islamaumaroc

نظرات عن الإعلام الإسلامي .

  دعوة الحق

208 العدد

    الإعلام قوة حضارية كبرى، وظاهرة فنية وثقافية أصبح لها في العصر الحديث أثرها البالغ ولا يمكن لدولة – متقدمة أو نامية – أن تستغني عنه حتى أنهم يلقبون العصر الذي نعيش فيه بعصر الإعلام.
    إذا كان هذا هو شأن الإعلام في العصر الحديث فما موقف الإسلام من الإعلام؟ وما دور الإعلام ومكانته في رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكيف حقق الرسول هذا النجاح الإعلامي الرائع الذي شهد به أعداؤه وأعداء الإسلام؟ وهل الإعلام مهمة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه وحده أم مهمة كل مسلم؟

الإسلام والإعلام:
    لا شك أن الدين الإسلامي دين إعلامي بطبيعته لأنه يقوم على الإيضاح والبيان وذكر الحقائق والمعلومات الصادقة والأفكار البناءة بعكس الأديان الأخرى.
    والإعلام الإسلامي واجب على كل مسلم ومسلمة والرسول صلى الله عليه وسلم، يحث المؤمنين على أن يكونوا هداة مرشدين، ودعاة صابرين، ساعين للخير والحق في كل زمان ومكان، بل إن الله سبحانه وتعالى جعله واجبنا تدسيا بنص آيات القرآن الكريم "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".

القرآن الكريم أقوى وسائل الإعلام:
    ومما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو الوسيلة العظمى والطريقة المثلى للدعوة الإسلامية وهذه الحقيقة لا تقبل الجدل ولا المناقشة سواء من المسلمين أو غيرهم. ويؤكد الباحثون وعلماء الإعلام والإتصال بالجماهير في وقتنا الحاضر أن القرآن يعتبر أقوى وأكبر وسائل الإعلام والتأثير التي عرفها التاريخ منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا. فقد نزلت آياته حسب المواقف والحوادث التي مرت بالرسول عليه الصلاة والسلام. وكانت بعض آيات الكتاب تنبئ الرسول بما يحدث له ولأصحابه في المستقبل كما كانت بعض آياته تعلم الرسول بأخبار المشركين والمنافقين وما كان يدبره هؤلاء من المؤامرات. ولم تقتصر مهمة
القرآن الكريم على ذلك بل كانت بعض آياته تنقد حالة المسلمين في كثير من المواقف التي تمر بهم وترشدهم إلى الصواب.
    فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم من جميع هذه النواحي الإخبارية وما يتبع هذه الأخبار من نقد وتحليل لمواقف المشركين والمنافقين، ورسم الطريق الذي يسلكه المسلمون تجاه المنافقين وإيضاح الآداب التي يعامل بها المسلمون مع رسولهم الكريم صلوات الله عليه وسلامه.. نستطيع أن نقول أن هذا القرآن الكريم هو "صحيفة الإسلام" في هذا العهد ولكنها صحيفة من طراز آخر يمتاز بالصدق في الخبر والنزاهة في التوجيه، والإحسان في الإرشاد كأحسن ما يكون التوجيه والإرشاد وأنزه ما يكون النقد والتحليل، ولا غرو في ذلك لأنه كلام الله "ومن أحسن من الله قبلا" و "من أصدق من الله حديثا".
    وقد كان لهذه "الصحيفة الإلهية" – إذا صح التعبير – أعظم الأثر في خلق مجتمع جديد في الجزيرة العربية.. هو المجتمع الإسلامي الذي يختلف اختلافا تاما عن المجتمع الجاهلي، وأصبح لهذا المجتمع الإسلامي الجديد مجموعة من القيم والمفاهيم مخالفة كل المخالفة لكثير من القيم والمفاهيم التي كان عليها العرب في الجاهلية.

وسائل الإعلام في صدر الإسلام:
    وعلى الرغم من أن الإعلام بأجهزته ووسائله الحديثة كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة، صلى الله عليه وسلم، إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الإعلام في حقل الدعوة الإسلامية يتأكد لنا أن الإعلام كان ولا يزال أداة هذا الدين ودعامته الأولى.
    وإذا كانت الحضارة الإسلامية لم تشهد من وسائل الإعلام ما شهدته الحضارة الحديثة إلا أن القرآن الكريم، والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة والخطب والرسائل البليغة والنثر الفني والشعر الرائع، وأسواق الأدب والبلاغة والندوات بكل أنواعها. كل هذه وسائل إعلامية كبرى كانت تقوم مقام الصحف والنشرات والإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر.

مهمة الرسول إعلامية:
    وإذا أمعنا النظر قليلا في المهمة التي كلف الله بها رسوله، صلى الله عليه وسلم، ستجد أن الجانب الإعلامي احتل جزءا منها. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمارس وظيفة رجل الإعلام بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى في أذهان خبراء وأساتذة الإعلام والإتصال بالجماهير. إنه مرسل ومبلغ عن ربه لرسالة مقدسة تتضمن الأفكار والحقائق والمفاهيم والإتجاهات بهدف إشراك الجماهير عن طريق التأثير فيهم وإقناعهم بمحتوياتها ومضمونها مستخدما تلك الوسائل المتاحة آنذاك.
    والآيات القرآنية توضح هذا المعنى "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا" وقوله تعالى "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا" وقوله أيضا "وما على الرسول إلا البلاغ المبين".

الإعلام مهمة كل مسلم:
    وتتأكد لنا المكانة السامية التي يتبوأها العمل الإعلامي في الإسلام إذا أدركنا أن المهمة الإعلامية لم تكن قاصرة على صاحب الرسالة وحده صلى الله عليه وسلم، وعلى الدعاة المتخصصين في شؤون الدعوة فقط ولكن كل مسلم مكلف بأداء هذه الوظيفة في حدود قدراته وإمكاناته. بل إن المهمة الإعلامية كما يقول بعض الباحثين هي التي ميز الله بها المسلمين عن غيرهم من الأمم الأخرى متمثلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما أصلان رئيسيان من أصول الإسلام ووجوبهما على المسلمين فريضة مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج ومصداق ذلك قول الحق تبارك وتعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" بل إن الله جعل الدعوة إلى الله قمة وظيفة كل مسلم انطلاقا من قوله تبارك وتعالى "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله صالحا وقال إنني من المسلمين".
    وأخيرا أليس معنى هذا أن الإسلام يقدر الدور الإعلامي لأنه اعتمد على القرآن الكريم وهو آية الله ومعجزة رسوله في البلاغة وفيما جاء به من نظم وقوانين وتشريعات وأحكام وآداب وأخلاق وسلوك. وإذا كان القرآن الكريم من أكبر وسائل الإعلام التي عرفها التاريخ فلماذا لا يبطل ادعاء المستشرقين أن الإسلام اعتمد على السيف ولم يعتمد على كلمة الحق وقوة البرهان؟

الإعلام الإسلامي في حاجة إلى إعلاميين مسلمين:
    الغريب أن الإعلام الإسلامي. وهذا شأنه وخطره وأثره. لا يزال أرضا بكرا بحاجة إلى ارتياد الباحثين والعلماء وخاصة بعد اهتمام الجامعات الإسلامية بتدريسه ضمن مناهجها. ويقول الدكتور إبراهيم أمام رئيس قسم الإعلام بجامعة الأزهر:
    "نحن في حاجة ماسة إلى إعلاميين مسلمين يتصفون بالعلم والمعرفة والفهم الدقيق القائم على تدبر معاني القرآن الكريم "كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" والقدرة على التعمق في آراء الفقهاء فضلا عن التخلق بالصدق والأمانة وشرف الكلمة والصبر والإخلاص إلى آخر هذه الصفات التي أرادها الله ورسوله للمؤمنين والمسلمين.
    هؤلاء الإعلاميين إذا فهموا أصول دينهم واتصفوا بالحميد من الأخلاق والصفات وتخصصوا في علوم الإتصال بالناس وفنون الإعلام المختلفة ودراسات المنطق والجدل وعلم النفس والمذاهب المعاصرة ووقفوا على افتراءات المستشرقين والمبشرين على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم يشكلون فريقا يحمل لواء الدفاع عن الإسلام والمسلمين بأحدث وسائل الإعلام.
لا بد من أطر فنية:
    إننا في حاجة إلى "المحرر المسلم" الذي يفقه دينه تماما ويدرس شؤون عصره ويفهم ما يدور حوله من تيارات ظاهرة وخفية حتى يعالج أي موضوع يتناوله من زاوية إسلامية ورؤية قرآنية ونحن في حاجة إلى "المخبر المسلم" الذي يستطيع أن يتحرى الصدق في الخبر والإحسان في العرض كما نحن في حاجة إلى "المنسق المسلم" الذي يستطيع أن يبرز المقال والخبر عرضا عصريا في أروع صورة وأجمل إطار. ولا شك أن مجال عمل هؤلاء يكون في الجريدة اليومية والمجلة الأسبوعية والشهرية ووكالة الأنباء ودار الطبع والنشر الإسلامية وما يلحق بها من مطابع وشركات للإعلان والتوزيع.
وإذا تركنا مجال الكلمة المقروءة وانتقلنا إلى الكلمة المسموعة في الإذاعة نجد أننا في حاجة إلى "الإذاعي المسلم" الذي يعرف كيف يقدم برنامجه بصورة مشوقة وفي الوقت نفسه مفيدة، وهادفة فيصل إلى الغرض الإسلامي من تثبيت معنى وحقيقة أورد شبهة ودسيسة، ونحن في حاجة إلى "المؤلف الإسلامي" الذي يتقي الله في حركته وسلوكه وفي عمله وعرض المسلسلات والتمثيليات والقصص وهي قد تكون أشد تأثيرا في النفوس وخاصة لدى الشباب من الإعلام المقروء.
    وهكذا الأمر بالنسبة للسينما والمسرح والتلفاز وسائر وسائل الإعلام الحديثة.

الإعلام الإسلامي لصد الغزو الفكري:
    إن انحراف وسائل الإعلام الحديثة في البلاد العربية والإسلامية واتصافها بالكذب والخداع والبعد عن تعاليم الإسلام  وتقاليده وآدابه.. كل هذا جعل الغيورين على الإسلام والدين والأخلاق يتجهون إلى نبذ هذه الوسائل على أنها لا تليق بالمسلم وأنها عدو يحارب الدين بالكلمة والصورة والنغم والحركة والقصص الجنسية التي تثير أحط الغرائز، وهي أسلحة أشد خطورة من الجيوش الجرارة والجنود الزاحفة بأسلحتها الفتاكة............... وهذا فهم خاطئ لأن الإعلام قوة خطيرة وطاقة كبرى وهو الوسيلة الأولى لمحاربة الإسلام والمسلمين في العصر الحاضر.
    ويجب علينا أن نبذل كل المحاولات الصادقة للإستفادة من وسائله وتحويلها أجهزة بناء للمجتمع الإسلامي، لا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا الغزو الفكري والثقافي الرهيب من وسائل الإعلام العصرية. فلا أقل من أن ندافع عن عقائدنا وشريعتنا وديننا بمثل ما يهاجموننا به.

الإعلام يتبع الحكومات:
    ولا يفوتني هنا أن أنبه إلى حقيقة يعرفها المجتمع وهي أن الإعلام أي إعلام يتبع سياسة الحكومة في البلد الذي يعمل فيه فإذا أردنا أقصر طريق لإقامة إعلام إسلامي في كل بلد إسلامي فما علينا إلا أن نعمل على أن تكون الحكومات في البلاد الإسلامية، حكومات مسلمة تحكم بما أنزل الله. وتفهم أن واجبها في الداخل هو تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء، وهيمنة الإسلام وتعاليمه على كل ناحية من نواحي الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية. أما واجبها في الخارج فهو تبليغ رسالة الإسلام للعالمين ناصعة جلية مبرأة مما علق بها من شوائب وما دس فيها من إسرائيليات.
الفضل ما شهدت به الأعداء:
    لقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن طريق الكلمة وحدها أن يغير مجتمعنا من أغلال الوثنية وظلام الجهل إلى نور التوحيد والهدى والحق.
ويكفي ما قالته دائرة المعارف البريطانية عن رسول الإسلام، والفضل ما شهدت به الأعداء "لقد أنجز محمد في عشرين عاما من حياته ما عجزت عن إنجازه قرون من المصلحين اليهود والنصارى رغم السلطة الزمنية التي كانت تساعدهم وبالرغم مما كان أمام الرسول من تراث أجيال من الوثنية والجهل والخرافات والبغاء والربا والقمار وشرب الخمر واضطهاد الضعفاء وكثرة الحروب بين القبائل ومئات من الشرور والآثام".

القصص وسيلة إعلامية:
    لقد كان للقصص وما تزال دور مهم في الإعلام كما كان من أهم العوامل النفسية التي نهضت بمهمة الإعلام الإسلامي وقد لجأ إليه القرآن في الجدال والحوار مع مخالفيه وفي التبشير برضوان الله والتحذير من معصيته، وفي شرح مبادئ الدعوة الإسلامية وهدفها، وفي الدلالة على صدق النبوة. والقرآن الكريم قد حفل بقصص الأنبياء وما لقيه كل نبي منهم من أذى وابتلاء ومع ذلك صبر الأنبياء على ما أوذوا في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وكانت هذه الطريقة من أنجح الطرق في تبليغ رسالاتهم السماوية إلى الأمم والشعوب التي بعثوا إليها.
    وعلينا أن نستفيد من هذه الوسيلة (القصة) مكتوبة مقروءة أو مذاعة مسموعة، أو مرئية مشاهدة في التلفاز أو في السينما أو على المسرح. وأعيد ما سبق أن ذكرته من أنه لا بد من إعداد الإعلاميين المسلمين من مؤلفين وممثلين ومخرجين إلى آخر هذه الكوادر الفنية حتى نطهر الوسط الفني الموبوء ونرقى بمستواه إلى المستوى الذي يليق بالإعلام الإسلامي والدعوة الإسلامية.    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here