islamaumaroc

الحياة والخلق عند برجسون

  دعوة الحق

25 العدد

يجمع الفلاسفة المعاصرون – مهما تشعبت مواقفهم واختلفت- على ضرورة البحث عن حقائق بعيدة عن مستوى الملاحظة المعتادة، أو التجريب العلمي، وبعيدة أيضا عن أن يبلغها المنطق المعروف سواء أكان أرسطيا أو أوفيزيقيا رياضيا. وهذه الثورة الفلسفية لها أعظم الأثر علميا وعلميا فبعد أن كانت الفلسفة في القرن الثامن عشر وجزء كبير من القرن التاسع عشر تابعة وخادمة أمينة للعلوم الوضعية أصبحت متبوعة ومسؤولة عن تغيرات خطيرة ف يميدان العلم والعمل.
ولكن انتقاد بعض العلماء والفلاسفة للتفسير العلمي لا يعني أنه لم يعد عندهم ثقة في العلم وإنما كان هذا الانتقاد تعبيرا عن عدم ثقتهم في نوع معين من التفسير. فلا ينكر الفلاسفة المعاصرون والعلماء أن المعادلات الجبرية التي يعبر بواسطتها عن العلاقات الطبيعية صادقة أو دقيقة ولا ينكرون قيمة التطبيق في المعمل. وإنما فكرتهم أن هذا التطبيق لا يدل على صحة مطلقة في المبدأ والتفسير. فطمحوا إلى تفسير مرض ينتزع القشرة الظاهرة للعالم والإنسان. وهذا هو العمل الذي بدأ به برجسون رياضيا في هذا العلم الاستدلالي المتكبر يجب أن نحاول تحقيق الجمع بين روح فنية وروح هندسية. فافتتح بذلك عصرا جديدا.
بدأ برجسون بأن كان ماديا ولكن التفكير في الحياة النفسية قاده إلى إنكاره قول الماديين أنها مؤلفة من ظواهر منفصلة تتصل بموجل قوانين التداعي. فالحياة النفسية تيار غير منقطع من الظواهر المتنوعة أي تقدم متصل من الكيفيات المتداخلة بخلاف الظواهر المادية التي هي كثرة من الأحداث المتمايزة المتعاقبة. ولو كان وجودنا مركبا من حالات منفصلة تربط بينها ذات عديمة التأثر لفقد خاصة الديمومة لن الذات التي لا تتغير لا تدوم. وبذلك لا نحصل إلا على تقليد مصطنع للحياة الداخلية ذلك لأننا نهمل الزمان الواقعي بينما الزمان هو نسيج الحياة النفسية. ولكي نوضح هذه النقطة يتعين علينا أن نتعرف على أحوال النفس.
الشخصية تنتقل في الزمن وتتغير. كنت بالأمس غير ما أنا عليه اليوم وسأصبح غدا شيئا آخر أسير على حظ الزمن كمتحرك يتغير أثناء تحركه على منحنى تحركه أظهر في شكل عندما أقوم في نقطة معينة وأظهر في شكل آخر عندما أقوم في نقطة معينة وأظهر في شكل آخر عندما انتقل إلى نقطة أخرى. بالأمس كنت خائفا مثلا واليوم أنا سعيد وغدا ربما أصبحت منقبضا. أن نفسي ممتلئة الآن حبا لهذا الشخص ويستمر هذا الحب سنة أو سنتين ثم يحل محله حب أو بغض لشخص آخر وهكذا فيما يتعلق بجميع الأحوال. الأفعال تملأ النفس ساعة أو بعض ساعة ثم تختفي فتحل محلها أفعال أخرى ومن ثم هناك تطابق بين أحوال النفس وأجزاء من الزمن. فالإحساسات والخيالات والأفكار والخواطر تطرد بعضها بعضا كما تطرد الساعات والدقائق ساعات ودقائق أخرى. تلك هي صورة النفس كما تبدو في صورة الزمن من الناحية العلمية أي باعتباره إطار أحوال النفس.
إلا أن من يعرف نفسه ويتعمق أحوالها لن يرضى بهذا الوصف ولم يقنع به إذ أن ديمومتنا ليست آنا يحل محا آن وإلا لما كان هناك الحاضر ولما تحقق امتداد الماضي في الحاضر أي لما كان التطور. بل إن للنفس مجالا آخر أقرب إليها وأكثر اتصالا بها وانسجاما معها بل يتحد بها كل الاتحاد زمنا يصح أن      نسميه زمنا شعوريا إن سمينا الأول زمنا علميا. وأهم ما يبدو للزمن الشعوري انه والشعور أم واحد فهي النفس التي تمضي وتنتقل من الماضي إلى الحاضر حاملة معها الماضي وهي التي تجمعهما في وحدة حيوية متدفقة مندفعة بذاتها في اتجاه المستقبل. إن نظرنا لأحوال النفس وجدنا اتصالا مستمرا واختلاطا وتداخلا وتغلغلا. فليس هناك حب يظهر ويمضي ويأتي محله حب آخر أو بغض بل إن هذا الحب الذي نسميه منتهيا قد جعل يزحف في الحب الذي نقول انه يبدأ الآن وذلك جون أن ندري. ومنذ وقت لا نستطيع تعيينه. وليس هناك حزن ينتاب النفس ساعة أو بعض ساعة ويمضي لحاله ويحل محله فرح أو خوف أو غضب بل تمضي النفس في حزنها وينتشر الحزن في سطحها ويتوغل في أعماقها وقد يبدو أنه اختفى كالبرق بينما كانت النفس مليئة به حاملة آثاره وهو فيها دون أن تدري يطغى على الخوف فيقوي وطأته وينتشر في هذا الغضب فيجعله مرا وينزع على هذا الفرح ألوانه.
فالماضي يحتفظ بنفسه بصورة آلية. وإلا ما هو الطبع إن لم يكن للتاريخ الذي عشناه ولكننا بكل ماضينا نرغب ونريد ونعمل. أنه يتجلى كاملا في اندفاعه على صورة ميل أو نزوع. ولأن الماضي يبقى حيا في الحاضر فإنه يستحيل علينا أن نمر بالحالة الواحدة مرتين. أن شخصيتنا تنمو وتنضج دون انقطاع وهي بهذا النمو تكسب شيئا لا يمكن أن نتنبأ به من قبل لأن التنبؤ معناه إسقاط في المستقبل لما أدرك في الماضي أو تصور تركيب جديد لعناصر قد أدركت سابقا.
نجد برجسون يتحدث في صفحة رائعة عن دخول شخص لأول مرة في حياته مدينة يزمع أن يحيا فيها سنين ويذكر برجسون إحساساته الأولى بالمنازل والشجار التي لم يكن له عهد بها من قبل وكذلك الطرق والكنائس والمنتزهات وما يظهر لهذا الشخص من أشكال وصور واضحة أو أقل وضوحا ثم يمضي عليه الزمن أو تمضي نفسه في الزمن وهو في تلك المدينة ما يزال يسمي الأشياء بتلك الأسماء التي أطلقها عليها لأول وهلة. فالمنازل هي هي أو تبدو له كذلك في لغته العادية والأشجار هي هي وكذلك الطرق والمنتزهات. ولن من يتبين الأمر يجد أن ذلك كله قد تغير في نفسه ولا يشابه في شيء المنازل والشجار والطرق الأولى. ولا يستطيع هذا الفرد أن يتحدث عن نفس الإحساسات ولا أن يصف الشجار التي أظلته واستند إلى جذعها بنفس الوصف فهي قد تغيرت وإحساسه قد تغير كما تغيرت نفسه. هذا هو زمن النفس الحقيقي الديمومة وأخص ما يجب قوله عن الديمومة أننا لا نستطيع اكتشافها قبل أن تدخل في النفس موطنها الأصلي كما أننا لا نستطيع اكتشاف النفس في حقيقتها قبل أن ندخل موطنها الأصلي أي الديمومة.
الحياة النفسية إذن تلقائية إذ أنها انبعاث من باطن وخلق مستمر أو ديمومة لا تحتمل رجوعا إلى الماضي وعودة ظروف بعينها ولا توقعا للمستقبل ضروريا كما تحتمل الظواهر المادية. وأحوال النفس متداخلة يطغى الماضي فيها على الحاضر والمستقبل ونتيجة هذا التداخل تغير وتجدد مستمر فحال نفس الآن غير نفس البارحة لأن حال نفس اليوم قد انضم إلى حالها أمس فتحولت بهذا الانضمام أي من شأن تقدم النفس من الماضي إلى الحاضر والمستقبل أن تتغير في صورتها وفي فحواها. فإن ظهرت اليوم سعيدا لنفس سبب الأمس فسعادتي ذاتها قد تجددت في جوهرها وتجددت في معناها وفي فحواها. ولكن هذا الكلام لا يفهم إلا بنسبته إلى كائن حي. وفي الشعور دلالة واضحة على الحياة لأن الشعور يحمل تغييرا وتجددا متصلا وما دام الشعور والديمومة أمرا واحدا وما دامت معالم الوجود كلها راجعة للديمومة فهي في أعماقها حية بل ليست الديمومة إلا حياة متصلة.
يقول برجسون ليس الكائن الحي مجرد مركب من عناصر سابقة كما يرى الآليون ولكن الحياة شيء غير العناصر وشيء أكثر من العناصر. إن الكائن الحي يدوم ديمومة حقة فإنه يولد وينمو ويهرم ويموت. وهذه ظواهر خاصة به، لا تبدو بأي حال في المادة البحتة. وليست الأنواع الحية ناشئة من أصول متجانسة نمت وتحولت بتأثير القوى الفيزيائية والكيميائية على ما شاءت الصدفة العمياء فإن هذا وهم من الآليين إذ أنهم ينظرون إلى الكائنات الحية فيحللونها بالفكر إلى بسائط ويجعلون من هذه البسائط المعقولة أصولا تاريخية على حين أن العضو في لكائن الحي «وحدة مركبة من آلاف الخلايا المختلفة مرتبة ترتيبا معينا» فكيف انضمت هذه الخلايا العديدة بالترتيب المطلوب ؟ ثم إن الكائن الحي من جهة وحدة مركبة من أعضاء تتكون بالنمو من الداخل فكيف يمكن الإدعاء بأن الكائن الحي تكون بالإضافة من الخارج على ترتيب معين في أزمنة متطاولة؟ ثم إننا نلاحظ في سلاسل مختلفة من الأحياء منفصلة منذ عهد بعيد وحدة تركيب في أعضاء معقدة غاية التعقيد كالشبكة مثلا فكيف اتفق لمثل هذه السلاسل ان تنتهي إلى نتائج متشابهة في نقط مختلفة من المكان والزمان ؟.
وكان أصحاب نظرية التطور الأولى يعتبرون أن الكائنات العضوية وحدات متصارعة فحسب وفسروا تنوع السلالات بأنها ترجع إلى تنوعات بالمصادفة ونظروا إلى تأثير البيئة كمجرد ضغط خارجي خالص أو عملية غربلة. وقبلوا فكرة بقاء النموذج الأعلى كمعضلة ميكانيكية غير واعية وتمجد على ذلك تمجيد النشاط الأناني للفرد فأصبح التعاون الاجتماعي من أجل تحقيق الخير العام منبوذا. وافترضوا مغالطة انه إذا كان أحسن شيء بالنسبة لكل فرد هو البحث عن رفاهيته الخاصة فإن أحسن شيء بالنسبة لرفاهية الجميع إنما هو أن نسلك جميعا هذا المسلك وهي قضية يمكن أن نتبين نصيبها من الصحة لو نظرنا إلى ذلك الذي يحدث في مسرح تشب فيه النيران لو انطلق الجميع نحو الأبواب. أن أولئك الذين كانوا من اتباع نظرية الفردية الخالصة كانوا ينظرون إلى المجتمع بطريقة ميكانيكية أتوماتيكية بحتة. وقد بين برجسون في كتاب التطور الخالق أنه إذا كانت الأجناس الجديدة جديدة بمعنى الكلمة وليست تعديلا للأجناس القديمة فحسب يصبح لزاما علينا أن نقول أن الجديد لا يمكن أن يكون نتيجة لمجرد ترميم ميكانيكي للعوامل القائمة. ومن هنا قال برجسون بوجود قوة حياة تعمل على مادة الطبيعة الخام وتصبها في أشكال جديدة وأعلى على الدوام. كان برجسون محقا عندما أكد أنه لا تطور بدون ما هو جديد حقيقة.
إذا تطورت الأسماك إلى زواحف فهذا هو التطور. ومعنى هذا كذلك أنه لا بد أن يكون هناك استمرار حقيقي تماما كما يحدث عندما تنفجر البيضة فتصبح دجاجة. بينما هناك في الوقت نفسه فارق أساسي بين السماك والزواحف فالزواحف ليست مجرد نوع من الأسماك.
بعض التطوريين يميلون إلى القول بالاستمرار وبعضهم يميلون إلى القول بالاختلاف بدلا من القول بكليهما معا. المفكر الميكانيكي يقف في صف الاستمرار كلية ثم لا يجد لأنه يستطيع أن يفسر التغير الحقيقي فعنده أن التغير لا يعدو أن يكون إعادة توزيع لذلك الذي لا يتغير أبدا. ومن ذلك فهو يميل إلى القول بأن الإنسان ليس إلا حيوانا والحيوانات ليست إلا آلات معقدة. إنها فلسفة. «ليس إلا» أما «برجسون» فهو يقف إلى جانب التغير كلية انه يرى التطور كسلسلة من القفزات التي لا يمكن تفهمها وعنده أن ليست ثمة شيء في القديم يصلح لتفسير الجديد تماما كما أن الميكانيكي يعتبر أنه ليس ثمة شيء في الجديد لم يكن موجودا من قبل في القديم. الحقيقة التي أثبتها برجسون حقيقة هامة هي أن التغير شيء حقيقي فالكائن الحي ليس شيئا ميكانيكيا أكثر تعقيدا بل غنه يمتاز بخصائص مميزة. فكرة التطور عند برجسون تذهب إلى أنه تتالى فقرات غير متصلة. كل خطوة جديدة غير مستخلصة من السابقة عليها وهي جديدة تماما ولا يمكن التنبؤ بها. والحياة تتطور في سلسلة من الانطلاقات غير المترابطة غير المستمرة نحو الجديد. أن برجسون يقول في كثير من الأحيان إن القوة الحيوية تنطلق وتنمو وتنضج بدون توقف ولكنها تفعل ذلك بطريقة عمياء.
المعنى الدقيق لكلمة الوجود كما يطلعنا عليه شعورنا الداخلي يتضمن التغير والتغير يعني النضج والنضج يعني خلق الذات نفسها باستمرار. نحن نخلق أنفسنا في كل لحظة وهذا الخلق يؤثر في شخصيتنا من جديد. وعلى هذا فإذا كان ما نعمل يتعلق بما نحن عليه فإن ما نحن عليه أيضا هو إلى حد ما نتيجة لما نعمل. إن أعمالنا هي التي تعلمنا. ولكن هل يمكن أن نقول هذا القول أيضا عن الوجود بصورة عامة ؟ إن المادة تكشف لنا عن خصائص معاكسة لتلك التي أتينا على ذكرها. فكيف يتمايز الشعور عن المادة في الوجود ؟ لقد كانا في الأصل كتلة واحدة ولكن الحياة خلق مستمر متصل، وإذا كان الأمر كذلك فلنتساءل كيف تم وجود كائن المادة ؟ كيف يمكن تصور خلق المادة ؟.
المادة هي المقولة الوحيدة التي يمكن أن نثير بصددها مشكلة الخلق لأنها متمايزة كل التمايز عن الحياة وعن الشعور بينما المقولات الأخرى كلها في صميمها خلق وتجدد. الخلق يحمل سر كل شيء ولكن معناه ليس من المعاني التي يسهل فهمها وإذا كان في الخلق سر جميع الأشياء فلا يمكن التعبير عن الخلق تعبيرا عاديا. ولذلك عمد برجسون إلى أسلوب خاص في معالجة مشكلة الخلق وهو أسلوب يبعد كل البعد عن أسلوب الفلاسفة إلا إذا استثنينا أفلاطون وأفلوطين. في نظر برجسون اللغة الفلسفية لا تصلح لسر الخلق فلا بد من لغة أخرى وأدوات أخرى ولذلك نراه يقوم بتشبيهات واستعارات دقيقة تجعلنا نلمس طبيعة الحياة والخلق.
لا يتكلم برجسون بطريقة واضحة إلا بصدد خلق المادة ولا مجال عنده عن خلق الشعور والحياة والديمومة بما أن كلا من هذه تعبر لطبيعتها عن الخلق. أما معنى المادة فهو أبعد المعاني عن الحياة والخلق ونقصد بالمادة تلك التي لا تبدو أنها تحمل على الإطلاق أي صفة من صفات الروح. تلك المادة المنقسمة التي تحمل انفصالا مستمرا وتجزئة مستمرة. ويقوم هنا أشكال واضح عن هذه المادة كيف يمكن أن يقوم هذا الوجود الذي يحمل بمعنى واضح كل ما يخالف الحياة ؟ كيف يمكن وجود كائن يعارض في أصله ومظاهره معاني الحياة ؟يستخدم برجسون هنا تشبيهات للتعبير عن خلق المادة ويقترب أسلوبه من أسلوب أفلاطون في موسوعياته والمعنى الأساسي لتلك التشبيهات هو أنه بما أن الوجود بمعناه الحقيقي العميق هو خلق فالمادة إما غير موجودة أو تعارض فعل الخلق في أساسها. ولكن من الصعب علينا وقد تعودنا الديمومة والشعور وهذا المنهج الذي يذهب بنا إلى أعماق النفس من الصعب إذن أن نفهم توقف هذا الخلق إذ كيف يتوقف وهو متصل دائم في جوهره.؟
هناك مستويان مستوى الفعل الأسمى ذاته ثم مستوى ما يصدر عن هذا الفعل. هناك مستوى فعل الخلق وهناك مظاهر هذا الفعل وصوره التي سميناها حياة أو شعورا أو ديمومة أو كائنات حية فهي حائزة على صفة الخلق والتجدد والاتصال ولكنها ليست الخلق ذاته وما دامت متمايزة عن فعل الخلق فهي متجهة إلى نقصان مستمر. ويمكن أن نتصور المادة في حد هذا النقصان. إذ عندما ينفصل الكائن الحي عن الأصل الخالق وعن التيار الخالق يصبح الكائن في النهاية متجمدا وعندما تنفصل الديمومة عن مصدرها الخالق تصبح امتدادا ومادة أي انتشارا وتمددا في المكان. للخلق إذن واجهة وخلف. واجهة الخلق الديمومة وظهر الخلق المادة. فإن تصورنا انقلاب فعل الخلق فإننا نتصور للتو ظهور المادة في العالم. هذا هو معنى التشبيهات التي يوردها برجسون. ونبدأ التشبيه الأول تشبيه خلق المادة بفعل الرسام أو الفنان «كم من الخطوط والمنحنيات والرسوم تعادل رسم فنان عظيم أي كم يجب علينا من المحاولات ومن الرسوم حتى نستطيع أن نقلد رسم  الفنان وهو الذي يقوم به الفنان في حركة واحدة. ومع ذلك فرسم الفنان الذي نجده على الورقة أليس هو بدوره تحديدا وتجميدا للحركة ؟ بمعنى أصح ألم يصبح حركة متوقفة جامدة. إلا ينذر بتوقف الحركة وبتوقف الابتكار ؟ ولنفكر في جميع الحروف التي دخلت في تركيب كل ما كتب حتى الآن فإننا لا نتصور في هذه الحالة أن أحرفا جديدة ستظهر وستنضم للحرف الموجودة حتى الآن. لنتصور شاعرا يبتكر قصيدته هذا الابتكار فعل بسيط للنفس ولكن هذا الفعل ما عليه إلا أن يتوقف لحظة بدلا من أن يستمر في إنتاج وابتكار جديد حتى يتبدد هذا الفعل في كلمات تنفصل حروفها فيما بينها وتنضم تلك الحروف للحروف الموجودة. فمن الجائز لشاعر عظيم أن يضع كلمات جديدة ولكن هل يخلق أحرفا جديدة ؟ التشبيه الثاني تشبيه الخلق بحركة الذراع ترك لأمره لسقط ثانية رغم أن شيئا من تلك الإرادة التي عملت على رفعه باق فيه. لدينا هنا صورة لانقلاب حركة أو فعل خالق تعيننا على فهم أدق للمادة. إننا هنا أمام انقلاب خطير أكثر من الأول يعيننا على فهم خلق المادة ولو أن الفارق عظيم بين الذراع المتوقف في نزوله كما لو كان قد فقد الحياة. ولنتصور إنسانا يقوم بحركة وحركته تنقلب سكونا بمجرد ابتدائها أو لنتصور إنسانا يستيقظ ثم يرجع إلى النوم بمجرد يقظته. في كل تلك الأحوال نلحظ نفس الظاهرة أي انقلاب حركة الحياة والاتجاه إلى التجمد بل ظهور التجمد أي ظهور المادة.
ثم تشبيه آخر يشبه برجسون الخلق بدخول يد في برادة الحديد. لا تصور أن يدي تتخلل برادة الحديد التي تنكمش وتقاوم حركة يدي أثناء تقدمها. لابد أن تأتي لحظة تكون فيها يدي قد بذلت جهدها وعندما تتجمع حبات برادة الحديد وتشكل صورة معينة هي صورة يدي التي توقفت وجزء من ذراعي. لنفرض أن يدي وذراعي كانا غير مرئيتين ولنتصور أن هناك ملاحظتين لبرادة الحديد بعد حصول تلك الحركة غير المنظورة هؤلاء لو تصورناهم علماء طبيعيين سيبحثون عن علة تلك الصورة وذلك الانتظام الذي أخذته البرادة. سوف يبحثون عن تلك العلة في البرادة نفسها. وسينقسم هؤلاء العلماء إلى فريقين الأول سيسفر موقع كل جزئي مادي بتأثير الجزئيات المجاورة وهؤلاء الميكانيكيون. والفريق الآخر يقرر وجود تصميم سابق على هذه التأثيرات وهؤلاء هم الغائيون. ولكن الحقيقة أنه لم يكن هناك إلا فعل واحد لا يتجزأ هو فعل يدي وهي تجتاز برادة الحديد وهذا الفعل هو الذي يفسر جميع الحركات.
مما سبق نلاحظ إلى حد ما اثنينية في موقف برجسون الشعور والمادة. الشعور من جنس الفعل الخالق وهو الذي يحيي الأجسام وبدونه تصبح كالرماد الباقي من القذيفة والمادة وهي نقيض الحياة ولكنها نقيض يصدر عن الأجسام الحية. وفي نهاية المر يصدر عن الفعل الخالق. المادة هي الحياة منقلبة متجمدة. المادة نشأت من وهن التيار الحيوي أو توقفه فما هي إلا شيء نفسي تجمد وتمدد، كما نشاهد في أنفسنا حين ندع فكرنا يجري اتفاقا فيتبدد في آلاف من الذكريات تنتشر فتتراخى شخصيتنا وتتنزل في اتجاه المكان أو كما نشاهد الماء يندفع من نافورة ويرتفع خطا كثيفا دقيقا ثم يهبط على شكل مروحة قد انفصلت نقطة المتراصة وتباعدت وتساقطت في مساحة أوسع.
ولو كانت الحياة ترسم مدارا واحدا لكانت الحركة التطورية أمرا بسيطا كل البساطة ولاستطعنا بسهولة أن نعين اتجاهها ولكننا هنا أمام قنبلة قد انفجرت وتناثرت أجزاؤها وهذه الجزاء أيضا نوع من القنابل قد انفجرت بدورها إلى أجزاء أخرى من شانها أن تنفجر وهكذا خلال زمن طويل. أما نحن فلا ندرك إلا ما هو قريب منا أي تلك الحركات المتبعثرة التي يجب أن نبدأ منها كي نعود شيئا فشيئا إلى الحركة الأصلية في وقت ما وفي نقطة ما من المكان نبع تيار حي واجتاز أجساما كونها على التوالي وانتقل من جيل إلى جيل وانقسم بين أنواع الحية وتشتت بين الأفراد دون أن يفقد شيئا من قوته بل إنه يزداد  قوة كلما تقدم ويزداد شعورا فهو في النبات سبات وخمود وفي الحيوان غريزة وفي الإنسان عقل وهذه الطبقات مختلفة بالطبيعة لا بالدرجة فحسب.  
ولكن هذا التيار الحي الخالق هل يكون هو الله إنه شبيه بالله وكثير من عبارات برجسون تؤدي هذا المعنى منها قوله «إن فكرة الخلق تغمض بالكلية إذا فكرنا في أشياء مخلوقة وشيء يخلق إما أن يتضخم الفعل كلما تقدم ولن يخلق كلما تقدم فهذا ما يشاهده كل منا حين ينظر إلى نفسه وهو يفعل.» فلا يصح أن نعتبر فعل الخلق كائن يخلق بل الخلق والله شيء واحد. الخلق مستمر المجدد هو والله شيء واحد لا تمييز بينهما وليس هناك محل للكلام عن الله كما لو كان جوهرا غنما يجب القول بأنه طاقة متصلة متدفقة وحياة متصلة مندفعة في تجدد مستمر وعلى ضوء هذا يصح أن نقول إن خلود النفس معقول ومقبول. إذا كان الخلق هو الأصل وهو جوهر الأشياء الأصلي وإذا كان الشعور هو الأصل. إذا كان هذا هو المر فالشعور المتدفق في العالم لن يموت بل قد ينبعث من جديد في الأجسام فيحيى ما كان رميما.
وصف برجسون فعل الحياة وصفا رائعا بل نستطيع أن نقول أنه بلغ ولو من بعيد سر الحياة ولكنه مع ذلك لم يذهب حتى التفسير المقنع المرضي ثم كيف تنحدر الحياة وكيف تضمحل. قد نقول أن الحياة لا تضمحل في الأصل الحي ما في طبيعته الاضمحلال وما هو قابل للتشتت والتبدد. قد تكون هناك ميزة فلسفية لتلك النظرية التي تستغني عن خالق متمايز تمام التمايز عن المخلوقات فإنه برجسون يقوم بمحاولة منزهة (في نيته على الأقل) فيريد أن يتجنب تشبيه الله بالإنسان والأفعال الإلهية بالأفعال الإنسانية ولكن مع ذلك المشكلة باقية لم ينحدر الوجود ويضمحل ويتجه للمادة. إذا كان الوجود في أصله ديمومة مركزة وخلقا أصيلا ليس معرضا في طبيعته للاضمحلال والانحدار فلم لم يبق الوجود على حاله كما كان في الأصل. لم يضمحل فأصبح لا كائنات حية فحسب بل متجهة أيضا إلى المادة وإلى الموت.
ثم كيف نعلم أن الله موجود وأنه متميز عن العالم. لا مجال للتدليل العقلي على وجود الله في فلسفة برجسون. والواقع أنه ينتقد الأدلة السلفية ويرفضها رفضا باتا. فدليل المحرك الأول مستبعد من جراء مبدأ المذهب أن ليس يوجد سوى حركة بغير محرك ولا متحرك. ودليل العلل الغائية يتنافى مع المذهب كذلك فأولا الغائية تعين صورة المستقبل ونحن نعلم أن الديمومة خلق متجدد وثانيا الغائية تشبه عمل الطبيعة بعمل الصانع الإنساني يركب قطعا وأجزاء ليحقق نموذجا بينما الطبيعة تكون وتخرج الكائن الحي بأكمله من خلية تتكثر.
وإذا كانت الأدلة على وجود الله غير ناهضة فكيف نعرف الله ؟ لا يبقى لدينا سوى التجربة. والواقع أن برجسون يدعي إقامة ميتافيزيقية تجريبية مبدؤها أن كل موجود هو بالضرورة موضوع تجربة حاصلة أو ممكنة. ويرى أن ليدنا تجربة إلهية فيقول أن حدس ديمومتنا يصلنا بديمومة تتوتر وتتركز وتزداد اشتدادا حتى تكون الأبدية في الحد الأقصى. وأبدية الله ديمومة كذلك وهنا يفترق برجسون عن الفلاسفة الذين يرون أن الله ثابت مستكف بنفسه فيقول ولكن الموجود الكافي نفسه ليس غريبا عن الديمومة بالضرورة وان في الحركة لشيئا أكثر من الثبات وهكذا يطبق برجسون فلسفة الديمومة إلى النهاية ويستعيض عن الإله الثابت بإله متغير أي أن الله عنده موجود نسبي مركب من فعل وقوة موجود يتضخم كلما تقدم ويكتسب شيئا جديدا بلا انقطاع. ثم أن برجسون يقول في الكثير من الحيان أن القوة الحيوية «تنطلق وتنمو وتنضج بدون توقف» ولكنها تفعل ذلك بطريقة عمياء ولكن كيف تنمو وتنضج بطريقة عمياء ؟ إن مجرد هذه الكلمات تتضمن وجود عملية تهدف لغاية. فالمستقبل يتضمن عضويا في الحاضر والماضي. والماضي لا يقتصر أبدا على كونه قديما ليس إلا كما أن الحاضر لا يكون جديدا تماما. إن التطور ليس تطورا أعمى ولا هو غير موجه في تغيراته. إن اتجاه التطور ليس هو أن محددا وهذا بدوره لا يقتضي بالضرورة تفتحا ميكانيكيا لما هو محدد من قبل تحديدا كاملا.
ومع ذلك فإن برجسون يعد أكبر فيلسوف ظهر في فرنسا منذ عهد بعيد وكان تأثيره واسعا عميقا فقد أذاع لونا من التفكير وأسلوبا من التعبير طغيا على سائر فروع المعرفة العلمية وتجاوزاها إلى السياسة والأدب لأن أفكاره كانت تتفق تماما مع نبذ المعتقدات الفكرية التقليدية. ونقط الضعف الواضحة في التفكير الميكانيكي. وكانت فلسفته احتجاجا على النزعة العقلية الضيقة التي تحاول أن تحصر الواقع كله في مقولات مجردة كما كانت احتجاجا على المادية الميكانيكية التي تنزل الكون بأسره إلى مستوى الفيزياء وكانت دلالته التاريخية أنه قصد إلى إنقاذ القيم التي أطاحها المذهب المادي فهو يبدو من هذه الوجهة وكأنه واحد من أولئك الأبطال الذين أشاد بهم أولئك الأبطال الذين يقولون في الإنسانية ليعلنوا إيمانهم بالروح.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here