islamaumaroc

قرأت العدد الماضي.

  دعوة الحق

213 العدد

وضعني الأخ الأستاذ عبد القادر الإدريسي رئيس تحرير هذه المجلة في موقف حرج حقا، إذ طلب إلي أن أقدم للقراء قراءتي للعدد الماضي من مجلة «دعوة الحق». ولم أملك القدرة على رفض هذا الطلب، وقي نفس الوقت ترددت كثيرا في الإقدام على تجربة كهذه تتطلب من الشجاعة والجرأة قدرا ربما كنت آخر من يملكه. ولم أستطع أن أخلف الوعد الذي قدمته لرئيس التحرير، ولم أجد حجة أتعلل بها للخروج من هذا المأزق، وبقي لي أن ألتمس من الظروف أن تعفيني من ذلك الوعد، ووددت من صميم قلبي لو أن رئيس التحرير يفاتحني يوما بأن أحد أصحاب الأقلام الذين يقرأون ويكتبون لهذه المجلة قد قبل أن يتحمل عوضا عني مشاق هذه المهمة، فيكون قد أراحني، وأرحت، واسترحت.
وأخيرا، سلمت أمري لله واقتحمت هذه الغمرة التي كان العقاد رحمه الله يتهيبها ويخشاها أشد الهيبة والخشية، وذلك لأنه كان ولا يزال يقال دائما إن النقد والناقد والمنقود مصيرهم إلى جهنم، فماذا يريد هذا القلم المتطفل أن يقول عن عمل فكري ممتلئ بالحياة والقوة والاستقامة قد هيأ له صاحبه أسبابه وعناصره ومقدماته ونتائجه؟ وماذا يريد هذا القلم الفضولي أن يقوله حيال عمل فكري مكتمل الجوانب، ومدقق في ملامحه، معمق في زواياه القريبة والبعيدة؟ ألا، إن النقد أو المراجعة أو التقديم لأشبه ما تكون بذلك الغصن الشائك الملتوي الذي يندس بين غصون الشجرة الطيبة الوارفة الظلال، أو ذلك النبت الذي يسمونة العليق، يحاول دائما أن يتسلل إلى شجيرات الياسمين والريحان، ويود لو يستطيع أن يماثل نفسه بها، وأن يمتص منها رحيق العطر ورضاب الطيب الأصيل النابت من جذور الأرض والتراب !
وحتى أوهم نفسي أنني لن أصب على أحد تهمة من التهم أو شبهة من الشبهات ـ التي يطاردها النقد والنقاد في الأعمال المنقودة ـ وحتى أخيل لنفسي أنني بريء مما أقول وأنني قد عصمت نفسي مما يعلق بها من زيغ أو ضلال، فقد قرأت العدد الماضي وأعدت قراءته واستعذت بالله الرحيم من نزعات النقد الرجيم، وحمدته حمدا كثيرا وتوكلت عليه وبدأت أكتب.
وطالعتني افتتاحية العدد، وهذه مناسبة أود فيها أن أزجي إلى رئيس التحرير تهنئتي الخالصة الصادقة على الافتتاحيات القيمة التي دأب على كتابتها في هذه المجلة منذ تولى رئاسة تحريرها، فهي افتتاحيات تضع القار ئ دائما في قلب مشكلة من مشكلات حياتنا، أو صميم قضية من القضايا التي نحياها، سواء كانت فكرية أو إسلامية أو حضارية أو أخلاقية. وأستطيع أن أجزم بأن افتتاحية العدد هي وحدها طبق شهي من الفكر الأصيل الملتزم الذي يعرض لموقف معين، ويحلله ويقدم له أسبابه ويرتب له نتائجه في تسلسل منطقي محكم بعيد عن الحذلقة والتشدق ومحاصرة ذهن القار ئ، بشتى التحليلات والتعليلات الفارغة الجوفاء التي تعودناها من بعض المجلات الوطنية والعربية التي تدعي أنها تحمل لواء الفكر وتدافع عنه.
افتتاحية العدد الماضي، تتعرض لقضية من أخطر القضايا التي جابهت وتجابه الأمة الإسلامية، والتي لم تستحوذ بعد على اهتمام المفكرين ـ مع أنهم هم المعنيون بها ـ وهي قضية العلاقة بين الفكر وأصحابه وبين الصحوة الإسلامية التي يعيشها العالم الإسلامي، ورغم المجال الضيق الذي عالجت فيه الافتتاحية هذا الموضوع الحيوي الدقيق، فقد استطاع رئيس التحرير أن يحجمها ويرصد فيها خمسة عناصر رآها ضرورية وذات أولوية لا بد للمفكر المسلم أن يسترشد بها ويستوحيها في عمله وفكره، وهي:
1- الرجوع إلى أصول الدين حينما نريد استنباط الحلول للمشكلات الحضارية القائمة.
2- تطوير أساليب التفكير والتحليل والخروج بها من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل نفسه.
3- الدفاع عن كرامة العقل الإسلامي.
4- قيادة الرأي العام.
5- إشاعة التفاؤل في النفوس وجعلها تطمئن وتقبل على الحياة.
و بالطبع، فإن السطور القليلة المعدودة التي أفردها الأستاذ عبد القادر الإدريسي في افتتاحية العدد لمعالجة ـ أو للتنبيه ـ إلى قضية علاقة الفكر بالصحوة الإسلامية، ليست كافية للإحاطة بجوانب وأبعاد هذه القضية الني كانت ولا تزال الشغل الشاغل للمفكر الإسلامي الحق الذي يفكر لأمته ولعقيدته ولخيرها وصالحها حاضرا ومستقبلا. وكنت أود من رئيس التحرير لو يخصص لكل عنصر من العناصر المذكورة افتتاحية خاصة تعالجه وتحلله للقارئ حتى تتضح له ملامح الصورة أو القضية كاملة. وقد يقال إن الافتتاحية موجهة إلى المفكر الإسلامي نفسه، أي إلى خاصة الخاصة وليس إلى عامة العامة، فالأمر إذن لا يقتضي التطويل والإطناب بقدر ما هو في حاجة إلى تركيز وتكثيف يقدمان القضية إلى صاحبها دون الدخول معه في تفاصيل وجزئيات قد تخلف للقضية تأويلات يصعب معها إمساك رأس الخيط، ولكن الأمر في حقيقته يهم المفكر ويهم القار ئ معا، لأن المسألة في جوهرها هي علاقة الفكر بالصحوة العامة، أي علاقة الخاص بالعام، وهذا الفكر يتحمل صاحبه مسؤولياته بنفس القدر الذي يتحمل مسؤولياته متلقي ذلك الفكر، أي مستهلكه. ثم إن الصحوة ليست وقفا على فئة معينة، ولم تقدها طبقة خاصة دون سائر الطبقات الأخرى، بل إنها صحوة إسلامية مترامية الأطراف، متراحبة الأكناف، لأن جذورها وعروقها وماء الحياة والاستمرار والبقاء فيها، نبع من حياة الأمة وواقعها ومطالبها وآمالها، وهذا لا ينفي أن للصحوة روادها الذين بشروا بها وقادوها وحملوا مشعلها، غير أن هؤلاء الرواد هم ـ بصفة أساسية ـ الأبناء البررة لأمتهم الإسلامية. ومن هنا قلت إنني أطلب من رئيس التحرير أن يفرد لكل عنصر من العناصر التي رصدها في الافتتاحية، كلمة خاصة يقدم فيها مزيدا من التحليل الذي يسلط الضوء على الموضوع من جميع جوانبه.
و تواجهنا ـ بعد الافتتاحية ـ مقالة العلامة الأستاذ الجليل عبد الله كنون، تطرق فيها إلى موضوع فكري وحضاري خطير، لا يزال يجر ذيوله في حياتنا العامة والخاصة، وفي حياتنا العقلية وحياتنا الأخلاقية، وهو موضوع التبعية التي طالب سيادته بأن تسقط من حياتنا. وقد مهد الأستاذ الجليل لهذه الدعوة باستعراض موجز لمجمل الأحداث التي دهمت العالم الإسلامي خلال القرن
الهجري الذي ودعناه، ثم استخلص ـ بإيجاز أيضاـ مجموعة من الظواهر السلبية التي لحقت المجتمعات الإسلامية، هذه الظواهر التي أخذها واقتبسها المجتمع الإسلامي من المجتمع الغربي وجعلها قوانين وقواعد لا تسير حياة المسلمين بها كما تصوروا ذلك، ولا يستقيم لهم معاش بدون تحكيمها والرجوع إليها كما توهموا. ثم نبه سيادته بالقول بأن المسلمين يستقبلون القرن الهجري الجديد وحالهم لا تزال على ما كانت عليه بل وأسوأ، فالغرب المسيحي ـ كما يقول الكاتب ـ يتحكم في مصائرنا، والشرق الشيوعي يقطع أواصرنا حتى لا تقوم لنا قائمة، والعالم الإسلامي ـ رغم عوامل الوحدة والتكاتف والتضافر التي يتوفر عليها ـ مشتت ممزق، فهو دول وأمصار، وكيانات وأقطار، والقوى والقدرات والطاقات المتعددة، ماديا وبشريا ومعنويا، التي يزخر بها، بدل أن توجه إلى محاربة العدو الدخيل وتقليم أظافره وقطع دابره، تسخر لمحاربة الأشقاء والجيران والأصدقاء والخلان، وبعض الحكام في العالم الإسلامي يفرضون على شعوبهم إيديولوجيات ومذاهب وعقائد دخيلة تناقض الإسلام من أساسه، وكل ذلك يضعف القوة الإسلامية ويوهن عراها ويجعل جهودها مبعثرة شتيتة لا تؤثر ولا تستطيع أن تؤثر في مواجهة المخاطر التي يدبرها الأعداء والمتربصون.
ويصل فضيلة الاستاد عبد الله كنون إلى المحور الذي تدور عليه فكرة المقالة، وهو ضرورة رفض التبعية بجميع أشكالها وصنوفها وضروبها، ويدعو سيادته إلى العمل على إعادة الخلافة الإسلامية التي كان إلغاؤها بداية انهيار وانحطاط وانحلال القوة الإسلامية وتضعضع مركزها وثقلها، كما يطالب بإنشاء الولايات المتحدة الإسلامية «وبهذا يتمكن المسلمون من أداء رسالتهم وإنقاد البشرية مما تتخبط فيه من ظلم وظلام، وتعود الحضارة الشرقية الإسلامية سيرتها الأولى من المزاوجة بين الروح والمادة والدين والعمل والدنيا والآخرة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ويومئذ يعلو الحق ويزهق الباطل، ويومئذ يحل السلام في الأرض وتعم السعادة الناس».
والذي لا مرية فيه أن خلاص المسلمين مما هم فيه من شتات وتمزق ومعاناة شديدة، ومما هم فيه من ضياع وحيرة واصطدام لا يكمن إلا في العودة إلى خلافة إسلامية حقة موحدة، تتولى شؤونهم وتسوسهم وترعى أمورهم ومصالحهم وقضاياهم طبقا للشريعة، وعلى رأسها كتاب الله وسنة رسوله الأكرم. وستظل الأمة الإسلامية تتخبط في مشاكلها وتترد في حياتها، ما لم تتدارك هذه الحالة المزرية التي نعيشها، وهذا التناقض العميق الذي تعاني منه في شؤونها الاجتماعية والفكرية والنفسية. وأعتقد أن هذا الهدف البعيد لا يمكن أن نصل إليه بالدعوة فقط، بل لا بد وأن تتهيأ له جهود المفكرين وأدواتهم ووسائلهم في الإقناع. وهنا نذكر بموضوع الافتتاحية الذي خصه رئيس التحرير للحديث عن الفكر والصحوة. ولقد تبين أن الساسة ورجال الاقتصاد والمال والأعمال ورجال الحرب لا يملكون القدرة ـ أولا يستطيعون استعمال هذه القدرة ـ لإحداث التغيير الشامل أو حتى التغيير التدريجي نحو ذلك الهدف الكبير. وهو توحيد الأمة الإسلامية، وبقي الأمل معقودا على المفكرين المسلمين، فهم الذين سينقلون أمتهم من هذا الطور المتخلف الذي تضطرب فيه إلى طور تسوده القيم والمثل والضوابط التي جاء بها الإسلام. فما أحوج الأمة الإسلامية إذن في هذا الوقت بالذات إلى قيادة فكرية إسلامية تعبد الطريق، وتنير السبيل، وتضيء المعالم، وتمهد للأجيال القادمة أن تتقبل فكرة الوحدة الإسلامية فتعمل لها، قيادة فكرية في مستوى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومجمد إقبال وغيرهم من المصلحين الرواد الذين غيروا مسيرة التاريخ في العصر الحديث، وأحدثوا ثورة فكرية إسلامية عميقة، هذه الثورة التي نجني ثمارها ونقطف أكلها. فالأفكار التي دعا إليها ونادى بها هؤلاء الرواد قد تحققت اليوم ووجدت الأرض والعقول والأذهان والنفوس لكي تعمل على كشف المخبوء وإبراز الضوء وإظهار الحق. وسوف تظل كل الأماني التي تخالجنا والمطامع التي تراودنا وتلح علينا مجرد أحلام ينقصها نبض الحياة ووهج الواقع حتى يخرج لنا من صلب الأمة الإسلامية رعيل قيادي في الفكر والعمل والممارسة الإسلامية، هذا الرعيل الذي سيحول التاريخ ويغير مجراه ويطرح أمام الشعب الإسلامي تصورات إسلامية مستنيرة نقية طاهرة. والتاريخ الإسلامي يعلمنا في كل عصوره وحقبه ومراحله أن التحديات التي تفرضها على الإسلام القوي المعادية له، تخرج منها دائما صفوة من الرجال الأصلاء الذين يخدمون................................ جديدة لأمتهم في سبيل استمرار عزة الإسلام ومنعته وقوته ومجده التاريخي وتألقه الأخلاقي وإشعاعه الحضاري. وهذه هي عبقرية الإسلام التي لا ينضب لها معين في كل زمان ومكان وفي كل ظرف وأوان.
ونصحب الدكتور محمد عزيز الحبابي في رحلة ممتازة خلال إحدى وعشرين صفحة. صحبة فكرية لا يملها القار ئ بل ويود لو سارت به أشواطا أخرى أبعد وأبعد. فمقالة الحبابي المعنونة بـ «محمد صلى الله عليه وسلم ملتزما» تطرح تساؤلات في الشكل والمضمون، بأسلوب الحوار وما يتضمنه من سؤال وجواب استخدمه الكاتب للوصول إلى فكرة معينة وإلى تثبيتها في ذهن القارئ، وهذا الأسلوب يذكرنا بمحاولة أفلاطون إلا أنه أقل منه عمقا وجاذبية ونصاعة، والجديد الذي جاء به الحبابي هو أنه جعل المحاور (بفتح الواو) محمد صلى الله عليه وسلم، وهي فكرة ـ مع طرافتها وجدتها ـ لا تخلو من مزالق ومن عثرات. ويمكن أن نعتبر المقال إعادة جديدة في كتابة السيرة النبوية لا تعتمد على السرد أو الحكاية كما جرت العادة. وهو لون أدبي جديد في معالجة وتناول سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذ لم تكن الأقلام التي تمارسه واعية متبصرة ومثقفة ومسؤولة،  فقد يتعرض هذا الأسلوب إلى مخاطر قد تسيء إلى الشخصية التي يجري معها الحوار، وهكذا قد تتحول الفكرة إلى تقليد لا يستطيع أن يؤديه إلا القلم المتمرس بالكتابة، الواعي بالموضوع، المستوعب للفكرة، المحيط بالأبعاد والخلفيات.
تطرق الدكتور الحبابي في حواره إذن إلى عدة قضايا أساسية في الإسلام، وعرض موقفه منها باختصار شديد يستند إلى القرآن وأحاديث الرسول، ومن تلك القضايا ما يتصل بالحياة الشخصية للرسول الأعظم، ومنها ما يتصل بموضوعات أخرى لها علاقة حميمة بالعصر الذي نعيش فيه، مثل قضايا المساواة، والحرية، والأمانة، والعقلانية، وسلوك المسلم في السلم والحرب، وموقف الإسلام والرسول من هذه القضايا. ولئن كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومواقف السيرة هي ............................ رآها مفسرة لجوانب من الإسلام وشارحة لها، كما لم يفته أيضا أن يقدم، لا أقول شرحا جديدا لها، بل رؤية جديدة لها تستقيم مع الرؤية الإنسانية الحديثة والمعاصرة.
ويبدو لي أن الدكتور الحبابي، بسبب تحمسه الروحي وعاطفته الدينية، كانت الأجوبة هي التي تبحث عن أسئلتها الملائمة وليس العكس كما كان ينبغي. ولا أستطيع أن أطالب الدكتور الحبابي بأكثر مما صنعه، فطريقة الحوار والسؤال والجواب لا تذهب بعيدا في التفسير والتأويل والتقويم، إلا أنني كنت أود من الدكتور أن يشرح بتوسع أكثر الأفكار التي خرج منها الرجل الإنجليزي بعد ما غادر مجلس الرسول، فلا يكفي الحكم بقول هذا الرجل «لقد ظفرت اليوم بأعظم اكتشاف في حياتي، أن رسالة هذا الرجل الفذ (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) رسالة مناضلة، وغنية بالعطاءات، وصالحة لأن تلهمنا وترشدنا في هذا العصر، كما فعلت في العصور السابقة» .
فهنا، كنت أحب من الدكتور الحبابي أن يعقد على لسان الرجل الإنجليزي مقارنة بين رسالة الإسلام في هذا العصر وفي العصور السابقة، وبين الأدوار التي قامت وتقوم بها اليهودية (مناهضة الرسالة المحمدية، واغتصاب فلسطين، وإحراق المسجد الأقصى)، والمسيحية ( الحروب الصليبية، غزو العالم الإسلامي) والمذاهب والإيديولوجيات الحديثة (محاربة الإسلام في دياره، التشويش على الفكر والحضارة الإسلاميين)، وذلك حتى يتضح للقارئ الفارق بين العطاءات الغنية الحقيقية التي ينطوي عليها الإسلام والتي يقدمها لحياة البشرية، وبين العطاءات المدمرة لتلك المذاهب والإيديولوجيات التي تخرب وجدان الإنسان وتحطم إنسانيته وتملأه «بالسأم والملل والقلق والضياع الذي يتسرب إلى كل مرافق الحياة المعاصرة».
وعلى أي حال، فإننا نعلق أملنا بالوعد الذي قطعه الدكتور على نفسه في نهاية الحوار بالعودة إلى الموضوع في مناسبة أخرى.
وننتقل بالقار ئ إلى موضوع قريب الصلة بالموضوع السابق، وهو بحث الأستاذ محمد بن البشير عن «مدينة الرسول الفاضلة التي أسست على الحق والشريعة والتكافل»، فتبين أن الرسول حينما شرع في تأسيس المجتمع الإسلامي الجديد المتكامل بعد الهجرة، حدد صلوات الله وسلامه عليه أربعة أهداف أساسية قادت إلى قيام مدينة الرسول الفاضلة، وهذه العناصر هي:
أ - إرساء الدين الجديد كعقيدة شاملة.
ب - إبراز التشريع الإسلامي المتكامل وتفصيل أغراضه في العبادات والمعاملات.
ج – الحرص على التطبيق الصالح في البيئة الإسلامية الجديدة.
د – تثبيت أخلاق الإسلام لتحل محل أخلاق الجاهلية.
وهذه العناصر الأربعة هي الوعاء الذي يستوعب فضائل الإسلام، وهي الأهداف التي أرسى المجتمع الإسلامي الفاضل قواعده ودعائمه بفضلها وبفضل حكمة الرسول الكريم في تطبيقها وتنفيذها.
ويربط الأستاد ابن البشير بين هذه الأهداف وبين مواقف الرسول الكريم في المجتمع الإسلامي الذي تأسس بعد الهجرة إلى المدينة، ولا يكتفي بإيضاحها وتبيانها من خلال حياة الرسول، بل ويتعقب ذلك إلى حياة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مستشهدا بآيات القرآن وأحاديث الرسول وأقوال عمر.
فالمقالة إذن تقدم التصور الإسلامي للمدينة الفاضلة كما أسسها الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي «مدينة» واجهت في مرحلة البناء ووضع القواعد والأسس الكثير من المشاكل والمتاعب والتحديات التي كانت كفيلة بالقضاء على أي مجتمع بشري آخر ما لم يكن قائما على ثبات العقيدة ورسوخ الإيمان وصيانة حقوق الإنسان ودعم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع. وتظل المقالة بعد هذا وذاك، صورة تبين بوضوح أن المجتمع الإسلامي في أي زمان ومكان، خليق بأن يرقى إلى ذروة التماسك إذا طبقت فيه ـ تطبيقا صالحا وسليماـ التعاليم التي جاء بها الإسلام. وتوضح أيضا أن المجتمع الإسلامي إذا تبنى تلك التعاليم في فكره وسلوكه وممارساته لا يمكن أن يتعرض لأي تناقض أو اختلال أو اهتزاز إذا تمسك ـ تمسكا مرنا خاليا من التعصب والتقليد الفارغ ـ بالقرآن والسنة.
ونلتقي بدراسة الأديب يوسف الشاروني التي يتناول فيها رواية الأستاذ أحمد عبد السلام البقالي «الطوفان الأزرق»، ويقارن بينها وبين قصص الخيال العلمي الذي يعتبر قصصا جديدا في أدبنا العربي، ولم يطرقه حتى الآن إلا نفر قليل من كتاب العرب مع شيء غير قليل من الخجل والاستحياء، وربما يعود ذلك إلى ندرة المادة العلمية التي تسعف هؤلاء الكتاب على طريق هذا اللون من القصص، أو إلى نفور القار ئ العربي الذي حاصره ـ منذ ظهور الرواية العربية ـ سيل جارف من الروايات التي تعالج المواضيع الاجتماعية وعلاقات الرجال والنساء والأحداث السياسية الكبرى.
ولا أريد أن أعقب على دراسة يوسف الشاروني ولكنني أريد أن أنبه إلى حقيقة ناصعة عميقة لعل بعض أذهان الكتاب النقاد المغاربة لم تنفذ إليها إن لم أقل لم تستطع حتى الآن أن تلامسها وتتصل بها، وهي أن الأستاد أحمد عبد السلام البقالي رائد كبير من رواد أدبنا المغربي الحديث، شارك فيه بالقصة القصيرة والقصيدة والمقالة والرواية، وحياته الأدبية التي بدأها منذ أربعين سنة تشكل نموذجا حيا للأصالة والإبداع والمثابرة والالتحام بالكلمة الصادقة الفنانة، وله ما يزيد عن عشرة أعمال أدبية تتوزع بين الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالة والمسرحية، علاوة على بعض الأعمال الإذاعية، وكل هذه الأعمال تشهد ـ فضلا عن خصوبة الموضوع وثراء الفكر ـ على أصالة الأسلوب ووضوح العبارة وجدة الفكرة وطرافتها، ورغم ذلك كله، فإن هذا الأديب الرائد الذي خدم الأدب المغربي الحديث ولا يزال يخدمه بدون ضجيج وأضواء، لم يجشم أحد النقاد المغاربة نفسه عناء قراءته وفهمه وتقديمه لجمهور القراء، ولا أستطيع أن ألتمس لأحد من نقادنا العذر في هذا الموقف الذي يتناقض مع الروح الأدبية والرؤية النقدية السليمة. وأعتقد أن ما يبرر هذا الموقف المرفوض هو أن أحمد عبد السلام البقالي أديب «لا منتمي»، مخلص للأدب وحده ولا يلامس قشرة المجاملة والصداقة الإخوانية الخاصة التي تعشش في حياتنا النقدية التي يبدو أنها لا تنظر إلى الأمور نظرة يحكمها الأدب الحق ويحكمها النقد الخالص.
وأرجو أن تكون هذه الملاحظة العابرة حافزا لأدبائنا ونقادنا على الاهتمام والالتفات إلى هذا الأديب الكبير وإلى أعماله الأدبية الرائدة التي أثرت الأدب المغربي الحديث وأغنته من كل وجوهه. ولا يزال حقل الأديب أحمد عبد السلام البقالي يدر ـ الموسم بعد الآخر ـ بغلال شهية وقطوف دانية، تنتظر من يمتصها ويتمثلها ويكتب عنها. وها هو قلم من الشرق يكتب بروح نقدية منصفة عن رواية البقالي «الطوفان الأزرق» ويقارنها برواية علمية أخرى كتبها الكاتب المصري نهاد شريف، هي رواية «سكان العالم الثاني».
وتظل بع ذلك خمس مقالات تتناول موضوعا واحدا ولكن من زوايا مختلفة، فالأستاذ محمد الفاسي يتحدث عن «فلسفة سياسة الملوك العلويين»، والأستاذ محمد الخطيب يكتب عن «ذكرى عيد العرش: تأكيد للأصالة والتحديث»، والأستاذ محمد العربي الزكاري يكتب عن «أعيادنا متعاقبة، وملاحمنا متلاحقة»، والدكتور يوسف الكتاني يكتب عن: «الحسن الثاني: رائد البعث الإسلامي»، والأستاذ أحمد يكن يكتب عن: «مآثر جلالة الملك الحسن الثاني في نشر الفكر الإسلامي وإحياء تراثه الخالد»؛ هي إذن خمسة مواضيع اختار كتابها أن يطرقوا جانبا معينا من جوانب النهضة الفكرية والثقافية والروحية في عهد جلالة الملك الحسن الثاني، وقد وفى كل كاتب الموضوع حقه من الدقة والاستيعاب والإحاطة، وجمع له عناصره الأساسية، وحلل بإيجاز واختصار ـ لا يخلوان من بسط ـ تلك الجوانب الفنية التي تعد ملامح دالة على التأثير الحسني الواسع المتألق في حياة ومسيرة المغرب الحديث. وهي مقالات تستعصي على التلخيص لأن كل موضوع تترابط فيه أجزاؤه وعناصره، وتتكامل فيه مقدماته ونتائجه.
وفي العدد أيضا، ترجمتان، إحداهما لشخصية مناضلة بالسيف، وهي شخصية المجاهد المغربي المنصور بن أبي عامر، كتب ترجمتها الدقيقة الوافية المدعومة بالمراجع والمصادر الأستاذ المحقق والباحث الكبير سعيد أعراب، والأخرى لشخصية مناضلة بالقلم، وهي شخصية الأستاذ مصطفى الشليح. ودين أستاذنا عبد الله كنون علينا كبير يكون عبئا ثقيلا نرجو الظروف أن تساعدنا على إيفائه حتى نرضي الله والضمير. وهذه الترجمة ـ في حلقتها الثالثةـ تعكس هذه الرغبة لتحقيق المطلوب. وقد خصصها صاحبها للحديث عن عبد الله كنون شاعرا من خلال ديوانه «لوحات شعرية»، ودرس من خلال مستويين هما مستوى البنية السطحية ومستوى البنية العميقة كما قال، والحق أنني لم أفهم ما المقصود بالبنية السطحية والبنية العميقة، ولعله أراد بهما الموضوع والشكل.
وما دمنا في منطقة الأدب، فلا ننسى دراسة الأستاذ زين العابدين الكتاني عن «أدب المغرب الصحراوي»، وهي بحث جديد في الموضوع، وقلما تطرق إليها بتفصيل وإحكام من أدبائنا المعاصرين إلا قلة، حتى جاء الأستاذ زين العابدين الكتاني فجمع لموضوعه مادة غزيرة غنية، قرأها ودرسها وربط بينها وبين الحياة الوطنية والفكرية والسياسية والاجتماعية للشاعر في بيئته الصحراوية. وكنت قرأت لنفس الكاتب سواء في «دعوة الحق» أو في غيرها من المجلات ـ مقالات وأبحاثا مماثلة، فليت الوقت والجهد يسمحان له بجمع تلك الدراسات بين دفتي كتاب يرجع إليه القار ئ والباحث والمؤرخ والدارس.
ولا أحب أن أغادر هذا المجال من القول الذي أتاحه لي مشكورا رئيس التحرير، دون أن أعتب عليه عتبا رقيقا أرجو أن يتقبله بصدره الرحب، وهو أنني قرأت العدد كأنني أرقى جبلا صعبت مسالكه وتعقدت مسالكه دون أن أصادف بين منحنياته ومنعطفاته ما يريحني من وعثاء الصعود والهبوط، ولا أقصد بذلك أن أساليب الكتاب معقدة متشابكة، معاذ الله، فالأقلام التي كتبت في موضوعاتها تناولت أفكارها بسهولة وسلاسة وليونة ورفق، لا ترمي أساليبها إلى التعمية أو الغموض، ولا تتقعر فيها اللغة حتى يختفي القصد وراء سدول متراخية من الإبهام، ولكنني أقصد إلى أن مادة العدد خالية من شعر ـ إلا قصيدة الأستاذ وجيه فهمي صلاح ـ أستظل به واحتمي بدفئه من حرارة الدرس بما ينطوي عليه من فكر ورأي وموقف يستلزم التأمل والتدبر، كما تخلو من قصة قصيرة استروح فيها نسائم الانفعال والحس الرقيق والشعور المرهف.
وبعد، فلعلي أثقلت على القار ئ وضيقت عليه من الوقت حتى كاد يبرحني إلى مجال آخر، ولعلي أيضا سرقت من رئيس التحرير مجالا كان في حاجة إليه يفسحه لمادة أصلح وأفضل وأجدى، ولهذا وذاك، أقدم المعذرة وألتمس العفو.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here