islamaumaroc

التعليم الإسلامي ومشروع السنوات الخمس

  دعوة الحق

25 العدد

منذ فجر الاستقلال والحديث حول مشاكل التعليم في المغرب يشغل بال المثقفين على اختلاف نزعاتهم ومشاربهم، وقد احتدم الجدال حول التعليم بين خريجي المدارس العصرية وحاملي الثقافة العربية الإسلامية، ومنشأ الخلاف كان ومازال يرجع إلى نوع الثقافة التي يحملها كل واحد من الفريقين، فبينما نرى فريقا يناصر اللغة العربية والتعريب ويستميت في الدفاع عن القيم الإسلامية، نرى الفريق الآخر يناصر وجهته ويدعو لها، وقد أثر ذلك في البرامج الدراسية –وعلى النشء بالخصوص- تأثيرا ظاهرا، ولا يكاد منهج من مناهج الدراسة يستقر حتى ينسخ بمنهج آخر جديد.
وكان من الطبيعي أن تمثل هذه المسرحية في المغرب بعد الاستقلال، لن المستعمر قد غرس شجرة (اللغة الحية) في نفس طائفة من المواطنين من الصعب حتى الآن استئصال جذورها، بل إنه مازال يتعهدها بواسطة (الفنيين) الذين يسخرون فنهم لإنعاش شجرة (اللغة الحية).  
وإذا كان العجب يتملكنا من تصرفات الفنيين، فالأدهى من ذلك والمر هو أن طائفة غير قليلة من الموطنين قد انساقت معهم وجدت مناهجهم وأقرتها، ولم تقف عند هذا الحد، بل نزلت إلى ميدان الدفاع والإشادة بمزايا (لغة التقدم) بينما توجه الضربة للغتها المظلومة وترميه بالقصور والرجعية، وتشفق على اعتمادات الدولة التي تخصص للمعاهد الإسلامية التي تعني بهذا النوع من التعليم، حتى ول لم تكن تلك الاعتمادات شيئا مذكورا بالنسبة للاعتمادات التي تخصص لمصالح التعليم الأخرى. وهكذا يستمر التسابق إل الانتصار بين أبناء وطن واحد، ولغة واحدة، وشريعة واحدة.
ولا يهمنا أن نتعرض الآن إلى المناقشات التي دارت في المجلس الوطني وفي المجالس الأخرى، والتي كانت تكتسي في مظاهرها أحيانا صبغة التعصب للغة يجهلها الشعب، ولم يعترف قط بوجودها، كما لا يهمنا انتصار فريق على الآخر بقدر ما يهمنا إيجاد برنامج قار ومقيد يحتفظ بمستقبل النشء ويكون كفيلا بتثقيفه ثقافة كاملة.
 وقد كتبت الصحف والمجلات الصادرة بالمغرب حول هذا الموضوع تحت عناوين كثيرة وعالج كل كاتب الموضوع بما رآه صوبا. ومشكلة التعليم لم تكن خاصة بالمغرب وحده بل كانت مشكلة قائمة في الدول العربية كلها سيما عند فجر نهضتها وقد عالجها أيضا كتاب الشرق، ومنذ ذلك العهد والصراع بين القديم والجديد مستمر، فكل ما يتحمله علماء الشريعة الإسلامية واللغة العربية في المغرب اليوم تعرض له علماء الأزهر من قبلهم، ورماهم بعض الكتاب بالرجعية ونبرزهم الآخرون بالجمود الفكري، وبقدر ما بلغ دعاة التجديد من التطرف والميوعة، نجد أنصار القديم قد بلغوا أيضا مبلغا كبيرا من التزمت والتعصب. على أن بعضهم كان ينادي دائما بضرورة التجديد ومسايرة العصر. ولا نطيل في القديم والجديد، فالقديم والجديد له اتصال متين بجميع مظاهرنا الاجتماعية. وقصدنا الآن أن ندرسه في ظاهرة واحدة وهي التعليم. وأرى أن التعليم هو النقطة المركزية التي ستوجهنا إلى المظاهر الاجتماعية الأخرى. فماذا حققناه في هذه النقطة منذ إعلان الاستقلال ؟ أن نقطة هذا البحث تدور حول التعليم الإسلامي العالي بالمغرب، فهي التي أحاول أن أعالجها بما أراه صوابا وإذا انصرفت إلى البحث في غيرها من أنواع التعليم الأخرى، فإنما ذلك للمقارنة.
إن التعليم –كما أسلفنا- قد أصيب بضعف شامل في جميع أنواعه، ولا معنى لمؤاخذة التعليم الإسلامي العالي وإيقافه في قفص الاتهام ورميه بالقصور وعدم الصلاحية. وإذا كان التعليم الإسلامي تلقى الضربات التي وجهها له الاستعمار بصبر وشجاعة، واستطاع أن يؤدي مهمته في أحلك الظروف ويقود أبناءه نحو التحرر من الأجنبي ولغته، فقد كان يعمل ذلك وهو متيقن أن النصر سيكون حليفه، وأنه التعليم الذي سيتحمل مسؤولية توجيه المواطن وتثقيفه بعد الاستقلال، وهو التعليم الذي سيخوض معركة التعريب من جديد، ويقود الموطنين نحو تأسيس دولة عربية إسلامية تؤمن بلغتها وتعتز بإسلاميتها. 
ولم يخطر بالبال أن تقوم طائفة من أبناء الوطن ضد هذا التعليم، وتنصب له الحبال، وتحيك له المؤامرات لتقوض أركانه وتزعزع كيانه، مع أنه التعليم الذي يعمل باستمرار على خلق نهضة علمية إسلامية شاملة في مجموع البلاد. وإذا كان جهاز هذا التعليم يسير ببطء، وكانت بعض برامجه توصف بالجفاف، فذلك بعينه ما لوحظ أيضا في جميع أنواع التعليم الأخرى، باستثناء التعليم الأوربي المحض، الذي يتمتع بغيرة أبنائه عليه، ويسهرون على تطبيق برامجه ونشرها في أكبر عدد من الموطنين. فلا غرابة إذا أن نجد من بيننا من يفتخر بانتساب ابنه إلى هذا التعليم حتى ولو كان من التابعين لإحدى أنواع التعليم الأخرى بدعوى أن التعليم ما زالت برامجه غير قارة.
لقد آن الأوان أن نسلك سياسة رشيدة وموحدة إزاء التعليم، نبنيها بأيدينا، ونحكم برامجها على ضوء الخبرة التي استفدناها من السنوات الماضية، ونباشر المشاكل بأنفسنا، وحتى إذا كنا في حاجة إلى غيرنا، كنا على بينة من مقدار المساعدة (الفنية) التي سيقدمها لنا هذا الغير. أما أن نكتفي بوضع خاتم القبول على ما نسجه غرينا وأحكمه، فذلك ما يسكون مصيره مصير البرامج السابقة، لأن الشعب الذي عرف عدوه بالأمس لا يرضى أن يعود العدو ليتلاعب بمصالحه من جديد.
وبهذه الوسيلة يمكن لنا أن نوجه أبنائنا نحو ثقافة عربية إسلامية تساير تطور العصر وتشد حاجيات البلاد. 
ولهذه الغاية قامت مصلحة التعليم الإسلامي العالي بثورة شاملة تحاول أن تعالج بها الأمراض التي يعانيها هذا التعليم في جميع وجوهه.
ونحن نبارك هذه الخطوة التقدمية لمصلحة التعليم الإسلامي العالي، ونتمنى لمدير التعليم العالي والبحث العلمي كل توفيق في ثورته على الأوضاع القديمة التي طالما جعلت التعليم العالي هدفا لانتقادات لاذعة من طرف الذين يجهلون أو يتجاهلون الرسالة التي أداها هذا التعليم بالمغرب منذ فجر الإسلام إلى اليوم، وأهمها : المحافظة على العقيدة الإسلامية واللغة العربية، ويحاولون اليوم أن يجهزوا عليه ويقبره. ومع ثقفتنا التامة في مدير التعليم العالي والبحث العلمي، واعترافنا بخبرته وسعة إطلاعه، وتقديرنا لمجهوداته التي بذلها في سبيل إصلاح التعليم العالي، فإننا نلفت نظر جنابه إلى وجوب بناء هذه الثورة على أسس متينة وان يكون هذا الإصلاح الجهاز الإداري، وتطهير سلك المدرسين والأساتذة من العاجزين وذوي النيات السيئة، وإحداث إطار خاص بالموظفين، وتوزيع المهام على حسب المقدرة والكفاءة، وإسناد الأمور إلى من يحسن تسييرها وإنشاء مراكز للتدريب.
ونحن نؤمن بأن برنامج الخمس سنوات الذي تنوي الوزارة تطبيقه ابتداء من فاتح هذه السنة الدراسية، لا يمكن أن يأتي بالنتيجة المطلوبة إلا بواسطة رجال الكفاءة والمقدرة.
وأملنا كبير في نجاح هذا المشروع ونتمنى أن يكون أداة فعالة في خلق جو من الغيرة والتسابق نحو تعريب التعليم وتوحيده بالمغرب وبذلك يكون التعليم الإسلامي العالي قد أدى رسالته أولا وأخيرا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here