريعة اوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل اليه، الشيء الذي يتنافى والشريعة التي هي في أعلى رتب المصالح (29).
وليس ابن القيم أول من أدرك هذه الحقيقة، بل أدركها كثير من الفقهاء قبله، فالإمام مالك قال:« تحدث للناس فتأوي بقدر ما أحدثوا» وقبلهما قال الإمام العادل عمر بن عبد العزيز :« تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور»(30).
18- ثم إن المسائل الفقهية في حلها ثابتة عن طريق الاجتهاد والرأي وكثير منها بناه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، ولو تأخرت به الحياة إلى زمان آخر لقال بخلاف ما قاله أولا، ولهذا اشترطوا في المجتهد أن يراعي عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا، للزم المشقة والضرر بالناس، ولخلاف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر (31).. يقول القرافي:« أن أحكام الأقضية والفتاوى تتبع عوائد الزمان وعرف أهلها » (32)، وقال المقري في القاعدة (1037): « كل حكم مرتب على عادة فإنه ينتقل بانتقالها إجماعا» (33)، وقد حدثت أعراف كثيرة نتيجة اختلاف وسائل الحياة وجرى عمل الناس بها تبعا لتطور الزمان وتعدد النوازل، ولا نزال الحوادث تتجدد وتتطور بتطور الزمان وتعظم كلما تقدمنا في الزمان، فالناس اليوم سائرون مع الحضارة ويعايشون ما تأتي به من جديد كل يوم في مختلف مجالات الحياة من صناعات، واكتشافات وعمران وتشابك المصالح مما أنشأ تقاليد وأعرافا جديدة تقتضي أن يوجد لها حكم مناسب يراعى فيه تحقيق المصلحة، ولو كان هذا الحكم جاريا على القول الضعيف أو الشاذ.

مراعاة المصالح:
19- ونعتبر في كتب الفقه والنوازل على أقوال كثيرة ومسائل عديدة جرت فتاوي الفقهاء فيها على القول الشاذ والضعيف تحقيقا للمصلحة المعتبرة، وهكذا نراهم يصرحون بأن:«هذا الحكم مخالف لمشهور المذهب أو مخالف للنصوص ولكن أفتى المتأخرون به لمصلحة ظهرت لهم ».
فبيع الصفقة مثلا عند المتأخرين مخالف للنصوص، ولكن جوزه لتحقيق مصلحة البائع الذي يريد بيع حصته، فلو لم يبع الجميع صفقته لتضرر بفعل تماطل الشركاء وعدم استجابتهم لرغبة من يبيع خطه (34) فهم اعتمدوا في هذا على المصلحة التي تتحقق للبائع، وكذلك فعلوا في مسألة شاهدة اللفيف، جوزوها لتحقيق المصلحة، فلو عدم العدول لتوقفت مصالح الناس، ولكن الفقهاء راعوا تحقيق المصالح فقبلوا شهادة عوام الناس حتى لا تتعطل مصالحهم (35)، وكذا الشأن بالنسبة لبيع المضغوط، جوزوا بيعه لما فيه من مصلحة وهو تخليص نفس المضغوط من العذاب، وهو آكد في الاعتبار، على الرغم من أن المشهور فيه أنه لا يلزمه و أن يرد إليه ما باعه بلا ثمن (36)، وكذلك فعلوا في مسألة تضمين الرعاة، لأن تضمينهم يؤدي إلى حفظ مصلحة أرباب الماشية حتى لا يفرط الرعاة بالغفلة أو التعدي، فاعتبرت المصلحة في هذا وقل مثل هذا في مسألة الجزاء والجلسة، والحكم لولي القتيل دون شاهد، ومسألة الخماس إلى غيرها من النظائر...

مراعاة الاستحسان:
20- واذا كان لفقهاء اعتبروا المصلحة وبنوا عليها العديد من الاحكام، فانهم كذلك راعوا الاستحسان كأصل من أصول الاستنباط على جهة الاستثناء والترخيص، فاجازوا بيع السلم ودخول الحمام من غير تقدير أجرة ولا عوض عن الماء ولا تقدير مدة المكث، لان التقدير في مثل هذا قبيح في العادات، فاستحسنوا ترك المضايقة فيه، مع ان ذلك لا يجوز في بيع ولا اجارة، وكذا الامر في الاستصناع، فهو شراء معدوم، والأصل أن لا يجوز، ولكن أجيز استحسانا، والقرض في الأصل ربا، لأنه مبادلة العين بالعين إلى أجل، لكنه أبيح استحسانا لما فيه من الرفق والوسعة على الناس بحيث لو بقي على أصل المنع لأصاب الناس حرج، والاطلاع على عورات الناس في التداوي ممنوع أصلا لتحريم رؤيتها، إلا أنه استحسن لرفع الضرر، والمزارعة والمساقاة على القاعدة العامة توجب منع انعقادهما لجهالة البدل فيها، لكن استحسن ذلك استحسانا(37)، والقياس الصحيح المطرد أن لا يقضى القاضي بعلمه ولا بما يسمع في مجلس نظره، لكنهم استحسنوا خلافه كما صرح بذلك ابن سهل (38)، إلى غير ذلك من النظائر التي أفتى فيها الفقهاء مراعاة لتحقيق المصلحة، ولهم في ذلك مستند اعتدوا عليه، وهو الاقتداء بفعل الصحابة، فالعمل بالمصلحة عمل به الخلفاء الراشدون، اذ حكموا في مسائل لم تكن موجودة في عهده (ص)، فأبو بكر جمع القرآن الكريم في المصحف لان المصلحة اقتضت ذلك خشية الضياع، وعمر دون الدواوين وسك العملة، وشاطر الولاة الذين اتهمهم في أموالهم، وأراق اللبن المغشوش، وقتل الجماعة بالواحد، وعلى ضمن الصناع علما بأن الأصل في الصانع أنه أمين، والأمين لا يضمن، كما اتفقوا على حد شارب الخمر ثمانين جلدة، ولا شك أن هؤلاء الصحابة لم يكونوا يصدرون في هذه الأحكام عن رأي مجرد أو اتباعا للهوى، وإنما كانوا في ذلك مسايرين لروح النصوص حسبما هداهم إليه فهمهم السليم. والله أعلم بالصواب.

(1)أنظر تعداد المصادر التكميلية: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص:445 ، وشرح التحفة لابن ناظمها، مخطوط خ. م. ص: 2 رقم 9856 ، والموافقات للشاطبي 3/41، وترتيب المدارك لعياض 1/89ط.المغرب، والمعيار للونشريسي 2/272، والبهجة للتسولي 2/133 ، ودليل الرفاق لماء العينين 1/35 .
(2) المائدة : 100 .
(3) فجر السلام ص : 239 ودائرة المعارف لفريد وجدي : 3/212 .
(4) جامع بين العلم وفضله : 2/70 .
(5) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية : 177 ط : ثانية .
(6) بداية المجتهد : 1/2 .
(7) المقدمة ص : 445 ط : التجارية .
(8) الملل والنحل : 1/199 .
(9) الأبحاث السامية : 1/17 .
(10) اعلام الموقعين : 1/70
(11) أصول السرخسي : 1/10
(12) الانعام :38 .
(13) النحل : 89 .
(14) الإتقان : 2/126
(15) الاكيل في استنباط التنزيل للسيوطي ص :2 .
(16) الإتقان 2/126 .
(17) الإكليل : ص : 2 .
(18) الإتقان : 2/126 ـ 128 .
(19) الأبحاث السامية : 1/16 .
(20) أحكام البرزلي، مخطوط خ. م. رقم : 4841
(21) الأحكام مجلد : 2 /592 .(22) ترتيب المدارك : 1/61 .
(23) الإسلام والحكم ص: 276 .
(24) الفروق : 4/183 والتشريع الجنائي الإسلامي ص: 132 .
(25) أحكام الأحكام لابن دقيق العيد : 2/299 .
(26) العرف والعادة ص: 77 .
(27) العرف والعادة ص :78 .
(28) الفروق: 2/109 .
(29) إعلام الموقعين : 3/1
(30) انظر شرح الزرقاني للموطأ : 4/204 .
(31) أنظر العرف والعمل في المذهب المالكي لكاتب هذه السطور: 1/133 .
(32) الأحكام ص :68 .
(33) الكليات ص : 130 مصورة أستاذنا الجليل سيدي سعيد أعراب حفظه الله .
(34) أنظر تحفة الأصحاب والرفقة لميارة مخطوط خ. ع. رقم 889 د .
(35) أنظر العرف والعمل في المذهب المالكي: 2/476 .
(36) نور البصر ص: 169 .
(37) أنظر هذه الأمثلة وبقيتها ـ إن شئت ـ في كتاب العرف والعمل في المذهب المالكي الجزء الثاني ابتداء من ص : 408 .
(38) أحكام ابن سهل ص : 7 مخطوط خ. ع. بالرباط رقم 86 ق .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here