islamaumaroc

أثر الحرية في تربية الطفل

  دعوة الحق

25 العدد

إن التربية التقليدية التي تأثرت إلى حد بعيد بالتربية اليونانية والرومانية وبالتربية المسيحية خاصة في القرون الوسطى كانت تمتاز بالشدة والقسوة على المتعلمين وكان المربون في ذلك العصر أبعد من أن يدركوا حقيقة التربية ومشاكل الطفولة أو يفكروا في السماح للأطفال أثناء الدرس حتى بقسط ضئيل من الحرية والعم الذاتي. ومن ثم كانوا يعاملونهم معاملة شديدة أساسها القمع والكبت.
والواقع أن تلك المعاملة الشاذة كانت وليدة الأحوال والظروف الاجتماعية والدينية التي كانت تحيط بالمدرسة العتيقة؛ فالناس كانوا منقسمين إلى طبقتين؛ طبقة الأسياد وبيدهم زمام الأمور كلها وطبقة العبيد والرقيق وكأنهم ما خلقوا إلا لطاعة الأسياد وتلقي أوامرهم في انقياد واستسلام! ثم إن التقليد الدينية وذلك خاصة في القرون الوسطى كانت تفرض فرضا على الناس بحيث لا يسمح لأحد في أن يرجعها أو بنازع فيها، وتطبيق تلك القوانين السماوية بصورة صارمة جعلت الجمهور ينقاد بسهولة لطاعة أولياء الأمور؛ أضف إلى ما سبق أن نظام الأسرة نفسه كان يمتاز بسيطرة الأب على أفراد العائلة كلهم ولم يكن هناك من تحدثه نفسه بمعارضة رب العائلة فيما أصدر من الأوامر أو أشار به من الرأي. لذلك كله كانت المدرسة القديمة لا تعني بوجود الطفل فضلا عن أن تفكر في ‘طائه نصيبا من الحرية.
فلما ذهبت الارستقراطية السائدة في العصور القديمة وحل محلها نظام جديد –وهو السائد في الدول الديموقراطية المعاصرة- كان من المعقول أن تسري تلك النزعة الديموقراطية في جميع الهيئات الاجتماعية بما فيها المدارس الحديثة؛ ومن ثم قامت طائفة من المربين كمونتاني وروسو ومونتوري وغيرهم ينادون بمبدأ جديد في التربية يتلاءم مع روح العصر وهو مبدأ يرمي إلى إعطاء الأطفال قسطا كبيرا من الحرية، بل إلى إطلاق الحرية للطفل كاملة غير منقوصة داخل المدرسة.
والواقع أن أولئك المربين لم ينادوا بالمبدأ الجديد لمجرد طرافته أو تألبا على النظام العتيق وكفى، وإنما كان قيامهم بتلك الدعوة نتيجة لما أجروه من أبحاث في ميدان التربية ودراسة لمشاكل الطفولة دراسة سيكولوجية صحيحة أدت بهم إلى معرفة طبائع الأطفال والوقوف على ما يختلج في نفوسهم من نزاعات وميول. فكان شعارهم أن الطفل لم يخلق للمدرسة تتصرف فيه كما تريد، وإنما المدرسة هي التي خلقت للأطفال، فعليها إذن أن تدرس ميولهم ونزعاتهم وعليها فوق ذلك أن تعالج كافة الأطفال الموضوعين تحت كفالتها معالجة تلائم كرامتهم وشخصية كل واحد منهم حتى تهتدي بالتدريج إلى تعديل سلوكهم والقضاء على أسباب الشر الكامنة في نفوسهم.
هذا وإن أًصحاب المدرسة الحديثة يعللون نظريتهم السابقة بأسباب معقولة مقبولة، فيقولون إن الناس لم يخلقوا في جملتهم أسيادا حتى يسمح لهم بإملاء إرادتهم على الغير، ولا عبيدا يجب أن يتقبلوا تلك الأوامر صاغرين ويكرهوا إكراما على العمل؛ وإذا ما صح أن في كل شخص منا نزعتين نزعة إلى التغلب والسيطرة، ونزعة إلى الخضوع والانقياد –وهي حقيقة انتهى إليها العلماء بالبحث والاستنتاج- فأية حجة يستند إليها أولئك المسيطرون لحمل طائفة من الناس على الخضوع والامتثال، وطبيعتهم تدفعهم في الوقت نفسه إلى الاستسلام والسيطرة معا ؟ أليس في ذلك استخفاف بكرامة الشعب ؟ بلى، إن لكل شخص كرامة يجب احترامها، وتبعا لما تقدم يجب أن يترك الطفل في المدرسة حرا يفعل ما يشاء متى شاء؛ فلا نقوم في وجهه غاصبين لحريته، مهينين على شخصيته؛ ومن نتائج الأبحاث السابقة أن الكبت يقتل روح الابتكار؛ وبما أن النظام الديمقراطي يرحب بكل عامل مبتكر ويجعل أفراد الشعب جميعهم في منزلة واحدة حتى ينتفع من قدرات الجميع على الخلق والابتكار، كان من الضروري أن نطلق الحرية للأطفال لأن إعطاءهم قسطا كبيرا منها يحملهم على الثقة بالنفس والثقة بالنفس تحفزهم إلى الخلق والعمل المنتج وفي ذلك تقدم سريع للمجتمع. أما من الناحية الخلقية –وهي أهم بكثير من كل ناحية أخرى- فنستطيع القول بان الحرية تمكن الطفل من إظهار شخصيته وتقوية إرادته نظرا لما يكون قد اكتسبه من تجارب في المدرسة؛ ولا شك أن تلك التجارب هي التي تجعله قادرا على تعديل سلوكه والتخلق بالأخلاق السامية، بحيث يكره من تلقاء نفسه ما يجب أن يكره ويحب ما وجب أن يحب. ولعمري أن هذه المرحلة هي أسمى ما يمكن الوصول إليه وهي الغاية من التربية الحقة. أما إذا شب الطفل وهو يتلقى الأوامر من المعلم بحيث لا يتحرك إلا بإيعاز منه فسرعان ما تمحى شخصيته ويصبح عرضة لرياح الأهواء والنزاعات السيئة.
وبديهي أن النظريات السابقة على طرافتها وجدتها لا تكتسي قيمة في نظرنا إلا إذا كانت سهلة التطبيق قابلة للتعميم؛ أما تطبقها فقد شرع فيه فعلا في مدارس نموذجية كالتي أنشأتها المربية الإيطالية منتسوري والتي عملت فيها على تطبيق مبدأ الحرية بمعناه الواسع الشامل لا من الناحيتين العقلية والخلقية فحسب، بل من الناحية الجسمية كذلك. وهكذا ألغت المربية المذكورة المقاعد المثبتة في الأرض وجعلت مكانها مقاعد متحركة حتى لا يشعر الطفل بأية سلطة تضغط عليه كما جعلت الطفل حرا في أن يدخل حجرة الدراسة أو يخرج منها دون أن يتعرض له أحد، ولم يكن المتعلم في تلك المدرسة النموذجية مقيدا بمادة من المواد؛ أما المعلم فكان عليه أن يتشبث بموقف المرشد والمساعد حتى تتربى في الطفل القدرة على العمل ويتمكن من استخدام حواسه بصورة مفيدة. أما من الوجهة الخلقية فالطفل في تلك المدرسة يعطى كامل الحرية يستخدمها كيف يشاء على شرط أن لا يسيء إلى زملائه.
ومن الظاهر أن مدارسنا لا تتبع هذه النظريات وذلك لأسباب مادية ومعنوية معا؛ وإذا كنا نبتهج لمبدأ الحرية في المدرسة فإننا مع ذلك لا نقول بإطلاقها كاملة للأطفال لأن ذلك لأسباب مادية ومعنوية معا؛ وإذا كنا بتهج لمبدأ الحرية في المدرسة فإننا مع ذلك لا نقول بإطلاقها كاملة للأطفال لأن ذلك قد يؤدي بهم على الفوضى وعدم الاستقرار بل ندعي أن الطفل لو عاش اليوم في مدرسة يشبه نظامها النظام القائم في مدرسة منتسوري لما استطاع أن يتابع سيره في الحياة باطمئنان لأن نظام الحياة ونظام المنزل مخالفان للروح التي تسود تلك المدارس المثالية. أجل، متى خرج الطفل من المدرسة إلى المجتمع فإنه يرى نفسه محاطا بسياج من القوانين وضعت لصالحه طبعا ولصالح موطنيه ولكنه يرى مع ذلك في الخضوع لها والعمل بها تقليلا من حريته ونفوذه. وهناك سلطة الأبوين التي لا تزال نافذة المفعول في وسطنا الإسلامي ولا سبيل إلى نقض سلطة الوالدين. ولكل هذه الأسباب نعتقد أن ليس من المصلحة في شيء أن تترك الأمور تجري على أعنتها، لا يتحكم في المتعلم أحد ولا يخضع هذا الطفل لنظام قار؛ فنحن نريد أن نعطي الطفل حرية معقولة أكثر من التي يتمتع بها الآن وأقل مما يرمي إليه نظام المدارس النموذجية التي سبق ذكرها؛ نريد من الوالدين أن يخففا من سلطتهما على الطفل فيعاملاه باعتباره كائنا حيا له شخصية وكرامة كما نريد من المعلم أن يجعل الطفل أساسا في تعليمه يجب أن يرمي المعلم وراء ظهره فكرة العقاب البدني العقيمة ويحمل الطفل على استخدام مواهبه ليتمكن من التفكير السليم، ولذلك يجب أ يقدم له درسا إلا على شكل يروق خياله ويحفزه إلى النشاط والعمل المنتج، ذلك لأن نشاط الطفل هو الذي يتيح الفرصة للمعلم للكشف عن نزعاته وميوله، فيتعهدها إذ ذاك بالتهذيب والإصلاح لأن المسألة مسألة تربية قبل كل شيء وبعد كل شيء لا مسألة تعليم فقط؛ ومن آثار الحرة الظاهرة في التعليم إنها تجيب العمل إلى الطفل وتشجعه على المضي في السبيل حتى بعد انقطاعه عن المدرسة، إذ تمكنه من تعليم نفسه بنفسه. ومبدأ الحرية هو الكفيل بإشعار الطفل بالمسؤولية؛ فيعدل سلوكه تبعا لمصلحته ومصلحة مواطنيه؛ وعليه فهو الذي يعينه على تقوية إرادته بحيث يصبح مسيطرا على نزعاته، يتحكم فيها كما يريد، ولا يخضع غلا لتلك الإرادة القوية، وفي الخضوع لها تدريب له على المكاره لأن الحرية الحقة هي ألا نفعل ما نشاء ولو صح ذلك لكنا –كما قال أحد المفكرين- عبيدا لشهواتنا ونزعاتنا المضطربة؛ ولكن الحرية بمعناها السامي الصحيح أن نعمد إلى كل ما يعيننا على استئصال بوادر الشر والفساد العالقة بالنفس ونعمل على تزكية كل خصلة حميدة فينا حتى نحقق بذلك لأنفسنا حياة سعيدة تغمرها الفضيلة وهناك نكون قد أدركنا معاني التربية الحقة.    

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here