islamaumaroc

الإسلام: دين معاملات لا دين طقوس

  دعوة الحق

204 العدد

1- ديننا دين شريعة و نظام، كما قال صاحب الجلالة يوم 14 ربيع الاول 1400 امام رؤساء المجالس  العلمية بمراكش ، انه دين معاملات، لا دين طقوس.
     فمن تمكن منا ان يعتقد ان الاسلام دين معاملات كان داعية ناجحا بعد ان كان مسلما موفقا، فهو محبوب عند الناس، كلماته حلوة في أذانهم ، تنزل على قلوبهم بردا وسلاما، لانه يعلمهم بلطف سلوك أهل الله الراغبين في رحمة الله الطامعين في رضوانه دون شغب او شعوذة.
    ومن اعتقد من ان ديننا طقوس و كفى ، أثقل سيرنا الذي وجب ان يكون حثيثا في عالم يتربص لنا الدوائر، وعثر مشيتنا التي يجب
 ان تكون خفيفة خفة العصر الذي نحياه، وكان حجرة عشرة في زحفنا الذي يجب ان يطأ بعزم وقوة كل تيار هدام يسعى – وهيهات له!- ان يقوض أركان ديننا.
   2- و لان ديننا دين معاملات كانت واجبات العلماء صعبة و معقدة لان الإحاطة بالمعاملات ، وهي دائمة التحول يعسر إدراكها على حلفاء الوسائد و الأريكة المريحة، في حين ان الطقوس متواليات صائنة لا اقل ولا أكثر، تحفظ بسهولة، ثم تعرض بأسهل من ذلك دون فهم، لتصم آذان من قدر له الاستماع اليها و تسود بصائر من جعلته الظروف في طريقها، و ما كان دين الله الحنيف أذى للأذن و عمى للبصيرة.
     و لان ديننا دين معاملات كانت ملاحقته للتطور البشري ملاحقة مستمرة لا تفتر، لا في حرب و لا في سلم . ومعلوم ان ملاحقة التطور أمر صعب للغاية لا يصبر عليه الا من ملا قلبه بالأيمان و فتح على قلبه و بصيرته و استصغر الصعاب و ركب الشدائد. اما الطقوس فمجرد جمود تعادى التقدم ، انها حليفة الكسل، شقيقة الخمول.
   و لان ديننا دين معاملات كان اعتماده على العقل و التدبير اعتمادا لا حد له ولا نهاية، لان أهل دين الله ، المؤمنين برسالة الله الى محمد نبي الله ، يعلمون ان العقل وافتراضات العقل السليم –وهو هبة من رب العالمين- لا يحللان حراما لأنهما ينطلقان في افتراضاتهما من الاثبث الى الأثر، ولا يحرمان حلالا لانهما يتكلان في تقدير أنهما على الأصح في النقل، ولا يدفعان بصاحبهما الى منزلة الشبهات. فما شان أولئك الذين يرون ان ديننا دين طقوس و كفى؟ ان لهم – والحق يقال – في حفظ عباراتهم المعقدة الصعبة و ترديدها كببغات دون الايمان بها اجر واحد فريد، لا مزيد عليه ، وهو اجر الجهد العضلي، 
وتعذيبهم لحناجرهم بدون موجب ، وإيلامهم لإسماع الناس ظلما و عدوانا.
3-ولتكون المحاضرة ناديا ،  كما قال جلالته وجب ان يكون المحاضر متفتح الذهن ، محيطا لا بأطراف المادة التي يلقيها فحسب ، ولكن أيضا بكل الآلات التي لها علاقة بما يلقيه على الناس. لابد ان يكون كما قال علماؤنا رضي الله عنهم ((آخذا من كل فن بطرف)). فقط بل يفقهه أيضا . و ليفقه القرآن لا بد ان تكون نظرته عليه نظرة شاملة، مطبقة.
     القرآن كما لا يخفى مكون من آيات ، ولكن استعراض الواحدة منها في نازلة ما لا يكفي ، بل لابد ان يميز المحاضر بين آية المتن و آية الشرح(1)، الآية التي نزلت لتعليم الناس الشيء، و الآية التي نزلت في نفس الموضوع ليزدادوا علما و معرفة بنفس الموضوع. عليه كذلك ان يحيط بالعام منه و الخاص و خلص الخاص. و لنمثل لذلك بما نحن فيه ، أي : الدين = المعاملات . امرنا الله مثلا ان نتعامل بالحسنى. فكيف يكون ذلك؟  ان سرد الآيات في الموضوع مشتتة غير مرتبة بدون رابط يربطها ، نسردها كمثل الحمار يحمل أسفارا ؟ الا نرتب؟ ونبوب ونصنف و نخطط؟ الا نحاول بالوضوح الذي يحثنا عليه المنهج السليم إقناع المستمعين؟ بل الا تدفعنا همتنا و غيرتنا الدينية وحسن سلوكنا الى محاولة أقناع من عادانا بين الامم. تعالى ننظر كيف عالج الحق سبحانه و تعالى هذا الموضوع ليعطينا الحجة المسكنة على ان ديننا دين معاملات رفيعة.
    الآيات التي نزلت في المعاملة بالإحسان كثيرة جدا ، ولا نستغرب من ذلك ، فالدين دين معاملات. و الإحسان و الحسنى هما الركيزتان الأساسيتان في هذه المعاملة الحسنة و يمكن ان نقدم للراغبين في  معرفة ديننا آيات الإحسان موزعة على اربعة محاور:
4 – المحور الاول نسميه الخاص.
   وهو خاص بقضية عمت او تعم سائر المسلمين.انه يحتوي على آيات تضع قواعد دينية يجب قبولها و المصير اليها.مثال ذلك الآية الكريمة :(( الطلاق مرتان ، فامساك بمعروف او تسريح بإحسان. ولا يحل لكم ان تاخذو مما آتيتموهن شيئا الا ان يخافا ان لا يقيما حدود الله . فان خفتم ان لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به .تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون))(2).
    مطلوب بين الزوجين الذين انقلب وآمهما بغضا ، واتحادهما تفرقة ، و تفاهمهما خصومة، وسرورهما حزنا، ان يفترقا بإحسان كما اجتمعا بإحسان ، و الله يحب دائما و أبدا المحسنين.
     يطلب منا ديننا ، حتى في أحلك ساعات الطلاق، وهو اشد الأوقات عسرا و ابغض الايام إطلاقا على قلب رجل و امرأة التحلي بالإحسان ، وهي صفة من أروع الصفات و اسماها، ان تحلى بها المسلم او المسلمة في هذا الظرف الحرج كان الأجر مضاعفا و الثواب جزيلا.
     و عندما يكون التسريح بالإحسان تغيب الشاذات و ينأى القاضي ، فتستريح القلوب تطمأن الأفئدة و يعم الوئام بين المفارقين اضطرارا ، و يغني الله كلا من سعته.
5-المحور الثاني في باب المعاملات بالإحسان اسميه خاص الخاص وفي هذا الخاص ما هو خصوصي وجه الى الرسول صلى الله عليه و سلم الذي هو قدوتنا . قال الله تعالى:(( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ، نحن اعلم بما يصفون ))(3).
      ومنه ما هو خاص بكل واحد منا ان عمل به استفاد من حسناته هو اولا ومن مجتمعه بعد ذلك، قال الله تعالى :(( و لا تستوي الحسنة و لا السيئة،
ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم))(4). ان دفع المرء بالتي هي أحسن لمن هو معه في عداوة انقلب الى صديق مناصر معاضد مؤازر، أليس في هذا فوائد كثيرة للذي يبادر عدوه بالحسنى ثم اليس في هذه المعاملة التي يدعوا اليها الاسلام دواء للتفرقة و الشحناء و البغضاء التي تقلق راحة الأفراد و الجماعات و تضيع الجهود و الوقت الثمين.
6- المحور الثالث ، اسميه العام:
اسميه العام لانه موجه الى عموم المسلمين في مشارق الارض و مغاربها ، يطالبون فيه بالإحسان في المعاملة. وطبعا ان كان الأمر بالمعاملة بالحسنى عاما بالنسبة للمسلمين ألزموا بالقيام به في كل الظروف فان فيه بالنسبة لمن يوجه إليهم الإحسان تخصيص بيان، على المسلمين ان يعمموه . قال تعالى:((ولا تجادلوا هل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم و قولوا آمنا بالذي انزل ألينا و انزل اليكم والاهنا و الاهكم واحد ونحن له مسلمون ))(5). هذا أمر عام صادر الى عموم المسلمين، و لكن المعاملة بالحسنى خاصة فيه بأهل الكتاب. و قال تعالى: (( و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم الى التهلكة و أحسنوا ان الله يحب المحسنين ))(6). هذا الأمر موجه الى كافة المسلمين وعامتهم ، عليهم ان يحسنوا لان الله يحب المحسنين ، و لكن المناسبة ، مناسبة صدور الأمر الى المسلمين خاصة. ان الأمر يدور حول قتال المشركين، و متى يجب ان يقاتلوا ، و كيف يقاتلون؟ وفي الإنفاق في سبيل الله.
7- المحور الرابع عام العام :
    و أرى ان في هذا أل-((عام العام)) شطران: شطر موجه لعموم المسلمين ليعاملوا عامة الناس بالحسنى ، لا أهل الكتاب فقط كما راينا في المحور الثالث، و لا العدو كما راينا في المحور الثاني فقط، و انما سائر البشر دون أي فرق، وفي هذا يظهر بوضوح سمو تعاليم الاسلام القاصدة الى اسعاد البشر و نشر المحبة و المودة و الوئام بين الناس جميعا، فقال عز من قائل:(( و اذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون الا الله و بالوالدين إحسانا و ذي القربى و اليتامى و المساكين . و قولوا للناس حسنا و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ثم توليتم الا قليلا منكم وانتم معرضون )).(7)
    وشطر ثان موجه الى عباد الله كافة ، اذ ليس على  وجه الارض ، بعد ان بعث الرسول صلى الله عليه و سلم ، دين أقوم من دين الاسلام، فقال تعالى: (( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ان الشيطان ينزع بينهم، ان الشيطان كان عدوا مبينا))(8)
     كما قال تعالى :(( ان الله يأمركم بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون))(9).
     و ارجو ان لا يظن القارئ الكريم ان هذا التقسيم  الى اربعة محاور له علاقة ما بافتراض الإمام علي رضي الله عنه الذي يرى ان لكل آية اربعة معان او بما جاء له الإمام جعفر الصادق( القرن الثامن الميلادي) في أطروحته التفسيرية، وقوامها القول ان في القرآن الكريم اربعة أمور:
     لا يوجد بين ما أقوله هنا و النظرة التفسيرية للإمام جعفر الصادق أي علاقة الا العدد اربعة.
8- و يا ما أجمل هذه الشارة التي أشار بها جلالته الى ((الزينة)) نعم كما قال أيده الله :(( ان تعداد زينة الارض في القرآن ليس تعداد حصر)).
     لابد علينا نحن في هذا العصر، ان نحرم كل زينة تضر بنا و بمقوماتنا وبأخلاقنا و بعقائدنا و بسعادتنا
و بأمننا و براحتنا و بصحتنا و بجمال ثقافتنا و بروعة فننا المعماري و بحريتنا الى آخره، فانظر الى الزينات التي يجب ان تحرم لنعيش في امن و أمان ، اخواننا على سرر متقابلين ، سنحرم هذه البدع الجميلة، (ان كان في البدع جمال) في الفن المعماري الذي يبعدنا عن حضارتنا الى آخر القائمة.
لكن ليس معنى هذا ان ندخل قفصا من زجاج لنعشعش فيه . و لكن الخلاص من هذه القوقعة مع مراعاتنا لما ذكر؟ نبقى مع الفكرة التي أثرناها آنفا، وهي قضية (( الزينة)) التي يحاول كثير من في قلوبهم مرض التقليل من فعالية تعاليم ديننا بوساطتها يقولون لنا ان دينكم يدعوا فيما يتعلق بالمراة ان تبدي اجزاءا معينة فقط، عملا يقوله تعالى :(( وقل للمؤمنات يغضضن من إبصارهن و يحفظن فروجهن ، و لا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها ، وليضربن بخمورهن على جيوبهن ، ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن او ءابائهن او ءاباء بعولتهن او ابنائهن او ابناء بعولتهن او اخوانهن او بني اخوانهن او بني اخواتهن او نسائهن او ما ملكت ايمانهن او التابعين غير اولي الاربة من الرجال والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، و لا يضربن بارجلهن ليعلم ما بخفين من زينتهن وتوبوا الى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ))(10). قلنا لهم صحيح ونحن نومن به و نصدق ، و لكن كلمة ((الزينة)) التي استعملها الحق سبحانه و تعالى في كتابه الكريمة كلمة معجزة ، رائعة الدلالة اذ ان حقلها الدلالي لا يحد بحد ، فهو يتسع حين تكون مصلحة المسلمين مع الاتساع في معناها و تضيق حين تدعو مصلحة الجماعة الاسلامية لذلك، و لمن اراد ان يعي ذلك ان يعود الى الآيات 32 من سورة الاعراف ، و الآية السابعة من سورة الكهف ، و الآية 31 من سورة الاعراف و غيرها كثير جدا.

(1)  أعطينا أمثلة عن آيات المتن وآيات الشرح في مقالنا المنشور بمجلة (دعوة الحق ) تحت عنوان (( الطفل في القرآن الكريم)) في العدد   الخامس ، السنة العشرون ،صفحة 19. 
(2)  الآية 229، السورة الثانية- البقرة.   
(3)  الآية 96 من السورة 23، المؤمنون.  
(4)  الآية  34 من السورة 41، فصلت.  
(5)  الآية 46 من السورة 29، العنكبوت   
(6)  الآية 195 من السورة الثانية، البقرة 
(7)  الآية 83من السورة الثانية، البقرة .
(8)  الآية 53 من السورة 17، الإسراء.
(9)  الآية90 من السورة 16، النحل   
(10)  الآية 31 من سورة النور.   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here