islamaumaroc

[كتاب] نرجس (لبول فاليري).

  دعوة الحق

218 العدد

للأديب والديبلوماسي ورجل الإعلام والصحافي المقتدر الأستاذ مصطفى القصري، رابطة قوية وحميمة بالشعر الفرنسي، تمكنت منه وتمكن منها، فهو منقطع إلى هذا الشعر منذ سنوات بعيدة قراءة ودرسا وفهما واستيعابا وترجمة، وهو مستغرق فيه استغراق الناسك المتعبد في صلواته وابتهالاته الحارة، وهو فارغ جهده وطاقته إلى ذالك الشعر وإلى أعلامه الأفذاذ النابهين الذين ارتقوا بشعرهم إلى ذروة التعبير الفني الإنساني الرفيع الذي يسمو إلى قمة عالية من قمم الحب والتفاني والذوبان في حقائق الكون ودقائق الحياة وصفحات المطلق واللانهاية.
وقد بادر الأستاذ الأديب مصطفى القصري -مدفوعا بذلك العشق الصافي والصوفي معا للشعر الفرنسي- إلى دراسة شعر شارل بودلير فترجم ديوانه الشهير«أزهار الشر»، ثم إلى شعر سان جون بيرس فنقل مجموعته «الفلك ضيقة» التي نشرت في تونس منذ بضع سنوات. ولم يقف عند هذا وذاك من شعراء فرنسا النابغين اللامعين، بل اقتحم كذلك عالم شاعر فرنسي آخر هو بول فاليري، فترجم مؤخرا رائعته الذائعة الصيت «نرجس»، وأخرجها للناس في حلة موشاة بالرقة والصفاء والنصاعة، تلائم ما يكسو ذلك القصيد العبقري الخالد من رقة وصفاء وجمال ونصاعة، جعلته مفخرة زاهية ليس فحسب بالنسبة للأدب الفرنسي وحده، بل وللأدب العالمي أيضا.
ولعل أول ما يتبادر إلى الفكر، ونحن أمام هذا العمل الشعري المترجم بدقة مكينة، تلك القولة الشهيرة الشائعة التي باتت مقولة أدبية سائرة على ألسنة وأقلام الكتاب والأدباء والشعراء والمترجمين العرب، والتي أطلقها الجاحط في القرن الثالث الهجري عن ترجمة الشعر في عصره الذي ازدهرت فيه حركة النقل من اللغات الفارسية واليونانية والسريانية والهندية وسواها إلى اللسان العربي، فقال مما قال عن ترجمة الشعر: «والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب، لا كالكلام المنثور».
وأحسب أن حكم الجاحط في نقل الشعر ورأيه في ترجمته، قد تغيرا بعض الشيء لصالح ذلك النقل ولفائدة هذه الترجمة، بعد المران الطويل الذي خضع له الناقلون منذ عصر الجاحظ إلى اليوم وبعد الدربة المديدة التي اصطنعها وثابر عليها المترجمون منذ ذالك العصر إلى عصرنا الحديث.
فاللغات الإنسانية قد تقاربت وتدانت بحكم حلقات الفهم المتبادل والإدراك الحصيف والاستكشاف النزيه، والمفاهيم البشرية في الحضارة والتمدن والتقدم والرقي قد اختلطت وتمازجت وتلاقحت بفضل التفاهم والتواصل والتفاعل والحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان من جهة، وبين الحضارات التي تنشأ وتنمو وتزدهر في هذا الشعب أو ذاك من شعوب الأرض من جهة آخري.
بيد أنه بالرغم من ذلك كله، فإن رأي الجاحظ في ترجمة الشعر- هذا الفن الإنساني الساحر - لا تزال فيه بقية حية قوية من الدقة وصواب الحكم ونفاذ النظر، تجعل المترجم مستثار الذهن والقريحة والفكر والإحساس حين يريد أن يتخطى الصعاب والعقاب التي تواجهه خلال الترجمة وفي أثناء النقل، ولاسيما حين يكون الشعر موغلا في الرمز والإحياء، غائر الروح بعيد الرؤية، شديد النزوع إلى التجريد الذي يحيل الكلمة إلى نغم موسيقي يتفجر بالمعاني والدلالات الغامضة المبهمة، ويتدفق بالجيشان الثائر الفائر الذي يموج بالعواطف والإحساسات والهواجس المختلجة في أعمق أعماق النفس البشرية. فها هنا تتعقد أمام المترجم مسالك التعبير ومعالمه، وتتشعب دروبه وخطوطه، مما يجعل خطواته الوئيدة تتعثر وتضطرب وهي تطرق سبيلا من أشق وأصعب سبل البيان والتعبير.
وبعد، فكيف يكون حال ناقل شعر بول فاليري إلى العربية وهو الشاعر الذي أعيى أبناء لغته وأرهقهم ولا يزال إلى يومنا هذا يعييهم ويرهقهم حين يقرأون شعره وحين يحاولون فهمه واستشفاف مكنونه وجوهره والوصول إلى مقاصد الشاعر ومراميه فيما يكتب ؟
وليس الأمر مجرد ميل ورغبة من الشاعر في الإيغال في الرمز والإيحاء حتى يعجز أبناء لغته وحتى يرهقهم بعنف وشدة، بل إن ذلك العياء وذلك الإرهاق اللذين يصيبان قارئ بول فاليري في شعره كله وفي بعض نثره ، هما نتاج خالص محض لحياة عقلية وفكرية ونفسية خصيبة، ليست يسيرة كلها وليست معقدة كلها، بل هي حياة عاشها بول فاليري وعانى فيها صراعا قويا وعنيفا بين ذهنه المتوقد وفكره الطموح وبين إحساسه الحاد وشعوره المرهف وعاطفته المتوهجة، مما جعل إنتاج بول فاليري يتوزع بين قطبين متباعدين متناقضين ومتنافرين، كانا يشدانه باستمرار وإلحاح، وكانا يجذبانه بقوة وشدة وحدة، وبالرغم من ذلك استطاع هذا الشاعر الفرنسي الذي سمي عند قومه بشاعر الذكاء الحاد، استطاع أن يمزج وأن يوفق بين ذينك الدافعين العنيفين الحادين اللذين تملكاه طوال حياته الفكرية، وهما دافع العقل والحكمة الطامع في امتلاك المطلق والحقيقة، ودافع العاطفة والوجدان الطامح إلى احتواء السكينة وتشرب الصفاء اللانهائي والى الفناء في ملكوت الوجود.
وقصة بول فاليري مع الشعر قصة طريفة وغريبة، وهي مع طرافتها وغرابتها قصة صراع وانفعال وقصة جذب وانطلاق. فقد بدأ هذا الشاعر الفرنسي الفذ حياته الأدبية شاعرا يترسم خطى أستاذه مالا رميه، وانتهى حين ألقى مراسيه على ضفاف العقل والفكر والتأمل الخالص أي أنه بدأ جذوة من العاطفة التي تحترق وتتوهج ، وانتهى شعلة من الذكاء الحاد الذي يضيء وينير ولا يعترف بسلطان العقل المطلق والفكر المجرد. وبين تلك البداية وهذه النهاية، عانى بول فاليري معاناة شديدة فيما كتب من شعر ومن نثر على السواء، وساح في حدائق وغابات الفكر والإحساس، وطوف في عوالم فسيحة عريضة واسعة الأرجاء من التأمل والتفكير والاستبطان النفسي العميق، فأخرج كتاباته الشعرية والنثرية لتدل على تلك المعاناة الطويلة الأصيلة التي عبرت عن قلقه الذي ظل يلازمه وهو يكتب الشعر ويكتب عن الشعر وفي الشعر.
وإذا جاز لنا أن نلخص مذهب بول فاليري في الشعر، استحضرنا كلمته التي قالها في أحد كتبه، وهي أن الشعر لا يصدر عن الأفكار بل عن الجسد، أو بعبارة أخرى عن الإحساسات. وهذه الكلمة القصيرة المختصرة، تقدم لنا مع قصرها واختصارها مذهب بول فاليري في الشعر، وخصوصا في شعره هو بالذات. ومن هذا المذهب نستطيع أن نستخلص المنحى الجوهري الخاص الذي كان بول فليري ينحو إليه في شعره وفي فنه. ومن هنا فإن قصيدة «نرجس» بمقاطعها الثلاث، التي ترجمها لنا الأستاذ الأديب مصطفى القصري، تمثل لنا ذلك المنحى الجوهري الخاص تمثيلا صادقا ورائعا وحيا في نفس الوقت.
فلقد كان الشاعر بول فاليري يقول إنه ليس هناك أجمل مما لا وجود له. وفي هذا القول تصريح مباشر إلى موضوع الأسطورة التي تجسد العالم الخفي في حياة الإنسان، والى طاقتها الرمزية الكثيفة التي تكمن فيها وفي مضمونها، من حيث علاقة الأسطورة بوظيفة الشعر ودوره في الفن والحياة على السواء.
ولقد كان الشاعر بول فاليري يقول كذلك إن بيت الشعر ليس سوى توازن معجز وشديد الحساسية، يوفق بين الطاقة الحسية والطاقة العقلية للغة.
فمن عالم الأسطورة إذن، نبعت قصيدة بول فاليري الرائعة «نرجس»، ومن قدرة بول فاليري على تحقيق التوازن المعجز والشديد الحساسية استقى الشاعر عبقريته الفذة في الحوار الرمزي والتصوير النفسي الدقيق والشفافية الروحية العالية التي تتجسد جميعها في قصيدة "نرجيس".
ففي هذه القصيدة التي تتركب من ثلاثة مقاطع، يوظف بول فاليري أسطورة «نرجس»، ذلك الشاب اليوناني الذي عشق صورة ذاته المنعكسة في صفحة الماء، توظيفا شعريا وفلسفيا تأمليا في إطار من الحوار الداخلي الذي يرتفع صوته حتى يصبح أشبه بهدير الشلال، ويشف إيقاعه حتى يغدو أشبه برفيف ورق الورد في فجر أحد أيام الربيع الندية.
ولقد وفق الأستاذ الأديب مصطفى القصري في نقل أصوات ذلك الحوار الداخلي الشفاف الذي يجري بين «نرجس» الحقيقة و«نرجس» الصورة والحلم توفيقا دقيقا، تدل عليه العبارة الناصعة، والكلمة المنتقاة، والحس الشعري الأصيل. وهو توفيق لا أحتاج إلى التمثيل له والبرهنة عليه، ولكنني أحيل القارئ على نص الترجمة ليستمتع بتلك النصاعة في التعبير والانتقاء في الألفاظ التي تستحيل في قلم المترجم إلى أنغام تضفي على ذلك الحوار الذي يدور بين «نرجس» وبين صورته وخياله وطيفه موسيقي تشيع في القلب والنفس والوجدان والعقل معا ما يشيعه الشعر الصادق الأصيل من تأثير وانعكاس، يحببان الشعر إلى الناس ويقربانهم إليه ليقرأوه وليدرسوه وليفهموه، إن كان لازال الناس يرغبون في قراءة الشعر ودراسته وفهمه حقا.
ويتجلى حرص المترجم على نقل الروح الشعرية في «نرجس» في دقته البالغة في اختيار اللفظ المعبر وانتقاء الكلمة المصقولة، دون أن يضطر إلى تكرار اللفظة الواحدة ليعبر بها عن المعنى الواحد. والأبيات التالية تشهد على تلك الدقة وعلى ذلك الحرص الشديد في اصطفاء الكلمة وإيرادها في السياق الذي يحسن بها البيان والتعبير لا بغيرها:
«أيها النبع أنت نبعي؟ أيها المعين الذي لا يريم، يا منهلا عذبا يروي الأنعام، وينعم على النفوس بصرف الزلال ، فتجنذب منحدرة إلى المنية! أيها الغدير! كل في عينيك حلم وخيال، يا أخا المصير الذي لا يحول، ».
فالقارئ يرى المترجم وقد عبر بالنبع والمعين والمنهل والغدير والماء في أبيات معدودة من المقطوعة الثانية من «نرجس»، وذلك حتى يوفر للترجمة الشعرية جرسا موسيقيا خاليا من الرتابة والملل، وحتى يجعل البيت الشعري منطبعا في الذهن بجميع صوره وأخيلته ومعانيه وأبعاده، وحتى كأن هذا البيت من الشعر أنغام موسيقية منسجمة توقعها وتعزفها آلة واحدة على نسق جميل متسق، يجعل تلك الأنغام تسري في الأذن وتقع عليها دون مشقة أو عنت ودون تكلف أو افتعال في أساليب الأداء والتعبير والبيان. ومما لا شك فيه أن قصيدة «نرجس» شأنها شأن القصا ئد الرمزية، لا يمكن أن تلخص أو يختزل موضوعها ومضمونها حتى في المقالات الطوال، دون أن يخل ذلك بروح المعنى الذي أراده الشاعر، ولربما إلى هذا ذهب الجاحظ مذهبه الذي أشرنا إليه في صدر هذه الكلمة من استحالة ترجمة الشعر ونقله من لغة إلى أخرى دون أن ينقطع نظمه ويبطل وزنه ويذهب حسنه على حد تعبيرا لجاحظ نفسه. ولا أحد يستطيع أن يزعم أنه قادر على أن يجمل أو يفصل «نرجس» وغير «نرجس» من القصائد والمقطوعات التي كتبها شعراء المدرسة الرمزية، ولاسيما منهم بول فليري الذي كان يعتبر الكلمة ويعدها عالما شعريا قائما بذاته، وبناء حسيا وعقليا له كيانه ومحتواه، وله قاعدته التي يقوم عليها وأساسه الذي لا ينبني إلا عليه.
ومن هنا يتبدى الجهد الخاص الذي بذله الأستاذ مصطفى القصري في ترجمة «نرجس» إلى اللغة العربية، ذلك الجهد الذي يرتفع به إلى ذروة ما يعانيه الشعراء أنفسهم حين يكتبون شعرهم؛ فالجملة الشعرية طالت أو قصرت تشكل في يد المترجم دنيا واسعة عريضة الأرجاء تتفرد بأسلوبها التعبيري الخاص وبصورها وبأخيلتها المتميزة والمعنى الذي يريد الشاعر أن يصل إليه وأن يوصله إلى ذهن القارئ وإلى إحساسه وشعوره. وقد راعى الأستاذ مصطفى القصري أن يمتلك جميع ما تتطلب الترجمة من أدوات حسية ولفظية وعقلية وذوقية وهو يقبل على ترجمة «نرجس» بمقاطعها الثلاث، فدفق في انتفاء الكلمة الملائمة وفي اختيار اللفظة المناسبة، وشدد على نفسه في تكثيف الصورة الشعرية تكثيفا بديعا جميلا، وفي محاولة احتواء الرمز الشعري بكل ما ينطوي عليه من غموض وتعقيد، وذلك حتى ينقل القارئ إلى الجو الشعري والفكري الباهر الذي حلق فيه بول فاليري بقصيدته الرائعة «نرجس»، وحتى يشرك القارئ في ذلك الحوار الشعري الساحر الذي كان يجريه نرجس مع نفسه وخياله ومع صورته وطيفه ومع الكون والحياة من خلال انعكاس صورة شخصه في صفحة الماء، نرجس ذلك العاشق المعشوق الذي شغف حبا بذاته وكلف بها كلفا جديدا حتى لم يعد يرى نفسه إلا في نفسه كما يقول بول فاليري نفسه:
«ولكني أنا نرجس المعشوق لا أتطلع إلا إلى جوهري الفرد، غيري ليس أكثر في نفسي من نفس مجهولة، غيري ليس سوى غيب وعدم »
لقد قدم الأستاذ مصطفى القصري بترجمته لـ«نرجس» رائعة بول فاليري، عملا شعريا نفيسا يتلألأ بالقوة والنصاعة والنعومة وثراء الرمز والإيحاء، ويشف عن السمو الحسي والفكري والعقلي الذي جعل لذلك القصيد مكان الجوهرة الفريدة في عقد الشعر الفرنسي الحديث، واستطاع المترجم بحسه الشعري الصافي وبقدرته الشفافة على استكناه روح النص الأصلي، وبالجهد الذي بذله في استقطاب الحرارة اللاهبة التي تنفجر من النص، وباللغة الرقيقة والأسلوب الرمزي اللذين استخدمهما ووظفهما في عملية الترجمة بدقة وإتقان وإحكام، استطاع بذلك كله أن يخلق «نرجس» من جديد بلبوس عربي شفاف، يقطر نعومة وعذوبة، ويفيض صفاء وجمالا وبهاء، ممل يجعل ذلك النرجس الفرنسي المتعالي والمترفع بالكبرياء والجمال الحسي السامق، يتحدث عن غروره وترفعه واستعلائه وجنونه بذاته، بنفس عربي يعلو به إلى صدارة الروائع الشعرية الرفيعة التي لا يفتر سعي الشعراء الإنسانيين الأفذاذ عن إثراء حقولها وإخصاب ترابها بكل جديد وجميل من الأفكار السامية والإحساسات الإنسانية النبيلة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here