islamaumaroc

باسم وفود المؤتمر العالمي للإعلام الإسلامي بأندونيسيا

  دعوة الحق

208 العدد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    سيدي الرئيس:
   
    أيها الإخوة والأخوات:
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    كل مؤمن يعلم علم اليقين أن كل الحركات والأحداث على وجه الأرض تجري بحسب مشيئة الله النافذة المفعول، وحكمته السارية للمحافظة على الاعتدال والتوازن في الوجود لا من ناحية الشكل كمؤتمرنا هذا ولا من ناحية المكان كبلدنا هذا ولا من ناحية الزمان في عصرنا هذا وتوقيتنا هذا.
    يظن بعض الناس أن التاريخ مستقل الحركة تلقائي الأحداث يقود نفسه بنفسه بمعتزل عن قضاء الله وقدره، وما هذا الحكم إلا نتيجة لوقت الغفلة عند العقول الناقصة الرشد والقلوب التي عليها أقفالها بحسب تعبير القرآن الكريم.
    ولو نظرنا بقليل من الإمعان عن السر والمغزى الذي أراده الله سبحانه وتعالى في عقد مؤتمرنا في هذا البلد، لتجلى لنا أن ما يجري في هذا الأسبوع ما هو إلا لبنة إضافية تنضم إلى عقد الأحداث في حركة مقدرة هي انتقال الحضارة من مكان وهو الغرب إلى مكان آخر وهو الشرق مهد الرسالات.
    وإن اندونيسيا وشعبها الكريم تتميز بطيب النفس وسلامة الفطرة التي جعلتها تحتضن الإسلام وهو دعوة الحق بقلب رحب وسعادة نفس حتى سارت مضرب الأمثال لصورة إتباع الحق وطريق الهدى تلقائيا بدون إكراه ولا سفك الدماء نظرا لاستجابتها لله وللرسول بعدما دعاها الحق لما يحييها.
    وكانت نقطة الوصل بينهما وبين الرسالة الربانية متنوعة الشكل من أبرز مظاهرها في المعاملات الاقتصادية والاتصالات العلمية بينهما وبين الوافدين عليها.
    ثم بعد ذلك جاءت محنة الاستعمار الهولاندي الذي تفرد بالاستكبار العنيف والقسوة الماكرة الضعيفة الصليبية وخنق التنفس الفكري والحركة داخل البلاد وخارجها فكان أسوء نوع من أنواع الاستعمار كما كنا ندرسه ونحن تلاميذ صغار.
    فكان لا بد من اليقظة والتضحية والصمود على غرار ما يسلكه المجاهدون في يومنا هذا فطالت حرب
التحرير ما يقرب من أربع سنوات أريقت فيها دماء الشهداء العزيزة عند الخالق سبحانه وتعالى ونتج عنها شعب يتميز بالعزة والشرف.
    ثم استمر وجه التاريخ العام في العالم بأسره في التغير بعدما استفحل طغيان المال والجاه واستغلال ثروات الأمم الصغيرة والضعيفة وخصوصا بعدما انتشر فسوق المترفين وعبادة العجل الذهبي وتعدي حدود الله بتشويه الإعلام وإشاعة الأكاذيب والافتراءات على الله وعلى الأنبياء من خلقه كالشعب الفلسطيني في أيامنا هذه وتحريف المعارف وقلب الحقائق رأسا على عقب حتى فسدت المعرفة وضاع العلم الإنساني الرباني الذي كان يثير السبيل إلى سعادة الدارين الدنيا والآخرة وأصبحنا نشاهد بأسف ومضض أن شموخ الحضارة الغربية أذنت بالتدهور فاندهشت الإنسانية لما صارت إليه الأشياء حتى أصبح أرقى الناس أشقاهم يعدون من شر الشعور بالشقاء وتكاثر الأزمات والحروب إلى طلب العلاج فيما هو أسوأ وهو الاختفاء في غيوم الملذات ونسيان النفس ووطأة الحياة بنسيان النفس في المسكرات والمخدرات والشهوات الوضعية وما يجري مجرى ذلك حسب الآية الكريمة "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا".
    كل ذلك ناتج عن تناقض في السلوك إذ تقدمت الآلات التكنولوجية وتأخرت النفوس البشرية، وامتلأت الجيوب والمصارف وباتت القلوب فارغة من نور الحق تائهة في ظلمات الوجود المنحرف.
    لقد تفاقم الأمر إلى حد أن بعض رجال السياسة والفكر، كما جاء في الحديث الأخير بين الجنرال ديجول والكاتب الفرنسي المشهور مالرو أخذوا يتساءلون عن إمكانية انهيار الحضارة الغربية التي أصبح أمرا لا يجادل فيه أحد أبدا، ولكن عن انتقال الحضارة في المستقبل إما إلى الصين أو إلى الأمة الإسلامية كما يرجحه كثير من المفكرين الغربيين.
    ومفتاح الرسالة الحضارية المقبلة هو في رفع هذا التناقض الذي يتخبط البشر في بحره اللجي حيث ضاع الأمن والطمأنينة بتكاثر الفتن والأزمات المتنوعة والحروب المتكررة والاختطافات المتوالية والاغتيالات المتفاحشة والإضرابات المنتشرة والاستبدادات المتعسفة والإنحلالات الجنسية واتساع رقعة الخوف بين المعسكرات الكبيرة والاعتداءات الجهوية والثورات المحلية كما هو مشهور في العالم الثالث مثل أمريكا الجنوبية.
    والشرط الأساسي في تحمل الرسالة المتحددة على رأس كل مائة سنة بحسب تعبير الحديث الشريف هو قيام رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه لأداء الأمانة وتبليغ دعوة الحق علما وعملا تجمع شمل شتات مقومات الإنسان الأربعة في وقت واحد وهو الجسم في مجال الاقتصاد والنفس في مجال السلوك، والعقل في مجال التفكير، والروح في مجال الروح التي هي نفحة ربانية في ذات الإنسان.
    والأمة الإسلامية، كما هو الحال في هذه الديار الاندونيسية الكريمة، لا ينتظر منها تلبية الحاجيات المعيشية، فالصناعة في ازدهار ولو أن النفوس في دمار، والزراعة الأمريكية والكندية ترتبك في الفائض منها لا في النقص والقلة، ولكن الرسالة الإسلامية سترجع النفوس الضائعة إلى ذويها والقلوب الحائرة إلى طمأنينتها والأرواح إلى حياتها المشرقة، فينضم شمل الإنسان برجوع الناس وخصوصا أهل الكتاب إلى كلمة سواء بيننا وبينهم.
    لذلك كان هذا المؤتمر في هذا التوقيت وهذه البلاد الكريمة ذا مغزى لتقوم اندونيسيا ضمن الأمة الإسلامية، برسالة ينتظرها المستقبل القريب والمستقبل البعيد لأمرين واضحين الأول وهو أن المعنويات باقية والماديات فانية والإسلام يجمع بين الوقت والخلود ولا يمكن أن نتصور رسالة أخرى يتقبلها البشر بصدر رحب إلا الإسلام الحنيف لأنه مبني على الحب أي على العلم الرباني الذي هو على صراط مستقيم.
    والناس لا ترجع الطمأنينة والأمن إلى أنفاسهم إلا إذا عاشوا في الدنيا الفانية ضمن دائرة أنوار باقية.
    والشرط الثاني أيمان أصحاب الرسالة، برسالتهم التي تحضهم على الطهارة النفسية في الوسائل والغايات على السواء. فإذا كانت الدعوة للعدل والنور والعلم والرفاهية وسعادة الدارين فلا بد لوسائل الدعوة ومنها الإعلام الإسلامي أن يرتقي إلى المستوى الرفيع الذي يليق بعلو شأن الدعوة.
    فلا يبحث إلا عن الحق ولا يناضل إلا من أجله، ولا يقول إلا الحق ولا يحرف الكلم عن مواضعه مثلما يفعل المغضوب عليهم، ولا يسعى إلا لسعادة البشرية كلها في الوقت الذي يسعى لجلب المصلحة – وتكون مقومات الحياة من مال وإعلام وأدب وفنون وترفيه تلفزيوني وتسلية قائمة على الحق والعلم والذوق السليم في الكتاب والمجلة والصحيفة والمدرسة والبيت والمدينة لإصلاح النفوس وترقيتها وتعليمها لا لإفسادها وانحطاطها وتخضيعها لإهداء المستغلين ومصالحهم.
    إن الخاص والعام اليوم يعلم أن البشرية تنقسم إلى قسمين: قسم متخلف ماديا ومعنويا فلا هو بخير الدنيا ولا هو بجزاء الآخرة وقسم متقدم ماديا ولكنه من الناحية المعنوية يعيش معيشة ضنكا متمزق النفس حائر القلب فارغ الضمير من نور اليقين في الوجود إلى حد أنه أصبح أرقى الناس أشقاهم كما يحكى عن الدول الاسكندنافية التي تعيش في الرفاهية والعدالة الاجتماعية والهم والغم والفجور والانحلال النفسي.
    وما الحل إلا في العقيدة الجامعة بين السماء "حاربت المسيحية الإسلام لا لشيء إلا أنه لا ينكر الحياة، حاربوا تلك المدنية العريقة وكان أولى أن يسجدوا لها".
    وإذا ما قامت الدعوة والإعلام الإسلامي بالإخلاص اللازم لوجه الله تعالى، فإن الأمة الإسلامية ستلعب الدور المنتظر منها، انطلاقا من هذا الجيل الذي ننتسب إليه.
    فدور الإعلام الإسلامي قائم على الصدق والصواب والإخلاص للخالق والمخلوق في نفس الوقت.
    ولنا أمل وثيق أن تنهض الأمة الإسلامية للمساهمة في إسعاد البشر في القارات الخمس ولا مستقبل لكل دولة إسلامية في هذه القارات الخمس إلا مستقبل نشر النور وتبديد الكلمات شأن الذين يقولون ربنا الله ثم استقاموا.
    وهذا الموقف هو موقف الجهاد في سبيل الله بمعناه الإسلامي الطاهر وهو بذل الجهود بالنفس والنفيس والعلم والمال والصدق والرحمة وتفضيل السلم على الحرب خلافا للكلمة الجديدة وهي الثورة التي تقوم على الحديد والنار والبطش والعدوان والله لا يحب المعتدين كما نشاهده عند المذاهب الاستبدادية المعاصرة بل بعكس أن نتقدم بالقول أن جميع تعاليم الإسلام وهديه وعلمه وسلوكه في كلمة واحدة وهي الجهاد في سبيل الحق لا تأخذ المؤمن فيه لومة لائم ابتداء من الدفاع عن سعادة البشرية العاجلة والحياة الآجلة إلى الدفاع عن سعادة البشرية كاملة بدون أدنى استثناء.
    ولهذا عقد هذا المؤتمر ودار البحث والله الموفق وإليه ننيب.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here