islamaumaroc

القرن الخامس عشر الهجري

  دعوة الحق

208 العدد

** يبدأ المسلمون قرنهم الخامس عشر وهم ما يكونون عن التمثل السليم لمبادئ دينهم وتعاليم رسالتهم ومقتضيات شريعتهم. ويستهلون السنة الأولى من القرن الهجري الجديد وهم في شقاقهم يعمهون، وفي شتاتهم يتيهون، وفي نزاعاتهم وخلافاتهم وحروبهم لا يكادون ينتهون من حرب إلا ويدخلون في حرب جديدة يسفك فيها الدم الإسلامي هدرا، وتشل بها حركة الإقتصاد والإنتاج، وتضعف بموجبها قواهم وطاقاتهم وكياناتهم، لا يكادون يخرجون من أزمة وضائقة إلا ويقحمون أنفسهم في أتون صراع أشد حدة وأقوى ضراوة وأكثر تعقيدا، تسودهم الفتنة، وتسري بينهم العداوة والبغضاء، ويعمهم الإرتباك، ويشملهم الإضطراب، وتفشو في أوساطهم القلاقل التي تذهب بريحهم، وتحط من قدرهم بين الأمم والشعوب، حتى يمكن القول أن العالم الإسلامي عاد القهقرى قرنا من الزمن حينما كان المسلم القوي يتطاول على المسلم الضعيف ويتواطأ مع العدو للنيل من أخيه إن حربا و إغارة أو تآمرا وتخريبا، أو كيدا وطعنا، أو إذاية وإساءة، أو إسهاما في إلحاق الضرر بالبلد الشقيق طمعا في مكسب أو نزوعا إلى منصب أو خدمة لمصالح الطلائع الأولى من الإستعماريين الذين اتجهت أبصارهم إلى بلاد المسلمين مع أواخر القرن الثالث عشر الهجري في محاولات تمهيدية للإنقضاض على الشعوب الإسلامية في أوائل القرن الرابع عشر.
* إن حال المسلمين اليوم تنطلق بما يبعث على اليقين ويقطع بالخروج الجماعي عن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك كما في الحديث الشريف. فلا هم متمسكون بأهداب دينهم، ولا هم سائرون على منهج رسولهم، ولا هم آخذون بأوسط الأمور، وإنما أمرهم اليوم غريب ومثير للقلق وباعث على الإرتياب في قدرة الأمة على المواجهة والصمود في وجه مؤامرات المحو والإبادة والمحق والتصفية الحضارية. ولولا مشكاة من الأمل وبصيص من التفاؤل لأمكن الجزم أن شأن المسلمين لا يمت بصلة إلى ماضيهم الزاهر وحضارتهم التائدة وتاريخهم الحافل. ولكن المسلم، وهو في خضم المعمعة، وفي قلب الصراع الدامي، لا تعميه المساوئ والإنحرافات والأباطيل عن رؤية الحقائق بمنظار الشريعة والحكم على الواقع بمنطق أدين حتى يتسنى له الوصول إلى تقييم موضوعي لحصيلة الأخطاء وضبط متزن لمراحل المستقبل على ضوء معطيات اللحظة التاريخية الصاخبة.
** لقد كان القرن الرابع عشر الهجري حافلا بالهزات والتقلبات التي غيرت وجه العالم الإسلامي وخرجت به من طور إلى آخر. فمن جهة، شهدت بداية القرن حركات الجهاد والمقاومة المسلحة في معظم البلاد الإسلامية، وتصاعد المد التحرري في مجالات الفكر والعقيدة والشعور والممارسة والسلوك، وكان الجهاد المسلح مواكبا للدعوة السمقية التي انطلقت مع مطلع القرن، أو تبلورت وعم أثرها في بدايته لتحرر العقل الإسلامي من الخرافة والشعوذة والوهم والأسطورة، وتصلح عقائد المسلمين، وتقوم مناهجهم، وتضبط اتجاهاتهم، وتقوي صلاتهم بدينهم، وتغير نظرتهم إلى الدنيا من خلال تعميق رؤيتهم الدينية، ومن جهة أخرى عرفت السنوات الأولى من القرن الرابع عشر تحولات اجتماعية عميقة الأثر، لم يكن معظمها شاذا ومنحرفا ومغرما في التبعية والإرتباط بالغرب، ولكنها كانت، بحق، مؤشرات عميقة الدلالة على انتظام مسيرة الإسلام وقيام النهضة وبزوغ فجر اليقظة والإنبعاث. فازدهرت البلاد الإسلامية، ونشطت حرمة التأليف والنشر، وارتفعت الأصوات الداعية إلى الإصلاح والتجديد والتغيير، وعلت نداءات المقاومة الفكرية والصمود الثقافي، واستقامت المجتمعات، وسرى في الأمة شعور بالذات وإحساس بالوجود، فانتفض الأحرار، فمنهم من حمل السلاح فجاهد وقاوم واستبسل في جهاده ومقاومته، ومنهم من أمسك بالقلم فكتب وألف ونشر بعد ركود طال قرونا وخمول كداد يأتي على الجدوة ويخمدها إخمادا، ونتج عن ذلك كله نشاط حافل شمل ميادين الكفاح والنضال، ومجالات الإبتكار والخلق والإبداع، حتى انتهت الحال إلى صحوة مستنيرة كان نفعها شاملا وأثرها بليغا ومداها موصولا. وبذلك انقلبت الأوضاع في طول العالم الإسلامي وعرضه إلى صورة لم تكن شديدة القرب والشبه مما يطمح إليه المنهج الإسلامي، ولكنها كانت في الواقع بعيدة عن الإنحراف والزيغ وأكثر استعدادا للتحول إلى الشكل الذي يرضي الله ورسوله والمؤمنين.
وإذا كانت البلاد الإسلامية قد نالت استقلالها في القرن الرابع عشر، أو بتعبير أدق انتزعت حقها في الحرية والحياة الكريمة بالقوة ما عدا فلسطين وبعض المناطق الإسلامية، فإن العقد الأخير من هذا القرن شهد انتكاسات مريبة وتراجعات رهيبة وردة سياسية لا مثيل لها، حتى إذا أوشك القرن على الإنتهاء بلغ الخطر ذروته ووصلت الأوضاع إلى درك أسفل، على النحو الذي نشهده اليوم ونحن في الأيام الأخيرة من القرن.
* لقد كان سقوط الخلافة الإسلامية في المشرق واحتلال المغرب العربي في مستهل القرن الرابع عشر الهجري أهم مظهر من مظاهر التراجع السياسي، وجاءت نكسة 1948 في فلسطين لتزيد الأوضاع خطورة ولتؤكد من جهة أخرى على وجود مخطط استعماري يرمي إلى العودة بالشعوب الإسلامية، قبل الأنظمة والدول، إلى ما كانت عليه قبل القرن الحالي. وبذلك تأكد أن النصف الثاني من هذا القرن الفريد من نوعه بين القرون سيكون حافلا بالمؤامرات والدسائس طافحا بعظائم الأمور وفواجع الأحداث. ولم يخب ظن المراقبين، فما كادت الخمسينات تبدأ حتى توالت الهزائم والنكسات، فمن انقلابات عسكرية، وحركات تمردية، إلى ردة فكرية وزيغ عقائدي وانحراف ثقافي، ومن التبعية للشرق والغرب، إلى العمالة والتواطؤ، ومن نشر الفكر الهدام والعقيدة الضالة والمذهب الفاسد، إلى إشاعة الإنحلال فكريا وخلقيا، والنمط الفكري أشد خطرا وأبعد أثرا، ومن إقامة أنظمة الإرهاب والبطش والقمع، إلى التطاول على الحرمات وامتهان الكرامات و خنق الإرادات. فكان نتيجة ذلك إغراق العالم الإسلامي في بحر الدماء والدموع، ولجة الفوضى والدمار والخراب، طوال عقدين من الزمن حتى إذا استهلت العشر سنوات الأخيرة من هذا القرن وبدت في الكيان الإسلامي روح الجهاد من جديد وظهرت بوادر الإنعتاق والتحرر، والتأم شمل المسلمين بعد تشتت وتمزق، اندلعت فتن كقطع اليل، وقامت أنظمة لا تجد غضاضة في معاداة الإسلام جهرا وعلى رؤوس الأشهاد، وراجت مذاهب وإيديولوجيات وأفكار ونحل لم تكن رائجة من قبل، فمن حرب رمضان المجيدة المجهضة سنة 1973 إلى الدمار اللبناني، وقبل ذلك كانت حرب باكستان، وقبلها حرب نيجريا وهي أكبر بلد إسلامي في إفريقيا، ثم حرب الصحراء التي احتشدتها المغرب وجند كل قواه لحماية سيادته والذب عن حياض الدين، وهكذا، في تسلسل مطرد، إلى أن كانت الصواعق في بيت الله الحرام، ثم حرب الأشقاء والإخوة في الله في الخليج الإسلامي، التي أريد لها أن تكون خاتمة مطاف زلازل القرن الرابع عشر، ليبدأ المسلمون قرنهم الجديد وأيديهم ملطخة بالدماء وعيونهم زائفة وقلوبهم شتى وعقولهم في حيرة من أمرها.
** لقد بدأ القرن الرابع عشر الهجري مفعما بالأمل وانتهى مشبعا بالمرارة مشيعا بالحزن مودعا بالأسى. وكان الآلة الإستعمارية تدور في الإتجاه المناهض لإرادة شعوبنا كلما أوشكت الصحوة الإسلامية على الإكتمال والإستواء والنضج. وتلك هي الخيوط الأولى للمؤامرة الإستعمارية ضد العالم الإسلامي.
فهل تعود أمور المسلمين في مطلع القرن الخامس عشر الهجري إلى ما كانت عليه في مستهل القرن الرابع عشر؟
ذلك هو السؤال العريض الذي يرد بإلحاح شديد مع تباشير فجر القرن الجديد.
وإن ثمة أوليات لا تقبل التأجيل والتسويف والمماطلة، إن لم يأخذ بها المسلمون اليوم، في هذه الفترة الدقيقة من تاريخهم انفلت من أيديهم زمام أمرهم، وانحرفت بهم السبل، وأصبحوا في متناول أعدائهم ينقضون عليهم في أي وقت يشاؤون.

* أولا الحرية: وهي حق طبيعي وشرعي جاء به الإسلام ليسعد الإنسان ويرفع شأنه ويعلي قدره، فمن حرم المسلمين من الحرية ليس له من الإسلام حبة خرذل، ومن سلبها منهم بعد أن ملكوها كمن أجرم في حق البشرية جمعاء، ولا حياة للمسلمين في ظل العبودية والقهر والجبروت والإرهاب بشتى أشكاله ولن تقوم قيامة المسلمين وهم يرسفون في قيود الذل والمهانة، ذلك أن الحرية قرينة الرجولة والشجاعة وحب الشهادة وطلب الموت والإقدام على التضحية والإستهانة بالحياة في سبيل القيم والمبادئ والمقدسات ومن ثم كان حرمان المسلمين من الحرية التي أكرمهم الله بها إسهاما في تعزيز جانب أعدائهم وتقوية لمواقعهم. ولا فرق هناك بين الحرية السياسية والفكرية والإقتصادية والإجتماعية، وقد ضبط الإسلام هذه المفاهيم جميعها وأوجد لها قواعد وصيغا ثابتة وأقام لها أصولا راسخة لا تتغير. ومن أخذ بالإسلام عقيدة ومنهجا ودستورا وإطارا للعمل السياسي والممارسة الإقتصادية والتحرك الفكري ضمن الحرية ووفر شروطها وصانها من عبث العابثين ومغامرة المغامرين وخيانة الخائنين، ومن هنا كانت قضية الحرية في العالم الإسلامي شديدة الإرتباط بقضية الإحتكام إلى شريعة الله  سبحانه والعمل بمقتضاها. ولا تنعدم الحرية في بلد يحكم بما أنزل الله. وبهذا المعنى فإن الحرية هي الرديف الطبيعي للإسلام، والإسلام وحده هو الوعاء الفكري والحضاري للحرية اليوم وغدا.

* ثانيا الإستقلال: والإستقلال لا يعني دائما علما رسميا ونشيدا وطنيا وشعارا للدولة وحكومة وشكلا دستوريا معينا، ولكن الإستقلال مفهوما روحيا وفكريا وسياسيا ينبغي أن يكون حاضرا في أذهان المسلمين وهم يستقبلون قرنهم الجديد. ذلك أن الإستقلال الفكري شرط أساسي لقيام الدولة القوية القادرة على حماية كيانها والدفاع عن مصالح مواطنيها. وهذا يقتضي التحرر الكامل من قبضة القوى الإستعمارية والإنحياز المطلق إلى القيم والمقومات التي تشكل الإطار الأصلي للمجتمع. ويدخل في هذا الإعتبار عامل اللغة والدين والتصور والذوق والسلوك والمذهب السياسي والأسلوب الأدبي والمنهج الإجتماعي والإتجاه الحزبي والإختيار الإقتصادي. فما لم نستقل هذه العناصر جميعها عن الإرتباطات الأجنبية وتصان ويحافظ عليها من التلوث العقلي والإشعاع الحضاري؛ فإن معنى الإستقلال سيبقى مختلا ومذبذبا وغير واضح القسمات، وهي حالة أقرب ما تكون إلى الإحتلال حتى وإن لم تكن هناك جيوش تستعمر أرضا وتقيم لها قواعد فوقها.
    و الإستقلال الكامل إنما هو السيادة التامة والهيمنة المطلقة على مقدرات البلاد والتحكم القوي في أمورها ما ظهر منها وما بطن، ما كبر
منها وما صغر. وهو ضرورة حياتية لقيام الدولة المسؤولة الواعية بدورها المدركة لموقعها داخل المجموعة الدولية.
    ومن الواضح أن الوضع الطبيعي للدول الإسلامية أن تكون مستقلة بالمعنى الشامل والواسع للكلمة. وهذا يتطلب، مرة أخرى، إعلان الإسلام هوية وشعارا وراية، لأنه بقدر ما ينحاز المرء إلى الإسلام، بقدر ما يكون في مناى عن التبعية وفي معزل عن الإرتباط بهذه القوى أو تلك، وبهذا المعسكر أو ذاك.
    والإستقلال، بهذه الشمولية، قوة ومناعة وحصانة وطاقة. وتلك شروط النهضة وقوانين التقدم ومقياس الرقي.

* ثالثا الوحدة: يهل القرن الخامس عشر والمسلمون أبعد المجتمعات البشرية والتجمعات السياسية عن الوحدة، وإن كانوا أكثر الناس ترديدا لها وتمشدقا بها ودعوة إليها. ولكن واقع حالهم يثبت عكس ذلك تماما. وإذا كانت منظمة المؤتمر الإسلامي تمثل شكلا متطورا من أشكال التضامن الإداري – إن صح التعبير – بين المسلمين، فإن فاعلية هذه المنظمة قاصرة عن بلوغ الأهداف المتوخاة، لدرجة يمكن القول أن الدول الإسلامية لم تعرف التمزق بهذا القدر من الحدة والشراسة والخطورة كما عرفته في ظل المنظمة الإسلامية. ويستخلص من هذا أن المسلمين أحوج ما يكونون، وهم على عتبة القرن الخامس عشر، إلى تضامن يلم شعثهم ويجمع شملهم ويراب صدعهم، وقبل هذا وذاك، يمنحهم الثقة بأنفسهم والقدرة على المواجهة بالكثافة والحجم والمستوى الذي تفرضه التحديات الإستعمارية الشرقية والغربية على السواء.
    والوحدة إن لم تنبع من عقيدة الإسلام لن تكون إلا هراء. نقول هذا لا عن إقتناع ديني فحسب، ولكن بدافع المصلحة وبحافز من التجرية وبموجب ما تفرضه الظروف الحالية من دروس وعظات وعبر.
وعلى هذا الأساس، فإن الوحدة المنشودة، التي نأمل أن تقترن بمطلع القرن الخامس عشر الهجري، هي التي تقوم على أساس الإخاء الديني التضامن الإسلامي والإرتفاع إلى مستوى المعارك الضارية التي تخوضها أمتنا، أو التي من المفروض أن تنهض بها دولنا جميعا في المستقبل القريب.
    فهل، بعد هذا، تقترن إطلالة القرن الخامس عشر بتباشير يقظة واعية صاحية دافعة إلى العمل لما فيه مصلحة الأمة الإسلامية؟
    تلك أماني المسلمين في الأرض، وهذه تطلعاتهم، بسطناها مع عرض لواقعهم وتحليل لظروفهم، متوخين الصدق ما أمكن، وقاصدين الصراحة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
** وإن موقع المغرب في هذه الدائرة لا يمكن أن يكون إلا متميزا بحكم تفرده سواء في الشكل أو المضمون. أما بخصوص الشكل والمظهر الخارجي، فإنه مما يدخل في هذا الإعتبار الموقع الجغرافي وإطار الحكم وجهاز الممارسة ومركز العمل وقاعدة الإنطلاق. وهي جميعها أشكال متميزة تجعل بلادنا في مقدمة البلاد الإسلامية الناهضة بمسؤولياتها الدينية والوفية بالتزاماتها الإسلامية والواعية بدورها القيادي، وأما بخصوص المضمون فإن لنا من أصالة شعبنا وعراقة نظامنا وقداسة مبادئنا وعدالة قضايانا وشرف انتمائنا ما يكفل لنا سبيل النجاة مما يعترض دولا أخرى من آفات وأضرار وأحداث تفتك بها وتنال من هيبتها: وفي ذلك ما فيه من رمز لما يمكن أن يلعبه المغرب من دور سياسي وفكري وحضاري بارز على الساحة الإسلامية وفي المعترك الدولي في هذه الفترة المبكرة من القرن الخامس عشر الهجري.
** وأكيد، بعون الله، أنه قرن الفتوحات والإنتصارات والتحولات العظمى بالعودة إلى الجذور والأصول والمنطلقات الأساسية لأمتنا العظيمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here