islamaumaroc

الدعوات الدينية ونمط التفكير المغربي

  دعوة الحق

216 العدد

تسود الشعوب أنماط مختلفة من التفكير الاجتماعي تطبع المجتمع بوحدة متناسقة يستطيع معها التغلب على الفردية والمصالح الخاصة.
ومما ولا شك فيه أن هذه الانماط تخضع لمؤثرات فكرية ووجدانية وتستمد حيويتها من التاريخ والبيئة ومن القدرة على التفتح والتلاؤم بدل الانغلاق والذاتية ، ويمكن أن نقسم هذه  الانماط كما يلي :
ـ النمط الديني وهو الذي يعتمد اطلاقا على القيم الروحية لا المادية النفعية أو على الازدواجية العادلة بين القيم الروحية والمصالح المادية.
ـ  النمط الوجداني الاخلاقي كالبودية أو الوجداني الصوفي.
ـ النمط العلماني الديني.
ـ النمط الصناعي الديني المعتمد على العمل والاخلاق.
ـ النمط التنظيمي الاداري.
وهذه الانماط مظهر لنشاط المجتمع الانساني في ميدان العمل مع الاخلاص ولاتقان أو الانجاز للاستهلاك.وترتبط العلاقات بينها على أساس الوجدان الديني أو الضمير الاجتماعي  أو المصالح الاقتصادية.. وقد تتعايش عدة أنماط في مجتمع واحد على أن نمطا واحدا يطبع الامة كلها، وقد تفطن القدماء الى هذا الموضوع فسموه طبائع الشعوب.
أما المجتمع المغربي فهو مسلم أشعري العقيدة، مالكي المذهب، درائعي الفلسفة ، ويمكن أن نصف عقليته بالواقعية الحسية الماطرة بالدين والضمير الاخلاقي ، ولقد دعت الدعوة الدينية الانسان المغربي بانتهاج طريق الصلاح والانسانية منذ فجر تاريخ البشرية، فقد كان ذو القرنين عبدا صالحا وكانت دعوته الاولى في اتجاهه الى المغرب كما جاء في القرءان الكريم في الاية الكريمة:( حتى اذا بلغ مغرب الشمس وحدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما ، قلنا ياذا القرنين أما أن تعذب ، وأما أن تتخد فيهم حسنا ).
ان هذه الاية تنسحب على قبائل البربر من سكان المغرب ، سيما وهم في ( مغرب الشمس) ويرى الالوسي أن (المكان) هو منتهى الارض ، أو افيانوس وفيه جزائ الخالدة... و(عين حمئة) أي الطين الاسود ، وأما تفسير الاية أما أن تعذب وأما أن تتخد فيهم حسنا...
فقد أرتآى الشيخ زروق حمل الآية على التخيير بين أن  يعذبوا أو يتخد فيهم الحسنى ، أما باقي المفسرين فقد اقتصروا على حمل ما فيها على التنويع والتقسيم ثم الذاهبون الى الاول اختلفوا في تصويره ، وفي طريق تحريره ، ففي أبي السعود اما أن تعذب بالقتل من أول الامر، وأما أن تتخذ فيهم حسنا بالدعوة الى الاسلام وارشادهم الى الشرائع ، ثم قال وخير بين القتل والاسر والجواب من باب الاسلوب الحكيم لان  الظاهر التخيير بينهما وهم كفار، وينقل الالوسي في تفسيره قوله:
( وبهذا لبيان يلوح أن آية ذي القرنيين في أهل  المغرب حالة كفرهم هي من أعضم مناقب المغرب وأهله  بحيث كانوا يوصف قاض عليهم بالتعذيب لا غير، ومع ذلك نصت الآاية على أن العدول عنه لاتخاذ الحسنى فيهم هو أمر لا تأباه قوالبهم ، ولا تقصر عن استحقاقه عواملهم ، فالشر الحالي وقتئد  وبعدئذ فيهم عارض ، والخير هو العرق الاصيل النابض ، وكذلك كان ، ويكون فاتهم لا يدلون دلالة ثقة عارف ماهر على خير الا وقصدوه.ولايحملون حمل مجد راسخ على صلاح حال الا وتشبثوا به  والفوه. وبهذا جاء في بعض روايات حديث الطائفة  التي لا تزال ظاهرة على الحق أنها بالمغرب وعضدت ذلك رواية لا يزال أخل المغرب ظاهرين على الحق  حتى تقوم الساعة ، واللفظ محمول على حقيقته حتى تدل قرينة على أن المراد خلافه أو يؤدي ظاهرة الى محال، فعند ذلك يتعين صرفه عن الظاهر على أن الحديث شامل لأهل المغرب حتى على صرفه عن ظاهره في بعض تأويلاته.
كما ينقل الالوسي عن ابن خلدون من أمر البربر واخباره ما يشهد بأنه عزيز على الايام وأنهم قوم مرهوب جانبهم كثير جمعهم مظاهرون لامم العالم و أجياله من العرب و الفرس و اليونان والروم . وأما تخلقهم بالفضائل الانسانية وتنافسهم في الحلل الحميدة وما جلبوا عليه بالخلق الكريم ومرقاة الشرف والرفعة بين الامم ومراعاة المدح والثناء من الخلق  من عز الجوار وحماية النزيل ورعي الوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكاره والثبات في الشدائد وحسن الملكة والاغضاء عن العيون والتجافي عن الانتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوفير أهل العلم وحمل الكل وكسب المعلوم وقرى الضيف والاعانة على النوائب وعلو الهمة وأباية الضيم ومشاقة الدول ، ومقارعة الخطوب وغلبة الملك، وبيع النفوس من الله نصر دينه، فلهم في ذلك أثار نقلها الخلف عن السلف.
وقد هاجر كثير من الشرقيين الى المغرب بعد ظهور(بوشع بن نوى) الذي شك كثير من المستشرفين في وجوده زاعمين أنه رمز( العبادات الشمسية) ليسير الشمس ويوفقها عن مسيرها .. مع أن تاريخ الدين يذكره صراحة مما لاداعي للشك  فيه ويؤيد ذلك وجود اسمه منقوشا على حجر كشف سنة(540م) في نوميديا المغرب قرب ( قرية حداش) المعرفة باسم( قرطاج) عند الرومانسيين، فقد نقش على الحجارة ما يلي.
(أننا خرجنا من ديارنا لننجوا بأنفسنا من قاطع الطريق يوشع بن نوى) وعندما برزت المسيحية تحارب القسوة والظلم وتنشر المحبة والرحمة... كان المغاربة أول من آوأها وحماها ، فظلت في بلاد المغرب تعمل مستمرة من عهد ( بطرس)، وكان بالمغرب دعاتها الاولون الذين نشروا ما حملته من (الرحمة)و (الحنان) و(الصبر)،ولم يتخل المغاربة عنها الا بعد أن أصبحت الدين الرسمي لعدوتهم ومستعمرتهم الدولة الرومانية، واضحت مغيره لمضمونها وعمقها الديني وأصبح (الرهبان) جنوده روما المقنعين العاملين على أذلال الشعوب واخضاعهم  للا قوياء عن طريق الاستسلام للزهد الشكلي... وجاءت الدعوة الاسلامية محررة للانسان  من العبودية وناشرة للدعوة ، الانسانية . وقد سمع  بها المغاربة التواقون الى النزعة الانسانية فتوجه وفد من (رجراجة) الى (يثرب) وتكلم الى الرسول عليه السلام عن بلاد المغرب باللغة البربرية فدعا لهم وبشر باسلامهم وعظمة الدين الاسلامي في بلادهم، ولسنا بصدد مناقشة هذا  الحديث من الوجهة التاريخية والحضارية في كتابي ( دفاعا عن الثقافة المغربية) كما يرى بعض المؤرخين أن  وفدا من البرابرة في المغرب التقى بالخليفة عمر وقد وصفتهم هذه المصادر وصفا دقيقا مبرزة لغتهم وحضارتهم(أنظر ما نقله المؤرخ الناصري في  الاستقصا عن كتاب عقد الجمان).. والذي يهمنا من هذا هو الحوار بين طبيعة المغرب والاخلاق الانسانية، حيث يثوق دائما الى الحرية والكرامة ويبادر بالبحث عن دعاة النزعة الانسانية ملتزما بها و متمسكا بفلسفتها . وما كاد الاسلام أن يصل الى المغرب حتى تكونت به مدرسة اسلامية انسانية على يد صحابة الرسول عليهم  السلام . فقد دخل الى المغرب عدة صحابة كرام يعسر أن أذكر أسماءهم وتاريخهم في هذه العجالة وفي ( كتاب الاستقصا )  فصل عن ذكر من دخل المغرب من الصحابة مرتبة أسماؤهم على حروف المعجم . وقد وجه الخليفة عمر بن العزيز (وفدا) من العلماء ليفقهوا المغاربة في الدين ولاشاعة الثقافة الاسلامية في المغرب ، وكان خليفة (انسانيا) عظيما . اشتهر بموافقة الدينية في الدفاع عن أهل الذمة ونشر الاسلام السني والالتزام بالأخلاق الاسلامية .
لقد انحدر عن التفكير الديني الاسلامي ظهور مؤسسات أربع :
1 ) المسجد لاشاعة الثقافة الشعبية ، وتربية جمهور مؤمنين في وحدة مذهبية اخلاقية .
2 ) الجامعة للدراسات و البحث في ميادين المعرفة المختلفة ، كالطب و الحكمة و الفلسفة والعلوم .
3 ) المستشفى ( المارستانات ) للعناية بالصحة العامة ، ومقاومة الأمراض ، وتطوير الأبحاث الطبية .
4) المرصد الفلكي لمتابعة سير النجوم و معرفة مدارات الأفلاك ، و علاقة ذلك بأمور الدين والدنيا.
وعن هذه المراكز الأربعة تطور الملسل الانساني في الحضارة البشرية وأخذت أوروبا عن الحضارة الاسلامية المغربية هندسة الجامعات والقاب العلماء واختصاصاتهم و الشهادات والاجازات. و لاشك أن كلمة ( كوليج) مأخوذة عن ( كلية) وكلمة ( باكالوريا ) عن كلمة ( حق الرواية ) المستعملة الانجليزي الفردكيوم .. كما أن هندسة المستشفيات في الاندلس قديما . كما ذكر ذلك المستشرق و المراصد .. مقتبسة عن التصميم الاسلامي .

المذهب الانساني في التصوف الاسلامي :
يرى المتصوفة أن الانسان أفضل المخلوقات و أن الله فضله على العالمين صورة وشكلا ومضمونا و مكانة ، ويقرر معظم الصوفية و بالاخص المتأثرون بالافلاطونية الحديثة ، أن الفيض الالاهي عم كل المخلوقات، فكلها فاضت عن الله ذاته ، وقد خلق الله الانسان في أحسن تقويم كما ( في القرءان الكريم ) وخلقه على صورته ( كما في الحديث ) ولهذا فمنزلته أعظم من منزلة الملائكة على الأصح . ولهذا يقول جلال الدين الرومي . لقد كنا في الفلك ، وكنا رفقاء الملائكة فلنعد الى هناك تانية . و لاشك أن جلال الدين الرومي يقرر مكانة الانسان في خطيئة الدين الرومي في توضيح مكانة الانسان بقوله : ( بل نحن أعلى من الفلك ) الخ .  ويعتبر الصوفية أن الله تعالى خلق آدم على صورته و بذلك فان الانسان فيض من أنوار الله  واشرافاته وليس يعني ذلك التجسيم ، لأن التجسيم شرك . ويصرح الحلاج بأن من ظن أن الاهيةة فقد كفر، فان الله تعاى انفرد بذاته ، لأن الله لا يشبه أحدا و لا يشبهه أحد ، ومن يظن أن الله في مكـــــان أو على مكان أو له اتصال بمان فقد أشرك . و الصوفية لا تقبل اية فرقة انسانية بأي حال من الأحوال لأن العيرة في الانسان حقيقته الروحية ، ودرجة قره من الله له ، لأن الانسانية لو كانت بالصورة الخارجية لتساوي الصلحاء و الطلحاء . كما يقول الرومي ، و يقول أيضا وهو يرفض التمييز اللوني : أن اللون الظاهري يكون للثور ، أما الانسان فأنشد في باطنه الألوان من أحمر وأصفر ، فالألوان الجميلة تجيىء من وعء الصفا ، وأما الادران فمن ماء الجفاء الأسود ... والصوفية تقر التسامح الديني اذ الأديان كلها جاءت من أشعة شمس واحدة ، و الطريق الى الله متعددة ، ولهذا يقول ابن عربي :
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
            فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لاوثان وكعبة طائـف
           و ألواح توراة ومصحف قرءان
 أدين بدين الحب أني توجهت
            ركائبه فالحب ديني و ايماني
لنا اسوة في بشر هند وأختها
           و مجنون ليلى ثم مي و غيلان
وقال الحلاج : الكفر و الايمان يفترقان من حيث الاسم ، واما من حيث الحقيقة فلا فرق بينهما و هذا هو ما قصده الحلاج أيضا من انعدام فارق ارؤية بقوله في سوق بغداد :
  ألا أبلـغ أحبائـي بأنـي
           ركبت البحر و انكسر السفينة
ففي دين الصليب يكون موتي 
          و لا البطحاء أريد و لا المدينة
و لاشك أن هذه من شطحات الصوفية . التي أفسدت صفاء الذوق الصوفي .

الجوانب الصوفية و النزعة الانسانية :
اعتمدت الآداب الانسانية العربية على تقوية الشعور الوجداني بالغيرية و المحبة و قد بلغت هذه التربية على يد أعمدة التصوف الذين كانوا يربون الانسان عن طريق وجدانه ، و على عكس تطور النزعة الانسانية في أوربا عن طريق تطوير العقل و احياء الارسطاطالية و استخدام المنطق ليعمل باقتناع ووعي في ميدان الفن والأدب و العلم حتى تعمق النزعة الانسانية .... أما في التصوف فقد عطل العقل المنطقي و مقولاته ليجعل من الشخص انسانا قادرا على تجاوز العصر و البيئة ليتلاءم مع الكون كله و ليكون أداة انسانية لطبيعة الخير و الحب في استمراريته لا أولية لها و لا آخر ، فكان أساس التصوف ( الحب المطلق ) ووسيلته العطاء و البدل والكرم، واشاعة ذلك في المجتمع كله لخلق انسان متعاطف محب لا يملك الا انسانيته ، وأن يجعل من القدر أملا لتزويده الدائم بحاجاته ، وقد استطاع المرابطون أن يأطروا ( الانسان) في رباطات تعتمد ثقافة روحية كونت رابطة من المجاهدين الباذلين لأرواحهم في سبيل العقيدة ثم تطورت الى ( زوايا) داخل البلاد طيلة عصر المرينيين و السعديين و العلويين لحماية ( الانسانية ) والمغربية و الدفاع عن مقومات الانسان المسلم ، وكانت لها ثقافة انسانية صوفية نزاعة الى الخير ، وكان شعار الصوفية المغربية في عصر العلمي و الجزولي و الشاذلي وزروق : البذل والعطاء و الكرم ، فعن طريق العطاء تسمو اريحية الانسان ليتنازل عن كل شيء للانسان ... وهؤلاء كانوا المربين للأمة التي كانت تتلقى تربية صوفية تعتمد على الأخلاق الاسلامية في ( ركن الاحسان ) وهو من مقومات الاسلام أي أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تراه فانه يراك.. ويعني ذلك الاندماج في المراقبة الالاهية لكل أعمال الانسان حتى لا يمكنه أن يستتر أو يخفي شيئا ، أو يحتاج الى ( اعترافات ) تخفيف عن أزمة أخطائه كما هو الشأن في المسيحية . وعن فلسفة الاحسان برزت دراسات صوفية في تهذيب الانسان و تربيته الاجتماعية ليكون عضوا انسانيا كريما متعاطفا على نهج ما فعلته ( الفروسية ) في الحضارة المسيحية ، ثم أن هذه اتسمت بكثير من الشكلية و عدم القدرة على العمق الوحداني كما كان هدف ( الصوفية ) المغربية . واذا كانت الفلسفة الافلاطونية القديمة عرفت التصوف سواء في نزعتها الاولى أو في الثقافة اللغوسية ... وكما اذا كانت البوذية الشرقية عرفت النزعة الصوفية كذلك ، فان التصوف المغربي يختلف عن هذه النزعات كلها لأن الافلاطونية كانت تصوفا فلسفيا تجريديا ، والبوذية كانت نزعة صوفية انعزالية هروبية من الحياة و ضجيجها و اشكالاتها ، أما التصوف المغربي فلم ينحدر عن سلسلة ( هرمس) و أفلاطون ، كما في ( الرسالة التبشيرية) ولم يأخذ عن الحلاج و السهروردي و ابن عربي ، وانما هو تصوف اجتماعي انحذر عن ( التوجيه السني ) الذي ظهر في الشرق على يد ( المحاسبي ) و ( الجنيد) وهو تصوف اسلامي محض لا علاقة له بتصوف اليونان أو تصوف الهند، لأنه تربية في صميم الحياة الاجتماعية لا في اطارها ورغم ظهور اعلام للتصوف الافلاطوني بالمغرب كابن عربي الحاتمي أستاذ ( سان لو) و ( دانتي) ، فان المغاربة لم يقبلوا الا تصوف الجنيد الذي برز في تصوف المعلمين ، والشادلي و الجزولي ، وقد وقف القاضي عياض ضد تصوف الغزالي ، واعتيره سلبيا غير سني فأحرق المرابطون كتاب الاحياء للغزالي ، وهكذا اتخذ الاتجاه الصوفي المغربي اتجاها اجتماعيا لا يذوب ذات الفرد في المطلق وانما في خدمة المجتمع  و حراسته و السهر على النزعة الانسانية في الكرم والبذل والعطاء و التضحية والشجاعة . وقد كانت برامج التعليم المغربي القديم تهتم بتعلم مبادىء التصوف في مدارسها الاولى ، حيث تختص مبادىء هذا العلم في طهارة القلب و الجوارح والصدق و الوفاء والتضحية ومزج العمل بالاخلاص ومراقبة الخالق فيما يقدم عليه الانسان ، ومصالحة الناس و خدمتهم ومساعدة الغرباء . و في هذا العلم تحليلات نفسية دقيقة طالما قوت من رباطة المجتمع المغربي ، فاعتصم بها و بالاخص بعد سقوط غرناطة ، وشكه في العقلانية الرشيدية و الخلدونية ، ونزعته الى التصوف لحماية المجتمع ضد الغزو الاستعماري الاسباني والبرتغالي المستعينين بالمسيحية . و من الطبيعي أن يكون التصوف وسيلة لتعميق الشعور الانساني بين المواطنين لأن الفلسفة الاسلامية تعتمد على وحدة الشخصية ذات البعدين الروحي و الاجتماعي عكس المسيحية التي اعتمدت الازدواجية الشخصية ، فكانت البابوية موجهة روحية بينما كانت السلطة الزمنية بيد القادات السياسيين و الحكام . فكان الانسان المسيحي يخضع لسلطتين متناقضتين لم يتصالحا قط ، وكان الانسان المسيحي ، اما مؤمنا ، أو كافرا ، أي اما خاضعا للكنيسة أو لطبيعة المجتمع الفطرية ، ولهذا ظهرت النزعة الانسانية الاوربية بعيدة عن الكنيسة في أول الامر ، ولم تتفطن الكنيسة لغلطها الا بعد ظهور البروتنستانية ، ومن ذلك تطورت المسيحية الى نزعة الانسية على أساس ( الرحمة ) المسيحية .. اما في المغرب فان شخصية المسلم غير متناقضة و لا خاضعة لسلطتين متنافستين و لهذا كانت قوامة التربية الروحية على المتصوفة ، وقوامة التنظيم الاجتماعي على يد العلماء السنيين في تلاحم واضح ، فكان العالم السني(متصوفا)  وفقيها ، وكان ( الصوفي) فقيها و عالما في نفس الوقت . وكان التصوف يهدف الى تكوين الانسية المغربية بواسطة تربية روحية وامتازت الصوفية المغربية بقدرتها على خلق زعامة مربية في العالم الاسلامي كله ، فالامام الشاذلي مغربي من غمارة استقر في مصر ، و الامام البدوي كذلك ، بل كان رجال التصوف و الثقافة من المغاربة يستقرون بالبلاد الشرقية برغبة من أهلها لنشر العلم والتصوف كبرهان الدين الصنهاجي 1796 م قاضي دمشق ، وبدر الدين الغماري قاضي دمشق ، وأحمد الغماري قاضي حماة 796 هـ . واذا اقتفى المغاربة طرقا صوفية أخرى خارجة عن المغرب مثل ( القادرية) لمؤسسها عبد القادر الجيلالي فان المغرب أحدث لها زوايا خاصة ذات أوراد مغربية ، وتعدد ( الزوايا ) هو تعدد في الاسلوب و المذهب لا تعدد في الهدف ، فالقادرية تتسم انسيتها بالجبرية بينما الشاذلية تتسم انسيتها بالجبرية بينما الشاذلية تتسم بالقادرية وعلاقة التصوف بالقدر علاقة جدلية . واتسمت الصوفية المغربية بتدعيم التعاون و كان الشيخ الشاذلي يركز على ( الجود و الكرم ) والبذل و العطاء لخلق تلاحم انسانس اجتماعي ، وانتقد الهبطي البخل الذي شاع في عصره مؤذنا بتفكك الانسان المغربي . كما أن الشيخ المجذوب ، تعرض في حكمة لضعف الكرم وآفاقته الاجتماعية حيث يكسب النفس ( الشح) ... ويفقدها خصائصها الانسانية . وكان الشيخ أبو العباس السبتي دفين مراكش يقوم مذهبه محمد صالح يقوم على أساس مساعدة ركب الحجاج بوسيلة تأسيس مراكز منن المغرب الى المدينة ، لايواء الحجاج و اسعافهم . و الغريب أن رؤساء الحناطي وهم النقايسيون ( بالاصطلاح الحديث )  كانوا منخرطين جميعا في الزوايا الصوفية قديما لروح الالفة و التعاون بينهم ورعيا لمصالحهم الانسية المغربية و المجتمع المغربي. يتسم المجتمع المغربي بشخصية قوية متضامنة متماسكة ، وقد توفرت كل عوامل الوحدة القومية والوطنية للحفاظ على قوة شخصيته .. وتظهر هذه العوامل جلية كل ما هب ليرد عنه غازات المعتمدين ، لذلك استطاع بسهولة أن يحطم امبراطورية روما التي لم تعجز عن الاستيلاء على أوربا .. وأن يقف في وجه الخلافات المذهبية المسيحية . ومسايرة لهذه النزعة الوحدوية كان سنيا مالكيا ، متضامنا في مذهب فقهي واحد ، كما كان أشعري العقيدة دون الخوض في الخلافات العقائدية ثم صوفيا على  طريقة التصوف السلفي الجنيدي.. ورغم ظهور بعض النزاعات المذهبية الاخرى والصوفية الافلاطونية فانها ظلت ضعيفة ومحدودة لم تنل من وحدته، وكانت هي نفسها في صميم الوحدة، وعاملا في خلق حوار فكري يثري تجربة المجتمع .. وكم حاول المستعمرون تفويت وحدة الشخصية المغربية بعد أن فوتوا وحدة عدة مجتمعات في البلاد الشرقية، ولما لم ينجحوا ، سعوا الجهد لتفويت الحضارة المغربية عن طريق تفويت اللغة العربية سواء على يد المبشرين أو المستعمرين ، وتفويت التقاليد ، وتحريف التاريخ وأستيلاب الثقافة المغربية.
ان للمغرب شخصيته الحضارية التي تعتمد على تقدير الانسان والايمان به وتوحي باحترامه وتعتبره عضو بناء وتشييد، ويراه (القانون) انسانا حرا محترما بريئا الى أن يظهر اتهامه صادقا الى أن يظهر كذبه ، ونزيها الى أن يظهر انحرافه، عكس الثقافة الغربية التي ترى الانسان أقرب الى عدم الاستقامة يؤخذ بعين الحذر والشك سواء في أقواله أو في تصرفاته... ولم يكن المنصور الذهبي صادقا يوم أتهم بعض مواطنيه (بأنهم يخافون ولا يحتشمون) ، ولعله كان مدفوعا لقوله ذلك للرد على من انتقد عليه قسوته في معاملته لبعض (الفتانين) و(الثائرين).
والمغربي متفتح دون شروط ، فهو يقبل كل فكرة جديدة ليناقشها ثم لا يلبث أن يفرز ما يقبل وما يرفض، وما يمغرب، وهكذا تصرف أزاء كل الحضارات التي عرفها من الفنيقية الى الرومانية الى الوندالية، وازاء كل التيارات الفكرية، والاخلاقية. والمذهبية، على مختلف العصور.
ويتحرك تاريخ المغرب بحركة الفكر، فكل فكرة تثير تنافسا وعداوة، ثم صداقة وتلاحم، والفكر يلازم العمل وبذ لك يتحرك تاريخ المغرب في استمراريته.

الجوانب الانسانية في الدراسات العلمية:
أن الانسية فلسفة انسانية ترتكز على العلوم الانسانية والآداب وصلات نزعتها تمتد الى ميدان(العلم) الذي يصطبغ رغم جفافه بالهدف الانساني، فلا يصبح عمايسخر للحرب والتخريب، وانما يصبح علما هادفا لاسعاد الانسان وترقيته، ونحن نعاني في هذا العصر أزمة العلم الذي يفضي الى تخريب أعمال الحضارة الانسانية، لما يصطنع من آلات الدمار والحروب، ولهذا فرغم أن علماء المغاربة كانوا من أوائل المكتشفين للبارود حيث استعملوه في العصر المريني لدى حروبهم ضد القشتاليين المسيحيين فقد عدلوا عن تطوير هذا الفن لما وجدوا فيه من تخريب وتدمير للحضارة، وكان الصراع عظيما بين قشتالة المسيحية وغرناطة المسلمة على السبق في ميدان تقدم اصطناع البارود في حروبهم.
وأظهر علماء المغاربة تفوقا في العلوم الرياضية والطبية والصيدلية ، حيث نبغ (بنو زهر) الذين عملوا في مراكش وكان من ألمعهم مؤلف كتاب ( التيسير) وضمنه آراؤه في الجراخة والجراثيم ،كما كان  ابن الخطيب أول طبيب تخصص في داء الكوليرا.بالاضافة الى عشرات الاطباء والصيادلة الذين تحد ثت عنهم في كتاب (دفاعا عن الثقافة المغربية) و(الحضارة المغربية عبر التاريخ) والذين يعتبر من المعهم: أبو العباس ابن شعيب الفاسي وابو الحسن العنسي، وأحمد الجذامي وأدراق والعلمي وغيرهم كثير.
وفي ميدان الرياضيات يعتبر أبو حمزة المغربي من أول المبسطين لللوغاريثم، كما أن أبا علي المراكشي من رواد تطور  الرياضيات وعلوم الفلك ، ويمجد علماء الحساب أعمال ابن البناء والقلصادي والسمؤل المغربي. فهؤلاء جميعا شاركوا في ميدان تطوير العلم، كما أجمع على ذلك مؤرخوا الثقافة المغربية.
أما في علوم الجغرافية فقد كان الادريسي أول مكشف لينابيع النيل، وأول من صنع الكرة الارضية، ودقق خطوط الطول والعرض وجاء بعده الوزاني الفاسي، وشهيون والاودبي الذي تقدمت الدراسات الجغرافية في أعمالهم وتأليفهم.
ولايمكن أن نقفل أن ابن خلدون كأول عالم وضع أصول علم الاجتماع البري وعنه نقل مونطيكو ومن جاء بعده.
وتمتاز جهود المغاربة العلمية بنزعتها الانسانية  وتواضعها وتسلسلها في حركة دائبة لتصل حلقات الانسانية في تقدم حتمي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here