islamaumaroc

الأدب والمناسبة -1-

  دعوة الحق

25 العدد

كان عيد العرش، وما يزال، موسما من مواسم الأدب يخرج فيه كتاب وباحثون وشعراء عن صمتهم، ويسهمون بحظ في تخليد ذكرى تربع جلالة الملك على عرش المغرب، ويخطون صفحات من كفاح الشعب والعرش في سبيل الحرية والكرامة، في سبيل الاستقلال.
وكان عيد العرش مناسبة يتحرر فيها الأدباء من رقابة فرضت عليهم ورقابة فرضوها على أنفسهم، فأما الرقابة التي فرضت عليهم فهي، ولا شك، رقابة الوضع الذي كان قائما على عهد الحماية، والذي كان يريد لسكان هذا البلد أن يسيروا في ركابه بأجسامهم إن عملوا، وبعقولهم إن فكروا، وبأقلامهم إن كتبوا، وقد تأبت الأمة على الوضع وانعزلت عنه، ثم ثارت عليه، ثم أطاحت به فذهب مع الريح، فكان المفكرون والأدباء في طليعة من تأبى فانعزل فثار. ومع ذلك كان الفكر والقلم هدفا للرقابة التي فرضها الوضع البائد عن طريق القانون تارة وعن طريق التتبع وإحصاء الأنفاس تارات أخرى، ولهذا انكمشت أقلام وصدئت عقول ووئدت أفكار وآراء، وتلك هي الرقابة التي فرضها الوضع الاستعماري.
أما الرقابة التي فرضها الأدباء –أعني بعضهم- على أنفسهم، فقد كانت من وحي الرقابة الأولى، انعزل كثيرون لأن ظروفهم النفسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية كانت تدفعهم –ولا أقول تفرض عليهم- أن ينعزلوا، وصدئت أقلامهم من كثرة ما انعزلوا وانصرفوا عن ميدان العمل الأدبي، ولم يفكروا مرة في الفرار من عزلتهم إلا كانت الرقابة التي فرضت عليهم أو فرضوها على أنفسهم مانعا لهم من أن يسيروا في الطريق التي تزودوا لها بثقافتهم وميولهم واتجاههم.
حتى إذا كان عيد العرش اتخذوه مناسبة كبرى للتحرر من سلطة الرقابتين : رقابة الوضع الاستعماري ورقابة الوضع النفسي، فظهرت أبحاث ومقالات وقصائد وقصص يعتز بها –عن جدارة- الأدب المغربي، فكانت المناسبة باعثا على الإنتاج، وكانت في نفس الوقت حماية للمنتجين وتحريرا لهم، وزاد في اتساع هذه الحرية ما كانت تتسم به رقابة الوضع الاستعماري من «سماحة وسعة صدر» إزاء فرصة الشعب في عيد عرشه.
كان هناك إذن أدب، وكان أدب المناسبة، فهل كان يضير هذا الإنتاج الأدبي أنه قيل بمناسبة؟
لم يكن يضيره ذلك فيما نعتقد، فقد كان يتخذ من العيد الوطني مناسبة للتذكير بالمجد الماضي ولبعث الهمم لبناء مجد الغد، وكان يتخذ منه مناسبة لتصوير الواقع بما فيه من آلام وآمال، وما فيه من بؤس وحرمان، وكان يتخذ منه مناسبة لتصوير الكفاح من أجل الاستقلال، ومن أجل التحرر الاجتماعي والفكري، كانت الحرية على لسان كل أديب، وكان التحرر من الجهل والخوف والفقر هو «الوحدة» التي تربط بين صور الأدب، أدب المناسبة القومية.
إذن فأدب هذه المناسبة كان أدبا حيا يتصل بواقع المغرب وتمليه الحياة المغربية، ويبقى بعد هذا حظ النقد في تقويمه: نجح أدباء في أن يجعلوا من أدب عيد العرش أدبا حيا حقيقة، وبرز أدباء في ذلك، وفشل آخرون فما جلوا ولا صلوا... ولم يكن ذلك من أثر المناسبة، وإنما كان لضعف في التكوين، أو نقص في التملي من الأحداث، أو ضحالة في النفس، فما رسب فيها من المعاني إلا نفايات أو أشلاء.
ويقول القائل: إن المكافآت كان لها أثرها في إخراج «بعض» الأدباء عن صمتهم، وإن فلانا وفلانا من مبرزي شعرائنا وكتابنا كانوا يصمتون حولا ثم تنطقهم المسابقة فينالون الجائزة، ويكون أدبهم أدب مناسبة وجائزة.
وما يضير الأدباء أن ينتجوا للفوز بالمكافآت فإن المعدن الثمين لا يضيره أن قومت درره ونفائسه بغالي الأثمان والأديب سليم الطبع قوي العاطفة فياض الشعور تدفعه المكافأة أن ينتج ولكنها لا تسلب مشاعره ولا تشتري عاطفته أو ترهن طبعه. وقد كانت مكافآت الدولة ومكافآت الملوك والرؤساء قوية الصلة بالأدب، والأدب العربي بخاصة.
مدح شعراء الجاهلية الملوك والرؤساء ونالت قصائدهم المكافآت والصلات، ومع ذلك ما أنطقتهم الصلة بغير الأدب الأصيل في تصوير الحرب أو السلم، وفي التحدث عن خلجات النفس ونبضات الحس وفي تحليل الشخصية الإنسانية بخلقها الكريم أو طبعها اللئيم. وتحدث شعراء العرب في صدر الإسلام، وفي عهود أمية والعباس والحمدانيين والموحدين والمرينيين في شرق البلاد العربية وفي غربها، ونالوا أجزل الصلات والمكافآت، ولكنهم كانوا أدباء وفنانين لا تجارا يبيعون زخارف وصناعات بدارهم معدودات، ولم تستطع المكافآت أن تغير ما يطبع الأدب وتجعل منه أدبا ممجوجا لأنه قيل بمناسبة ونال قائله مكافأة، بل ظل هذا الأدب حيا نقرأه بعد مئات السنين فنجد الوصف الحي والمعنى السامي والتحليل الدقيق، بل نجد السخرية والهزء ونجد النكت والملح فنشعر بجمال هذا الأدب ونحس بروعته، ولا يضيره عندنا –كما لم يضره عند الأقوام الذين عاش بينهم- أنه قيل بمناسبة وأن قائله نال صلة أو مكافأة.
وما أحسب أدب الدنيا –غير دنيا العرب- ببعيد عن مجال المكافآت والصلات، فالملوك والرؤساء كانوا دائما يرعون الأدب والأدباء، وكان بعض هؤلاء يعيشون في أكنافهم، ومع ذلك أنتجوا أدبا له وزنه في الآداب التي خلدتها الإنسانية وخلدت هي الإنسانية.
ولا يحسبن قارئ أننا ندعو لهذه الرعاية أو العيش في أكناف الرؤساء والملوك أو على حساب الدولة ليستطيع الأديب أن ينتج، وإنما قصدنا إلى أن نسجل أن الأدب المجاز لم يكن أبدا بالأدب الضعيف أو الهزيل، وإنما كان فيه من وراء القول وبديع الإنتاج ما لا يزال أثرا خالدا من آثار العبقرية الإنسانية.
وما تنظيم الدول للجوائز الأدبية والفنية التي تتبني بها الدولة إنتاج الأديب أو الفنان إلا مظهر متطور من مظاهر المكافآت التي كان يقدمها الملوك والرؤساء –وكانوا هم الدولة- للأدباء والفنانين: بل وللعلماء والمفكرين.
فإذا نحن دعونا إلى تنظيم هذه المكافآت تنظيما عصريا تتبناها الدولة وترعاها، فإنما ندعو إلى تدعيم صنيع عاش مع الأدب في شرق الدنيا وغربها، وكان له الأثر القوي فيما أنتج من أدب، وإنما ندعو كذلك إلى الأخذ بأسباب التشجيع الأدبي التي أخذت بها قبلنا دول حية ناهضة مزدهر أدبها نام إنتاجها، كثير قراؤها.
وورثت دولتنا من عهد الحماية جائزة أدبية وعلمية تقدمها وزارة التربية كل سنة لأحسن كتاب أدبي وأحسن كتاب علمي بالعربية والفرنسية، ولكنها جائزة متواضعة، متواضعة في قيمتها وشكلها والإعلان عنها والاستجابة لها. فقيمتها زهيدة إن لم نقل تافهة، والوزارة لا تعلن عنها إلا في استحياء حتى أنها لا تكاد تبلغ أذن الأدباء والمنتجين ولا نكاد نسمع بنتائج المباراة التي ما أحسب من يتقدم لها من الأدباء إلا النزر القليل. ولو عنيت الدولة بالفكر والروح كما تعنى بالجسد لصرفت بعض عنايتها ومالها في تنظيم جائزة الدولة لأحسن إنتاج علمي أو أدبي، ولنظم مهرجان لتكريم الأدب والعلم في شخص الأديب الفائز والإنتاج الفائز.
إننا ندعو إلى ذلك، وما نحسب الجائزة المهمة إلا مجدية في بعث فكري وأدبي وعلمي، فالتقدير يفتح نفس المنتج، وما الجائزة إلا تقدير وتقييم.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here