islamaumaroc

الأستاذ عبد الله كنون كما أراه.

  دعوة الحق

216 العدد

كتب الأستاذ مصطفى الشليح بحثا مسلسلا قيما نشرته له مجلة دعوة الحق الغراء ، تناول فيه بالتحليل النقدي شخصية الأستاذ الكبير عبد الله كنون وأثره في الثقافة المغربية . وقد ذكرني هذا البحث بما كان بيني وبين الأستاذ عبد الله كنون من علاقات الصداقة و اللقاءات الأخوية التي مكنتني من معرفة علمه وفضله و خدماته الجليلة التي قدمها للاسلام و المسلمين وأثرى بها الفكر الاسلامي ، فوددت أن أستعرض بعض ذكرياتي و انطباعاتي عنه ، و ما أعجبت به من أفكاره و توجيهاته و فهمه الصحيح لحقيقة مبادىء الاسلام و تعالميه السامية . عرفت الأستاذ عبد الله كنون منذ أكثر من عشرين عاما ، عرفته خلال مؤتمرات عالمية ، وخلال كتبه و بحوثه، التقيت معه أولا في بلده المغرب ، كما التقيت بهذه المناسبة مع غيره من كبار المفكرين من أمثال العلامة علال الفاسي و أبو بكر القادري والأستاذ قاسم الزهيري ، وتشرفت بمقابلة جلالة الملك الحسن الثاني وصليت معه صلاة الجمعة حين اشتركت في حفل تقليدي يقام خاصة بمناسبة ذهاب الملك ووزرائه الى الجامع لاداء فريضة الجمعة ، وعودته منه راكبا فرسه في ركب من حرسه لابسين قديما . كما جمعتا الله خلال سيع دورات من مؤتمر مجمع البحوث الاسلامية بالقاهرة . وكانت هذه الدورات مناسبة سعيدة للقاء أخوة من علماء و مفكري العالم الاسلامي ولمشاركتهم في بحث أهم قضايا و مشاكل الاسلام و المسلمين المعاصرة. ولن أنسى أبدا تلك اللقاءات التي أتاحت لي فرصة التعرف ببعض قادة الفكر و العلم في العالم الاسلامي مثل فضيلة الشيخ محم أو زهرة و فضيلة الشيخ الفاضل عاشور و الامام موسى الصدر و الأستاذ الدكتور محمد البهي و فضيلة الامام الأكبر الدكتور عبد الحميد محمود . وأخص بالذكر هنا اللقاء مع الدكتور محمد البهي وكان وقتئد وزيرا للاوقاف وشؤون الأزهر . و الذي يهمني وأريد أن أشير اليه قوله في حديثه عن فكره فيما يتعلق بالأزهر و منهج الدراسات الاسلامية الجارية فيه ، وهو أن الازهر في أيام الانحطاط و التخلف وحتى الآن كان يخرج عالم كتاب معين أو على الأكثر عالم مذهب . والمطلوب أن يخرج الأزهر عالما لايكون علمه مقيدا بكتاب و لا بمذهب وانما يكون علمه مقيدا بحجة و دليل لا غير . ولقد أعجبت بهذا الفكر ، فاني أرى أنه لابد على كل جيل أن يخطو خطوة الى الامام ، لايجوز أن يقف عندما وقف عنده الجيل السابق . تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم و لا يسئلون عما كانوا يعملون . ومن المؤكد أننا توقفنا عندما وصل اليه سلفنا قبل أكثر من ألف سنة . والظاهر أننا لا نزال نقف عنده ونرضى به .
ثم كان لي حظ أن التقيت بالاستاذ عبد الله كنون في أعظم و أهم مراكز و الثقافة و الحضارة فيما مضى وهي طقشند وسمرقند وبخارى في الاتحاد السوفياتي ، حيث حضرنا و شاركنا في بعض المؤتمرات.
وأفرد بالذكر هنا بعض التفاصيل من اتصالاتي الشخصية معه أثناء تلك المؤتمرات ، وأسجلها . كنا نسكن معا في غرفة واحدة بطقشند أثناء أيام انعقاد المؤتمر . وفي آخر أيام المؤتمر طلب منه سماحة المفتي ضياء الدين بابا خان ابن ابشان أن يلقي محاضرة في التضامن الاسلامي . ولما كان الوقت قصيرا جدا لاعداد المحاضرة قمت أنا بمهمة سكرتيره فكان يملي علي محضارته وكنت أكتبها. ولا أزال أحتفظ بمسودة تلك المحاضرة كذكرى طيبة من هذه الايام . ان زيارة طقشند وسمرقند وبخارى تشكل في الواقع في حياة الانسان حدثا عظيما . وهناك يتجلى لك مما تشاهده من معالم ومآثر تاريخية ذات قيمة انسانية ما كان للاسلام من المجد و العظمة و ما أنجزته وانتجته عبقرية الاسلام من الثقافة و الحضارة ، فتشعر بسرور وعزة وفخر ، ولكن يعقب شعور السرور و الفخر سرور الالم و الحزن و الخزي عندما تتماثل أمامك نتائج الضعف و التخلف الذي اعترى المسلمين في عصور الانحطاط و الجمود و الاستكانة . وتلك النتائج تجلت لنا بأوضح صورها في هذه المدن . وخير مثال لذلك مرصد أولوبك المشهور في تاريخ علم الفلك ، كان بني على تل في قلب مدينة سمرقند وبجنبه مدرسة كبيرة لايزال مبناها العظيم قائما ، وكان يدرس فيها علم الفلك. وقد خرب و انهار مبنى المرصد ومحى من سطح الارض حتى نسي المسلمون الساكنون في المدينة المكان الذي كان فيه المرص ، فجاء عالم الآثار الروسي بعد احتلال روسيا القيصرية لهذه البلاد فكشف بناء على بعض المخطوطات مكان مبنى المرصد . و بعد القيام بحفريات ظهر أساس المبنى كما ظهرت بعض آلات الارصاد الجوي الفلكي التي كان أولوبك يستعملها في دراساته وحساباته الفلكية. ونفس الشعور كان يلازمنا عند زيارتنا لقبر الامام البخاري ومدرسة مير ـ عرب في بخارى وقبر تيمور لابن سمرقند وغيرها من معالم و آثار. شاهدنا في كل مكان نوعين من الحياة . حياة المجد والابداع و الابتكار و العلم والحضارة ، وآثار حياة الجمود و الركود و الاستكانة بالنسبة الى الحياة الدينية. وجدير بالذكر أن ما لاحظناه هناك ليس مما تختص به الحياة الاسلامية في أوزبيكستان وقازاقستان وقيرغيزيا و غيرها من الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفياتي ، لأن الجمود الديني كان سائدا في سائر البلاد . وقد كنت أتحدث مع صديقي الأستاذ عبد الله كنون عن هذه الحقيقة أثناء زياراتنا وتجولاتنا ومشاهداتنا للمعالم الاسلامية في تلك البلاد . وكنا نأتي في حديثنا و تأملاتنا الى نتيجة أن فترة الجمود و الاستكانة قد انتهت أو كادت ، وقد حانت فترة اليقظة و النهوض و الرجوع الى الاسلام الصحيح و تطبيقه في الحياة . وهذه ظاهرة ملموسة ، فان العالم الاسلامي قد تحرك وبدأ يتقدم ويخطو خطوات واسعة الى الامام . ولا يفتوني أن أذكر هنا كيف رأيت الاستاذ عبد الله كنون خلال كتبه و بحوثه و مقالاته . وليس فس وسعي طبعا استعراض جميع ما كتبه ، وانما اختصر على ما يتعلق بمسلم يوغوسلافيا ، و على ما لفت نظري وملك اهتمامي وآثار اعجابي الشديد . وأول ما أذكر من هذا النوع هو ما كتبه بشأن كتاب : « الجسر على نهر درينا » ألفه آندريتسن من كتاب وأدباء اليوغوسلاف ونال به جائزة نوبل . و في الكتاب محاولة النيل من المسلمين والاساءة للاسلام و تشويه بعض الحقائق التاريخية وعدة افتراءات من شأنها نشر الكراهية الطائفية بين المسلمين و المسيحين وتصوير المسلمين في صورة التعصب الديني الممقوت و العنصرية . ولم يتطرق الى نقد هذا الكتاب و تصحيح أخطائه و الرد افتراءاته أحد من العلماء في يوغوسلافيا و لا في العالم الاسلامي الا اللأستاذ عبد الله كنون جزاه الله عنا خير جزاء . انه ندد في بحثه الذي نشره في مجلة دعوة الحق بتلك الافتراءات. وفي شهر أكتوبر عام 1970 زار وفد وزراة الاوقاف و اشؤون الاسلامية ليوغوسلافيا برئاسة السيد عبد الرحمن الدكالي الكاتب العام لوزارة الأوقاف و عضوية الأستاذ عبد الله كنون و استغرقت هذه الزيارة أسبوعيا (15 ـ 21 أكتوبر) وقد اطلع الوفد أثناء الزيارة على حياة المسلمين في يوغوسلافيا . وبعد العودة الى بلاده كتب الأستاذ عبد الله كنون كتابا ضمته ما شاهده في يوغوسلافيا و ما أطلع عليه من مظاهر الحياة الاسلامية و ما يقوم به مسلمو يوغوسلافيا من رسالتهم الاسلامية في هذا الجزء من العالم الاوربي . وقد تأكد أن مسلمي يوغوسلافيا على الرغم من الظروف المختلفة القاسية أحيانا و الضغوط العديدة من المسيحية و العلمانية و المادية الماركسية تمكنوا من المحافظة على دينهم الاسلامي الحنيف و على قيمهم وتراثهم الاسلامية ، وهم مصممون على أن يقوموا برسالة الاسلام و بالدعوة الاسلامية في المستقبل مهما واجهوا من صعوبات وعراقيل ، ومهما كلفهم ذلك من تضحيات . لم يبق لي الا أن أشير الى ما اخترته من بحوثه لما احتوته عليه من آراء وأفكار قيمة لفتت نظري و استرعت انتباهي. ان بحثه في موضوع التقدمية و الرجعية وان كنت قرأته قبل سنين لا يزال أثره راسخا في نفسي وحاضرا في ذهني . انه نبه فيه الى خطورة هذه المفاهيم التي دخلت في البلاد الاسلامية وأخذ المثقفون بالثقافة الاوربية من المسلمين يستعملونها وان كانت هذه المفاهيم نشأت في ظروف وفي بيئة تختلف كل اختلاف عن ظروف وبيئة البلاد الاسلامية . فالرجعية مثلا في مفهوم الفكر الاوروبي بشقية الغربي والشرقي ، أعني العلماني و الماركسي ، تتمثل في الايمان بالله و التمسك بالفضيلة وعدم تعاطي شرب الخمر واجتناب الزنى . فكل من يؤمن بالله ويتمسك بالفضيلة ومكارم الاخلاق ولا يشرب الخمر و لا يزني يعتبر رجعي . أما التقدمية فتتلخص في الايمان بالعلم و المادة فقط ، وفي انكار القيم الروحية. وكم تلذذت وتذوقت وتمتعت ببحثه « التبعية ينبغي أن تسقط » ورأيي أنه يجب أن يعلق هذا البحث على جدار كل غرفة ومكتب بمثابة لوحة لينذر المسلمين في كل لحظة بما فيهم من داء مؤمن يتمثل في فقدان الثقة بالله و الثقة بالنفس ، والاعتماد على الغير . وأخيرا نستطيع أن نقول أن مؤلفات الأستاذ عبد الله كنون دعوة قوية الى المسلمين ليتنبهوا و وليستيقظوا من غفلتهم الطويلة ونومهم العميق وليخرجوا الى ميدان الحياة من جديد ويقوموا حلوله الناجحة للبشرية النحسة التي تتخبط في ظلمات جاهلية القرن العشرين من طغيان المادة والتكنولوجيا التي أدت الى نتائج خطيرة جدا من تلوث الروح و الماء و الهواء و من صنع أسلحة نووية فتاكة تهدد النوع البشري ابادته كله وتدمير كرة الأرض بأجمعها ، كما أدت الى فساد وانحلال خلقي .                                                    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here