islamaumaroc

صفحة مجهولة من تاريخ الفكر الإسلامي

  ابراهيم الكتاني

6 العدد

حول كتابي (المورد الأحلى في اختصار(المحلى لابن حزم) و(والقدح المعلى في إكمال (المحلى) لابن خليل).
انعقد في الصيف الماضي بجامعة ميونيخ -بألمانيا الغربية- مؤتمر المستشرقين الدولي الرابع والعشرين- فيما بين 28 غشت و4 سبتمبر 1957 وحضره ما ينيف عن 1500 مندوب عن مختلف المعاهد والمؤسسات العلمية في الشرق والغرب، وكان وفد المغرب مركبا من معالي وزير التهذيب الوطني الأستاذ محمد الفاسي، والأستاذ محمد إبراهيم الكتاني الأستاذ بمعهد الدراسات المغربية العليا -كلية الآداب اليوم- مندوبا عن المعهد المذكور والسيد أحمد بن اليمني -من ديوان الوزير-.

وقد ألقى الأستاذ محمد إبراهيم الكتاني بالمؤتمر تقريرا حول مخطوط مجهول اكتشفه، وهو يتضمن معلومات غير معروفة لأحد من المعنيين بالدراسات الحزمية. وعلى الخصوص الطعن في (تتمة المحلى) لأبي رافع الفضل ولد ابن حزم، طعنا يفقدها كل قيمة، ولفت انتباه الباحثين لأهمية الإجابة عن نقط الاستفهام التي يثيرها هذا الاكتشاف، مؤملا أن تكون إذاعة المعلومات -لأول مرة– في المؤتمر مؤدية للإجابة عنها.

والأستاذ محمد إبراهيم الكتاني معروف بدراساته الواسعة، وأحاديثه الممتعة. حول تاريخ الدعوة إلى استقلال الفكر في الإسلام، وعلى الخصوص ما يتصل بابن حزم الأندلسي ودعوته.

وفيما يلي النص الكامل للتقرير المهم الذي ألقى ملخصه بالمؤتمر، فاستثار انتباه المستمعين واستحق تقديرهم، مؤملين -مع الأستاذ- أن يكون نشره بين القراء العرب حافزا على الإجابة عما يثيره من نقط استفهام.

تتجلى قيمة المذهب الظاهري -بالنسبة لدارس تاريخ الفكر الإسلامي- في أنه كان رد فعل للغو في استخدام الرأي والقياس وقلة المبالاة بالنصوص الشرعية عند بعض الفقهاء، وفي استمراره على التمسك بمحاربة التقليد، والدعوة إلى الرجوع إلى مصادر الإسلام الأولى في القرآن والسنة.

وقد شهد تاريخ الفكر الإسلامي -في أحقاب ازدهاره وحيويته- معركة حامية الوطيس بين المذهب الظاهري من جهة، وبين بعض المذاهب الإسلامية من جهة ثانية.

كما أن كثيرا من الحركات الإصلاحية، في كثير من المجتمعات الإسلامية، في مختلف العصور، قد تأثرت ببعض الآراء الظاهرية، بل إن بعض البلاد الإسلامية -كمصر وسوريا مثلا- قد استمدت بعض قوانينها الحديثة من المذهب الظاهري، كبعض مسائل الوصية وغيرها.
لذلك لم يكن هناك بد لدارس الفكر الإسلامي في مجتمع من المجتمعات عن تلمس مدى تأثره بآراء المذهب الظاهري وتفاعله معها، كما أنه لابد لدارس فقه الإسلام المقارن من معرفة وجهة نظر المذهب الظاهري في مختلف المسائل، وهو ما جرى عليه بالفعل كثير من الباحثين، قدماء ومحدثين.

وقد عملت الأيام عملها في القضاء على مؤلفات الظاهرية في الشرق وفي الغرب، فلم يبق بين أيدينا منها إلا كتاب (المحلى) لابن حزم : على بن أحمد بن سعيد الأندلسي (384/994-456/1064) وذلك ما يجعل له قيمة خاصة من هذه الناحية إلى جانب قيمته الذاتية.

غير أني عثرت -أثناء تنقيبي عن بقية آثار ابن حزم- على مخطوط مجهول، يقصر هذه القيمة على القسم الأكبر من كتاب (المحلى) وهو القسم الذي كتبه ابن حزم بنفسه، دون قسمه الأخير الذي كتبه ابنه أبو رافع الفضل عندما توفي أبوه قبل إكماله.
فقد عثرت بمدينة مكناس، على المجلد الأول من كتاب (المورد الأحلى)، في اختصار (المحلى لابن حزم) وليس فيه تسمية المؤلف ولا تاريخ كتابته، غير أنه يفهم من كلامه في مقدمة الكتاب أنه من بقية تلامذة الحافظ الذهبي (673/1274-748/1347) فيكون من أهل القرن الثامن الهجري، 14 الميلادي.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن المؤلف ذكر اسم الكتاب في مقدمته وفي نهاية الجزء كما أوردناه، فتوهم بعض من وقف عليه أنه لابن حزم، و اختصر اسمه وكتبه على ظهر المجلد وجانبه : (المورد الأحلى لابن حزم) وكذلك سجله من فهرس مخطوطات مكتبه المسجد الأعظم، مع الغفلة عن أن (المحلى) هو الذي لابن حزم، لا (المورد الأحلى).

ويقع هدا الجزء في 204 ورقة، في كل ورقة 27 سطرا، وطول الورقة 26 سنتيما، وعرضها 17 ونصف، وكتابته شرقية، وقد خرقت الأرضة كثيرا من أوراقه في الوسط والأخير، ويصل في اختصاره إلى المسألة 424 الواقعة في ص 71 من الجزء الرابع من (المحلى) (المطبعة المنبرية).

وقد ألصقت على ظهر أول ورقة منه ورقة كتبت عليها وثيقة وقف المولى الرشيد -ثاني ملوك الدولة العلوية الذي ملك فيما بين (1075/1664-1082/1671)- جميع هذا الكتاب -وهو المكتوب على ظهر أول ورقة منه- على خزانته التي أحدثها بالجامع الأعظم بفاس الجديد، فكيف ومتى نقل إلى مكناس يا ترى ؟.

وأهم ما اشتمل عليه هذا الجزء مقدمة تقع في سبع ورقات وبضعة أسطر.
وأهم ما في هذه المقدمة مقدمة كتاب مجهول هو الآخر، لا نعرف عنه ولا عن مؤلفه شيئا -إلا ما استفدناه من هذه المقدمة، وهو كتاب (القدح المعلى، في إكمال "المحلى" : (صنعة الأستاذ الجليل السري، تابع السلف، محمر بن عبد الملك، بن عبد الرحمان، ابن أبي بكر، بن محمد، بن جعفر، بن محمد، بن خليل العبدري) وقد أورد صاحب (المورد الأحلى) هذه (المقدمة) بتمامها وتقع في أقل من أربعة أوراق.

ويذكر أن ابن خليل العبدري فيها : أن ابن حزم أدركته -رحمه الله- الوفاة وقد انتهى فيه -أي في(المحلى)- إلى أول كتاب الدماء والديات والقصاص، ولم يشرح منه إلا ست مسائل، وبعض المسألة السابعة، وبقي عليه تتميم المسألة المذكورة وبقية كتاب الدماء والديات والقصاص، والقسامة، وقتال أهل البغي، وحكم المحاربين، وحد السرقة، وحد العادية، وحكم المرتدين، وحكم الزنا، والقذف، وشرب الخمر، وذكر التعزيز، والجامع).

قال ابن خليل : (فحدثت : أن الثقة أخبر عنه : أنه عهد إلى بنيه أن يكملوه على ما نهجه من كتاب الإيصال)... وكان أبو رافع الفضل أكبرهم سنا، وأجلهم قدرا، فانبرى لتكميله وتتميمه، فبيض مبيضة لم يخلصها، ولا رويت عنه بعد نظره فيها -نظر تهذيب وتبصر- أدركته رحمة الله الوفاة، وحالت بينه وبين ما حاول من إتمام غرضه، لأنه استشهد في الزلاقة ( أي سنة 479/1086).

فمن نسخ كتاب (المحلى) فانتهى في نسخه إلى المسألة التي توفى ولم يكملها ولم يزد شيئا، وقال : ها هنا أدركت الإمام الوفاة، فهذه رواية أبي خالد يزيد ابن العاص الاونبي الأندلسي.

ومنها ما ينتهي ناسخها بها إلى آخر زيادة أبي رافع الفضل، وهي رواية أبي عمر كوثر بن خلف بن كوثر بن خلف بن كوثر وأبي الحسن تشريح بن محمد بن تشريح (401/1059-539/1144) بإجازة أبي محمد لهما).
ولا يخفى أن هذه الأخيرة هي الرواية المطبوعة من (المحلى) وتبتدئ هذه الزيادة من المسألة 2024 من 441 الجزء العاشر إلى آخر الكتاب، أي ما يشمل 536 صفحة، ويتضمن 284 مسألة.

طعن ابن خليل في زيادة أبي رافع
وأهم ما اشتملت عليه (مقدمة ابن خليل) هذه، ما انفردت به من الطعن في (زيادة أبي رافع) طعنا يفقدها كل قيمة، فقد قال : أنه (تأمل هذه الزيادة فوجد فيها خللا كثيرا).

وذلك أن الإمام أبا محمد رتب كتاب (المحلى) على كتاب (المجلى) فيقول : كتاب كذا، مسألة كذا، وينقل من (المحلى) مذهبه في تلك المسألة كما هو فيه، إلى آخر كلمه فيها، ثم يقول : برهان ذلك، إلى آخر البرهان من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو النظر الراجع إلى ذلك عنده، فإن كانت المسألة لا يعرف فيها خلافا فقد تمت، ويذكر المسألة التي تليها، و إن كان فيها خلاف ذكره، وذكر استدلال المخالف واعترضه، ورجح بحسب أظهر له، ويذكر من قال بقوله من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، ثم مر في ترتيب (المحلى) كذلك لا يخالف ترتيب (المجلى) -لأنه شرحه- حتى انتهى إلى حيث قدر له.

والذي صنعه أبو رافع الفضل في هذه الزيادة : أنه أخذ أبوابا على ترتيب (الإيصال) فكمل بها (المحلى) ولم يتعرض إلى (المجلى) ولا نقل منه كلمة واحدة.

وليته لما نقل من (الإيصال) ما نقل اعتمد عليه، ولم يحذف منه إلا التكرير والتطويل، بل حذف مسائل كثيرة، فينقل منه بابا ويترك بابا، وربما كان الذي يحذفه أكثر فائدة -فيما هو بسبيله- من الذي يذكره والضرورة لما يحذفه أشد وربما طال عليه الباب الذي ينقل منه فيطرح من فصوله ما فائدة الباب فيه! وربما أثبت في الباب كلاما لبعض الناس وحذف الرد عليه! أو أثبت الرد وحذف أصل الكلام! وقد يثبت في بعض المسائل أقوال الناس ويحذف المقولة التي اعتمد عليها أبوه!.

إلى غير ذلك من الإخلال الكثير، الذي لا يبغي معه لتلك الزيادة أن تثبت، ولا أن تعد شيئا مغنيا بالنسبة إلى مراد المصنف!!).

ثم يعود ابن خليل -في آخر مقدمته- فيضيف إلى هذه المطاعن الخطيرة : أن في (زيادة أبي رافع) مسائل ليس لها في (المجلى) أصل، ولعلها من تراجم كتاب (الخصال) المشروح بكتاب (الإيصال) المكمل منه (المحلى) فاشتبهت على أبي رافع الفضل -رحمه الله – حين تكميله الكتاب!).
عمل ابن خليلا ومنهجه :
قال ابن خليل : (ولما ألفيت الزيادة هكذا، ووقع إلى من كتاب (الإيصال) جملة كبيرة، فيها موضع الحاجة، رأيت أن أكمله، على ترتيبه ووضعه -ٍإن شاء الله تعالى- حتى إذا رآه العارف الناقد لم ير فرقا بينه وبين ما ابتدأ به أبو محمد، إلا فيما قدمته -من ذكر الإسناد فقط) (ولنا نحن عودة إلى مسألة الإسناد هذه).
قال : (وذلك أني أذكر المسألة التي وقف فيها أبو محمد فأتمم منها ما غادره، ثم أرجع إلى كتاب (المجلى) فأنقل المسٍألة التي تليها، وأذكر البرهان عليها -منقولا من كتاب (الإيصال) أنقله على ما هو عليه، ثم أنقل مسألة مسألة كذلك من كتاب (المجلى) لا أتعدى ترتيبه، وأذكر البرهان على ذلك من (الإيصال) حيث وقع ثم أذكر الخلاف فيها -إن وقع- والاحتجاج، والاعتراض، والترجيح، حتى كأنه هو الذي تممه).

أما المسائل التي في (تتمة أبي رافع) وليس لها ذكر في المجلى) فقد ألغاها ابن خليل (إذ ليست من أصل الكتاب المشروح، ولا من شرط المصنف، وقد دخلت في وصيته بوجه).
وفي ختام (مقدمة ابن خليل) يعلن : أنه (ليس له في هذا التأليف غير نسخه فقط، كله كلام أبي محمد رحمه الله، امتثل فيه ما أوصاه، فلذلك حسن-بل وجب- أن يكون غزو التتمة إليه، لأنه محض عبارته، لم يدخل فيها شيئا، حاشا مسألة ألقي فيها بيده متحاملا، فنبه ابن خليل عليها فقط، لم يدخل من كلامه في كلام ابن حزم شيئا !وإنما أفردها بذاتها لتعلم).

ثم يقول : فإني -والعالم الله لو لم يوصى بتكملته من كلامه في كتابه (الإيصال) لم أقدم على ذلك رحمة الله عليه ورضوانه).

وهنا نقف فنتساءل عن ابن خليل العبدري هذا : من هو : ؟ وما هو موطنه ؟ وما هو عصره ؟ وما هي قيمته العلمية ؟ وأين كتابه (القدح المعلى) هذ ا؟ وما هي قيمة هذه المطاعن الخطيرة التي يوجهها (لتتمة أبي رافع الفضل) ؟.

وبالرغم من كون (المورد الأحلى) يورد لنا اسم ابن خليل، واسم أبيه، وأسماء ستة من جددوه، ونسبه، ويحليه مرة بالأستاذ الجليل السري تابع السلف، وبالإمام محمد بن خليل العبدري، مرة أخرى، ويقول عنه : (وناهيك به!) فإننا لم نعثر له على ترجمة ولا ذكر، في شيء مما رجعنا إليه من المراجع المتنوعة -على كثرتها!-.

غير أننا عثرنا في كتاب (الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة لابن عبد الملك المراكشي 634/1236-703/1303) (مخطوط) على ذكر عبد الملك، بن عبد الرحمن، بن أبي بكر، بن خليل العبدري، فلم نستبعد أن يكون هو والد صاحبنا، ويكون ذكر خليل بعد أبي بكر على أنه الجد الأعلى الذي اشتهر عقبه بالنسبة إليه، لا على والد أبي بكر، وهو استعمال شائع.

ويقول المراكشي عن عبد الملك هذا أنه : (بلنسي، كان من أهل العلم، حيا سنة أربع عشرة وستمائة (أي 1217م) (ج 4 لوحة 8 مصورة المكتبة العامة بالرباط).

فيكون ابن خليل -على هذا الاحتمال- من أهل القرن السابع  الهجري، الثالث عشر الميلادي وهذا ما سنلمح  في كلام ابن خليل قريبا ما يشير إليه، أندلسيا، أو مغربيا، فقد كان رحيل الأندلسيين إلى المغرب كثيرا في هذه الحقبة.

كما أننا لم نعثر في شتى فهارس الكتب ومعاجمها، كما لم نقف في غيرها، على ذكر لكتاب (القدح المعلى) هذا، وإنما عثرنا على اسم كتاب (القدح المعلى، في الكلام على بعض أحاديث المحلى) للقطب الحلبي الحافظ عبد الكريم بن عبد النو ر(663 أو 664/1265-735هـ 1334).

وعلى (القدح المعلى، في التاريخ المحلى) لأبي الحسن بن سعيد المغربي، دفين دمشق، (حوالي605 /1208 ؟-685/1286) وتوجد من هذا نسخة بتونس بخط المؤلف، غير أنه لا صلة له بموضوعنا. غير أن صديقي الأستاذ البحاثة الواعية، الحاج محمد بن أبي بكر التطواني أوقفني على قائمة تتضمن أسماء الكتب التي كانت موقوفة بالمسجد الأعظم بمدينة سلا، مؤرخة بثامن ربيع الأخر عام 1228هـ الموافق 1813م) من بينها كتاب (المعلى، تتمة "المحلى").

ونحن نعلم أن (المعلى) اسم لمختصر (المحلى) لابن عربي الحاتمي (560/1164-638/1240) وللرد على (المحلى) لأبي الحسن بن زرق الإشبيلي : محمد بن محمد بن سعي د(539/1144-621/1224).
فهل هذا الذي كان بسلا منذ أقل من مائة وخمسين سنة ه و(القدح المعلى) لابن خليل ؟ أو هو (تتمة ابن خليل) ؟ أو وقف عليها فلم تعجبه فوضع تتمة أخرى ؟.

إن الأمل لا يزال موجودا في العثور على هذا الذي كان بالمسجد الأعظم بسلا، أما الآن فكل ما بين أيدينا عن أبي خليل و(تتمته) هذه (المقدمة) التي احتفظ لنا بها صاحب (المورد الأحلى) ضمن (مقدمته) وفيها نرى ابن خليل كاتبا مجيدا، أثريا واعيا، متثبتا نافدا، وحزميا متعصبا غاليا.

فهو يبتدئ بإيراد حديث : (تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما... وبذكر أن تأليف علماء الإسلام في السنة راجعة -على كثرتها- إلى خمسة أنواع... وأن أنفعها القسم الرابع المتضمن لحديث الرسول وفقه الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، مع التعرض للترجيح في الأقوال والاحتجاج بحسب ما ظاهر للمؤلف أنه الحق، من غير تقيد بالانتصار لمذهب معين.

وبعد أن ذكر من ألفوا في هذا الموضوع على اختلاف العصور، مشيرا إلى توسيع المتأخرين فيما اختصر فيه المتقدمون، ذكر أن أبا محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي أكثر من ذكر استيفاء لأقوال المخالفين، وبسطا لأدلتهم، لأنه -رحمه الله- أتى بعد حدوث الفتن، وما ابتلى به بعض الناس من المحن، في نصرة قول من لم يومن بنصره، ولا يغنى عنه من الله شيئا، ونسأل الله العافية، وأن أحسن كتبه كتاب (الإيصال) قال : إلا أنه عدم –اليوم- عدما لا يتأتى وجوده كاملا أبدا، وبعده كتاب (المحلى) في شرح كتاب (المجلى) أيضا، وكلاهما موجود كثير.

وبعدما ذكر ما أوردناه عنه فيما سبق : -من وقوفه على (تتمة أبي رافع الفضل) و المقارنة بينها وبين كتاب (الإيصال) وتصديه لتكميل (المحلى) من كتاب (الإيصال) امتثالا لوصية مؤلفه أورد خمسة فصول :
حصري أولها أسانيد ابن حزم الدائرة المتكررة في (المحلى) إلى ذوي المؤلفات التي يروى عنها وذكر في ثانيها : (أن الإمام أبا محمد قد تكلم فيه أقوام من الجهال، ونسبوه إلى أشياء هم أحق بها... وقد أدى بعض (كذا) المتأخرين في سوء الثناء عليه حتى نسب إلى معتقده سوءا... وربما كذبوا عليه في أشياء نسبوها إليه إفكا وزورا، ثم إنهم لعنوه عليها إفكا منهم وغرورا، وبهتانا ومحض تقول، قال : وقد أثني عليه جلة من أهل الفضل والخير والدين، من أهل المشرق والمغرب...) ثم قال :
وبالجملة فإنه إذا تأمل العاقل النبيه، السالم الفطرة من التعصب والهوى، حال الإمام أبي محمد رحمه الله وتأمل أقوال المتكلمين فيه، وجدهم على قسمين :
إما جاهل مفرط (الجهل، يسبه وليدري ما كان عليه من الشدة في الدين والمحافظة على اتباع السنن والحض على ذلك، فهو يسبه ولا يدري ما يلزمه في دينه من ثلب امرئ مسلم من أكابر أهل العلم قد لحق بربه.
وإما رجل رقيق الحياء، قليل الدين، ينال منه تعصبا لأهل مذهبه أو غير ذلك، لينال من دنياه ما أحب... قد اعتاض عما عند الله تعالى بأن يقال عنه أنه كان ناصر المذهب كذا، مصمما عليه، وهو يدري أن ما ناله من أبي محمد -رحمة الله عليه- لا يجوز عقلا ولا شرعا- إن كان مصدقا بالشرع).
ويتصدى ابن خليل في الفصل الثالث للدفاع عن ابن حزم فيما أخذ عليه من سلاطة لسانه وإقذاعه في سب مخالفيه، فيقول :
(إن أكثر من أثنى على أبي محمد رحمه الله –وأخذه في شيء، وهو أنه أطلق لسانه وقلمه على قوم من المتعصبين بالثلب والسب، والنيل منهم، وكأنهم رأوا هذا خطأ، وأنه أتى مالا يجوز فعله، وعيب عليه ذلك في تصانيفه، قال : وأنا أقول : أنه ليس خطأ، بل هو قربة إلى الله تعالى، وجهاد فيه، وزين للتأليف.
وبيان ذلك أن الخلاف لما وقع بين السلف الصالح -رضي الله عنهم- لم يقدح بسببه بعضهم في بعض، ولا عادى عليه أحد أحدا، بل قد يوجد بين رجلين منهم الصحبة المؤكدة والخلاف في مسائل كثيرة، لأنهم كانوا لا يراعون في ذلك إلا وجه الله تعالى.

ثم خلف من بعدهم خلف جعلوا طلب العلم سببا لنيل دنياهم، ومرقاة يبلغون بها من الترؤس مناهم فتعصب قوم لقوم عمل أهل الدولة في ذلك العصر بقولهم، أما وفاقا لمن تقدم، أو استحسانا منهم لذلك، فبالغ هؤلاء في التعصب لأقوالهم).

وبعدما استدل على ذلك بضياع مذاهب لم تحظ من تأييد الدول بمثل ما حظيت به مذاهب أخرى، أشار إلى قبح ذلك التعصب وحرمته شرعا وعقلا... وقال : -وربما يكون في بعض المواضيع ردة عن الإسلام!!... وذلك أنهم يعترضون (على (كتاب الله) تعالى، وعلى الصحيح من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما قد روا عليه من أنواع الاعتراضات : فيحرفون الكلام عن مواضعه -قصدا-، ويمزقون (كتاب الله) تعالى تمزيقا باردا، ويتحكمون فيه تحكما فاسدا، ويعرضونهما على كلام من قلدوه، فما وافقه منها أخذوا به، وما لم يوافقه منها قلدوه بالعراء، وقابلوه بالرد والتحريف، والحمد لله تعالى على السلامة مما ابتلاهم به، ومما وقعوا فيه.

فابن حزم يرى في مذهبه -يقول ابن خليل- أن تلك المقولات منه مجاهدة شرعا، ويحتج على ذلك بحديث : من رأى منكم منكرا فليغيره...

ثم يضيف ابن خليل إلى ذلك : (أن الحق فيمن علم الحق وعند قبوله من هؤلاء أن يجادلوا عليه بالسيوف! وتحرق كتبهم المضلة التي ليس فيها لرسول الله ذكر، إلا آراء مجردة عن الاستدلال بالكتاب والسنة -حتى يرجعوا عن هذه المقاصد الرذيلة، و الأغراض المعبودة،  كما فعل بعض من ولاه الله من أقطار أرضه أمرا، فجزأه الله خير الجزاء، فمن لم يقدر على ذلك فغرضه -على رأي أبي محمد- أن يجاهدهم بلسانه كما فعل هو).

ومن الواضح أن ابن خليل يشير في عبارته هذه إلى ما وقع في الأندلس والمغرب من حرق كتب المالكية أواخر القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، على عهد يعقوب المنصور الموحدي، الذي ملك فيما بين (580/1184-595/1198) وهو حادث عاصره -غالبا- عبد الملك بن خليل البلنسي، الذي لم نستبعد أن يكون هو أباه.

ويتصدى ابن خليل في الفصل الرابع للنضال عن أبي محمد في تخطئته من خطأ من السلف الصالح رضي -الله عنهم- فليست التخطئة نيلا منهم، ولا يعدها نيلا منهم إلا جاهل أحمق....
وإذا قال قائل عمن أخطا في شيء -وهو ممن يجوز عليه الخطأ- : قد أخطأ، فهو أخبار بحق وصدق ولو قال غير ذلك لكان كاذبا...

وفي الفصل الخامس يورد قول أبي محمد : (ولسنا نرضى عمن يغضب لنا، إنما نرضى بمن يغضب للحق، ولا نسر بمن ينصر أقوالنا إنما نسر بمن ينصر الحق حيث هو.

ولا يجهل علينا جاهل فيظن أنا متبعون مذهب الإمام أبي سليمان داوود بن علي إنما أبو سليمان شيخ من شيوخي، ومعلم من معلمينا، إن أصاب الحق فنحن معه -أتباعا للحق- وإن أخطأ اعتذرنا له، واتبعنا الحق حيث فهمناه!!.
ويعقب ابن خليل على ذلك قائلا هو أيضا :
(وكذلك أقول : لا يجهل علي جاهل فيظن أني متبع للإمام أبي محمد ! أبو محمد شيخ من شيوخي، ومعلم من معلمي، أن أصاب الحق فأنا معه -إتباعا للحق- وإلا فأنا مع الحق حيث فهمته بحسب ما يوفقني الله تعالى له، وينعم به علي).

وقد تقدم النقل عن ابن خليل : أن ابن حزم ألقي بيده في مسألة متحاملا، فنبه ابن خليل عليها، كما أنه حذف أسانيد ابن حزم للأحاديث التي يحتج بها، مخالفا بذلك ما سار عليه ابن حزم فيما حرره من (المحلى).
وأما قيمة مطاعن ابن خليل في (تتمة أبي رافع الفضل) فهي متوقفة -ولاشك- على العثور على (القدح المحلى) وعلى (الإيصال) والمقارنة بينهما، وهذا ما تكاد تنقطع الآمال دون التطلع إليه والوقوف من أخبارا بن خليل و أحواله على ما يكفي للوثوق بقوله و الاعتماد عليه.

على أن الذي عرفناه عنه لحد الآن -على قتله- كاف لحمل الباحث المتحري على الوقوف من (تتمة أبي رافع الفضل) موقف الحذر والارتياب، وعدم الجرأة على نسبة شيء إلى ابن حزم أو المذهب الظاهري استنادا إليها، أو إلى ما استند إليها وحدها.

أكبركن سنا
نشب خلاف بين ثلاث سيدات، انتهى برفع الأمر إلى القضاء، فلما طلبت قضيتهن في اليوم المحدد للنظر فيها، اندفعن كلهن نحو منصة القاضي ورحن يتكلمن في وقت واحد.
ولما لم تفلح نصائح القاضي لهن بالتريث، ليسمع شكوى كل واحدة منهن على حدة قال لهن : فلتتكلم أولا أكبركن سنا، فسكتن كلهن على الفور.

الكشكول
الكشكول والكشكولة، وعاء المتسول، يجمع فيه رزقه، والكشكول أيضا كتاب جمعت فيه كل نادرة من علوم شتى، وفيه مباحث باللغة الفارسية، ألفه بهاء الدين العاملي وطبع في طهران سنة 1874.

وقد صدرت بمصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى مجلة باسم الكشكول لصاحبها الأستاذ سليمان فوزي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here