islamaumaroc

السنة وأنواع الكتب الحديثية.

  دعوة الحق

218 العدد

حضرات الأساتذة
أيها السادة
يطيب لي في بدء هذا الحديث عن السنة وأنواع الكتب الحديثية أن أشكر لمنظمة المؤتمر الإسلامي عقدها لهذه الأيام الدراسية ودعوتها لهذه النخبة الممتازة من جلة الباحثين والدارسين. وأنها لتساعد بذلك مشكورة على معالجة كثير من القضايا المطروحة اليوم كما تمكن بصنيعها هذا إعطاء هذا الملتقى الفكري من تبادل الخبرات وإثراء المعلومات بما تكون قد اتسمت به بحوثهم من أصالة وعمق، أو جدة وطرافة، أو تحليل أو عرض.
هذا وقد أردت بمساهمتي هذه المتواضعة أن أواكب الصحوة الإسلامية في العالم بالإشارة الى أهم ركن من أركانها العلمية وابراز مقوم من مقومات الذاتية الا وهو السنة التي تقوم الدعوة العلنية الصريحة الى الرجوع اليها بل الى الأخذ بها في كل مجالات الحياة. فلست اذن بباحث في تاريخها ولا متعرض الى مواقف الدارسين السابقين منها الا من حيث كونها واقعا بل حكمة وتراثا، ضروري الالتزام به، وحتمي التقيد بهديه واحكامه لدى المؤمنين والمسلمين كافة. ومثل هذه الدراسة قد تطول كثيرا فلا يتسع لها الوقت في مثل هذه المناسبة، ولا أريد أن أثقل على حضراتكم بالدخول في القضايا الجزئية والمسائل الدقيقة ومن أجل ذلك سأحاول قدر الطاقة أن أختصر القول فأقتصر على عرض لبنات الموضوع الأساسية المتمثلة أولا في الحديث عن السنة ومنزلتها، ثانيا في بحث الحديث ونقده، ثالثا في دواوين السنة والكتب الحديثية.
وطبيعي قبل الولوج في صميم الموضوع وتناول ما يتعلق به من قضايا أن نقف قليلا عند لفظ السنة فنحدد مدلوله على الجملة لغة واصطلاحا.
ففي المصادر اللغوية تطلق السنة على الطريق والطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيئة. وبهذا المعنى جاء قول خالد:
فلا تجزعن عن سنة أنت سرتها 
              وأول راض سنة من يسيرها (1)
وقول لبيد:
من معشر سنت لهم آباؤهم
              ولكل قوم سنة وأمامها (2)
واستعمل القرآن كلمة السنة بازاء الطريقة في قوله عز وجل: «يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلهم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (3). وبمعنى العادة في قوله تعالى: « سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا»(4).
وكذلك وردت في النصوص الحديثية، بمعنى الطريقة كما في حديث ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :« لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع » (5). وبمعنى السيرة والعادة كما في حديث عبد الله المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« صلوا قبل صلاة المغرب ـ قال في الثالثة ـ لمن شاء كراهية أن يتخذها  الناس سنة» (6).
والسنة في الاصطلاح تختلف بين الفقهاء الذين يشتغلون بالفروع والمسائل، وبين الأصوليين الذين يبحثون في الأدلة التفصيلية التي تستنبط منها الأحكام الشرعية. قال الأولون: السنة كل ما ثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب فيؤجر على فعله ولا يترتب على تركه اثم أو عقاب (7)، وقال الأصوليون : السنة كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول ـ وهو الحديث ـ أو فعل أو تقرير أو صفة »(8)، وهي بهذا المعنى عند المحدثين: والسنة القولية أو الحديث وحي من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين كافة، يشهد لذلك ويدل عليه قول الله جل وعلا :«وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى» (9) وبحكم هذا الاعتبار اكتسى الحديث النبوي الشريف أو السنة على العموم من الصفات ومتعلقاتها ما تلتحق فيه بمرتبة القرآن الذي هو كلام الله المتلو المتميز بالإعجاز.
فقد جعل الله من وظيفة رسوله تبليغ السنة إلى الناس:«هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة» (10) وجعله سبحانه هاديا بها في قوله:
« وانك لتهدي الى صراط مستقيم »(11). وصرح في كتابه بأن فيها توجيها وتشريعا كما يوذن بذلك قوله تعالى:« الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يامرهم  بالمعروف وينهاهم  عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائــــــث» (12). وهي فصل بين المتخالفين: « فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» (13) واجب على المؤمنين الاحتكام اليها والرضا بقضائها: « فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما»(14).
وبقدر مانجد من النصوص القرآنية ما فيه دلالة على وجوب الامتثال والطاعة من نحو قوله جل وعلا: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول » (15). وقوله:« يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم » (16) وقوله: « واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة أن الله كان لطيفا خبيرا»(17). وقوله: « وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» (18). وقوله: « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهــــم » (19). نجد نصوصا أخرى أشد اقتضاء والزاما بما اشتملت عليه من التحذير من المخالفة كقوله عز وجل:« فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليــــم » (20). أو بما تضمنه من وعيد صريح مثل قوله جل ذكره :« ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيــــــــرا»(21).
ولا بدع أن يركز على السنة في الشريعة الإسلامية ويؤكد عليها مثل هذا التأكيد الذي تنطق به الشواهد القرآنية السابقة. فهي المصدر الثاني للتشريع، وهي في عامة نصوصها وما وردت به أما موافقة للكتاب موافقة تامة فتكون تقريرا وتأكيدا للأحكام المنصوص عليها فيه، وأما مفسرة ومبينة له كما يدل على ذلك قول الله تعالى :«  وأنزلنا اليك الذكر لنبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون »(22) . وقوله سبحانه: :« وما أنزلنا عليك الكتاب الا لنبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون »(23). وما مضيفة الى الكتاب زائدة عليه فتأتي بأحكام لبعض أحوال سكت عنها القرآن.
وهذان واجب الأخد بهما من حيث ايجاب القرآن ذلك، ومن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قبل.
ولا نحتاج الى ايضاح الصورة الأولى فامثلتها  كثيرة والشواهد عليها متعددة. وأما الصورة الثانية فمثالها ما ورد بالسنة من بيان لمجمل القرآن . فالكتاب أمر بالصلاة والزكاة والحج. وورد ذلك مجملا به. ثم جاءت السنة مفصلة لذلك الإجمال. فقال صلى الله عليه وسلم :« صلوا كما رأيتموني  أصلي ». فبين المواقيت وأعمال الركوع والسجود وسائر الأحكام. وحدد صلى الله عليه وسلم الزكاة ووقتها وما تؤخذ منه الأموال. وبين للناس أحكام الحج وفال: :« خذوا عني مناسككم » . والنصوص الحديثة في الأفعال والأقوال بشأن تلك المجملات تضمنتها دواوين السنة واعتمدها الفقهاء في ضبط  الأحكام وهي كثيرة جدا . ومن أمثلة البيان الذي وردت به السنة أن الله جل جلاله جعل حق الوالدين في التركة وصية يوصي بها لهما الهالك وذلك قوله تعالى: « كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين»(24)، وفرض لهما في آية ثانية سهما وذلك قوله:« ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك أن كان له ولد »(25). وظاهر الآيتين التقابل في الحكم. وقد رفعته السنة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آية الفرائض نسخت الوصية.
وأما الصورة الثالثة وهي التي تكون فيها زيادة على الكتاب فذلك مثل تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع، وشرائه المربد لبناء المسجد من الطفلين اليتيمين، وفدائه أسرى بدر بالمال الى غير ذلك من الأحكام التي وردت بها السنة خاصة.
واذا ثبت ما رواه ابن عبد البر الأوزاعي عن حسان بن عطية من قوله :« كان الوحي ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم  ويحضره جبريل  بالسنة التي تفسر ذلك » (26). وصح أن السنة كانت بحسب ما ذكرناه وفصلنا فيه القول وحيا من رب العزة لنبيه ورسوله، وكانت تشريعا وهدى للناس، وبيانا وتفصيلا للفرقان، و أنها قاضية على الكتاب و أن القرآن أحوج من السنة الى كانت بحسب ما ذكرناه وفصلنا فيه القول وحيا من رب العزة لنبيه ورسوله، وكانت تشريعا وهدى للناس، وبيانا وتفصيلا للفرقان، وانها قاضية على الكتاب، وأن القرآن أحوج الى السنة من السنة الى الكتاب(27)، فهي ذكر وعد الله بحفظه بقوله: « انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظــــــون » (28).
فالقرآن والخبر الصحيح كما نبه عليه ابن حزم بعضهما مضاف الى بعض شيء واحد من حيث كونهما من عند الله، ومن حيث ايجاب الطاعة لهما. والذكر بالآية واقع عليهما من غير تفريق بين الوحي المتلو المتعبد بتلاوته والوحي المقروء فهو يشمل كل ما أنزل الله عليه نبيه من قرآن وسنة يبين الله بها القرآن (29). والتلازم بين المبين الذي هو القرآن بدون حفظ للبيان الذي هو السنة. فلا سبيل اذن لضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، ولا سبيل الى أن يختلط بالسنة باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين. ولو جاز ذلك لبطل الانتفاع بالذكر، ولو جاز لكان الذكر غير محفوظ. وهذا غير ما وعد به الله ووعد الله حق وصدق  « وعد الله لا يخلف الله الميعاد»(30).
فإذا ارتفعت أصوات هنا وهناك تشير إلى الضعيف والموضوع من الأحاديث، والى قلة الامانة والفسق والكذب لدى عدد كبير من الرواة، والى ما يحصل بسبب ذلك من الخلط بين النصوص ومن عدم الاطمئنان اليها والوثوق بها أجبنا بما أجاب به عبد الله بن المبارك وقد ذكرت له الحديث الموضوعة قال: تعيش لها الجهابذة « انا نحن نزلنا الذكرى وانا له لحافظون ».
وانا حين نلتفت الى دواوين السنة وجهود الجمع والتصحيح وطرق الرواية وقواعد الدراية وما قام به النقاد من تجريح وتعديل وبحث في المتون ودرس عميق في للسنة ووضع لألوان الكتب وأنواع المصنفات فيهم بحكم كونها مصدر هدي وتشريع نوقن ايقانا ثابتا أن الله تولاها بالحفظ بمثل ما تولى به كتابه، وأن شريعة الله كما ذكر الوزير في الروض الباسم لا تزال محفوظة وسنة رسوله لا تبرح بحمد الله محروسة بقوم على ذلك رجال صادقون وفوا بما عاهدوا عليه الله وانقطعوا لخدمة هذا الدين. وقد كان الحافز لهم على ذلك بدون شك على تعاقب الأجيال وتوالي العصور حب الرسول صلى الله عليه وسلم ولزوم طاعته ووجوب العمل بالصحيح الثابت من سنته، ومن أجل ذلك انقطعوا للعناية بهذا المهم وتركوا لنا تراثا عظيما وثروة جد واسعة جزاهم الله عن العمل النبوي وعن هذا الدين وأهله أفضل الجزاء.
وقد اهتم هؤلاء العلماء بالحديث فبحثوه من كل جوانبه وقسومه عدة أقسام بحسب الاعتبارات المختلفة والظواهر أو الأحكام. فنظروا اليه من حيث ما يفيده من علم. وجعلوا منه المتواتر الذي يفيد اليقين، والمشهور الحامل على الاطمئنان، وخبر الواحد الذي لا يفيد غير الظن. وقسموا أخبار الآحاد إلى صحيح وحسن ومتفاوت الحسن. واستعملت الأحاديث التي من هذه الأنواع كلها في مجال التشريع لاستنباط الأحكام منها واعتمدها عامة الفقهاء. ولا يقال أن الآحاد لا تفيد إلا الظن والظن لا يغني عن الحق شيئا لأن خبر الواحد إذا صح إسناده ومتنه وجب العمل به عند أئمة المسلمين كافة وأن كانت دلالته ظنية. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمده وأقر العمل به حين كان يبعث بآحاد الصحابة الى أطراف البلاد والى القبائل المختلفة ليعلم المسلمين دينهم ويبين لهم من الأحكام الحلال والحرام وكلف الناس باتباع أقوالهم واعتمادها (31).
ونظروا الى السنة من حيث ما يدخل منها في نطاق التشريع وما لا يدخل فجعلوها ثلاثة أقسام أقوالا وأفعال واقرارات.
أما الأقوال فمنها الأخبار وهي خارجة بدون شك عما نحن فيه من الدلالة التشريعية، ومنها الأوامر والنواهي التي هي جملتها نصوص تشريعية تنتهي أو تؤول الى تحديد أحد الأحكام التكليفية الخمسة.
وأما الأفعال أو السنة الفعلية في تحمل دلالة تشريعية لنا من حيث ما يستفاد منها بحسب القرائن من وجوب أو ندب أو غير ذلك الا أن تكون السنة الفعلية كاشفة عما هو خاضع للهو أجس النفسية كالحركة العفوية، أو داخل تحث سلطان الجبلة البشرية كالقيام والقعود، أو قام دليل خارجي على كونه خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم مثل الوصال في الصوم وعدم أخذ الصدقات. فنحن لسنا مكلفين في هذه الأحوال باتباع السنة الفعلية والعمل بها. قال السبكي:« وما كان من أفعاله صلى الله عليه وسلم جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح أن البيان دليل في حقنا وغيره لسنا متعبدين به»(32).
وأما الإقرارات فهي على نوعين لأنها قد تكون اقرارا على الأقوال فتكون مثل أقواله صلى الله عليه وسلم، وقد تكون على الأفعال فيكون فيها التفصيل السابق الذي ذكرناه في الأفعال.
وتنقسم السنة من حيث شمولها لأنواع العلاقات والتصرفات الى ثلاثة أقسام أيضا لأنها أما مرتبطة بأحكام الأمامة، وأما بأحكام القضاء، وأما بالتبليغ. وبحث ذلك لا يعنينا مباشرة وهو مبسوط عند الفقهاء في كثبهم. فنكتفي هنا بالإشارة اليه. وانما المعنا  اليه كما ذكرنا غيره لاستيفاء أهم أنواع الحديث أو السنة وبيان أنها كلها من قبل أن تعتمد لدى المحدثين والمجتهدين كانت موضع بحث ونظر ودراسة ونقد.
وقد اتخذت لهذا الأمر أسبابه من الزمن الأول. وكان مكان السنة من القرآن لدى الصحابة رضوان الله تعالى عنهم. وكانوا يعرفون أن الحديث علم ودين فهم يتلقونه ويتحملونه من النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة الله اياهم الى ذلك في قوله:« فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون» (33) . ووقر في نفوسهم مع ذلك أن عليهم وعيه وحفظه وأداءه وتبليغه استجابة لأمر الله وامتثالا لدعوة رسول (ص) في خطبة الوداع يوم النحر. « ليبلغ الشاهد الغائب فان الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منـــه»(34).
ومن قوله(ص): «احفظوه واخبروا به من ورائكم»(35). وقوله : «نضر الله أمراء سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه كما سمعه فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه»(36). فتحمسوا للتحمل وحرصوا على طلب هذا العلم وتبليغه. وقد جاء التنويه بمن يفعل ذلك من المسلمين من بعد الصحابة في قوله (ص): « ان الدين ليأرز الى الحجاز، كما تارز الحية الى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز، معقل الأروية من رأس الجبل، ان الذين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي »(37). فحمل هذا الأمة على الاعتناء بالدين والحفظ لهذا العلم والتحري في تحمله وروايته، ورزقها الله علم الإسناد فكان خصيصاها الذي تميزت به دون سائر الأمم ، كما أكد ذلك أبو علي الجبائي وأبو بكر محمد بن أحمد.
وبدأ اعتماد الإسناد في وقت مبكر من زمن الفتنة. روى مسلم عن أبي جعفر محمد بن الصباح، حدثنا اسماعيل بن زكرياء عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: « لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم. فينظر الى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر الى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم » (38). فكان الاعتماد على الإسناد طريقا للذب عن السنة وسبيلا لتمييز الصحيح فيما من غيره، قال عبد الله بن المبارك فيما رواه عنه أبو الحجاج بسنده:« الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»(39) وقال أيضا: « بيننا وبين لقوم القوائم»(40) وعلى هذا الأساس من النظر والضبط والتحليل والتمحيص للروايات الحديثة ظهر كبار الأئمة الرواة في التابعين أمثال الزهري وقتادة وأبي اسحاق والأعمش. فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف، والزهري أعلمهم بالإسناد، وأبو اسحاق أعلمهم بحديث على وابن مسعود، وكان عند الأعمش من كل هذا»(41).
وقد اختلفت مناهج المحدثين المسندين في نقد الحديث وتصحيحه فمنهم من جعل سبيله الى ذلك النظر في الرواة ونقد الرجال وبحث السند، ومنهم من انصرف عن هذا الى فهم المتن وضبطه ومقابلته بالأصول وعرضه على القرآن، ومنهم من جمع على الطرفين ونقد السند والمتن كليهما فبرىء من الإفراط والتفريط. وثبت عنده كثير من الأحاديث التي روتها الفرقة الثانية المعنية بالمتون، ولم تثبت لديه صحة كثير من الأحاديث التي قبلتها الفرقة الاولى المكتفية بالتجريح والتعديل لرجال الأسانيد.
واذا كان الباحثون في الرجال، الناقدون لرواياتهم، المتتبعون لأخبارهم، الممحصون لأحوالهم قد تركوا لنا على مر العصور تراجم للرواة وآراء دقيقة حول عدالتهم وأمانتهم وفطنتهم وفقههم واتقانهم وضبطهم فان مرد ذلك يرجع في الأول الى من مد الله في أعمارهم من أقطاب الصحابة، فهم الذين كانوا المرجع في ذلك كله، على كلامهم اعتمد وبأقوالهم أخذ. ثم ثلث  ذلك الرحلة الى أطراف البلاد. فمكن هذا من سعة الرواية ومن الاتصال بالعديد من الثقات، وبممارسة هذا الفن واضطلاع عدد من الأئمة بالتجريح والتعديل تبينت القواعد والأصول المعتمدة في ذلك واختلفت مناهج النقاد وظهر من بينهم متشددون ومتساهلون ومتوسطون.
أما الطائفة الأولى فإنها لم تكن تقبل من الرواة اعتماد الكتب فيما يبلغون، ولا ترى الحجة الا فيما يرويه الراوي من حفظه وذكره. وقد انفصلت عنها فرقة منها جوزت  اعتماد الكتاب  في الرواية بشرط أن لا يخرجه الراوي من يده بالإعارة أو نحو ذلك خشية دخول التغيير عليه. وقد وصف السيوطي هذه الطائفة بفرقتيها بالإفراط والتشديد.
وأما الطائفة المتساهلة فهي التي رضيت الرواية من نسخ لم تقع مقابلتها على الأصول واكتفت بالتلقي عن الراوي بواسطتها. وقد وقع ذلك من عدد من العلماء والصلحاء فلم يرتضهم الحاكم وجعلهم مجروحين بهذا السبب.
وأما الطائفة المتوسطة وهي الجمهور فانها لم تفرط كالأولى ولم تخرج عن حد الاعتدال والضبط كالثانية فالتزمت مناهج وقواعد في التحديد هي التي ضبطها العلماء في كتبهم وأخذوا بها نفوسهم... وفي زمننا هذا الذي انقطعت فيه الرواية أو كادت ولم يبق من طرف التحمل إلا آخرها وهو الوجادة لا يجوز لمن أراد تعاطي هذا الفن الادلاء بالرأي في الأسانيد والتفريق بين الأحاديث صحيحا وسقيما، حسنها وضعيفها، ثابتها وموضوعها حتى يحصل على ثقافة واسعة حديثية، ويمارس هذا الفن ممارسة صالحة بالوقوف على دواوينه المشهورة المتواترة الموثوق باصحابها، وبالإحاطة والعلم بفن المصطلح وتاريخه. ونحن غير بالغين القصد من تصحيح الحديث بمجرد ضبط الرواة بل أن النظر في المتون متأكد حتى يقوم الدليل على أن الحديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويتضح ذلك بسلامته من الركاكة اللفظية والمعنوية، ومن المعارضات المساوية أو الراجحة أو القاطعة. وهذا بأن لا يكون الحديث مختلفا ولا متروكا ولا مضطربا ولا مقلوبا ولا مدرجا ولا مصحفا ولا معلا ولا شاذا ونحوه مما هو مبين بتفصيل في كتب قواعد هذا الفن وفيما وضع من مصنفات خاصة بحثت مختلف الحديث ومشكل الآثار .
وقد ترتب على اشتغال الأئمة بالأسانيد والمتون عدة نتائج  منها ضبط قواعد للرواية جنبت الفقهاء والدارسين الأخذ بالموضوع، وقيام حركة دقيقة لجمع الحديث وتدوينه حمت السنة من النقص والتفريط، وظهور مذاهب للنقاد صانت التراث النبوي من الدرس والتزييف والتحريف، ثم أمام التقابل أو التعارض الذي بدأ بين عدة من النصوص الحديثة وضع الاصوليون والمحدثون، أحكاما وقوانين استطاعوا على أساسها القيام بالترجيح بينها. وقد ذكر الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ من ذلك نحو من خمسين وجها، ورفعها السيوطي في التدريب إلى مئة وجه، وقد يزاد عليها. ومرجعها في الجملة غلبة الظن، وكثرة الرواة، وقلة الوسائط، وفقه الراوي، وحفظه، وزيادة ضبطه، والإتفاق على عدالته، وتعدد تزكيته ونحو ذلك (42).
وأنا أمام هذه الجهود العظيمة لنقف معجبين بالآثار المتنوعة الجليلة التي تركها لنا الأشياخ في مادة السنة وعلم الحديث. وأنه لمن عائد القول التصريح بأن كلام الرسول وفعله ونحو ذلك وجدوا من العناية والاهتمام ما لم تجده مادة عملية أخرى غير القرآن.
ولقد بدأ تدوين السنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة. ومن أول ما عرف من ذلك الصحيفة الصادقة. وقد أملى بعض كبار الرواة أمثال أبي هريرة على بعض أعلام التابعين مقدارا كبيرا من الأحاديث. ومن أول من عني بذلك الربيع بن صبيح وسعيد ابن أبي عروبة. و أول من صنف في الحديث من الرواة والنقاد المشاهير ابن جريح بمكة، والأوزاعي بالشام، والثوري بالكوفة، وابن دينار بالبصرة. واوثق ما بقي لنا من المصنفات الأولى موطأ الإمام مالك، ومسند الشافعي، ومختلف الحديث له، والجامع للصنعاني. وجمعت المساند فكان أهمها وأعلاها شانا مسند الإمام أحمد. ووضعت كتب الصحاح فكان في المرتبة الأولى والعالية منها الجامع الصحيح للإمام البخاري، والجامع الصحيح لأبي الحجاج مسلم. وتبعت ذلك سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي. ومن الكتب التي التزمت فيها الصحة صحاح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، والتزامات الدارقطني، ومستدرك أبي ذر الهروي، والاحاديث الجياد المختارة للضياء المقدسي، والمتنقي لابن الجارود، ومنتقى قاسم ابن أصبغ، وصحيح ابن السكن. وقد أفردوا بعض الأمهات من هذه الكتب والمصنفات بشروح أو استدراكات أو مستخرجات أو نحو ذلك. وصنفت في هذه المادة أيضا كتب بعناوين خاصة مثل المراسل والآثار والأجزاء والفوائد والأطراف والمجالس والأربعون والأمالي والأمثال والأفراد والثلاثيات والرباعيات والخماسيات والعشاريات ونحو ذلك. ووضعت أيضا جوامع كثيرة وكبيرة، وصنفوا في الموضوعات. وأن عمليات التحقيق والنشر لتعد للناس في هذه الفترة في ربوع البلاد كتبا كثيرة أغلبها لم يعرف ولا وقع الوقوف عليه الا بالذكر أو الإحالة.
والى جانب المتون الحديثية  التي تعد بالمئات (43) نقف مندهشين أمام الكثرة الوافرة من كتب التاريخ والطبقات والرجال، و أمام ما فيها من ضبط وتدقيق في التعريف بالرواة ككتب الصحابة وكتب الألقاب والأسماء والكنى والأنساب، وكتب المعاجم، وكتب المشيخات، وكتب الثقات والضعفاء مما لا يدخل تحت حصر. ولا يفوتنا هنا أن ننوه بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن التي بفضل جهودها انتشرت في البلاد كلها كتب السنة وكتب الرجال والطبقات.
وقد يكون من الضروري والأكيد أن نلفت النظر بصفة خاصة الى الكتب الموضوعية في علم الحديث. وقد أقبل كثير من الدارسين اليوم على احتذاء حذوها والتعليق عليها والتذليل لها. وذلك لما وضعته بدءا في تاريخ الفكر الإنساني من مسالك النظر وقواعد النقد وطرق الترجيح والتعديل وضبط العلل القادحة. فكانت أساسا لتحرر الفكر من التقليد الجامد، ومنطلقا للدرس الموضوعي الصحيح، ومثالا للنقد العلمي النزيه. وانه ليضمن مثل هذا المقام عن سردها أو عدها (44). ولكننا نكتفي هنا بذكر أصولها وأمهاتها مثل المحدث الفاصل للرامهرمزي، ومعرفة علم الحديث للحاكم النيسابوري، والكفاية في فن الرواية للخطيب البغدادي، والجامع لآداب الراوي والسامع له، والالماع لعياض، وما لا يسع المحدث جهله للميانجي، والمقدمة لابن الصلاح، والقريب للنووي، من غير ذلك للملخصات والمنظومات والشروح وغيرها.
و أن في ذلك كله لشاهدا قائما على حفظ الله لسنة رسوله ووحيه الذي أوحى به اليه بيانا لكتابه وهداية لخلقه، وبرهانا على عناية المسلمين بهذا العلم الشريف في الزمن المتقدم، و أن الجهود لموصولة لتمكين الدارسين والباحثين من الوقوف على أسرار السنة النبوية بأحدث الطرق وأنجعها والله المستعان وعليه التكلان.

(1) ديوان الهذليين: 157 .
(2) شرح المعلقات العشر 227 .
(3) النساء 26 .
(4) الفتح 23 .
(5) البخاري. الأنبياء 50 .
(6) البخاري. التهجد 35 .
(7) الاسنوي. نهاية السول 2 ، 196 ،الشوكاني. الارشاد 33 .
(8) التهاوني 3 . 7 .
(9) النجم 3 . 4 .
(10) الجمعة: 2 .
(11) الشوري: 52 .
(12) الأعراف: 157 .
(13) النساء: 59 .
(14) النساء:65 .
(15) المائدة: 92 .
(16) النساء: 59 .
(17) الأحزاب:34 .
(18) الحشر : 7 .
(19) الأحزاب: 36 .
(20) النور : 63 .
(21) النساء: 115 .
(22) النحل: 44 .
(23) النحل:64 .
(24) البقرة: 180 .
(25) النساء:11 .
(26) الجامع:2 ، 191 .
(27) الجامع : 2 ، 191 .
(28) الحجر : 9 .
(29) بتصرف من الأحكام : 3 ، 478 .
(30) الزمر: 20 .
(31) الغزالي.المستصفى 1 ، 146، الكشف على البزدوي 2 ، 370 .
(32) جمع الجوامع : 2 ، 66 .
(33) التوبة : 122 .
(34) البخاري، كتاب المغازي،مسلم، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء،وأحمد، 5 ، 37، ج: 1 ، 85.
(35)  مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله.
(36)  الترمذي : 2 ، 109 .
(37) الترمذي كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الإسلام بدا غريبا، 2 ، 105 ، وأخرجه البغدادي شرف أصحاب الحديث، الدباغ، معالم الإيمان، 1 ، 93 ، ابن عبد البر، الجامع 2 ، 119 .
(38) مسلم بشرح النووي : 1 ، 84 .
(39) مسلم بشرح النووي: 1 ، 87 .
(40) مسلم بشرح النووي: 881 .
(41) الذهبي، التذكرة : 1 ، 115 .
(42) الاعتبار، الناسخ والمنسوخ من الآثار: 6 ـ 15 ، مقدمة فتح الملهم بتصرف .
(43) انظر الكتاني، الرسالة المستطرفة.
(44) انظر مقدمة كتاب الحاكم في معرفة علم الحديث.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here