islamaumaroc

في ذكرى وفاة علي أحمد باكثير

  دعوة الحق

218 العدد

** لعله من قبيل العقوق ونكران الجميل تجاهل كاتب إسلامي كبير وقمة من قمم المسرح الإسلامي  المعاصر. فلقد أصبح في حكم المؤكد أن الأجيال الجديدة تكاد تجهل الأستاذ علي أحمد باكثير الذي أثرى المكتبة الأدبية العربية بروائعه الخالدة وعانى ما كتب له أن يعاني من مكابدة ومشقة لأصالته وتمسكه بقيم دينه ورفضه السير في ركاب الأدب المزيف.
وبمناسبة حلول الذكرى العاشرة لوفاة هذا الكاتب الفذ ننشر كلمة كتبها الكاتب الفلسطيني الدكتور كامل السوافيري في جريدة ( البلاد) السعودية:
**بعد أسابيع تحل الذكرى العاشرة لرحيل الكاتب والأديب العربي المسلم الموهوب علي أحمد باكثير الذي انحدر من أرومة عربية أصيلة ومن أبوين كريمين من أبناء حضرموت. وقد عرفته بعد تخرجي في دار العلوم، وتخرجه في كلية الآداب بجامعة القاهرة حيث التقينا كتابا على صفحات مجلة الرسالة التي كان بصدرها الأستاذ أحمد حسين الزيات، والتي كان يعني نشر كلمة فيها لأي كاتب كونه نجما لامعا في سماء الأدب، وكوكبا مشرقا في أفق الفكر، وللرسالة الفضل الأكبر في الشهرة التي ذاعت لكتابها في أرجاء الوطن العربي والإسلامي. وقسمتني مع باكثير  ندوات الأدب، وحلقات الفكر في الأوبرا حين كان ينتظم عقدنا ويشهد الحلقة من أعلام الأدب غيري وغير باكثير السادة: عبد الحميد جوده السحار وأنور المعداوي والدكتور عبد القادر القط. وغيرهم مما لا تعي الذاكرة أسماؤهم.
وتوثقت بيني وبين باكثير أواصر الاخاء روابط المودة، فقد جمعت بيننا أولا الغربة حيث كنا غريبين في القاهرة، وعدت أنا إليها من فلسطين المجاهدة، ووفد هو إليها من حضرموت لننهل العلم ونرتشف المعرفة. وسب ثان وثق روابط الإخاء بيننا وهو أنه سبق الأدباء العرب في تقديم أول عمل فني عن فلسطين سنة 1944 حتى أصدر مسرحيته ( شيلوك الجديد) لافتا أنظار المسلمين في العالم الإسلامي والغرب في الوطن العربي إلى ما يمثله تدفق المهاجرين اليهود على فلسطين تحت تراب الجيش البريطاني من خطر محقق على عرب فلسطين أولا وعرب الأقطار العربية المجاورة ثانيا وعلى المقدسات الإسلامية ثالثا، وقد التقت وجهة نظره مع وجهة نظري في أن قضية فلسطين قضية إسلامية إلى جانب كونها قضية عربية.
وكان علي باكثير من القلة التي حباها الله ببعد النظر فأحست بالخطر اليهودي وحذرت منه، ودعت إلى استئصاله قبل أن يتفاقم خطره، ويستفحل شره.
وابتداء من سنة 1949 إلى 1969 وفي غضون عشرين عاما لمست في علي أحمد باكثير خلق المسلم، ونخوة العربي، وبواقع العالم، ووفاء الصديق، وإخلاص الأخ، وتجلت لي خلاله وشمائله الكريمة من صدق في القول ونقاء في القلب وعلة في اللسان، وهدوء أو رغبة في العزلة.
وتعاقبت الأعوام وكلانا يسلك السبيل التي اختارها لنفسه في الحياة حيث كان هو مدرسا للغة الإنجليزية أولا في مدينة المنصورة التي كان فيها الأستاذ الزيات بلد المال والجمال والشعر. وثانيا في القاهرة، وكنت أنا مدرسا للغة العربية في مدارس القاهرة الثانوية، واتجهنا هو وأنا للكتابة الأدبية في الفن الذي يروق لكل واحد منا، فاخترت أنا المقالة الأدبية والتاريخية والبحث، وكانت الأبحاث والدراسات النقدية لدواوين الشعر وكتب الأدب تمثل أكثر ما كتبت. واختار هو الفن القصصي فمثلا في الرواية والمسرحية التي استلهم فيها الأمجاد الإسلامية والبطولات العربية، واستوحى الجوانب المشرقة المضيئة من تاريخنا، وأصدر في هذا المجال ما يزيد على أربعين قصة ورواية ومسرحية تناولت أبطالنا وتاريخنا المجيد وإعلامنا الذين جندتهم أعمالهم. والثورة على المستثمرين وأعداء العروبة والإسلام، وأذكر منها على سبيل المثال: (شيلوك الجديد) ( وإسلاماه) وسيرة شجاع (سر الحاكم بأمر الله) ولم أتناول بالنقد من مسرحياته إلا مسرحية ( شعب الله المختار) ومما قلته يومئذ: إذا كان نجاح الكاتب رهنا بتحقيق الغاية التي يريدها فأنشأ مقرر مطمئنين نجاح المؤلف في الوصول إلى هدفه، ( وشعب الله المختار) ملهاة سياسية في أربعة فصول عالج فيها المؤلف ازدواج العقيدة في نفوس الإسرائيليين الذين يشعرون أنهم شعب الله المختار وأنهم أفضل أمم العالم. ويعني المؤلف بازدواج العقيدة شطر ولاه كل إسرائيل شطرين، شطر للبلد الذي يعيش فيه، وينعم بخيراته، وشطر لإسرائيل التي يهيم بحبها ويقدم من أجلها كل ما يملك، فالإسرائيلي في انجلترا يقسم ولاءه بين بريطانيا وبين إسرائيل، فإذا تعارضت المصلحتان تنكر لبريطانيا وخانها من أجل إسرائيل، وهذا هو المحور الذي تدور حوله المسرحية.
وظهر في المسرحية عمق دراسة المؤلف للعقلية الصهيونية والنفسية اليهودية التي لا تحفل بالقيم الدينية أو المبادئ الخلقية في سبيل الوصول إلى أغراضها ومقاصدها وتتخذ المال إليها يعبد وتسلك كل السبل التي يأباها الدين للحصول عليه.
كما أبرز الكاتب الصراع الحاد بين الطبقات في إسرائيل، فيهود الغرب القادمون من بريطانيا وفرنسا وأوروبا الوسطى يحتقرون يهود الشرق القادمين من مصر والعراق واليمن والمغرب ويرمونهم بالتأخر والتخلف ويرون أنهم في منزلة أقل حضارة وفكرا والعجب أن علي باكثير من مسرحيته هذه توقع انهيار اسرائيل من الداخل، فهل تحقق الأيام ما توقعه؟
ولأن علي احمد باكثير يمثل الاتجاه الإسلامي العربي في قصصه ورواياته ومسرحياته، وكان يتحدث عن إسرائيل وما يشوبها من أمراض داخلية تدفع لتمزقها ولائه كان يحارب الانحراف، لم تنل مسرحياته ما تستحقه من رعاية واهتمام لأن المشرفين على المسرح يومئذ كانوا من ذوي الاتجاهات والميول المناهضة للاتجاه الإسلامي.
لم ينل باكثير حقه المادي والأدبي في حياته، ولم يأخذ حقه كمؤلفا مسرحيا مشهورا، وكاتبا روائيا ممتازا، حتى مسرحياته التي تحولت إلى أفلام تعرض في دور الخيالة لم يأخذ عليها المكافآت المجزية العادلة.
ولطالما طوى جوانحه على الأسى والألم، ولطالما كظم وكتم عن الناس عذابه النفسي، ولعل ذلك يفسر لنا مسحة الحزن التي كانت ترتسم على وجهه، وسحابة الأسى التي كانت تخيم عليه.
وما أقسى الألم على نفس الحر وهو يشعر بأن حقه قد هضم وأن الغبن والحيف قد وقع عليه، وأنه حاول جاهدا أن يقاوم ما لحقه من غبن فلم يستطع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here