islamaumaroc

الإسلام أمام تحديات الفكر المعاصر.

  دعوة الحق

208 العدد

 أحب قبل كل شيء أن أقول أن الإعلام الإسلامي يجب أن يكون إعلاميا دينيا بعامة، وإسلاميا بخاصة، أي أن مهمته غير قاصرة على تبيان محاسن الدين الإسلامي، وإنما تشكل أيضا تقرير العقيدة في النفوس، والرد على الملاحدة؟ وفي هذا المجال يمكن للإعلام الإسلامي أن يسير في طريق موازية لوسائل الإعلام عند الديانات الأخرى، وإن لم نقل في نفس الطريق، وأنا لست من التزمت بحيث أستبعد كل جهد لتبادل الأفكار بين مختلف وسائل الإعلام الدينية التماسا للدفاع عن العقيدة، دفاعا نيرا مقنعا يقبله المثقفون وغير المثقفين في كل بلاد العالم.
    إن الأديان كلها تقف اليوم في جانب واحد أمام تحديات المادية الملحدة، والذين يتحدون الإسلام لا يتحدونه في كثرتهم وحده، وإنما يتحدون كل من يؤمن بالله والآخرة والثواب والعقاب والكتب المنزلة والرسل.. الخ. وحين يقول زعماء الماركسية أن الدين أفيون الشعوب، فهم إنما يلقون كلمتهم الفاجرة في وجود الديانات كلها، ومن هنا نفهم سر اللقاءات  بين علماء الديانات، لأنهم يقفون الآن كما يقول تعبير حربي في خندق واحد ضد عدو واحد.
    وإني لأستأذنكم قبل الدخول في صلب موضوعي أن أقدم بين يديه توطئة عامة. ألخص فيها أولا أمثلة مما يجب على الإعلام الإسلامي الاستكثار منه، لتقرير العقيدة في النفوس، وألخص ثانيا موقف الإسلام من الحضارة الغربية، هل هو التقليد، أم التنكر، أم الانتخاب؟ وأعرض ثالثا لموقف الإسلام من تحديات المنحرفين عنه.

- الأمثلة:
هذه الأمثلة أستعيرها من زعيم مؤمن، وعالم غير مؤمن، وواقعة لملحد غيرت مجرى حياته.
جورج واشنطن:
    الزعيم المؤمن هو جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية الذي جاهد وحرر بلاده من الاستعمار، وقد استشهد (في مؤتمر الثقافة الإسلامية
والحياة المعاصرة) المنعقد في جامعة برنستون عام 1953م بجملة من خطابه الوداعي أحب أن أنقلها إليكم بكاملها. قال:
    (إذا نظرنا في الميول والعادات التي تقود إلى النجاح السياسي، وجدنا الدين والأخلاق أكبرها شأنا، وأشدها لزوما، لذلك النجاح، وأنه لا يستحق أن يوصف بوصف الوطنية من يحاول أن يهدم هذه القمة العظيمة للسعادة الإنسانية، هذه الدعائم التي تسند سلطان الواجبات بين الناس والمواطنين، فالسياسي والرجل الصالح كلاهما ينبغي أن يحترم هذه الدعائم ويحافظ عليها، ولن يكفي مجلد يؤلف في بيان علاقات هذه الدعائم بالصالح الخاص والعام، ولكن لنسأل في كل بساطة أين يوجد الضمان للناس في ملكهم وسيرتهم وحياتهم إذا اختفى روح الوازع الديني من الإيمان، التي هي أدوات البحث في محاكم العدالة؟ وهبنا سمحنا لأنفسنا أن نفترض أنه يمكن المحافظة على الأخلاق من غير دين، فمهما يكن تأثير التربية التثقيفية على بعض العقول، فإن المنطق والتجربة يمنعاننا أن ننتظر أن يسود سلطان الأخلاق القومية بدون المبادئ الدينية).
    ذلك أن قول واشنطن الزعيم الذي حرر منه من الاستعمار، وألف من أجزائها المتناثرة دولة قوية. ووضع لها دستورا أعلنت في مقدمته حقوق الإنسان.
    لقد زعم بعضهم أن القوانين الوضعية تكفي في تكوين المواطن الصالح ولا حاجة إلى الدين، فكان جواب واشنطن مفحما.
    وكان الدكتور مصطفى الزرقا يعقب على قول واشنطن، حين قال أن هناك ألف طريقة لتفسير النصوص القانونية، على افتراض أنها أخلاقية والاحتيال عليها والتخلص من تطبيقها، والوازع الديني الأخلاقي هو الذي يمنع صاحبه من تطبيق القانون على صورة تؤذي غيره، وإذا غاب الوازع الديني فلن يستطيع أحد أن يحول بين الناس وبين ارتكاب المحرمات سرا إن لم نقل علنا.
رأي هكسلى:
    القول الثاني لالدوس هكسلى العالم المعروف الذي شغل أمانة السر لمنظمة الاونيسكو، فهو لم يكن مؤمنا بدين، ولكنه حين سئل أليس من رأيك أن تكافح المؤمنين وهل ترى أن الديانات خير أم شر؟ فأجاب: من أكبر الخطأ أن نطلب من الناس التجرد من عقيدتهم، فالدين مدرسة للأخلاق، وعصمة من الشر، وسلوى للنفس، ولا أرى مكافحة أية عقيدة، اللهم إلا العقائد التي تخرب معادة البشر، وتفسد عقولهم، وتدمر حياتهم، كتلك التي تدعو إلى إحراق امرأة لوفاة زوجها، أو تمنع الإنسان من الاستمتاع بالحياة منعا باتا، أو الإسهام في الجهد البشري لتوفير أسباب المعيشة.
    وهكذا نجد الملحد المثقف الذي ارتضى لنفسه الإلحاد، يعترف بقيمة الديانات، ويدعو معتنقيها إلى التمسك بأهدابها.
اعتراف ملحد:
    الواقعة الأخيرة التي أريد أن أحدثكم عنها، لم أقرأها في كتاب، ولكنني سمعتها من فم صديق في تركيا، وهي تجربة وأمثولة وعبرة لمن يعتبر.
    عاد إلى استانبول شاب كان يدرس الطب في أوربا، عاد ملحدا وكارها للدين، وتزوج وولد له طفل. كانت زوجته سيدة جميلة وذكية، ومرهفة الشعور، ومؤمنة، فاجتهد ما استطاع في نزع العقيدة من نفسها، فلم يفلح، ثم مرضت زوجته، فكانت سلواها في مرضها أنها إذا ماتت ستبعث، ويكون مقامها في الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين ولكن زوجها ضيق عليها الخناق، وكان يقول لها إن كل هذا الذي تؤمن به وهم وضلال، وأن جسمها ستأكله الحشرات بعد أن يتشوه ويفسد، وأنها لن تبعث أبدا، فلتنزع من عقلها صورة الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، وينعم فيها الإنسان بنعيم خالد لا يزول.
    وما زال بها زوجها يعرض عليها صورا كئيبة لما يحدث لجنة الميت، حتى أفزعها، وزاد في مرضها، ففاضت روحها وهي تتلوى من الألم والخوف.
    وأما الطفل الذي آلمه موت أمه، فقد وجد العزاء بأنها انتقلت أو ستنتقل إلى الجنة التي لا يشبه جمالها شيء في الأرض، وأنه هو سيلتقي بها ذات يوم في حديقة وارفة الظلال، تجري فيها الأنهار، وتتفتح الأزهار، وتعود الأطيار.
    ولكن الأب كان له بالمرصاد أيضا، فما زال به يحدثه حديث الملاحدة، حتى أنهك نفسه وجسمه وأمرضه، وانتهى الأمر بالطفل الذي أحب أمه حبا مفرطا إلى البأس من لقائها، واعتقد أنها حقا أصبحت جثة تأكلها الحشرات ولن تبعث، فلم يعرف النوم سبيلا إليه، واشتد عليه المرض ومات.
    أما الأب الملحد فقد تفتحت عيناه أخيرا على حماقته، وعرف أنه قتل زوجته وابنه، وتساءل ماذا أفدت من دعوتي إلى الإلحاد لقد سلبت منهما السعادة والسلوى والأمل وقتلتهما (قتلت أحب الناس إلي زوجتي وولدي).
    أنشأ في المقبرة الكبيرة في استانبول عينا جارية وكتب عليها (أيها الأخ المسلم، هذه العين أنشأها رجل كان ملحدا، ثم تاب وعاد إلى الصواب، وآمن بالله، ولكنه قبل ذلك قتل بإلحاده زوجته وابنه، وحرمهما السعادة، فليدع له كل من يشرب من هذه العين، لعل الله سبحانه يخفف من عقوبته، إن جرمه كبير وفوق التصور، وهو لا يطمع في غفران شامل ولا يستحقه مهما يفعل من خير. أيها الأخ المسلم تمسك بدينك وقم بما يفرضه عليك، فسعادتك مرهونة بإيمانك، وابتعد عن الملحدين، فإنهم يفرحون قليلا، ويشقون طويلا، ويعيشون من دون أمل).
    إن قصة هذا الطبيب التركي الملحد تذكرنا بقصة الفيلسوف الفرنسي (باسكال)، الذي كان يشك في صحة الدين، حتى إذا تعثر يوما في الطريق وسقط، وأصيب في جسده إصابة بالغة، وتراءى له الموت، عاد إليه الإيمان، وأصبح من الدعاة إلى الدين، المبشرين بفضائله.
    أفيجب أن يمر الإنسان بالتجارب القاسية ليدرك نعمة الإيمان، ولماذا لا يسلك طريق السلامة من أولها؟.

2 – الإسلام أمام الحضارة الغربية:
    كان توينبي المؤرخ المشهور يرى أن الغرب القوي المتحضر سيحمل الشرقيين على تقليده لأنهم يشعرون بعقدة النقص ويريدون أن يصبحوا متحضرين على غراره وهكذا سيأخذون عنه كل شيء الفضائل والرذائل وبذلك (يطغى عليهم طابعه وتتفكك ذاتيتهم الدينية).
    ولكن الأستاذ فون جروبناوم رد عليه قائلا:
    (إن التجارب تعلمنا خطأ هذه النظرية فاستمدد المسلمين من الحضارة الغربية والتكنولوجيا الغربية لم يقض على ذاتيتهم.
    إن بطء التغيير في موقف العالم الإسلامي يعطي ضمانا ضد الاطراح الطائش للخصائص الأساسية لمدنيته التي لا ينبغي أن تطرح هكذا بسهولة.
    وفي عبارة أخرى أن هذا البطء في تعديل الموقف يكون دفاعا داخليا قويا وسدا ملطفا لتأثير الأمواج الأجنبية التي سمح لها بالدخول في ميادين الأفكار والنظم أو هو حيلة من حيل العقل الباطن للاحتفاظ
بالذات الذي لا يصح نبذه قبل أن يجرى نوع من التوفيق المقنع بين القيم الجديدة والقيم القديمة)  .
    لقد حذرت فرياستارك الشرقيين من سحر الغرب وإغرائه فقالت في كتابها (شفاء في جزيرة العرب): أن أول خطوة في تعاسة الشرق تجيء من عدم رضا الشرقيين عن قيمهم فأمام ما يحيط بهم من بهرج حضارتنا الآلية سرعان ما تبدو الفضائل المعتصرة من قسوة حياتهم هزيلة لا نفع فيها ولا غناء وبذلك تفقد روحهم كرامتها في هذا العالم وإيمانها بالعالم الآخر) .
    ماذا يجب أن يكون موقفنا من الغرب؟ إنه موقف واضح وقد لخصه الدكتور البهي تلخيصا موفقا يغنيني عن اصطناع رأي لي خاص قال: (ما يساعد منها – يعني من أفكار الغرب وحضارته – على تكوين فرد حر ومجتمع إنساني فاضل وإيجاد مستوى رفيع للبشرية يشجعه الإسلام ويرحب به.
    وما يساعد على إيجاد الشرور والآثام ويخلق جوا من الاضطراب الفكري والضعف الروحي وزعزعة الإيمان بالله يحاربه أشد المحاربة).

3 – الانحرافات الداخلية:
    يقول المستشرق الأستاذ جب أن جماعة من النقاد الغربيين يتهمون الإسلام بأنه متحجر أو متخلف ويرد على ذلك بأن الإسلام حي محتفظ بحيويته يجتذب قلوب عشرات من الملايين وعقولهم وضمائرهم ويضع لهم مثلا يحيون في ضوئه حياة أمينة جادة عامرة بتقوى الله وإذا كان هناك شيء متحجر فليس هو الإسلام إنما هي الصيغ).
    والحق أن كلمة الصيغ التي استعملها الأستاذ جب لا ترضي والأفضل أن نضع مكانها التشويهات والانحرافات والبدع التي طغت على جماعات من المسلمين لجهلهم بحقيقة الإسلام فظنها النقاد الغربيون تمثل الدين الإسلامي وصبوا عليها اتهاماتهم الباطلة.
    يقول مثل ما أدري أول من قاله (يا إلهي أعني على أصدقائي وأما أعدائي فأنا أعرف كيف أحمي نفسي منهم).
    وبديهي أن الأصدقاء الذين يريد أن يحميه الله منهم هم الأصدقاء المزيفون وهذا حال الفرق التي تدعي أنها من الإسلام وتنسب إلى أشخاص نوعا من الألوهية وتنظم لأتباعها طقوسا وثنية أو إباحية وتدخل في تعاليمها وممارساتها ألوانا من السحر والشعوذة فهذه الجماعات هي التي ينبغي للدعوة الإسلامية الصافية الصحيحة أن تعيدها إلى الطريق القويم.
    إن الإعلام الإسلامي مدعو إلى تنوير أفكار المسلمين المنحرفين مع تصديه للتحديات الآتية من الخارج.
    إن مظاهر التخلف التي ينسبها بعض النقاد الغربيين إلى الإسلام إنما وجدوها عند هؤلاء المنحرفين فظنوها من الإسلام ونحن لا نريد الاكتفاء بالقول أن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر بل يجب علينا أن نكافح حتى يتوحد المسلمون في إسلام واحد إن شاء الله
  والآن أعرض لشيء مما يظنه الغربيون مخالفا للإسلام أو غير مقبول عند المسلمين من متطلبات الحياة العصرية في مجالات الصناعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع وهو ما يعبر عنه بتحديات الفكر المعاصر وهو بحث طويل وحسبي أن ألم ببعض نواحيه.
    إن أبرز ما يأخذونه على الإسلام تحريمه الربا وتشجيعه الرأسمالية وحجره على المرأة وتحريمه الفنون الجميلة والعلوم الطبيعية التجريبية كالطب والهندسة وهم يقولون أن البلاد الإسلامية ستبقى متخلفة لأنها أغلقت باب الاجتهاد وأثرت التقليد والجمود ولنبدأ بالشطر الأخير.
    لقد وقف مؤرخ عربي هو الدكتور قسطنطين زريق في مؤتمر برنستون وقال هذه الكلمات الهائلة:
    (عندما أصبح الإسلام مجموعة من المعتقدات تؤخذ بالتسليم ونظاما من القوانين والأخلاق يطبق تطبيقا أعمى ضيقا أصابه ما أصاب الديانات الأخرى في مثل هذه الأحوال).
    لا شك عندي في نزاهة الدكتور زريق وصدق وطنيته ولكن الأمر أهون مما يتصور ولقد أخطأ الدكتور زريق بتعميمه ونحن مدعوون في الحقيقة إلى الإجابة عن سؤال لا بد من طرحه وهو:
    ما هو موقف الإسلام من تطورات الحياة وكيف يعالجها؟
    وهنا موضع الكلام عن الفكرة السلفية.
    يظن بعضهم أن موقف السلفية التي تدعو للرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح هو نوع من النكوص والتهرب من مواجهة مطالب الحياة العصرية المعقدة وطلب للبساطة بتقليد السابقين تقليدا لا يحتاج إلى ذكاء ومعرفة وجهد.
    والحقيقة هي أن السلفية المستنيرة تجتهد وتجدد ولا تتحجر ولا تقلد. هذا ابن تيمية وكل الذين ساروا على نهجه لقد ثاروا على التقليد وكانت دعوتهم إلى التحرر والتطور وقد أدركوا أن البدع والتشويهات التي تراكمت خلال العصور التي أعقبت الخلافة الراشدة هي التي يجب علينا أن نطرحها من حياتنا لنصل ما انقطع من التطور الصحيح لتاريخنا وليمضي الإسلام في سيرته الآمنة المطمئنة لأنهم لم ينكروا التطور ولكنهم أنكروا التدهور.
    ولقد أحسن الدكتور محمد البهي حين قال إن ابن تيمية وابن القيم كانت لهما طريقة قائمة على (الانتخاب) والنقد وأنهما استخدما (النقد العقلي في تقويم الأفكار الإسلامية حول أصول الإسلام وسواء منها ما يتصل بالجماعة وتوجيهها، وما يتصل بذات الخالق وصلته بالمخلوقين ويعتبر الطريق الذي سلكاه تمهيدا للحركات الإسلامية العقلية التي جدت فيما بعد أو تعتبر هذه الحركات الإسلامية المعاصرة تطورا للعمل الذي قاما به) وهو يشير طبعا إلى الحركة الإصلاحية التي قام بها الداعية الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم غيره من السلفيين الذين جاءوا من بعده.
    وبعد فليست البراعة أن نكرر ما صنعه أسلافنا بتقليد أعمى ولكن البراعة أن نتحلى بمثل أخلاقهم وفضائلهم وبمثل إيمانهم وعزائمهم ونعي عبقرية ديننا وعظمته كما وعوها فنجتهد كما اجتهدوا في كل أمر لم يرد فيه نص أو حديث أو إجماع سابق مقبول وسيتبين لنا عندئذ أن الشبهات التي يظنها نقاد الإسلام وأعداؤه حواجز دون تقدمه ومواكبته لسير الحضارة إنما هي حوافز إلى التماس حلول للمشكلات ومناهج للحياة أفضل من حلولهم ومناهجهم ضمن دائرة الإسلام وتعاليمه. وقديما قال الشاعر:
لسنـا وإن أحسابنـا كرمـت
             يومـا على الآبـاء تتكـل
نبنـي كمـا كانـت أوائلنـا
             نبنـي، ونفعل مثلما فعلـوا

في المجال الاقتصادي:
    يقول بعض النقاد الغربيين أن الإسلام لا يستطيع التمسك بتعاليمه في المجال الاقتصادي، فالتمسك بالإسلام معناه الجمود والتخلف في مضمار الاقتصاد العالمي، لأن هذا الاقتصاد يقوم على الشركات المساهمة والتأمين والمصارف، ونحو ذلك، والإسلام لا يدع مجالا لنمو هذه المؤسسات.
    والجواب أن المملكة العربية السعودية، وهي موطن الإسلام ومعقله، فيها شركات مساهمة وتأمين ومصارف!
    ولكنهم يقولون أن المقصود بالمصارف: البنوك التي تقدم القروض إلى الأفراد والشركات لينشئوا مصانع وأبنية ومزارع، وليقوموا ببحوث واكتشافات واختراعات، وهذه القروض إنما تعطى لقاء فائدة، والإسلام يحرم الفائدة، وبذلك يحرم المسلمين من وسيلة عظيمة تمد الأفراد والجماعات بالمال الضروري للمشاريع النافعة.

    فما هو موقف الإسلام من هذا التحدي؟
    هناك مجتهدون يقولون إن الفائدة غير محرمة لأنها تختلف عن (الربا، المحرم) فالفائدة مهما يبلغ حجمها لا تصل إلى خمس رأس المال، والربا هو مثل رأس المال أو أكثر.. ثم إن المال، في القديم، كان يقدم المرابي القوي إلى المدين الضعيف، وأما اليوم فإننا نجد الفرد الضعيف يقدم مبلغا من المال ادخره إلى أصحاب المصارف الأقوياء، ليأخذ منهم فائدة يسيرة عن ماله المسلم إليهم، وهكذا انقلب الوضع، فالضعيف هو الذي يأخذ من القوي، بينما كان القوي هو الذي يأخذ من الضعيف، في عهد الربا القديم.
    وخلاصة القول – عند هؤلاء المجتهدين – أن الفائدة القليلة، وفي حالتها الراهنة، ليست الربا المحرم شرعا، وقد أخذت بهذا الرأي تشريعات بعض الدول الإسلامية، ووضعت للفائدة حدودا لا يجوز تجاوزها(1).
    ولكننا نرى ضرورة الأخذ بهذا الاجتهاد للتغلب على ما يسميه بعض الاقتصاديين في الغرب عقبة يضعها الإسلام في طريق التقدم الاقتصادي.
    ذلك أن الفائدة قد تبدو عنصرا أساسيا في أسلوب الحياة الاقتصادية عند الغربيين، ولكن الإسلام له أسلوب آخر في تنظيم المجتمع يقوم على الأخوة والتعاون والتواد والرحمة، وبفضل هذا التنظيم للمجتمع الإسلامي يمكن التماس حلول سليمة لاحتياجات الأفراد والجماعات الذين لا يملكون المال الكافي للقيام بالمشاريع النافعة.
    إن إنشاء المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية التي تمد الأفراد بالمال للنهوض بالمشاريع النافعة كان ردا عمليا باهرا على الذين انتقدوا الإسلام لأنه حرم الربا، فالدولة الإسلامية تقوم هي، مباشرة، بإقراض الأموال، للقيام بالمشاريع التي يثبت لها نفعها، وهكذا تفعل مؤسساتها التي أنشئت لأغراض خيرية.
    أما الأفراد الذين يريدون استثمار أموالهم، فمن الأفضل لهم وللمجتمع أن يوظفوها في الأعمال والمشاريع، التي تجعلهم عنصرا عاملا في المجتمع من أن يعيشوا على فوائد لمالهم يؤديها إليهم رجال ربما أنفقوا تلك الأموال في وجوه الضلال أو نزلت بهم خسائر في أعمالهم فعاش المرابون على خرابهم وشقائهم، وهو موقف غير أخلاقي،  ثم إن الأفراد الذين يريدون استثمار أموالهم ولا يملكون متجرا ولا مصنعا ولا مزرعة لاستغلال مالهم فيهم، يستطيعون أن يسهموا مع غيرهم بتوظيف أموالهم في مؤسسات مالية خاصة، وذلك باقتناء السهم فيها.
    إن طرق الحلال ممهدة أمام المسلم، فلماذا يسلك الطرق المشبوهة؟
في مجالات الاجتماع والثقافة:
في مجال الاجتماع والسياسة تبرز لنا تحديات ثلاثة:
- الرأسمالية.
- المرأة.
- العلوم والفنون.

الرأسمالية:
    يتهم بعضهم، وأكثرهم من الشيوعيين والاشتراكيين، الإسلام بأنه يقف في صف الرأسماليين ويحميهم، وهم يرون أن هؤلاء الأثرياء يكنزون الأموال ويملكون ما ليس يبلغه الحصر من العقارات والمجوهرات والأسهم والمصانع والمتاجر والمزارع والنقد، بينما نجد إلى جانبهم أعدادا هائلة من الفقراء والمعدمين.. وهذا شيء لا يرضى عنه أصحاب الضمائر والشعور المرهف.
    فما هو موقف الإسلام من هذا التحدي؟
    الإسلام يدعو إلى العدالة الاجتماعية، وقد ألفت في هذا الموضوع كتب جليلة وحسبنا أن نقول إن الثروات الضخمة إما أن يكون مصدرها حراما فلولي الأمر أن يصادرها ويعاقب أصحابها إن كانوا محتالين، أو مقامرين أو مزورين أو راشين أو مرتشين.. وإما أن يكون مصدرها استغلالا لنفوذ مركز رسمي، وهذا أيضا يعطي ولي الأمر سلطانا عليها، وقد أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه شطرا مما كسبه بعض عماله! ثم إن الزكاة إذا أحسن تقديرها وأحسنت جبايتها تعد وسيلة مجدية حقا في مكافحة الفقر من الثراء الفاحش.
    هذا إلى أن ولي الأمر، الممثل للأمة الإسلامية، قادر على أن يفرض على الأثرياء ما يراه ضروريا لتحقيق المصالح العامة، إضافة إلى الزكاة، فليست الزكاة هي كل شيء، يؤخذ من الأفراد، ولكنها الحد الأدنى، الذي لا بد منه.
    إن الافتراض بأن الإسلام يحمي أولئك الذين يكنزون الأموال، افتراض غير صحيح، فحق الملك شيء وإساءة استعماله شيء آخر، ولقد ندد القرآن صراحة بالذين يكنزون الأموال، ويبعدونها عن ساحة الخير!
    إن الإسلام أخلاق، وإذا لم يكن الإسلام شيوعيا ولا اشتراكيا، فليس معنى ذلك أنه رأسمالي، لأن للإسلام ذاتيته وشخصيته المتميزة، ولا يمكن أن تنسب إلى الإسلام (الذي يدعو إلى الأخوة والتواد) ممارسات ليست من جوهره ومن مبادئه!

المرأة:
    ينتقد بعضهم الإسلام لأنه رفض مساواتها بالرجل مساواة مطلقة، بل يذهب بعضهم إلى حد الزعم بأن الإسلام حرم تعليم المرأة..
    وموضوع المرأة يحتاج إلى بحث طويل، وقد عالجه كثيرون بما يغني عن تكرار الكلام، فأكتفي بالقول إن الإسلام حرر المرأة ونهض بمنزلتها، في زمان كانت فيه شعوب كثيرة لا تقر لها بشخصية قانونية، وربما أنكرت عليها حتى النفس والروح.
    نعم جاء على المسلمين وقت نشر فيه الجهل عليهم جناحه الأسود، فعاشوا في شبه ظلمة، وكان نصيب المرأة من هذه الظلمة غير قليل، ولكن انتشار الثقافة في المجتمعات الإسلامية أعاد إلى المرأة حقها وفتح لها أبواب التعليم مشرعة، وربما سبقها الرجل ولكنها لحقت به.
    صحيح أن هناك طائفة من الناس تكافح تعليم المرأة، ولكن هؤلاء الأفراد يوجد مثلهم في كل شعب وفي كل دين، ولا يجوز أن يتهم الدين بسبب نفر من أصحاب المتزمتين بما هو براء منه!
    لقد أفرد محمد صلى الله عليه وسلم مجلسا للمرأة. وكانت لزوجاته الفضيلات أمهات المؤمنين، وفي الطليعة عائشة رضي الله عنهن جميعا، فتاوى يهتدى بها وأحاديث مروية، فكيف يقال أن العلم حرم على المرأة. أما ما يروى عن بعض الصحابة والمسلمين من أقوال في هذا الشأن فكله، في اعتقادنا، موضوع، لأنه لا يعقل أن يصدر عنهم قول أو فعل يخالف السنة.
    إن وضع المرأة في المجتمع مرهون بأخلاقه وتقاليده، وليس قضية دين فقط!
    في المجتمعات الغربية، أو في كثير منها، جماعات يدعون إلى العراء الكامل، ولدعاة العرى أندية وحدائق و أماكن يرتادونها، فهل ينبغي لنا أن نكون مثلهم؟ وهل هذا شيء تبيحه ديانتهم المسيحية حتى يطلب منا أن نبيحه نحن؟
    وفي بعض مجتمعات الغرب، جماعات تدعو جهازا إلى صلات فاجرة بين الجنس الواحد، ولهم ممثلون في الحكومة وفي البرلمان، فهل يطلب منا أن نكون مثلهم؟
    إن التحلل من كل ضابط ومن كل قيد شيء، والرقي شيء آخر! والمجتمع الإسلامي. السليم يكرم الحرية، ولكن في نطاق الدين والأخلاق، لا في نطاق التفات و الإباحة، وهو يلزم الرجل والمرأة على السواء بضوابط أخلاقية صونا لكرامة المرأة وخوفا على الرجل وعليها من الفتنة،  فالحرية المقبولة يجب أن ترافقها الحشمة، وتغيب عنها أسباب الوقوع في المعاصي!
    وقد يكون بين الغربيين من يسهل عليه أن يرى زوجته أو بنته تداعب أجنبيا ولكن الشرقي لا يحتمل ذلك، ولو كان وثنيا، فمزاج الشرقي غير مزاج الغربي!
    فليصنعوا مجتمعهم على طريقتهم، وليدعوا مجتمعنا على طريقته.
    أدركت أمريكا أخطار الكحول والمخدرات، فحرمتها، ولكن المهربين قاوموا الحكومة وهزموها، فعادت أمريكا إلى إباحة الكحول وحظرت رسميا بعض المخدرات.
    إن انتشار المشروبات الكحولية في الغرب، التي قاد كثيرا من شاربيها إلى المرض والضياع والموت، دعا المؤرخ توينبى إلى القول بأنه أصبح يتمنى انتشار الإسلام في الغرب، ليقضي على تلك العادة السيئة!
    ولو أن توينبى كان له شيء من مزاج الشرقي وغيرته لأضاف إلى أسباب هذا التمني: حماية كرامة المرأة!
    نحن لسنا من دعاة الحجر على المرأة أو الانتقاص من حقوقها، معاذ الله، بل نحن نكره ذلك ونكافحه، ولكننا نريد المبالغة في تكريم المرأة، فلا ندفع بها إلى مواطن يخشى عليها من أن تمتهن فيها كرامتها.

الفنون الجميلة والعلوم:
    يقولون إن الإسلام حرم العلوم الطبيعية والفنون الجميلة، كالرسم والنحت والموسيقى، وبذلك حرم أتباعه من  قيم حضارية كبيرة، والرد فيما يتصل بالموسيقى والغناء لا يحتاج إلى جهد، فالموسيقى لم تنقطع في المجتمعات الإسلامية، وأما الرسم والنحت، فكان المنع منهما قاصرا على تصوير الأجسام الحية، خوفا من أن تعيد إلى الأذهان شيئا من الوثنية. فالمنع هو من باب ما يسمونه "سد الذرائع".
    وفي الوقت الحاضر لا نرى دولة إسلامية تحرم الرسم، وحتى أشد الناس تعصبا، فيما نعلم، قدروا حاجة الناس إلى وضع صورهم على أوراق الهوية والجوازات والشهادات ونحو ذلك، ثم أدركوا بعد ذلك علة المنع وأن أحدا الآن لا يتعبد للصور..
    وأما في مجال العلم، فقد أثبت المسلمون أنهم كانوا حملة مشاعله وعنهم أخذ الغربيون علومهم، فكان المسلمون، وفي مقدمتهم، المسلمون في الأندلس أساتذة الغرب، وكتب المسلمين بقيت تدرس في الغرب إلى عهد قريب، ومن يزور مكتبة القديس جنفياف في باريس يقرأ أسماء علماء كثير من العرب منقوشة على جدرانها بأحرف كبيرة لأن مؤلفاتهم هي المؤلفات التي كان يقبل عليها القراء أكثر من غيرها!
    تقدم الغرب بعلومنا، وتأخرنا بما فرضت علينا مؤامراته وحروبه من الهزائم والخسائر، ولكننا عدنا بحول الله لمتابعة المسيرة!
    إن المملكة العربية السعودية، التي تعد من أشد البلاد تمسكا بالإسلام، تعطينا الرد الحاسم العملي على من يظن أن الإسلام يرفض العلم، أو بعض أنواع العلم، كالطب وغيره.
    إن موقف الإسلام من العلم خير من موقف أي دين آخر، لأن الإسلام، كما يقول أوغست كونت، مؤسس الفلسفة الإيجابية والداعية إلى الإنسانية، هو أقرب الديانات إلى الأسلوب العقلاني وأبعدها عن الأساطير والخزعبلات والتعقيدات والمظاهر الكهنوتية، ولذلك حدد لأنصاره يوما في الشهر على الأقل يطالعون فيه آيات من القرآن.
    لقد ظهرت في الغرب كتب كثيرة تجمع أقوال مشاهير علماء الطب والطبيعة والهندسة والفلسفة وغير ذلك، الذين كان يظن بهم الابتعاد عن الدين وما وراء الطبيعة، لأنهم يتعاملون – إن صح هذا التعبير – مع "التجارب" والظواهر المادية ولا يكترثون للغيبيات التي لا تلمس باليد أو تدرك بالعين، فإذا هم متدينون مثل غيرهم وأكثر، لأن ما يرونه ويلمسونه ويدعوهم إلى التفكير في خالق تلك الأشياء، وأرى في مطالعة مثل هذه الكتب خيرا كثيرا، ومهما يكن الأمر، فلنتذكر كلمة الدكتور بروز في مؤتمر برنستون، قال:
    (من الواضح أن هناك حربا باردة بين العلم الطبيعي والدين.. صح إن هناك كثيرا من العلماء الذين لا يأبهون بالدين بل ربما عادوه، وكثيرا من أنصار الدين الذين يخافون العلم الحديث ويبرؤون منه..
    هذا النزاع لا يمكن حله بأن نختار بين العلم والدين، فنقبل هذا ونرفض الآخر.
    إن العلم والدين هنا ليبقيا، ويجب أن يتعلما كيف يعيشان معا).
    وأختم كلمتي بأن الحضارة الإسلامية أعطت في تاريخها المثال القوي على تعايش الدين والعلم، وبقائهما معا.
    ونحن نتابع المسيرة، لأن العلم قوة، والمسلم القوي خير من المسلم الضعيف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here