islamaumaroc

في رحاب الحق: المحبة.

  دعوة الحق

204 العدد

المحبة مفتاح المعرفة وباب السلوك. وعلامة المحبة الخشية، وطريقها التقوى، ودليلها الطاعة.
من أحب الله عرفه حق المعرفة، ومن عرفه سلك أقرب السبل الموصلة إليه، وأحب مخلوقاته فيه، وتلك ذروة العشق.
سألت الله يوما أن يجعل القرءان دعامة علمي وأن يفتح لي أبوابه ويكشف لي أسراره، وسألته مع ذلك، أن يجعل المحبة قوام وجودي، يزرعها في قلبي ويسقيها بمائه الطهور.
قرأت هذه الآية الكريمة: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)[الأنعام: 14]
فاستعظمت الأمر، واستهونت نفسي، وأدركت جسامة مطلبي ووعورة الطريق، غير أني لم أقنط، وتعلقت بخيط " الحب" و"الحسن" و"المآب"، وازداد طمعي في العلم بالكتاب.
يالله، ما أعظم البلوى!، وما أثقل الحمل!: الشهوات، النساء، المتاع، الحياة... كل كلمة بحر علم، وكل حرف سارية إغراء وغواية.
قلت: رب ازرع المحبة في قلبي، حتى إذا ما أينعت وأزهرت عرفتك، وإذا عرفتك انفتح أمامي سر العلم، وأدركت آياتك التي أبحث عنها الآن في آفاقك وفي نفسي فيمنعني عماي من الرؤية والإبصار.
أن أحبك...ذلك منتهى سؤلي.
فإذا أحببتك استقر في نفسي حب نبيك الذي هو سر كلمتك، وحب مخلوقاتك الأقوياء في الظاهر، الضعفاء في الحقيقة.
أنت، جل اسمك، القائل: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186].
فها أنا ذا أمد كف الضراعة إليك: أسألك المحبة قبل العلم، فهل هذا كثير؟
غير أنك أعلم بالنجوى وما تخفي الصدور، تعلم أني طامع في العلم يأتي من لدنك بينما أخفي محبتك التي هي وسيلة التقرب إليك، بل هي عين المعرفة وحقيقة اليقين، فها قد بحت لك، يارب، بما أخفيته وأنت تعلمه، والعلم شعاع الصلة بينك وبين خلقك الطامعين فيما عندك.
اللهم إني أعلم أنك إن زرعت المحبة في قلبي هديتني هداية لا ينالها سوى ذوي البصائر، فأنر مواطئ قدمي في الطريق المؤدية إليك، وجنبني الأشواك والأوحال والحفر، وأرني آيتك في الليل أو في النهار، فالزمان لا يحدك أنت، بل أنت آخذ بناصيته والسماوات مطويات بيمينك، والكون نفحة من قدرتك، والنور كله من نورك، والظلام عمى بصيرة من ضل من خلائقك.
قلت لنفسي: ومن أنت حتى تسأل بكفين ممدوتين وعيناك في سراب الزينة واللهو ، وسطوة الدنيا مبسوطة الأيدي عليك؟ وهل أنت إلا كما قال ابن الفارص:
ورمت مراما دونه كم تطاولت      بأعناقها قوم إليه فجذت
 أتيت بيوتا لم تنل من ظهورها      وأبوابها عن قرع مثلك سدت        
وبين يدي نجواك قدمت زخرفا     تروم به عزا مراميه
أن أكون أولا أكون، تلك مشيئة بارئي،عزت وقد شاء أن أكون في علم الغيب والشهادة، وكأني سمعت من يهمس في أذني: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس: 7-10]، والهداية علم نوراني ينبثق من القلب، والسمع والبصر شهيدان، والشكر لا يكون إلا بحرارة المحبة، والفلاح أو الخيبة رهينان بالقدرة أو العجز عن فهم خطاب الإلهام. فها كل شيء يعود في النهاية إلى العلم أو عدم العلم.
   وقالت لي نفسي على سبيل التذكير: (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ؛ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ؛ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) [البقرة: 255]، والشفاعة مرجوة عنده، وإذنه تعالى علمه، ومع العلم الرحمة، "وسع كل شيء رحمة وعلما"، ومشيئته تعالى قدرته، ومع القدرة السمع والبصر اللامحدودين، فكيف لا أضرع بكفين مرفوعتين وعينين مخفوضتين وقلب وجل، وفي الآفاق العليا نور كامل، وفي أقطار الأرض ظلام شامل؟                                         
يبزغ النهار فتهتز أوراق الشجر وتتهامس، ويقول العصفور قولته المشهورة، ويثغو الحمل الوديع فرحا بأمه النعجة، وتسعى الدابة في الأرض ذلولا أو جموحا، ويوحي الرب إلى النحل ما يشاء فيحلق في الجو طبعا ويسلك سبل ربه ذللا ويهتدي إلى أرحام الزهور المغرية بعطرها ولونها وتفتح أكمامها، وتشق النملة بطن الأرض لا أدري كيف فتمتلئ الأكوان تسبيحا لله، والإنسان غافل منشغل بزخارف الجدران المتداعية، والحكمة محجوبة عن أبصار الغافلين ، والمحبة من كلمات الغيب عند الكثيرين أو هي مجرد هوى مطاع، (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) [القصص: 50]، والشعور الكاذب بالقوة يخل بسلامة التمييز، ويفسد صفاء البصيرة، ويضع على القلوب أقفالا، (حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ)[يونس: 24].
  والأمر هو الفعل والخلق والقدرة، وهو القدم والبقاء، والسمع والبصر والعلم، والمحبة تظهر ذلك والغفلة تحجبه.
 فهل أحب ورياح الغواية تعبث بأشرعتي، ونواقيس الهوى تقرع في أحشائي وأنا وسط بحر متلاطم لا تسكن أمواجه؟
هل أحب وكل ما حولي يطفح إغراء ويشدني إليه بأمساد مفتولة ومضروبة بين الثرى والنجوم؟
 هل أحب وتفاح الحياة على مقربة مني يسطع سناؤه الأحمر ويعبق شذاه فتنطبع منه في النفس صور شفاه ترف، وخدود تلهو، وأحداق ترنو وسوالف تهفو؟
هل أحب وصفحة الدنيا غضارة تبهج النفس وتلهم الصفاء والرجاء والسكينة، وصفحتها الأخرى جفاف يوحي بالخوف والبغضاء والطمع واليأس؟                                                 
                                                ***
قلت: يارب، أنت الذي خلقت قلبي فيما خلقته، وأجريت في شرايينه الأمل والرجاء وجعلته على مقربة منك، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16]، فلا تجعل بعده  عنك من نصيبه ، واملأه محبة لك ، فأنت الذي أنطقتني بهذا الاسم الجليل، فاجعله في فؤادي، كما أجريته على لساني، واروه بغيثك الكريم كما تروي الأرض تنشر عليها رحمتك، ومع المحبة الكاملة امنحني العلم بكتابك وآياتك ، وأنر سبيلي بكل ذلك حتى ترسخ محبتي لك فلا أقوم ولا أقعد إلا بها، ومحبة نبيك قائمة في رجائي يلهج بها لساني ويجزم قلبي، فمحبته من محبتك، فإذا اجتمع في فؤادي كل ذلك أحببت من تحبه من مخلوقاتك وأبعدت الفتنة عن نفسي، وتلك هي السكينة. آمين !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here