islamaumaroc

أبو عبد الله محمد بن الشيخ الأموي

  دعوة الحق

204 العدد

في اطار التعريف باعلام سبتة السليبة-وقد تحدثت في بحث سابق عن ابي الربيع سليمان بن سبع: اقدم عالم مغربي وصلنا تراثه(1) -: سأحاول في هذه السطور، ان أتحدث عن علم اخر، كانت له دم راسخة في العلم والمعرفة، وشهرة واسعة في الزهد والورع، ذلك هو ابو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الأموي، المعروف بابن الشيخ، وأسرة الأمويين بسبتة، عريقة في العلم والمجد، متهم اخر المترجم ابو علي ، شاركه في الرواية عن بعض شيوخه(2)، والفقيه القاضي الحافظ ، ابو عبد الله محمد بن عبد الله الأموي، المعروف بالأشقر، من أشياخ عياض(3)، وسواهم.
وربما كانت تسميته بابن الشيخ، ترجم إلى ما كان لأبيه او احد أجداده من جاه ورياسة، كان مولد أبي عبد الله ابن الشيخ بسبتة في حدود (320 هـ)، اخذ عن كبار مشيخة بلده، ثم رحل الى الاندلس، وطوف على كثير من جهاتها، وسمع من شيوخها، وأطال المقام بها(4)

شيوخه:
1- وممن اخذ عنه وأكثر(5)-أبو الحزم وهب بن مسرة بن مفرج بن حكم التميمي، من أهل وادي الحجارة، كان حافظا للفقه، بصيرا بالحديث، مع ورع وفضل، وكانت الرحلة إليه في الثغر كله للسماع منه ، واستقدم إلى قرطبة وأخرجت إليه أصول ابن وضاح التي سمع فيها، وقرئ عليه المدونة، ومسند ابن أبي شيبة من روايته، ( ت346 هـ)(6)
2- أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد العزيز، المعروف بابن الخباز،من أهل قرطبة ، كان عالما بالنحو ، فصيحا بلغيات، ولي الصلاة بقرطبة ، والقضاء بطليطلة، وباجة ، وولي أحكام الشرطة ، واقعد في آخر عمره ن ولزم داره نحوا من سبعة أعوام، فسمع عنه اكثر روايته .
3-  قال فيه تلميذه ابن الفرضي: كان ثقة مأمونا،
فاضلا عاقلا، قال: ما رأيت مثله في عقله وسمته، (ت .369هـ)(7).
3-وممن اخذ عنه من شيوخ بلده (سبتة) –أبو الاصبع عيسى بن علاء بن ايمن، رحل إلى الاندلس فسمع بقرطبة من احمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك، وقاسم بن اصبغ، ومحمد بن عيسى ابن رفعة – في آخرين.
وكان طلبه بقرطبة من سنة 17-24، ولي الصلاة والقضاء بسبتة، وكان فقيها عالما، ومحدثا ضابطا، (ت 336 هـ)(8)
4-وسمع من علامة العرب دارس بن إسماعيل الفاسي، في إحدى رحلاته إلى سبتة، قال عياض: واراه رحل إلى بلدنا، فقد حدث عنه أقوام من كبارهم، كابي عبد الله محمد بن علي بن الشيخ ، واخيه حسن بن علي(9)، وسواهم .
قال فيه المالكي : كان ابو ميمونة (دارس) من الحفاظ المعدودين ، والايمة المبرزين، من أهل الفضل والدين ، ولما طرا على القيروان ، اطلع الناس من حفظه على أمر عظيم، حتى كان يقال: ليس في وقته احفظ منه ، وظهر شفوفه على كثير من أهل افريقية .
قال ابن عتاب: وكان يعرف بابي ميمونة المحدث.(ت .387 هـ)(10)

تلاميـــــــــــــــذه:
 وتتلمذ لابن شيخ كثيرون، منهم:
1- أبو عثمان سعيد بن خلف الله بن إدريس ابن سليمان البصري، المعروف بالريحاني، سبتي،
من أهل العلم والفضل والدين، له رحلة وسماع بالأندلس، وكان منقبضا متبتلا، صاحب سلامة وعفاف وخمول، وتقشف وغزلة، ولم يكن ذا عيال، وكان مقامه –ليل نهار– بمسجده، يكتب ويفنى ويقرئ ويؤخذ عنه، سئل ابن عتاب عن مسألة – وكان السائل من أهل سبتة –فقال له: أليس عندكم ابن خلف الله؟ -بمعنى أبا عثمان هذا، وأثنى عليه، وكتب بيده كثيرا من الدواوين، قال عياض وقلما كان هناك كتاب مشهور في المذهب، لم يستنسخه بيده، وسوى ذلك من كتب التفسير وغيرها(11).
2- قاسم بن محمد بن هشام الرعيني، المعروف بابن المأمون، من أهل سبتة، شهير البيت بها، اخذ عن مشيخة سبتة، كابن الشيخ، وابن العجوز، وابن يربوع، وإضرابهم.
وسمع بالأندلس من ابن الدباغ، وأبي محمد الباجي وغيرهما، ورحل إلى المشرق فحج ولقي جماعة من أهل العلم والمعرفة، ثم انصرف عائدا إلى وطنه المغرب، فسكن الكرية، ثم استوطن اشبيلية-أيام القاسم بن حمود، وكانت له بها مكانة.
 قال عياض: وقد اخذ عنه جلة من مشيختنا وغيرهم، وحدثوا عنه، وله كتاب في المناسك رواه عنه ابنه(12)
3-4 وأبو علي بن خالد(13)، وأبو عبد الله محمد بن عيسى(14)– وسواهم.

أوصافه:
 كان أبو عبد الله محمد بن الشيخ عالما فاضلا، ومحدثا رواية، قال فيه صاحب الصلة: محدث سبتة في وقته، شهر بالخير والصلاح والورع(15).
ومن ورعه، ما يذكره ابن عياض عن أبيه، عن أبي الربيع، عن بعض الأشياخ، انه رأى ابن الشيخ إذا صلى نزع قلنسوته عن رأسه ووضعها بين يديه-وكان لي زمن بارد، قال: فكلمته في ذلك، فقال لي: عن كل شيء تسال، إن هذه القلنسوة اعرف خرقها من حيث هي، فأعطيتها لخياط خاطها، فلا اعلم الخيوط من حيث هي، فانا اكره الصلاة بها لذلك(16)
 وكان مجاب الدعوة، ذكروا عنه انه رأى رجلا من أصحاب الفاطميين-أمراء سبتة وقتئذ-ضرب كليبة مرات به فكسر رجلها، فدعا عليه وقال: اللهم لا تؤخر له عقوبة، فإذا به لحيته قد جنى جناية ضرب لها السلطان –يومه أو قربه –عنقه(17)

هل كان ابن الشيخ أول من روى العلم بسبتة؟  
 ذكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام-انه في أواخر الأربعمائة، كان هذا الرجل-يعني ابن الشيخ –محدث سبتة في وقته، مشهورا بالخير والورع، قال: ولا اعلم أحدا من أهلها (سبتة) روى العلم قبل هذا الرجل(18)-وهو خطأ، والصواب انه تقدمه علماء كثيرون، حملوا راية العلم وتفننوا في الرواية، وجابوا البلاد –في الشرق والغرب- في سبيل العلم والمعرفة، وكانوا أقطابا، تشد إليهم الرحال ،ولنذكر منهم-على سبيل المثال لا الحصر:
1- ابو الاصبغ عيسى بن علال بن نذير بن ايمن،وهو من شيوخه –كما مر انفا ،لازم مجالس العلم بقرطبة سبع سنوات او تزيد، وكان فقيها عالما، ومحدثا ضابطا كتب عنه(19).
2-أبو زكرياء يحيى بن خلف الله الصدفي، من أهل سبتة، واصله من بصرة المغرب، رحل إلى المشرق، فسمع من أبي سعيد بن الأعرابي المتوفى (340 هـ) ومن غيره، وحدث كثيرا، ودخل الاندلس –غير مرة-مرابطا في ثغورها، ومجاهدها في سبيل إعلاء كلمة الله، وتوفي بسبتة(20).
3- ابو زيد عبد الرحمان بن مسعود الكتامي، ويعرف بابن أبي غافر، قال عياض فيه: هو من أهل بلدنا، رحل فسمع من رجال المصريين، ولقي أئمة المالكيين، وبكر بن العلاء القشيري، وابا الحسن بن جعفر التلباني القاطبي، وأبا حفص الاسكندراني، وعن خالد بن جميل-كتاب محمد بن المواز، وسمع منه الناس، اخذ عنه من أبناء سبتة – ممن هم في طبقة ابن الشيخ – أمثال عبد الله بن غالب، وعبد الرحيم بن العجوز، وإبراهيم بن يربوع، وغيرهم. توفي بعد التسعين (390هـ)  (21).
ابن الشيخ وروايته خيرا موضوعا في فضل سبتة:
ورغم ما كان لأبي عبد الله بن الشيخ من علم وفضل، وتقى وصلاح –وهو المحدث الراوية- فقد كانت له غرائب وعجائب –كما يقول عياض، ومن غرائبه-وان شئت قلت من عجائبه-ما يرويه من خير في فضل سبتة، قال أبو الفضل عياض في مشيخته: حدثني احمد بن قاسم الصنهاجي- وكان لا باس به، اخبرني الفقيه أبو علي بن خالد، وأبو عبد الله محمد بن عيسى، قالا حدثنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن الشيخ، حدثنا وهب بن مسرة، عن محمد ابن وضاح، عن سحنون، عن ابن القاسم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر –رضي الله عنهما –سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول: (في الغرب مدينة على مجمع بحري المغرب:
وهي مدينة بناها سبت بن سام بن نوح، واشتق لها اسما من اسمه، فهي سبتة، ودعا لها بالبركة والنصر، فلا يريد بها احد سوءا أو بأهلها، إلا رد الله دائرة السوء عليه.(22)

اضطراب قول عياض فيه:
وقد عقب عياض على هذا الخبر بقوله : سمعت غير واحد من شيوخنا بذكر هذا الخبر من رواية ابن الشيخ ، ورواه عنه جماعة من شيوخ بلدنا، ووجدته بخط كبراء منهم ، قال : وهو حديث موضوع لا شك فيه ، ولا يخرج الا عن ابن الشيخ ، وهو في فضله ودينه وعمله –لا ادري من  اين دخلت عليه فيه الداخلة ، والحمل فيه عليه على كل حال(23).
  ثم نجده يعود مرة اخرى فيحاول ان يصحح هذا الخبر ويقول ، انه تشهد بصحته الشجرية –كما يذكر عنه تلميذه ابن حمادة السبتي ، قال صاحب البيان المغرب: ويذكر اشياخنا الحديث المسند عن وهب بن مسرة الهجري ، وذلك ان ابا عبد الله محمد ابن الشيخ حدثهم عام (400) عن وهب بن مسرة ، عن ابن وضاح ، عن سحنون ، عن ابن القاسم ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي –صلى الله عليه وسلم –قال: ان باقصى المغرب مدينة –الحديث، قال ابن حمادة قال شيخنا العالم ابو الفضل عياض بن موسى: وهذا الحديث تشهد بصحته  التجربة ، فانهاغ ما زالت محمية عند من وليها من الملوك، وقلما احدث منهم فيها حدث سوء،الا هلك(24).
 ولا ندري مدى صحة رواية ابن حمادة  هذه ، وكيف يعقل ان يصحح عياض –وهو الناقد البصير – خيرا تبدو عليه لوائح الوضع ، ويشهد الحس والمشاهدة  بوضعه وكذبه،(25) والذي نقله ائمة الحديث عن عياض –كالذهبي ، وابن حجر –انه قال فيه : انه حديث موضوع لا شك فيه، وحمل ابن الشيخ مسؤولية روايته(26).ومن هنا قال ابن حجر : محمد بن علي بن الشيخ السبتي احد الفضلاء ، روى عن وهب بن مسرة خبرا موضوعا في فضل سبتة فاتهم بسببه(27).
 وربما اغتر بعضهم بهذا السند ، وقالوا انه سلسلة ذهب ، فيلزم ان يكون الحديث صحيحا، وهو خطأ فاحش ، فلا يلزم من صحة السند صحة المتن، بل قد يكون السند صحيحا والمتن ضعيفا او موضوعا-كما هو مقر في محله.
ومهما يكن فان خبر تأسيس سبت بن سام بن نوح لمدينة سبتة، وتسميتها باسمه، مما اشتهر بين الناس ، وربما كان الرواية الراجحة في نظر بعض المؤرخين، وقد زعموا ان سبت بن سام هذا من المقبورين بهذه المدينة ، قال الانصاري في اختصار الاخبار –وهو يتحدث عن اشهر القبور بالمقبرة الكبرى بسفح الميناء –ان القبر الشماط –وسمى بذلك لطوله يذكر انه قبر سبت الذي اختط سبتة، قال : وهو مزار معروف البركة  على القدم(28).
 وفي ذلك يقول الشاعر الاديب، محمد بن الخطيب السلماني:
    حييت يا مختط سبت بن نوح
                            بكل مزن يغتدى او يورح
   وحمل الريحان ريح الصبا
                            امانة فيك الى كل روح(29)

 وفاة ابن الشيخ:
 ذهب ابن بشكوال في الصلة ، الى ان ابن الشيخ توفي في حدود اربعمائة، وقال : انه أفادنية القاضي ابو الفضل عياض ، وكتبه لي بخطه(30)
ويذكر ابن عذاري في البيان المغرب، انه في عام (400) كان لا يزال حيا، وفي نفس التاريخ حدث بعض أشياخه بالحديث الآنف الذكـــــــر (31) وعليه، فالمرجع انه توفي بعد الأربعمائة (400)-وقد نيف على الثمانين(32).

(1) انظر مجلة دعوة الحق ع .(8-9-10) س .20.
(2) انظر ترتيب المدارك لعياض 4/395-397-طبع لبنان
(3) انظر التكملة لابن الابار 2/494-طبع مصر ، واختصار الاخبار للانصاري –ص 23-تحقيق عبد الوهاب بن منصور.
(4) انظر الصلة –لابن بشكوال 2/562.
(5) انظر ترتيب المدارك 4/453.
(6) انظر ابن الفرضي ، تاريخ علماء الاندلس 2/165.والمدارك 4/452-453، والديباج 2/350.
(7) تاريخ علماء الاندلس 2-79-80.
(8) وعند ابن الفرضي سنة (306) وهو تصحيف.وانظر ترتيب المدارك 4/549.
(9) ترتيب المدارك 4/783
(10) انظر تاريخ علماء الاندلس 2/146، وترتيب المدارك 4/395-397.
(11) انظر ترتيب المدارك 4/783.
(12) المرجع السابق ص 784.
(13) انظر ابن حجر –لسان الميزان 5/290.
(14) نفس المصدر.
(15) انظر ج 2/592.
(16) انظر محمد بن عياض- التعريف ص 42
(17) نفس المصدر ص 51.
(18) وانظر لسان الميزان 5/291
(19) انظر تاريخ علماء الاندلس 1/337-338
(20) المرجع السابق 2/196
(21) انظر ترتيب المدارك 4/538-539
(22) انظر ابن حجر: لسان الميزان 5/390-251
(23) نفس المصدر.
(24) البيان المغرب ج 1/202-203.
(25) وقد ذكر  علماء الحديث-ان مما يعرف به كون الحديث موضوعا –تكذيب الحس والمشاهدة له.
انظر الاسرار المرفوعة، في الاخبار الموضوعة للملأ القاري ص 425.
(26) انظر لسان الميزان 5/290-291
(27) نفس المصدر.
(28) انظر ص 20.
(29) انظر الاحالة 3/128.والنفح 1/411
(30) انظر ج 2/562.
(31) انظر ج 1/203.
(32) أي حسبما تدل عليه وفيات شيوخه –كما في ترتيب المدارك وغيره.     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here