islamaumaroc

الثورة الجزائرية تستقبل عامها السادس

  دعوة الحق

25 العدد

في مطلع شهر نوفمبر 1954 انتفض المغرب العربي –من أقصاه إلى أقصاه- انتفاضة قوية، هزت كيانه هزا عنيفا، لم يشهد مثلها منذ قرون خلت... بعد فترة قطعها في سبات عميق ونوم مخجل تارة وتفجع وحسرة وبكاء تارة أخرى.. كانت تتخلل هذه الفترة –فترة النوم- بعض الانتباهات الموضوعية ولكنها سرعان ما تتلاشى وتخبو، نتيجة للقمع الصارم الذي كان يصب بدون هوادة على الجزء المنتبه خصوصا، والإجراءات الصارمة التي تسلط على (الكل) عموما، وهكذا دوليك خلال فترة الغيبوبة...
بيد أن الانتفاضة الجماعية –هذه المرة- كانت من أول ظهورها تصطبغ بالجد، وتتسم بالعزيمة الفولاذية، وتتميز بالصمود الجبار الذي صاحبها من أول وهلة، معلنا تكتل الشعب ومؤازرته للقائمين بأمرها في جميع الميادين، الشيء الذي جعل الاستعماريين الفرنسيين يفقدون من أول يوم كل اتزان، ويتناسون كل منطق وصواب، فأصبحوا يخطبون خبط عشواء –كما يقولون- فيصبون جام قمعهم ووحشيتهم على الجميع، السائرين في ركابهم كالخصوم سواء بسواء، واستبد القلق والهلع باستهم وأولي الأمر فيهم إلى التفوه بتصريحات متضاربةـ ونشر بلاغات ينقض آخرها أولها جهلا منهم وغباوة –أو تجاهلا وتعنتا- بأن أشبال المغرب العربي، وأبناء الأطلس ثأرت في دمائهم نخوة العروبة وشيم الأمازيغ فضاقوا برعونة الاستعمار الفرنسي وكثرة وعوده (الممتزجة) بالمن تارة والتهديدات والوعيد أخرى...... واشرأبت قلوب الجميع على غسل عار دام طويلا، وطرد الغاصبين من الديار.
واستمرت المعركة في هذا الجزء من أرض القارة الإفريقية، إزاحة لنظام غير طبيعي، فارضا نفسه بقوة المدافع والحراب، متجاوبة في انسجام من (وادي زم) إلى جبال (الأوراس)، ومن منزل (تميم) إلى (الصبابنا) بشنها أحفاد عقبة وطارق، والمولى اسماعيل والأمير عبد القادر ضد مرتزقة (بيجو) و(ج. فيري) و«اليوتي» المعتدين. يشنونها بكل شدة وقوة، في شجاعة نادرة، وبطولة خارقة، أدهشت حكومة باريس في (ايليزيها) فارتجفت هناك هلعا، وضربت أخماسا في أسداس، علها تعثر –كالماضي- على حل ولو مؤقتا، يقيها شر الكارثة، ويبعد عنها عار الهزيمة المحققة، ولو إلى حين...
ولم يعد شياطين (الكي دورسي) حلا... وبادروا حينا إلى مساومة جناحي المغرب العربي بأسلوبهم التقليدي المعروف بالخبث والخديعة، والمتميز –دائما- بالتفرقة والوقيعة ترمي من وراء هذا السعي إلى (تفتيت) الوحدة الرائعة التي تجلت في ميدان الكفاح بين الشقاء من جهة، وإلى عزل الجزائر –قلب هذا المغرب النابض- والاحتفاظ بها كجسر.... عندما تتم الأمور على ما يرام. ولكن في هذه المرة –كذلك- فشلت خططهم العتيقة وخاب سعيهم، وخرج جناحا المغرب العربي سالمين مكرمين، يؤازران القلب المكافح ويمدانه بكل ما في استطاعتهما من وسائل وتأييد في جميع الميادين...
رفرف الجناحان (في حفظ الله) وبقيت الجزائر تصول في الميدان، صامدة في وجه الاستعمار الفرنسي الذي أدرك أن الأمر جد، فحشر ما استطاع من القوة المدججة بأحدث الأسلحة التي أخرجتها مصانع الحلف الأطلسي، واستعان بأحدث الخطط الإبادية التي تفتقت عنها أدمغة الاستعماريين الفرنسيين ومن سبقهم من النازيين والفاشستيين... وزادت الجزائر الأحداث المختلفة، قوة في الصمود، وعنفا في النضال من أجل الكرامة والحرية والاستقلال، معتمدة –بعد الله الكريم- على جبهتها وجيش تحريرها، وعلى أشقائها في المغرب وتونس، وكافة أبناء العرب، شاكرة لإخواننا الإفريقيين والأسيويين مواقفهم الإنسانية وتأييدهم الأدبي... في الوقت الذي يبدأ فيه الشعب الجزائري كل ما يستطيع من تضحيات غالية، ودماء غزيرة، شارك فيها بسخاء بناته وأبناؤه ونساؤه ورجاله وشيوخه وشبابه... كان الجانب الفرنسي رغم ما اتسم به من فخفخة وكبرياء، ورغم ما استعمله من قسوة ووحشية لم يعرف التاريخ –في أيامه المظلمة- مثيلا لها من قبل، أقول كانت حكوماته تتساقط كأوراق الخريف.. وكأن الديموقراطية الفرنسية نفسها –التي كانت على عهد الحرب الصينية تكثر من الإضراب والمظاهرات- انكشفت حقيقتها، وانفضح أمرها، فتمسكت بجانب الصمت والجمود أمام هذه الحرب الإجرامية التي يكابد قساوتها أبناء الجزائر من أجل رفع لواء الحرية وتقوية سواد الديموقراطيين في أنحاء العالم... ولكن الديموقراطية الفرنسية لقيت الجزاء العاجل مقابل تخاذلها، وتنكرها لمبادئ –حقوق الإنسان، وتحطيم الباستيل- التي كانت تتغنى بها، وذلك حينما حطمت الجزائر (العزلاء) إلا من إيمان أبنائها «الجمهورية الرابعة» وبرز دوكول إلى الميدان أثر حوادث 13 مايو المعروفة ووعد –كزملائه من قبل- بسحق الثورة الجزائرية إن لم يكن في أيام معدودات، ففي بضعة أشهر على الأكثر... ومرت الشهور تلو الشهور والثورة الجزائرية تزداد قوة كل يوم، وتكسب أنصارا جددا كل أسبوع. والجنرال الفرنسي –المقام- يبذل كل ما تصل إليه يداه من عتاد ورجال، وحتى الجنرالات.
وأخيرا وبعد خمس سنوات قطعتها الجزائر كلها في قتال مرير، وصراع حاد، تنذر في كل لحظة بخطورة انتشار الحرب –الحرب القاسية- على جوانب البحر الأبيض المتوسط وبعد أن اكتوت حدود القطرين الشقيقين بلهيبها... واستنكر الرأي العام العالمي مشروعيتها والكيفية التي تتابع بها... وعجز جيش (شال) و(ماسو) عن إخمادها.. تتقدم الجنرال دوكول بعرض 16 سبتمبر 1959م بعدما مهد له طويلا... فإذا به عرض هزيل تسيطر على فقراته الروح الرجعية الفرنسية، وتتسم جمله بالحيلة والخداع التقليديين يرمي من ورائه إلى إصابات عصافير –لا عصفورين فقط- بحجر واحد... غير أن الحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر كانت له بالمرصاد، ففضحت الدسائس المنطوي عليها هذا العرض، الذي اقتضى من الجنرال ومؤيديه –بل وحتى حلفائه- وقتا طويلا في الاستشارات والتحرير...
وهكذا تقدمت الحكومة الجزائرية الفتية –في وحدتها الترابية، الصحراوية والتلية، بحدودها الطبيعية، ويؤكد بأن الشعب الجزائري- وحده فقط- له حق التصرف في ترابه وثرواته... كما يضمن لفرنسا ما يمكن أن يكون لها من مصالح لا تصادم سيادة الشعب الجزائري، ولا تنكرها الأعراف الدولية، كما أنه سبق لحكومة الجزائر في عدة مناسبات، إن صرحت بأن الفرنسيين القاطنين بالجزائر –وعددهم الحقيقي لا يتعدى 000 800 ألف نسمة- والمتفرنسين من الأجانب، لهم الخيار في حمل الجنسية الجزائرية، أو البقاء كجالية أجنبية.
وتلقت جميع الدوائر العالمية التي يهمها أمر المشكل الجزائري عرض دوكول وجواب السيد فرحات عباس، وبعد الدرس والمقابلة، علقت جرائدها تعاليق ضافية في الموضوع، يتفق مجموعها على دعوة فرنسا ودكولها إلى التراجع عن المخاتلة والمراوغة، بالاستجابة (للجواب) الجزائري –الذي وافقت على محتوياته حكومة صاحب الجلالة، وارتضاه ملك المغرب المعظم والرئيس بورقيبة- الداعي إلى دخول المشكلة من بابها الوحيد ألا وهو طريق المفاوضة، والمتسم بلهجة معتدلة في حكمة وتبصر.
وبعد هذا الصراع كله –ونحن في أوائل الشهر الثاني للسنة السادسة لهذه الحرب الضروس- هل يستجيب دوكول وحكومته، لنداء الحق، وصراخ المتألمين، وصت الرأي العالمي، ونصيحة حلفائه، وينتهز هذه الفرصة التي مكنته منها الحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر، أم سيستمر هو وحكومته- كشأن من سبقهم –في ترضية شرذمة من الاستعماريين الفرنسيين حتى تلقى الجمهورية الخامسة نفس المصير الذي ذهبت ضحيته الجمهورية الرابعة...-؟؟؟. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here