islamaumaroc

عياض في فاس.

  دعوة الحق

213 العدد

نحن الآن مع قاضي سبتة و هو في طريقه إلى الجنوب المغربي، نحن معه في حاضرة فاس التي عرفها من قبله الشيخ عمرون جد والده بوسى، الشيخ عمرون الذي شارك في المعارك التي كانت تدور رحاها بين الفاطميين و العامريين من أجل السيطرة على مدينة فاس، لقد كان من أنصار فاس السنة و ليس من أنصار فاس الشيعة(1).
و كان من الممكن أن يظل عمرون بفاس، بل كان من الممكن أيضا أن بكون عياض من مواليد فاس لولا أن عمرون اضطر اضطرارا للانتقال إلى سبتة بسبب أن يبقى على صلة بأخبار أخويه عيسى و القاسم اللذين أخذا إلى الأندلس في جملة الرهائن السياسية  !
و بالرغم من أن القاضي عياض لم يزر مدينة فاس من ذي قبل لكن المدينة لم تكن بعيدة عن حسه و معناه، فعلاوة على ما كان يعرف عنها، فإنه يعد من شيوخه المنتسبين إليها ممن أخذ عنهم في سبتة الفقيه أبا إسحاق إبراهيم الفاسي(2).
و أنا على مثل اليقين من أن طموحاته هي وحدها التي دفعت به إلى استزادة العلم في قرطبة و ليس في فاس أو في المشرق، فقد كانت الأولى (3) أرحب و أنشط و أشهر، فبالرغم من وجود أمثال اللخمي و الشارقي و الطليطلي و التميمي و ابن اللبانة في فاس مثلا، إلا أن نظائر ابن عتاب و ابن حميد و ابن بشكوال و أبي الصدفي (4) و الجياني  و ابن شبرين كانوا يستحقون زيارتهم في قرطبة على كل حال فقد ادخر له القدر زيارة فاس فيما بعد، أي عندما يمسي أسيرا غريبا لا أهل و لا ولد، و لا مال ، و لا نسب، و بعدما لحق مدينة فاس من دمار و خراب بسبب الحصار الذي ضربه الموحدون عليها. فكيف كان استقبال فاس للقاضي، و هل دخل من باب عجيسة و خرج من باب الفتوح كما يقولون ؟
لقد اعتاد أهل فاس ترديد هذه العبارة في حق الوارد على بلدتهم ممن لا يستوعب آثارهـــــــــــم و مآثرهم، و لا يستقصي ظروفهم و أحوالهم، فهو إنما اضطر لشق المدينة من بابها الشمالي باب عجيسة إلى بابها من الجهة المقابلة : باب الفتوح ...
لقد ظل الظرف الزمني الذي قضاه القاضي عياض في العاصمة الإدريسية مجهول الكم.. و هكذا فبالرغم مما نقرأ عن بعض تحركاته في المدينة إلا أننا لا نستطيع لحد الآن أن نقوم بتقدير ما ... فإن تلك التحركات جميعها يمكن أن تتم في يوم واحد نظرا لتقارب نقاطها، كما أنها من الممكن أن توزع على أيام كذلك.
مهما يكن فلقد نزل القاضي عياض في الحي الذي كانت تتبارى على سكناه عيون البلاد، و هو الحي الذي يجاور جامع القرويين و ضريح الإمام إدريس : حي زنقة حجامة معقل الأشـــــراف (5)، و قديما ردد الناس في معرض تباهيهم بامتلاك عقار في هذه الناحية، قولهم :  « كان عنده دار في زنقة حجامة أو السبع لويات ... » و بالصدفة كان المكان الأول سكنى لآل الغرديس، و كان المكان الثاني سكنى لآل الملجوم . و كلا الأسرتين كانتا تضيفان القاضي عياض...
« صور من دار الغرديس حيث نزل عياض »
فمن هم آل الغرديس الذين قصد عياض بيتهم ؟
كل الذين كتبوا عن البيوتات الشهيرة بفاس تحدثوا عن أسرة الغرديس التغلبيين على أنها عريقة في المغرب، و ان بيتهم بيت علم و فقه و كتابة، و إن جدهم بكار بن مرهون بن عيسى كان بسجلماسة قبل أن يدخل إلى المغرب، و يدل على مكانة بكار العلمية أن ابن الصقيل ( المتوفى سنة 500) رحل إلى سجلماسة ليسمع منه (6) ...
و حسب ظهير توقير من السلطان مولاي عبد الله بن أمير المومنين السلطان مولاي إسماعيل يرجع لتاريخ 17 رمضان 1143 – 26 مارس 1731، يتعلق بأولاد الغرديس، و جدنا نعتهم بقرابتهم بالمصاهرة مع نجل البضعة النبوية مولانا إدريس، وهو الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بأنهم عاصروا فعلا بداية ظهور الدولة الإدريسية(7).
« ظهير يرفع آل الغرديس لأيام مولاي إدريس »
و سنرى أن اسم هذه الأسرة ظل بارزا بصفة خاصة منذ زيارة عياض لفاس، حيث نجد ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن محمد الغرديس الذي كان يشتغل في نفس الوقت ناظر أحباس القرويين و الذي كانت له علاقة فيما يظهر بابن الغرديس الذي كان في جملة من حضر مجلس ابن تومرت...
لقد نزل عياض ضيفا على قاضي فاس في داره التي تقع في منتصف الدرب الصغير الأول الذي يوجد عن يسار الداخل للدرب الكبير المجاور لمسجد اللبارين بزنقة حجامة، حيث كان الغرديس يتوفر على مكتبة وجد فيها عياض بعض سلواه...
و قد احتفظت التقييدات المتعلقة بأوقاف جامع القرويين ، باسم بعض العقار الذي كان محبسا على أعقاب آل الغرديس على ما يفيد الجزنائي في جنى زهرة الآس، و يتعلق الأمر برائقة ابن الغرديس حيث كانت تقع دكاكين الخرازين قريبا من باب خزانة القرويين، قبل عمليات التوسعة الجديدة (8)و قد ظهر من بين الذين تعاطوا لمهنة القضاء أواخر القرن التاسع أبو عبد الله محمد بن محمد ابن الغرديس (ت 899) على ما يذكره ابن القاضي في الجذوة.
و قد تحدث التاريخ عن الرئيس الشهير أبي العباس أحمد الغرديس كاتب المامون ابن المنصور الذهبي و شيخ كتاب الإنشاء بحضرة فاس المتوفى سنة 1020، و هو الذي مدح المامون بقصيدة يقول فيها من جملة ما يقول :
أهدى النسيم تحية المشتاق
   و أذاع ذكر الشوق في الآفاق (9)
و في أعقاب السطو الذي تعرضت له أوقاف القرويين أواخر دولة السعديين، أصدر السلطان مولاي رشيد 1075-1082هـ / 1664-1672 م أمرا بضم سائر عقار فاس إلى أحباس القرويين باستثناء ما تثبته التقاييد للناس، تلك التقاييد التي  وجد من بينها تقييد يتضمن لائحة بالأوقاف التي حبسها أبو عبد الله السيد محمد الغرديس على أعقابه و أعقابهم على ما يوخذ من سجل للأوقاف يرجع لتاريخ ربيع الثاني 994-1586.
و تحتفظ الأسرة إلى الآن بعدد من الرسوم و الظهائر التي تترجم عن المركز الاجتماعي للعائلة، سواء لدى الخاصة أو العامة، و قد كان في جملة ما أثار الانتباه عقد زواج فاخر بتاريخ سادس ذي القعدة 1094 يتعلق بزواج سيدي الكبير بن أحد أعيان حضرة فاس سيدي أحمد الغرديس السالف الذكر بالسيدة رقية بنت سيد أحمد الشباني ...
( عقد مصاهرة الرئيس الغرديس مع أسرة الشباني )
هذا إلى عقد آخر لا يقل عنه بهاء و رواء و هو يرجع لتاريخ 30 جمادى الأولى 1115، و يتعلق بالسيد الطيب بن المهدي الغرديس الذي تزوج السيدة الزهراء بنت القاضي المفتي خطيب القرويين سيدي أحمد بن ناجي (10)...
(عقد زواج الفقيه الغرديس مع أسرة القاضي الشهير ابن ناجي )
هذا إلى ظهير إسماعيلي للتوقير يتعلق بسيدي الطيب السالف الذكر و يرجع لتاريخ 26 ربيع الثاني 1138 و ظهير عبدلاوي بتاريخ 17 رمضان 1143 و هو يعم سائر « أولاد الغرديس أصهار مولانا إدريس المعرف بهم في الفهارس »... على حد تعبير الظهير السالف الذكر.
(ظهير توقير من السلطان مولانا إسماعيل لأسرة الغرديس لمكانهم من القاضي عياض )
و ما من شك في أن كل هذا التكريم كان من بركة القاضي عياض الذي اقترن مقامه باسم الغرادسة الذين عرفوا بدورهم كيف يحافظون على صلة أجدادهم بالقاضي عياض، حيث نجدهم إلى الآن يفتحون بيتهم لكل من بريد أن يؤدي زيارة للبقعة التي كان يرقد فيها عياض قبل ما يزيد على ثمانية قرون و نصف القرن ! و هي البقعة التي اهتمت بها أحاديث الخاصة و العامة أكثر مما عنيت بدار ابن خلدون أو لسان الدين ابن الخطيب.. !
و قد اقترن اسم عياض في فاس باسم أسرة أخرى  تارجت بذكرها المعاجم و الفهارس ، ويتعلق  الأمر بآل الملجوم الذين يرتفعون بنسبهم إلى عمير بن مصعب الآزدي وزير الإمام إدريس الأول ... و الذين آوى إليهم عياض أيضا و زار مكتبتهم الخاصة و أجاز بعضهم كذلك...
لقد كانوا يسكنون غير بعيد عن زنقة حجامة إنهم حسب حوالة و قفية قديمة كانوا يسكنون في الدرب المنسوب إليهم ضمن « السبع لويات » التي تجاور جامع القرويين.
و حتى لا يلتبس علينا بنو الملجوم، ينبغي أن نأخذهم ابتداء من أبي الحجاج يوسف بن عيسى بن علي بن يوسف بن عيسى بن قاسم بن عيسى بن محمد ابن قبتروس بن مصعب بن عمير ابن مصعب الأزدي، ثم الزهراني. و قاسم جدهم هو الذي لقب بالملجوم للثقة في منطقه لازمته من صغره.
لقد راح أبو الحجاج يوسف مخلفا من الأبناء ممن عرفنا : عيسى الملقب بأبي موسى، و عبد الرحمان الملقب بأبي القاسم.. و محمد الملقب بأبي عبد الله ... و قد ترك محمد هذا ابنه يوسف الذي أنجب عبد الرحمان الملقب بأبي القاسم كعم أبيه، و قد خلف عيسى من البنين عبد الرحيم الملقب كعمه و حفيد عمه محمد – بأبي القاسم.
و هكذا فإن هناك الجد أبي الحجاج الذي تحدث التاريخ عنه على أنه هو الذي استفتاه السلطان يوسف ابن تاشفين لما أراد الجواز إلى الأندلس لينزل ملوكها المتظاهرين بعضهم بعضا بالأجنبي و الضاربين على المواطنين ما يطاق من المغارم و المكوس...
و هناك أبو موسى عيسى ابن يوسف ( 476- ت رجب 543) و قد تولى القضاء بفاس و مكناس، و كان عارفا بالنوازل و كان ممن يراسلهم أبو علي الصدفي حيث وجدنا آثار مراسلة بتاريخ 501 و أخرى بتاريخ 513، و قد سمع من أبيه أبي الحجاج و دخل الأندلس فلقي بقرطبة ابن الطلاع و كان جامع للدواوين...(11) و هنا أبقوه مع أبو القاسم عبد الرحمن بن يوســــــــف (482-544) من أهل مدينة فاس كذلك، و قد حدث – عند دخوله للأندلس – ابن أخيه ... و قد كان يتوفر على خزانة علمية تتمتع بشهرة واسعة في المغرب على ما تتضافر عليه النقول (12)
كما أن هناك أبا القاسم عبد الرحيم بن عيسى (524-604) الذي سمع من بلده (فاس) عن أبيه أبي موسى كما سمع عن عمه أبي القاسم عبد الرحمان و أبي عبد الله محمد بن أحمد الخزرجي الجياني، و هذا هو الذي لقي بفاس أبا الفضل عياض و أبا مروان ابن مسرة، و أبا الحسن الزهري و أبا بكر بن الجد و أبا يونس مغيث، و أجاز له جميعهم، و ناظر على أبي بكر بن طاهر في نحو الثلث من كتاب سيبويه، و قد رحل إلى الأندلس فلقي بقرطبة أبا القاسم بن بشكوال و أخاه أبا عبد الله، و لقي بإشبيلية أبا بكر بن خير و بمالقة أبا زيد السهيلي، و قد ولي القضاء بعد والده الجياني مع جلالة القدر و نباهة السلف و رفع الشأن على ما يقول ابن الابــــار(13).
و أخيرا فإن هناك حفيد أبي عبد الله محمد، و هو أي الحفيد بحمل اسم عبد الرحمان و يكنى كذلك أبا القاسم ( 535 ت 612) تماما كاسم و كنية عم والده يوسف بن محمد... فعبد الرحمان هذا هو ابن يوسف بن محمد بن أبي الحجاج يوسف الذي أفتى ابن تاشفين حول العبور.
و عبد الرحمان هذا هو بدوره من العلماء المهتمين باقتناء الكتب، و قد شيد لخزانته غرفة كان يقصدها كبار البلد و أعيانها، و قد جمع بها من الدواوين الشيء الكثير، حتى صارت أكبر مكتبة في المغرب... و قد وهبها لابنته التي لم يكن له عقب غيرها فباعت خرومها بعد وفاته بأربعة آلاف دينار و ناهيك بهذا المبلغ على ذلك العهد... و قد ميز الناس بين عبد الرحمان ( الصغير ) هذا و بين عبد الرحمان ( الكبير ) بأن الصغير كان معروفا عند العامة باسم (ابن رقيــــــــة )... و رغم ما قيل عنه من أنه كان دون ( الكبير ) علما و اطلاعا، فإننا نجد أن من جملة الآخذين عنه احد أبناء الإسكندرية أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي الذي تحدث عن خروم المكتبة التي بيعت بذلك المبلغ (14)، كما نقرأ في التكملة أنه سمع على أبي القاسم عبد الرحمن عم والده...
و لقد امتد ذكر بني الملجوم إلى القرن التاسع حيث تحدثت الحوالات الحبسية التي ترجع لتاريخ 893 هـ عما كان معروفا عن درب الملجوم الذي لا يبعد عن « السبع لويات » كما أشرنا بل أن أحد أفرادها استرعى انتباه ابن القاضي في الجذوة، و يتعلق الأمر بأبي زيد عبد الرحمن ابن الملجوم الذي توفي بفاس بتاريخ سادس ربيع الثاني 917.(15)
و قد كان يهمنا من بني الملجوم أبو القاسم عبد الرحيم ( 524-604) الذي قال بالحرف على ما نقله المقري في أزهار الرياض : « اجتاز علينا عياض عند انصرافه من سبتة قاصدا إلى الحضرة ( يعني مراكش) زائرا لأبي ( عيسى 476-543، و كان في آخر أيامه ) عشية يوم الاثنين الثامن لرجب سنة ثلاث و أربعين و خمس مائة (15 نونبر 1148) و في هذه العشية استجزته و سألته عن نسبه، فقال : لي : انما « أحفظ عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض..»
و إلى جانب ذلك المكانين اللذين غشيهما أبو الفضل سمعنا عن مكان ثالث كان يجد فيه راحته، ذلك جامع صغير يقع قبالة درب حجر النار الذي لا يبعد عن ساحة الصاغة القريبة من زنقة حجامة، بحيث يكفيه أن يقطع الممر الذي يقع قبالة درب زنقة حجامة ثم يعرج ذات اليمين ليجد الجامع الذي يحمل اسمه منذ ذلك الوقت في نهاية الطريق، و كما قلنا مقابل درب حجر النار...
و قد اعترضني اسم هذا المسجد و أنا أقوم في الستينات بجرد لسائر جوامع فاس، اعترضني في كثير من الحوالات الحبسية و أثار انتباهي كما كان الأمر بالنسبة لمسجد سيدي الشعراني، بزقاق الحجر قبالة درب أكومي... فهل النسبة تعني أن العالمين الجليلين كانا يدرسان في هذين المسجدين ؟ أم أن قراءة كتبهما بالمسجدين المذكورين هي التي سببت النسبة، أم أن هناك أمرا ثالثا يكمن وراء تلك النسبة ؟
مهما يكن فقد كان من أقدم تلك الحوالات الحبسية زمام مبارك حرر بتاريخ 994 و جدد على التوالي أيام الملوك العلويين ابتداء من السلطان مولاي إسماعيل.
و يذكر صاحب السلوة أول من اشتهر أنه نزل بالمسجد و تعبد أبو الفضل عياض...
و توجد عن يمين قاعة المسجد حجرة صغيرة يقال أن القاضي عياض آوى إليها و تعبد فيها... وممن كان يأوي لهذا المسجد و يدرس فيه و يؤم الفقيه سيدي محمد مبارة الأصغر المتوفى في 15 المحرم 1144. (16)
و ممن كان يدرس في هذا المسجد الفقيه سيدي محمد بن عبد السلام البناني المتوفى في ذي القعدة من عام 1163 و قد كان يفتح نشاطه في التدريس كل يوم بمجلس الحديث الذي يعطيه بمسجد عياض قبل أن يلتحق بمجلسه الفقهي في الصف الأول من جامعة القرويين... على أن ينهي يومه بدرس بين العشاءين حول صحيح الإمام البخاري و رسالة بن أبي زيد في المدرسة المصباحية. (17)
و آخر من أدركه صاحب السلوة يأوي إلى المسجد المذكور و يتعبد فيه أبو عبد الله سيدي محمد بن محمد الحفيان المدعو خمليش .. و على قياس هذا أذكر أن آخر من عرفت أنه يعطي دروسا خاصة بهذا الجامع القاضي سيدي عبد الرحمان الغريسي رحم الله الجميع ...
( صومعة جامع سيدي عياض بفاس )
تلك هي النقاط الثلاث التي اقترن وجود عياض في فاس بذكرها : دار الغرديس، دار الملجوم مسجد الصاغة ... و صحيح أنها تعكس جميعها هوايات  عياض المحببة فهو إلى جانب زميل له في المهنة في دار القاضي الغرديس و هو مع ذلك على صلة بأشهر و أوثق و أجمع خزائن علمية عرفت على ذلك العهد .. خزائن أهل الملجوم الذي كان بيتهم بمثابة أكاديمية يتردد عليها المطالعون و المراجعون ... و هو بعد هذا في جامع يلتقي فيه من يرد للصلاة و للقراءة ...
و مع ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه : هل أن هذه الأمكنة المحدودة كانت في حجم شخصية علمية بارزة من أعلام الحركة المذهبية ... عياض الذي صحبته إلى الأندلس و هو طالب رسائل التوصية به من الأمراء المرابطيين و وزرائهم و كبرائهم ... عياض الذي جلس للمناظرة في بلده سبتة و هو ابن اثنين و ثلاثين سنة .. عياض الذي ولي قضاء سبتة فبرز في وظيفه .. عياض الذي عرفته غرناطة في سلسلة قضاتها اللامعين .. عياض المفسر المحدث المؤرخ بطريقته الخاصة في التأليف و التدريس ...
هل لم يكن بفاس كلها غير أبي القاسم ابن الملجوم يستجيزه و يسأله عن نسبه ؟ ! هل لم يكن بفاس كلها غير القاضي ابن الغرديس .. هل يوجد بفاس كلها غير جامع الصاغة الذي يكون جزءا في ألف من مساحة جامع القرويين ؟
هناك أسطورة تروج على ألسنة بعض الذين كانوا يلازمون مجالس الوعظ بمدينة فاس، و هي تدخل في إطار المأثور الشعبي الذي أبى إلا أن يملأ الفراغ الذي شعر به أهل فاس و هم يسمعون عن مرور القاضي بديارهم .. و قد كان يهمنا من هذه القصة أن عياضا ربما مارس مهنة القضاء بفاس بعض الوقت ..؟
و يتعلق الأمر بما يرويه بعض الطلبة عن أحد المشايخ في باب غيرة الزوجات من انقطاع أزواجهن للدرس و المطالعة .. !
لقد قالوا : أن القاضي عياض كان ينصرف كلية لقراءاته إلى حد ينسى فيه ليس فقط واجباته البيتية، و لكنه كذلك يهمل تموين من كان عليه أن يعوله !
و قد تضايقت زوجته من هذه الحال بفاس ... و حتى تعبر عن احتجاجها بشكل يحرك القاضي، و يجعله يفكر في ( المائدة ) قبل أن يفكر في ( الكتاب ) عمدت إلى مخطوطات مجلد كان عزيزا عليه، فجعلته في كسكس كان يشقه البخار الحار المتصاعد من المياه الساخنة تحته على نحو ما يفعل عند ما يراد تبخير اللحوم !
و عندما عاد القاضي من درسه داعبت روائح الجلود المبخرة حاسة شمه و كان يعتقد أنها مائدة نزلت من السماء ..! فسأل زوجته : ترى من أين أتاك اللحم ؟ و لكنها صدمته و هي تكشف الكسكاس عن «المجلد» الذي كان ينقطع إليه القاضي ! الأمر الذي دفع به إلى هجر زوجته، وترك فاس و اتجه إلى مراكش ... تلك قصة مطرفة تناقلتها المجالس و لكنا لم نجد لها مصدرا فيما تتوفر عليه من مراجع، و بذلك يظل تساؤلنا قائما حول الصمت المخيم على مقام القاضي عياض بفاس !
الواقع أن ذلك السكوت هو وحده يترجم عن الجو المتوتر الذي كان يسود علاقات القاضي السابق بالحكم الموحدي، و إلا فبماذا نفسر انكماش الناس عن أبي الفضل و انكماشه هو عنهم ... لقد كان في الإمكان أن نسمع عن صلة له بالإمام عيسى المومناني الذي كان القاضي عياض ينقل عنه ناعتا إياه بفقيه أهل فاس. لعل هذا المؤمناني كان يعيش ظروفا على نحو ظروف أبي الفضل، فقد كان هو الآخر ممن لهم رأي غير رأي السلطة آنذاك ..!(18)
و لقد كان في الإمكان أن نسمع عياضا يسأل عن ابن جامع البغدادي الذي جلس لتدريس الفقه بغربي جامع القرويين منذ سنة 515 و كان في جملة من أخذ عنه أبو القاسم بن الملجوم الذي استجاز القاضي عياض...
و كان في الإمكان أن نسمع عن صلة القاضي عياض بأبي الحسن علي بن حرزهم الذي تحدث التاريخ عن ( انقباضه هو الآخر عن السلطة ) منذ أن اتخذ موقفه الناصر لكتاب احياء العلوم أيام علي بن يوسف بن تاشفين.
الواقع أن فاس كانت جميعها تعيش أياما كئيبة لا تقل كآبة عن الأيام التي يعيشها قاضي سبتة، أو لم نسمع عن فقهاء فاس و شيوخها عام 540 هـ - 1145 م و هم يتسلقون السلاليم ليصلوا إلى أعالي البلاط الأوسط في جامع القرويين حتى يلمسوا الفنون الجميلة التي خلفتها أيادي الدولة المرابطية و ذلك خوفا من انتقاد عبد المومن الذي قامت دعوته على التقشف و البساطة ؟ ألم نسمع عن الموحدين و هم يدشنون فتحهم لعاصمة الأدارسة بتنحية الخطيب الإمام أبي محمد مهدي بن عيسى، و هو من أقطاب القرويين و علمائها، لماذا ؟ لأنه لم يكن يعرف اللسان الأمازيغي .. و كان شرطهم فيمن يخطب على الناس في أيام الجمع أن يكون ملما باللسان المذكور..
أريد أن أقول أن التفسير الصحيح للنشاط المحدود للقاضي عياض بفاس يكمن في الجو العام الذي كانت تعيشه البلاد، بل يكمن في الرعب و الخوف اللذين كانا يهيمنان على كل شخص تحدثه نفسه بترديد قضية عياض و اسم عياض !
كنت أتمنى أن أعرف حديث ابن صاحب الصلاة عن مصير عياض و هو يعالج ظروف قيام عبد المومن... و كنت أتمنى أن يكون موقف عبد الواحد المراكشي غير موقف الصمت الذي اتخذه في كتابه المعجب ! و حتى حديث أبي القاسم ابن الملجوم عن عياض كان حديثا حذرا أكبر أن يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، فإن « النفي » من سبتة أصبح « انصرافا » فقط... و افهم أنت مدلول كلمة الانصراف ...!
لقد استمر الحديث عن عياض أيام الموحدين خاضعا لرقابة ملحوظة حتى فيما كتبه ابنه أبو عبد الله سيدي محمد... لقد كان ( تعريفه ) بوالده مختصرا إلى حد الإجحاف، لأنه كان يعرف ما قد يتعرض إليه لو أنه أطلق العنان لقلمه – بالرغم مما لقيته الأسرة فيما بعد من اعتبار عندما نصب الموحدون صاحب ( التعريف ) قاضيا على دانية و غرناطة.. و عندما أولوه من حظوة لحفيده عياض ثم لابنه أبي عبد الله محمد الذي غدا بدوره قاضي الجماعة أواخر العهد الموحدي...
كل ذلك لم يجعل أحدا يجرؤ على وضع محنة القاضي عياض على المشرحة، فالتعريف به مبتور، و ملاحقته في مراحله نحو الجنوب غير مسموح بها للجمهور.
وإننا مع تحفظننا إزاء القولة التي ترددت على لسان صاحب المرقبة العليا : سم ابن العربي وخنق اليحصبي » نؤمن بأن سمعة القاضي عياض كانت من الشهرة بحيث أنها أسهمت ، دون شك في جعل عبد المومن يبقي على حياة القاضي عياض، و يكتفي بفرض الحصار عليه، وتطويق الأخبار التي تتعلق به، و من تمت اقتصرت معلوماتنا على ما نرى، و ما كان حديثا يفترى !

(1) أبو عبد الله محمد بن عياض : التعريف بالقاضي عياض، تقديم و تحقيق : د. محمد بن شريفة منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – مطبعة فضالة – المغرب ، ص 3.
(2) المقري : أزهار الرياض ج 3، ص 157 – 158.
(3) عبد الهادي التازي : جامع القرويين ج 1 ، ص 159.
(4) عبد الهادي التازي : صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي – مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد 19 الجزء الأول ربيع الآخر 1393 هـ - 1973 م، دعوة الحق – مارس 1973.
(5) القادري : لمحة البهجة العلية في بعض أهل النسب الصقلية، نشر المستشرق الإيطالي ريزيطانو.
(6) التكملة ص 142 رقم 503 – الجذوة ص 151 كتاب البستان لابن مريم طبع الجزائر ص 54.
(7) وقفت على هذا الظهير ضمن ما وقفت عليه من وثائق الأسرة التي أجدد الشكر على مساعدتها.
(8) القصد إلى التوسعة التي دشنها الملك محمد الخامس عام 1359 هـ - 1940 م، الجزنائي جنى زهرة الآس، طبعة تلمسان ص 71 -153 ، التازي : جامع القرويين ص 96، 99، 105.
(9) نزهة الحادي ، تأليف اليفرني، تصحيح هوادس ص 200. العباس بن إبراهيم : الاعلام يمن حل مراكش و أغمات من الأعلام ج 2 ص 282، المطبعة الملكية الرباط.
(10) كان الشيخ أحمد ابن ناجي من المشايخ الذين يقولون بأن « علم التاريخ يضر جهله و تنفع معرفته » ، و هو الذي اكتشف في جملة من اكتشفوا زيف ظهير قديم أدلى به يهود فاس الجديد يتضمن إعفاءهم من الجزية و أن النبي (ص) عقد لموسى بن حي بن أخطب أخي صفية رضي الله عنها و لأهل بيت صفية الأمان لا يطأ أرضهم جيش و لا عليهم نزل و لهم ربط العمائم...
و كتب علي بن أبي طالب و شهد عتيق بن أبي قحافة و عبد الرحمان بن عوف و معاوية بن أبي سفيان، و « تاريخ شهادتهم في ذي القعدة سنة تسع من الهجرة » فظهر للشيخ أحمد بن ناجي و لعلماء العصر أن ذلك زور و افتراء لأن التاريخ بالهجرة إنما حدث زمن عمر سنة سبع عشرة.. و لأن الظهير الذي استظهروا به إنما هو نسخة من الأصل الذي فيه خطوط الصحابة و قد أرخوا الاستنساخ من الأصل عام 723 أيام السلطان أبي سعيد عثمان .. و كيف يتوصل في المائة الثامنة لمعرفة خط الصحابة ؟ و لما رفع أمر هذا الظهير إلى السلطان مولاي إسماعيل عاقب اليهود عقابا شديدا، و هكذا قام ابن ناجي أيام مولاي إسماعيل العلوي بمثل ما قام به رئيس الرؤساء أيام القائم بأمر الله العباسي – الاستقصا 1-4-5-6.
(11) ابن الابار : التكملة ج 2 ص 689 – المعجم ص 290 رقم 272 – زمامة : مشاهير فاس ، مجلة البحث العلمي – دجنبر 1964.
(12) ابن الابار : التكملة 2 ص 590 – 601 – الجذوة ص 253-254-267-268.
(13) ابن الابار : التكملة 2 ص 601 – ابن القاضي : الجذوة ص 267-268.
(14) نرى أن المتحدث عن الخروم هو الأنصاري و ليس الطرطوشي هو المتحدث بذلك، فإنه توفي سنة 520، و هكذا فإن ما كتبه ديلفان في كتابه عن « فاس و جامعتها و التعليم العالي »، نقلا عن الحرشاوي يحتاج إلى تحقيق ... هذا وقد فضلت رواية النسخة التي أشار إليها هامش الجذوة و التي تقول أن عبد الرحيم ( الصغير ) توفي عام 612 و لسي عام 605 حتى أميز بن الأول و الثاني – التكملة ج 2 ص 590- الجذوة ص 253 – 254.
(15) الجذوة : 260 – السلوة : 3 ، 178.
(16) ما تزال أسرة ميارة إلى اليوم تعيش بفاس و قد نبغ فيها عدد من الشباب .. السلوة 1 ص 167
(17) السلوة 1 ص 151 ، الكتاب الذهبي لعبد القرويين ص 172.
(18) الجذوة ص 281.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here