islamaumaroc

المجالس العلمية الإقليمية ودورها في التنمية الاجتماعية.

  دعوة الحق

216 العدد

لمحة تاريخية :
لعل المغرب ينفرد بظاهرة المجالس العلمية التي تعد من الاشياء التي يتميز بها هذا البلد الاصيل في ميدان الفكر والثقافة و الدين . قاول مجلس علمي انشيء كان بجامعة القرويين بفاس الفيحاء سنة 1330 هجرية لما وضع نظام هذه لجامعة العريقة على أسس جديدة . و قد تعاقب على رياسة هذا المجلس كل من العلماء الافاضل السادة : محمد الحجوي االثعالبي ، و أحمد ابن الخياط ، و أحمد ابن الجيلالي ، ومولاي عبد الله الفضيلي ، ومولاي مبارك العلوي ، ومحمد الجواد الصقلي ، و مولاي عبد الواحد العلوي العلوي رحمهم الله جميعا رحمة واسعة.
وكان المجلس العلمي في أول الامر تابعا لوزارة العدل التي كانت تشرف آنذاك على المعارف الاسلامية.
أما رئيس المجلس ، فكان يعين بضهير الشريف ويساعده ستة أعضاء عاملين وثلاثة خلفاء احتياطيين و كاتب. وفي ملفات جامعة القرويين نسخ من ظهائر التعيين التي كانت تحمل اشارة الى بعض اختصاصات تلك المجالس ، كالاشراف على العلماء المدرسين وغيرهم ، وعلى مدارس سكنى الطلبة ، وعلى جامعة القرويين، وروافدها، وعلى كراسي الوعظ والارشاد ، وكذا القيام بمهمة الافتاء، وغير ذلك من الشؤون الد ينية.
وقد استمر العمل على هذا المنوال الى أن مات كثير من أعضاء هذه المجالس وتعطلت أعمالها تقريبا.
وفي عهد وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الاصلي وقع أحياء المجالس العلمية الموجودة آنذاك بكل من فاس، ومراكش، و تطوان، وأضيف اليها مجلس جديد بتارودانت، كما أصبحت هذه المجالس تتركب من رئيس وثلاثة أعضاء فقط من بينهم عضو كاتب.
وقد كلفها مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله بتحقيق تفسير الامام ابن عطية ، كما انها كانت تقوم بدور الافتاء على المستوى الوطني والفردي، وتبدي رأيها في شؤون الوعظ والارشاد بتعاون مع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية.
هذا باختصار ما يتعلق بالمجالس العلمية قديما، وفي جميع هذه الاحوال لم تكن تلك المجالس تتوفر على نصوص تشريعية تحدد اختصاصاتها وتضبط أحوالها ، وانما كانت تعتمد في سيرها على ظهائر التعيين بالنسبة للرؤيا ، وعلى بعض القرارات الوزارية المتعلقة بتعيين الاعضاء.
لذا كان من الضروري احداث اطار قانوني لهذه المجالس، نظرا لاهمية الدور الملقى على عاتق  العلماء و المسؤولية التي يتحملونها في تأدية الرسالة الاسلامية السامية، و نظرا لما هو هو مناط بهم من تحقيق التطلعات و الامال في مجال التوجيه و الارشاد، و الافتاء ، والاجتهاد ، وتوثيق الصلة بين ماضي الاسلام المجيد ، و حاضره المتحفز بأسلوب بساير روح العصر ، ويلائم تطور الاوضاع و متطلباتها. و هذا ما حدا بمولانا أمير المومنين حامي حمى الملة و الدين الى احياء المجالس العلمية، و توسيع نطاقها و انشاء المجلس العلمي الاعلى ، و احداث اطار قانوني ينظم اخصاصات المجالس و مسطرة سيرها . باصداره حفظه الله ظهيرا شريفا بذلك في 3 جمادى الآخرة 1401 موافق 8 أبريل 1981، و تسليميه بيده الشريفة مساء يوم 10 رمضان 1401 هجرية ) 12 يوليوز 1981(  ظهائر تعيين رؤساء أربعة عشر مجلسا علميا اقليميا، وظهير تعيين الكاتب العام للمجلس العلمي الاعلى ...
فهذه المكرمة المولوية السامية تدخل في نطاق الفكر الحسني و التنمية الكبرى للبلاد، تلك التنمية التي يعمل صاحب الجلالة حفظه الله جادا في سبيلها، سواء في الميدان الاقتصادي أو في الميدان الاجتماعي، و ذلك بالتوزان مع الدفاع عن وحدة التراب، وحفظ السيادة، و صيانة الاصالة .

المجالس العلمية الاقليمية في وضعها الحالي :
أن أول مهمة انيطت بالمجالس العلمية الاقليمية في الظهير الشريف الصادر بشأنها هي احياء كراسي الوعظ والارشاد و التثقيف الشعبي بالمساجد و السهر على سيرها. فهذه الكراسي العلمية كانت في الماضي بمثابة جامعة شعبية يلتحق بها بين العشائين من فاته الركب من الصناع و التجار و العمال و غيرهم للاستفادة و التبصر ، و كانت تؤدي خدمة جليلة للامة بارشادها الناس الى ما فيه صلاح دينهم و دنياهم . وسعيا وراء احياء هذه الكراسي بالمساجد ، ستنظم ثلاثة دروس بين العشائين في كل اسبوع ، لتقوية الشعور الديني ، و نتقية النفوس من الاحقاد ومحو الخلافات الجزئية و ابطال الضلالات و الشبهات ، و الابقاء على كيان الامة المغربية في اطار الكتاب و السنة و المتسك بالعقيدة و المذهب ، وصد كل المحاولات المفرضة التي تهدف الى تفتت وحدة الشعب و بث البلبلة و الحيرة في العقول و النفوس . و يجب أن يتناول المحاضرون في هذه الدروس احداث الساعة و المواضيع الاجتماعية و الاخلاقية و الدينية ، كما يجب أن تكون الانطلاقة الاولى من مسجدين في المدن و المراكز الحيوية بالمملكة ، و أن يعلن عن الدروس مسبقا بواسطة الملصقات على أبواب المساجد و جدراتها ، و بواسطة الصحف والاذاعة و التلفزة ، حتى يكون موضوع الدرس معروفا ، و كذا زمانه و مكانه و صاحبه .
أما المهمة الثانية المناطة بالمجالس العلمية الاقليمية فهي توعية الفئات الشعبية بمقومات الامة الروحية و الاخلاقية و التاريخية ، وذلك بتنظيم محاضرات و ندوات و لقاءات تربوية بالامكنة التي يتجمهر فيها الناس كالمدراس الثانوية ، و الكليات ، و اندية الشباب ، و المعامل ، والثكنات العسكرية ، و غيرها .
و يستحسن أن تلقى تلك المحاضرات مرة في الاسبوع للتعريف بالاسلام كدعوة قائمة على العقل و المنطق لا تتناقض مع العلم في شيء . و تصلح في كل زمان و مكان ، كما يستحسن أن تخصص دروس دينية و محاضرات للمرأة المغربية تلقيها نخبة من العالمات و المثقفات ، و ذلك بتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية و الصناعة التقليدية . و تتكفل المجالس العلمة الاقليمية باختيار المحاضرين مع بين العلماء ، و خريجي دار الحديث الحسنية ، وكل المثقفين و المثقفات الذين يستطعيون مسايرة روح العصر اجتماعيا ، واقتصاديا ، وفكريا ، و يجمعون في آن واحد بين العمق في المعرفة ، والبساطة في أسلوب التبيلغ ، والقدرة على لواجهة و الاقناع ، بحيث لا يمكن لاي كان أن يجلس على الكرسي للتحدث الى الناس في المساجد العلمي المعني بالامر و تزكية له . فعلى السادة رؤساء الجالس العلمية الاقليمية أن يستقطبوا حولهم كل الكفاءات التي يتوفر عليها اقليمهم ـ أو أقاليهم ـ من علماء ، وقضاة و أساتذة ، و مثقفين ، للقيلم بهتين المهمتين ، أما بالمساجد في شكل دروس بيت العشائين لا يتجاوز مدتها 45 دقيقة ، أو خارج المساجد في شكل ندوات تتبعها مناقشة يشارك فيها المستمعون و تقرع فيها الحجة بالحجة حتى يتبين الحق من الباطل ،ويحصل الاقناع والاقتناع.
ومما لا شك فيه أن أعضاء المجلس العلمي الاقليمي الذين لا يتجاوز عددهم الثمانية سيكونون عاجزين عن القيام بالمهام المناطة بهم اذا هم لم يستعينوا بكل الكفاءات والارادات الحسنة باقليمهم للنهوض بهذه الرسالة المقدسة التي هي مسؤلية كل عالم من شأنه أن يدرك مدى تعاليم الاسلام الرامية الى الامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، واسداء النصيحة لعامة الناس وخاصتهم ، سيما في هذا الظرف الدقيق الذي ينذر بشيوع بعض المذاهب الاجنبية التي تهدد كيان الامة المغربية وقيمها الاصيلة.
ومن جهة اخرى أرى أن مقر المجلس العلمي الاقليمي يجب أن يكون قبلة للمواطنين الحائرين الذين يودون استفتاء السادة العلماء في شؤون دينهم ودنياهم ،بحيت يجدون فيه الارشاد والنصح والتوجيه الصحيح ، حتى يشعروا بأن هناك هيأة روحية تسهر على انارة السبل امامهم وتعمل على اخراجهم من الظلمات الى النور ، وفي ذلك ما فيه لهم من الانشراح والاطمئنان الذي يقزي الايمان ويشحد العزائم.

المجلس العلمي الاعلى :
ينص الضهير الشريف الصادر باحداث المجلس العلمي الاعلى على أن المهام التي تناط بهذا المجلس هي الاتية:
ـ التد اول في القضايا التي يعرضها عليه جلالة الملك نصره الله بصفته الرئيس الاسمى لهذا المجلس.
ـ تنسيق أعمال المجالس العلمية الاقليمة.
ـ ربط الصلات بالمؤسسسات الاسلامية العليا كرابطة العالم الاسلامي، ومنظمة المؤتمر الاسلامي.
 وسيتفضل صاحب الجلالة دام عزه وعلاه في دورة محرم 1402 بعرض ما يقرره حفضه الله من  القضايا على أنظار المجلس العلمي للتداول فيها واتخاذ ما يناسب من القرارات بشأنها لصاح الامة  والمسلمين ، ولاعداء كلمة الله ، وأحقاق الحق في نطاق الكتاب والسنة والاجماع.  و هنا يتبادر الى الذهن ما سبق ان راج ذكره حول الزكاة و امكانية جمعها على يد الدولة من الاغنياء لدفعها الى مستحقيها طبقا للقانون الماوي ، و حرصا على هذا الركن الهام من أركان الاسلام الذي انصف أهل الفقر من أهل الغنى ، وكفل حقوق الجميع في اطار تضامن اجتماعي فريد من نوعه . ومن بين القضايا التي يمكن أن تعرض على المجلس العلمي الاعلى قضية المعاملات البنكية في العصر الحاضر ، و قضية توحيد الرؤيا بين البلاد الاسلامية فيما يتعلق بمواقيت الصيام والافطار ورؤوس الشهور الاخرى ، وغير ذلك من القضايا التي تشغل بال النشىء ، وتضع أمام عينيه عدة نقط استفهام مازالت بدون جواب.
هذه هي الجالس العلمية الاقليمية ، وهذه هي الرسالة العظمى المناطة بها تلك الرسالة التي هي أمانة في عنق كل عالم ، و كل مثقف ، و كل مرب ، و الامل معقود على هذه المجالس للحفاظ على وحدة العقيدة و المذهب ، وتركيز أركان الاسلام الطاهرة و مبادئه الناصعة في هذا البلد الامين الذي عرف منذ القدم بتشبته بالدين و الفضيلة ، وشاع ذكره عن طريق أقدم جامعة في العالم كانت مركز اشعاع يطل على افريقيا الشمالية و الوسطى : جامعة القرويين العنيدة التي رعاها ملوك المغرب قاطبة ، وبالخصوص ملوك الدولة العلوية المجيدة و على رأسهم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه ، ووارث سره و عرشه جلالة الحسن الثاني أدام الله عزه و نصره ، وخلد في الصالحات ذكره و حفظه في ولي عهده و سائر انجاله ، انه سميع الدعاء. الرباط ، في 13 ذي القعدة 1401 موافق 12 شتنبر  1981 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here