islamaumaroc

...مدخل لدراسة الثقافة المغربية

  دعوة الحق

216 العدد

** من الأبحاث العميقة الجادة الهادفة، التي نشرت في المغرب خلال الفترة القليلة الماضية بحث كتبه الأستاذ محمد العربي الخطابي عن:
( الأصول و الفروع : مدخل لدراسة الثقافة المغربية )، وظهر في العدد العشرين من الرصيفة ( المناهل) التي تصدرها وزارة الثقافة . وهو دراسة من مستوى رفيع ، تمثل بحق ، وعلى قصرها النبي ( سبع عشرة صفحة من حجم المجلة ) ، تعلو تطورا نوعيا في الدراسات الأدبية والتاريخية بالمغرب ، تثبيت : بما لا يرقى إليه الشك ، قدرة العقل المنزه عن الأغراض والأهواء ، على التحليل و البحث و التنظير وإصدار الأحكام الصائبة السديدة .
يقول الباحث :
« إن استقراء واقع المغرب يمدنا ببعض الأدلة الأولية التي تفيد أن تراثنا الثقافي ـ المدون والمنقول بالسماع والمشاهدة ـ يتكون أساسا من:
أولا ـ الثقافة الإسلامية العربية المدونة في غالب الأحيان .
ثانيا ـ التراث الامازيغي ـ بعناصره المختلفة المصمودية والصنهاجية ، والزناتية ـ وهو سماعي في الأغلب الأعم .
ثالثا ـ ملامح من التراث الإفريقي « الزنجي » هذه هي القاعدة الأساس لكياننا، وهذا حق لا جدال فيه. ولكن الباحث يستطرد ليؤكد حقيقة أخرى لها الأولية المطلقة ، وذلك حينما يقول :
 « .. ومما لاشك فيه أن الثقافة الإسلامية العربية هي أكثر تلك التيارات المتداخلة عمقا ووضوحا. والاستدلال على ذلك ليس بالأمر العسير، فقد يؤديه عنا تراث مدون بين المعالم ،وقيم فكرية وروحية ووجدانية واضحة الأثر ، بحيث أن الباحث .
لن يتكلف من المشاق أكثر مما يتطلبه المنهج العلمي من أمعان النظر و المقارنة وترتيب الأسباب واستخلاص النتائج بعد استشارة الكتب والوثائق و المعالم العمرانية والأثرية وتفحص العادات والأعراف الجارية في حياة الناس اليومية . ومن أجل هذا، ومراعاة لهذا الاعتبار الهام، فليس بمقدورنا ـ كما يقول الأستاذ محمد العربي الخطابي ـ إن نتصور وجود ثقافة مغربية بمعزل عن ثقافة أشمل وأرحب هي الثقافة الإسلامية العربية. 
لماذا؟ .....
لأنها... ( صبغت المغاربة بصبغتها المميزة وجعلت منهم وحدة عضوية ونفسية ووجدانية متماسكة وأعطتهم مكانتهم في ساحة الدول وتاريخ الحضارات ) . هذا التركيب الفكري للكيان الوطني المغربي يعطي للمفكر الإسلامي ، في المغرب الجديد ، طابعا متميزا ، أولا باعتباره وارث حضارة وفكر وثقافة ذات خصوصيات وجدانية وذهنية ، وثانيا لوجود في موقع متقدم على الجبهة المواجهة لأوروبا حيث تنطلق القذائف الإيديولوجية الموجهة نحو معاقل الإسلام و العروبة . والأستاذ الخطابي يعبر عن هذه المرحلة أدق تعبير بقوله: (... لقد ارتبطت ثقافتنا المعاصرة بمقاومة الاحتلال الأجنبي ومناهضة أسباب الانحطاط الاجتماعي و الفكري. وبرزت السلفية العقدية لتكون من حوافز تنشيط الحركة الثقافية الإسلامية الوطنية في المغرب ).
وهنا يقف الأستاذ محمد   العربي الخطابي وقفة تأمل وتنظير اقتضاها السياق، مؤكدا من خلالها حقيقة من الحقائق ذات الطابع المغربي الصرف: (... ويجب أن نفهم السلفية المغربية على أنها حركة ذات جذور راسخة تنطلق منها وتنتشر لإصلاح الأوضاع الدينية والسياسية والاجتماعية و الفكرية ، وتصحيح الذات المغربية المسلمة ) والنتيجة ؟.
 (... السلفية، إذن، كانت حافزا اختير بكثير من التبصر و الوعي من حيث أن الاستعمار إنما بدا لتحقيق غاياته بهدم عنصر من عناصر الوحدة المغربية، واعني به الإسلام شرعا وعقيدته وثقافة ). ويكفي هذا للدلالة على طبيعة الغزو الذي يواجه بلادنا في كل عصر وحين . ونحن في غنى عن القول إن ما كان يهدد بلدنا إبان عهد الحماية البغيض، من خطر المحق و الغزو، لايزال إلى يومنا هذا، يشكل الخطر الأكبر الذي ينتصب أمامنا عند كل منعطف . وهذا التمثل الواعي والواضح لخصائصنا ووجودنا المعنوي هو وحدة الكفيل يمدنا بما نحن محتاجون إليه من حوافز المقاومة الفكرية حتى نقف على أرجلنا فوق أرض صلبة . ثم أن الوعي بطبيعة ثقافتنا الإسلامية العربية المغربية يمنحنا الثقة بأنفسنا وقدراتنا ويسكب القدرة على التصدي.
ولقد كان الأستاذ محمد العربي الخطابي مصيبا الصواب كله في تحديده لعناصر الثقافة الإسلامية العربية المغربية. ولقد رجعت إلى كتاب، يكاد يكون من الكتب المنسية في وقتنا الحاضر، نشره الأستاذ محمد العربي الخطابي سنة 1955 قبل الاستقلال المغرب تحت عنوان ( حديث اليوم و الغد ) واعدت قراءة فصل بعنوان: ( ثقافتنا ). فوجدت تطابقا تاما بين ما كتبه المؤلف منذ ربع قرن، وبين ما نشره في الناس في هذه السنة. وليس هذا بغريب ، طالما توفرت الرؤية الواضحة واليقين التام والالتزام بشرف الكلمة . يقول محمد العربي الخطابي في الصفحة 20 من كتابه ( حديث اليوم والغد ) : « الثقافة القومية ـ كما أفهم ـ هي الأداة التي نعبر من خلالها عن روح الشعب والقيم التي ينبغي أن نؤمن بها للمشاركة في المجهود الحضاري العام،
والعمل على تحقيق المثل العليا لخير الإنسانية جمعاء، والثقافة القومية في كلمات ، هي وسيلة الشعوب لتبرير وجودها وقيمتها في المحيط الإنساني الأكبر . ولكي تكون الثقافة قومية بالمعنى الصحيح لا بد أن تصطبغ بلون حياة الأمة التي تنشأ وتترعرع في أكنافها ، وان تتخذ لغتها وسيلة للتعبير عن نفسها ».
ويقول أيضا :
« من هذا نستنتج أن اللغة العربية لا بد أن تكون لغة الثقافة القومية الناشئة في المغرب، باعتبارها لغة البلاد ووسيلة التعبير الراقي فيها منذ أقدم العصور ». ويصدر المؤلف حكما على طائفة من كتابنا فيقول :
« ... المحاولات التي يبذلها بعض المثقفين عندنا في سبيل الإنتاج بلغة أجنبية ، لا يمكن أن تثمر كوسيلة للتوجيه الثقافي ، و لا يمكن أن تؤدي مهمة التعبير عن قلقنا الفكري و السياسي والاجتماعي خير أداء .كما أنها لا تستطيع أن تكون عاملا فعالا في خلق ثقافة قومية ذات طابع مميز خاص بها، إذ يجب أن يكون في حسابنا أن الثقافة لها رسالتان: رسالة الدعوة و التوجيه، ورسالة الأداء والتعبير ».  ولسنا نعدو الحق إذا أعلنا في وضوح وجلاء أن ما كتبه الأستاذ الخطابي سنة 1955 ، و المغرب بعد في خضم الصراع المرير مع قوى العدوان والاحتلال ، لايزال يشكل ، إلى يوم الناس هذا ، واجهة من واجهات المعركة الفكرية والأدبية التي تخوضها طائفة المفكرين الاصلاء دفاعا عن قيمنا ومقومتنا . ولاغرو، فان معارك الحق ضد الباطل مسترسلة. بيد أن لنا من انتصارات الحاضر أقوى ضمانة لكسب الأشواط القادمة *

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here