islamaumaroc

... في خطاب العرش..

  دعوة الحق

204 العدد

تميزت الذكرى التاسعة عشر لجلوس جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على عرش أجداده المقدسين بالزيارة الملكية التاريخية  إلى مدينة الداخلة بإقليم وادي الذهب في اليوم الثاني من أيام عيد العرش المجيد ، حيث جرت هناك مراسيم تقديم البيعة لجلالة الملك المعظم من طرف ممثلي المدن و الأقاليم المغربية الذين خفوا إلى المدينة المغربية المحررة من مدينة مراكش التي وجه منها العاهل الكريم خطاب العرش الى شعبه المجاهد.
    وكانت الزيارة الملكية حاضرة إقليم وادي الذهب –الذي قدم ممثلوه البيعة إلى صاحب الجلالة ألملك يوم 14غشت المنصرم بالقصر الملكي بالرباط-مسيرة متجددة اثبت بها المغرب اعتزازه القوي بالسيادة و الوحدة الترابية و تعلقه المتين بالمقدسات و تراثنا الوحدوي العريق في القدم. و بهذا الاعتبار فان زيارة الداخلة بالصور المشرفة التي تمت بها انتصار جديد لإرادة الملك والشعب المستمدة من إرادة رب العزة سبحانه و تعالى. وهي من جهة أخرى مبادرة عظيمة من مبادرات قائد المسيرة الذي لم يفتأ حفظه الله يواصل تعبئة الشعب وحشد طاقاته للدفاع عن المغرب القوي بإسلامه و عروبته و أفريقيته.
و ننشر فيما يلي النص الكامل لخطاب العرش الذي كان بحق نبراسا على طريق المستقبل تحت قيادة مولانا الإمام اعز الله أمره:

شعبي العزيز:
الحمد لله و الصلاة و السلام على مولانا رسول الله و آله و صحبه .
في مثل هذا اليوم من كل عام يتم بيننا لقاء يكلل مختلف اللقاءات التي يتيح لنا نعماءها على مدى سنة كاملة و إذا كانت هذه اللقاءات يدعوا إليها تارة بعد أخرى شؤون تتصل بحاضر بلادنا و مستقبلنا أو مناسبات نغتنمها لتمجيد حدث شامخ من إحداث تاريخنا أو التنويه بموقف من مواقف إقدامنا و بطولتنا ، فان اللقاء الذي يجمعنا و إياك في مثل يومنا هذا من كل عام لقاء لا يضاهيه لقاء و مناسبة لا تماثلها مناسبة ذلك إننا نحتفل كلما اقبل هذا الظرف و حل فرحين مبتهجين بذكرى استخلاف الله لنا على عرش مملكتنا حامدين شاكرين لنعمة الأنفاق الذي وثق الله عراه بين إرادتنا و إرادتك ومنه الائتلاف و التطابق بين مقاصدنا و مقاصدك .
      وان مما لا هراء فيه إن هذا الإنفاق بين العزائم و الإرادات و المقاصد و الغايات ليس عارضا من عوارض الزمان و لا طارئا من  طوارئ الحدثان و إنما هو و ليد عناية مسترسلة تشارك الراعي و الرعية في اظفائها طوال قرون على الجليل و غير الجليل من الشؤون و ثمرة عهود مرعية و ذمم مصونة و تئازر على النهوض بالأعباء و تضافر فيما يتجدد من أحوال و تكلف عندما تتناوب السراء و الضراء فالفضائل و المزايا و المبادئ و القيم التي تحلى بها الملوك و الشعب على حد سواء، و تمسكوا بها تجرم الأحقاب و تعاقب العصور منذ ذلك اليوم الذي قبض الله فيه لأسرتنا أن نقود خطاك. و تسدد مسعاك ، و تحقق هناك، هذه الفضائل  و المزايا و المبادئ و القيم هي دون جدال السر في استمرار ذلك الإنفاق الذي توالى متسما بالاستحكام.
     و ما احتفالنا اليوم بالذكرى التاسعة عشر لجلوسنا على عرش أسلافنا المنعمين إلا احتفال بثقة قديمة متبادلة  و إخلاص عريق متقاسم ووفاء أصيل مشترك و عزم مشاع راسخ و وطيد على بلوغ اجل الأهداف و تحقيق أوسع الآمال.
    و ها نحن نسير و إياك شعبي العزيز منذ تسعة عشرة عاما على هذى ما ادخرته  لنا المشيئة الربانية من تراث محبة و و أصالة و ائتلاف ودلتنا عليه من طريق قويم و جمعت عليه القلوب من خير وفير عميم و إشاعته في النفوس من أيثار لهذا الوطن بكل علق من علاق الفكر والوجدان و الإرادة و العزم  لا نكترث للأعباء الثقيلة و لا للسبل العسيرة و لا لطول المسافات و عناد المسيرة ، و خلال هذه الحقبة الحافلة المليئة كنت شعبي العزيز نعم المعين ونعم الظهير و نعم المساعد لعاهلك الحريص في كل لحظة من لحظات تفكيره تدبيره على إسعادك و احلائك المنزلة  الرفيعة بين الأمم و الشعوب المعتزة بنباهة شانها و شيوع ذكراها.
المغرب المتحد قادر أن يتحدى المتحديات و هكذا أنشانا و بنينا جميعا حيثما و جب الإنشاء والبناء و جددنا و أصلحنا كلما تعين التجديد و الإصلاح و ناضلنا و كافحنا في كل ساحة تطليت منا الكفاح و النضال ناشدين للنمو و الازدهار مدافعين عن الكرامة ذائدين عن حمى السيادة مناهضين في سبيل إعلاء كلمة الله و تثبيت دعائم الإسلام فلم تنحصر كمساعينا في نطاق وطننا ولا وفق وفق طموح إرادتنا عند غاية قريبة و إنما ترامت جهودنا إلى ابعد الحدود فبرزت جدواها في كل واجهة و انتشر مفعولها في كل ميدان فاتت حظا جزيلا من يانع قطوفها و ثمارها و أثبتت أن المغرب المؤتلف المتحد القادر على أن يتصدى للتحديات أيا ما كان منشؤها و مصدرها مستعدا وافر الاستعداد للإسهام بالرأي الصحيح و النظر الصائب حيث تقرر المواقف السليمة و تحدد الاتجاهات الآمنة.
      و ما أخالك شعبي العزيز في حاجة إلى أن نقوم اليوم بتعداد للخطى التي خطوناها في كل مجال من مجالات الانجاز و التحقيق و لا ندلي ببيان مستفيض  يستقصي ما أسهمنا به في المحافل الدولية من عمل سديد أو رأي كان له الاثر الحميد فقد تتبعت شعبي العزيز جهودنا في كل مضمار و أحاط علمك بما كان لها من نتائج و آثار و إن فيما تنشره وزارتنا في الإعلام من وصف دقيق و احصاء شامل لمختلف هذه الجهود لبلاغا للراغبين في التفصيل المتطلعين إلى المزيد من البيان. ولذا فإننا سنقتصر في خطابنا هذا على الوقوف عند المسائل و القضايا التي لا يرى بدا من استعراضها توضيحا لوجهة نظرنا في شانها وتأكيدا لما اتخذناه حيالها من مواقف لتعلم إننا فيما يتصل بشؤوننا الداخلية و غيرها جادون على الرغم من توالي الظروف المعاكسة في السعي لتوفير الأسباب الكفيلة بضمان العيش الرغيد لأجيال الحاضر و المتقبل و صيانة الكرامة الوطنية و حماية الوحدة الترابية و تامين الظروف لاستتباب امن قار و سلام عادل في منطقة تصلنا بها أوثق الصلات و أقدس الأواصر.
        لا يخفى عليك شعبي العزيز إن صحراءنا التي استرجعتاها بالطرق القانونية القويمة و
 بالمسيرة  الخضراء التي ستضل حدثا بارعا بين أحداث تاريخك المجيد ما زالت لحد الآن تثير الأخذ و الرد  و تدعوا إلى ألجدال بين الذين يدركون حقيقة الأمور و الذين لا ليدركون هذه الحقيقة أو لا يودون أن يدركوها وقد بذلنا جهودا غير يسيرة على مستويات مختلفة لإقناع  المتمسكين بالمواقف المعادية الذاهبين في العناد الى ابعد غاية و أبدينا كثيرا من الاستعداد للبحث عن الوسائل الخلقية بإنهاء التوتر المخيم على هذا الجزء الشمالي من غرب قارتنا بيد إن استعدادنا هذا لم يقابل باستعداد يضارعه و يماثله و كنا نشعر ونحن نام لان تفيء الأحلام إلى الصواب بان الكابرة و العناد وليدا خطة مبيتة تستهدف اضطراب حبل الأمن في قارتنا و زلزلت الأوضاع هنا وهناك تمهيدا لبسط النفوذ وممارسة الهيمنة و تحقيق للاستيلاء و الاغتصاب وحدثت إحداث بعد ذلك أكدت صحة الشعور و نفاذ الحدس فوقع الانقضاض على الزايير مرتين و تطاول العدوان الى بيت الله الحرام و سرى جيش لهام  فانتشر غازيا في رحاب أفغانستان ثم اتجهت محاولة الافتراس إلى جنوب تونس وعلى هذا النحو أخذت الخطة المبينة تكشف شيئا فشيئا عن مقاصدها و مراميها و اتضح أن الهجوم المتكرر على أراضينا في الصحراء إن هو ألا جزء من مؤامرة ترمي من وراء الهجوم و الاعتداء إلى استبدال وضع بوضع.
    و إلى جانب الأعمال العسكرية العدوانية التي يباشرها أعداء وحدتنا فان هناك مبادرات متعددة تتخذ بمناسبة المؤتمرات و اللقاءات الدولية على اختلاف مواضيعها و أغراضها لا يراد بها سوى مضايقة المغرب و إحراجه و كسب الأنصار لمزاعم أطروحة خصومنا .
    ومع هذا كله فان رغبتنا صادقة صريحة في استتباب الامن و السلام و ستجدنا جارتنا الجزائر في مسائل إقرار الطمأنينة  و السلم متى تغلب الرشد على الغي و رجح جانب العقل والحكمة.
     إن الصحراء شعبي العزيز جزء لا يتجزأ من المغرب ، وهذا وضع إن أدركه الأصدقاء وسلموا به فان على أعدائنا أن يفهموا انه أصبح من معطيات التاريخ التي لا تنتكس و لا تنعكس وسنظل ساهرين على تعزيز قواتنا و توطيد جهازنا الدفاعي و متصدين باستمرار لرد المتآمرين و المغامرين و الطامعين المتطلعين إلى إهدار وحدتنا الترابية و اغتيال سيادتنا الوطنية على أعقابهم خاسرين.
والصحراء بعد هذا كله أقاليم انتظمت مرتاحة في نظام بلادنا واتسقت مزهوة في عقد مملكتنا ولفها من عنايتنا و اهتمامنا ما يلف الأقاليم الأخرى ولن تمضي بضع سنين حتى تتبدل ملامح وجهها و ترتدي الأرض أجمل أزيائها بما نبذل من أصناف التجهيز لساحل بحرها و سائر أنحائها وبما نمد فيها من أسباب اقتصادية و اجتماعية ستنهضها الى مستوى غيرها من أجزاء التراب الوطني.
       و لنا اليقين شعبي العزيز بان اجتماع كلمة الأمة و التئام شملها وارتصاص صفوفها فيما يتصل بصحرائنا المستعادة كل هذا سيبقى على تعاقب الأزمان من اقوى عوامل صيانتها وتألق طلعتها وازدهار أكنافها .
       واذا كان تعزيز جهازنا الدفاعي من الحتميات التي لا جدال فيها واذا كانت صيانة حوزة التراب الوطني امرا اجتمعت عليه امتنا وأحلته مكان الأولوية فان من اوجب واجباتنا نوفر الإمكانات البشرية والمادية للدفاع المقدس عن وحدتنا و سيادتنا ولا يتأتى تيسير هذه الإمكانات الا اذا توخي مخططنا المقبل التنمية الاقتصادية و الاجتماعية انطلاقا من تقوية الإنتاج في عدد كثير من المجالات و تحقيق الاكتفاء و توسيع حجم التصدير و مد الأسباب للتشغيل الوفير واتخاذ جميع التدابير الخلقية بان تقي من كل اختلال يمكن ان يصيب أصناف التوازن و بالإضافة الى هذا فان مخططنا المقبل يتعين ان يراعي جانبا آخر نوليه بالغ اهتمامنا، ذلك هو تقريب الشقة بين الفئات و تقليص الفوارق الاجتماعية وان من اوكد واجباتنا كراع حريص على ان يزول التفاوت الفاحش بين أفراد المجتمع الواحد و بين جهات الوطن الواحد ان تتدنى مختلفة الوسائل والطاقات و تتاح الفرص المتكافئة للجميع.
     و قد أصدرنا أوامرنا للحكومة بإعداد مخططنا التالي لمخططنا الحالي على ضوء الاعتبارات و الاهتمامات الأنفة الذكر ، وقد شرع جهازنا الحكومي وفق المسطرة التي حددناها في عمل الوضع و الاعداد و سيكون ان شاء الله مشروع المخطط مهيئا قبل نهاية المخطط الحالي ليعرض على المجلس الاعلى للانعاش الوطني و التخطيط و يقدم بعد ذلك في ألوقت المناسب لمجلس النواب ليرى ممثلو الأمة رايهم فيه  واملنا وطيد ان ننجز ما سيتضمنه من مشاريع ونبلغ
المقاصد التي نتوخاها منه بعد المرحلة الحالية التي أردناها ان تكون مرحلة وتمهل تأمل .
      على ان هذه المرحلة نفسها لم تخل من جهود ايجابية، فقد كانت سياستنا المالية و النقدية طيلة العام المنصرم امتدادا لسياسة التقويم فيما يتعلق بالتوازن الأساسي للاقتصاد و استجابة للأولوية الوطنية و موالاة للمجهود الرامي الى النمو الاقتصادي و الاجتماعي و قد سجلت السنة الثانية من المخطط الثلاثي نتائج ملموسة في صعيد إصلاح الوضع المالي للبلاد توطدت بها النتائج التي أسفرت عنها السنة الاولى و لا مراء في ان السنة الحالية وهي السنة الأخيرة من مخطط التقويم اذا تضاعفت فيها جهود العاملين في القطاع الاقتصادي ستتيح دعم المكاسب ومواصلة نمو اقتصادي في المدى البعيد.
      ليس بعازب عنك شعبي العزيز ان العام الفارط كان عاما مليئا باللقاءات و المؤتمرات وتنقل الشخصيات و الوفود فقد تمت لقاءات في اسمي المستويات ببلدنا و غير بلادنا وانعقدت مؤتمرات في أقطار متعددة احتضنا بعضها و شاركنا في بعضها الآخر وزارتنا شخصيات ووفود وردت علينا من الأقطار الشقيقة و الصديقة وأوفدنا الى هذه الأقطار مبعوثين فرادى وجماعات تلقوا وجهات نظرنا فيما يتصل بكثير من الشؤون و القضايا و ان اهم ما امتاز به العام الماضي زيارة صاحب الجلالة أخينا الملك خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة و زيارة صاحب الجلالة صديقنا الكبير الملك خوان كارلوس عاهل المملكة الاسبانية وقمنا نحن من جهتنا بزيارة القطرين الشقيقين المملكة العربية السعودية وجمهورية العراق وكانت هذه الزيارات كلها مناسبة للتباحث مع صاحبي الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز العزيز و الملك خوان كارلوس و فخامة الرئيس أخينا صدام حسين في القضايا  الثنائية و المشاكل العالمية.
      اما المؤتمرات التي احتضنا احدها و شاركنا في اعمال الباقي منها فان أبرزها و أكثرها عائدا على عالمنا العربي و الاسلامي مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية الذي انعقد بمدينة فاس عاصمتنا العلمية و مؤتمر اسلام اباد ، و أول هذين المؤتمرين استهدف دراسة قضية القدس التي تعلم شعبي العزيز مدى اهتمامنا بها وقد انتهى هذا المؤتمر الى جملة من القرارات تمثل احدها في تكوين لجنة القدس و إسناد رئاستها ألينا . ان قضية القدس الشريفة تقض المضاجع وتشغل البال و سيضل حرصنا شديدا على ان يتحرر ثالث الحرمين من اسر الاحتلال و ينشط من الاوهاق و الأغلال و تزول عنه الوطأة الجائرة و يذهب عنه الحزن و الاسى و تعود اليه الطمانينة و الكرامة ، و ثاني المؤتمرين هو المؤتمر الذي انعقد منذ شهور باسلام اباد على اثر غزو الاتحاد السوفياتي لافغانستان و قد اهاب بالمسلمين ان يعقدوا مؤتمرهم هذا ما لهم من غيرة على ارض عريقة في الاسلام شديدة التمسك بالدين الحنيف و لا بدع ان تتخذ جميع الدول المسلمة التي حضرته موقفا صريحا واضحا أعلنت من خلاله استنكارها و ادانتها للغزو الذي لا يستند الى علة مقبولة و لا يرتد الى سبب معقول.
       شعبي العزيز نعود فنقول  ان الصحراء صحراؤنا و لن يغير شيء  من هذا الواقع الذي ايدنا قسم التمسك به و الاستمانة من اجله كيد يكيده الاعداء و    طمع يظهر للعيان او يتقنع بقناع.
     و ان للظروف التي تعيشها في الوقت الراهن ظروف قاسية تقتضي منا جميعا استرخاص ما تستلزمه من تضحيات و هذه الظروف ناشئة كما تعلم عما أوجبته علينا مواجهة المحاولات التي تستهدف المس بسيادتنا ووحدة ترابنا ، كما هي ناشئة عن اضطراب الاوضاع الاقتصادية في العالم و عن الانعكاس السيء لهذه الاوضاع و الأحوال على حياتك اليومية  و مستوى معيشتك ولا مناص من احتمال هذه الشدة على ما يصاحبها من مشقة و عناء الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا و ان من دواعي اطمئنانا ان الكثرة الكاثرة من افرادك الذين يعانون يتلقونها بصدرهم الرحب ووعيهم المعهود و جلدهم الماثور.
   و اذا كان علينا ان نتحمل التكاليف التي يفرضها الوطن على كل واحد منا بحسب ما له من قدرة و طاقة فان تضحيتنا بما تقوم عليه من خلق شريف و سجية كريمة و تتوخاه من مثل اعلى و مجد وطيد و حرية ان تشيع بين ايدينا و من خلفنا بيئة لا تتباين ولا تتنافى فيها السير و الخلاق و الامل مكين ان تستيقظ الضمائر الغافلة و تهتدي البصائر الكلية الى سواء السبيل.
 و اذا كان حضورنا في الساحة السياسية هو
ذلك الحضور الذي تواصلت فصوله وتلاحقت أشواطه و مراحله و استبانت من خلاله جهودنا المصروفة بجد واستمرار فقد برز المغرب في ساحات اخرى سواء في هذه الديار او في غيرها من ديار الأشقاء و الأصدقاء و أسهم الإسهام الملحوظ في مختلف اللقاءات التي وجهت اهتمامها الى شؤون تمت بصلة الى الاقتصاد والاجتماع.
       بيد ان إسهامنا في هذه المجالات كلها على النحو الذي ألفناه وان نقع بعض الغليل فقد دعا الى التفكير في مد سبب بعيد الغاية و تأسيس مؤسسة قارة بمملكتنا يجتمع في أحضانها ستون عضوا من أرباب الفكر السامي و المتبحرين في العلم على اختلاف فروعه و أجزائه و يلتقون لتدارس المسالك المتصلة بالميادين الكبرى التي يجول فيها الفكر كعلوم العقيدة و الفقه و اللغة والفلسفة و الاخلاق ومناهج  الحكم و التاريخ و الآداب و الفنون و الرياضيات و التربية و الطب و الدبلوماسية و العلوم التجريبية و غير التجريبية و الاقتصاد و الصناعة و التعمير و التقنيات التطبيقية وغير هذه الميادين مما اعتدت به الحضارات السالفة و تعتد به الحضارة الحديثة والثقافات الراهنة و لتحقيق هذه الإغراض و إيجاد صلات تعارف و تبادل بين رجال ينتسبون الى جنسيات مختلفة وقارات متباينة او غير متباينة و يعرفون بما صنفوه من مصنفات و أسدوه للحضارة من خير أصدرنا ظهيرا يؤسس أكاديمية بمملكتنا وشرحنا السباب و الاعتبارات الموجبة لهذا التأسيس.
        وقد حان الوقت لجعل هذه الاكاديمية حقيقة ماثلة و مركزا قائما من مراكز الاتصال والاشعاع ليؤدي في رحابة نخبة من مفكرينا و علمائنا و مصنفينا و نخبة من رجال الفكر و العلم و التأليف ينتسبون الى قارتنا و قارات الشرق و الغرب الرسالة الحضارية التي نتطلع الى ان يؤدوها و يضيفوا بأدائها ثراء جديدا الى ما اكتسبته الانسانية العالمية من ثراء.
       لذا عزمنا على ان نعقد اكادميتنا الملكية أول اجتماعها في غضون شهر ابريل المقبل ان شاء الله .
   واملنا وطيد ان يتيح اللقاء و العمل المشترك بين إعلام العرفان من المغرب و افريقيا و الشرق و الغرب لبلادنا ان تضطلع بما يحتمه علينا موقعها الجغرافي من دور الوصل و التأليف بين العبقريات المختلفة و الامم و الحضارات.
شعبي العزيز:
   كلما حلت ذكرى جلوسنا على عرش اجدادنا المقدسين و انطلق احتفالنا و احتفالك بلقائنا الميمون ذكرنا والدنا جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه و غمر قلوبنا إحساس عميق بما أضفى علينا من جليل النعم التي لا ينسيها تعاقب ألازمان وبما اذخر ناه في أعماق النفس وفرارة الوجدان من كنوز التربية و التهذيب و التقويم و لا يغد علينا مثل هذا اليوم من كل عام الا ذكرنا ما أسداه للوطن من أياد بيضاء و أفضال سابغة وما قاساه في سبيل تحريره واستقلاله من الوان الابتلاء و الامتحان حتى صار ذكره مقرونا بالنضال المستميت و الجهاد المرير المتواصلين دفاعا عن كرامة وطنه و طلبا لرفعة شانه و حرصا على ان يتبوأ المقام المرموق بين الامم و الشعوب السائرة في مدارج الرقي الصاعدة في معارج النمو و الازدهار فرحم الله والدنا البطل المقدام شهيد العروبة و الاسلام و اسكنه فسيح جناته مع الذين انعم عليهم من النبيئين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.
 شعبي العزيز:
     ان صحراءنا المستعادة تتعرض منذ سنين لاعتداءات متكررة شنيعة تقوم بها عصابات مجهزة بأحدث عتاد ومسلحة بأقوى سلاح وهذه العصابات تنطلق من ارض الجزائر و تعود اليعا مندحرة مهزومة بعد محاولاتها لغزو اراضينا  و لولا يقضة قواتنا المسلحة الملكية والدرك وقواتنا المساعدة ولولا صمودها ووقوفها سدا منيعا و حصنا حصينا ولولا شجاعتها المنقطعة النظير و بطولتها التي سارت بذكرها الركبان و تضحياتها بأغلى ما يضحي به الانسان لتم لأعدائنا ما يريدون من الاستيلاء على جزء عزيز من ترابنا ولتحقق لهم ما يبتغون من تطويق بلادنا الا ان قواتنا ما فتئت تتصدى لكل هجوم غادر يصوب نحو اراضينا وكل عدوان غاشم يسدد الى مختلف الجهات من جنوب مملكتنا بذكائها المعهود و حزمها المألوف  وشكيمتها القوية و باسها الشديد فحالفها النصر و عقد الله الظفر بألويتها و إعلامها وهي من اجل هذه المحامد
والمزايا حقيقة بان يشيد قائدها الاعلى في هذا اليوم الأغر بلسانه و لسان المواطنين أجمعين بما تدفعه للوطن من خدمات و ينوه بما تكتبه من ناصع الصفحات و تضيفه الى تاريخ البلاد من مفاخر وأمجاد وان القائد الاعلى للقوات المسلحة الملكية ليغتنم مناسبة هذا العيد الوطني للإعراب عن اعتزازه بجميع افراد الجيش و الدرك و القوات المساعدة و عن إكباره لإخلاصها و وفائها لشعارها الخالد ولما تتحلى به في ساحة الوغى و حومة الصراع من اصيل الشيم وعريق الفضائل.
     و لنتوجه جميعا في هذا اليوم الذي هو رمز ائتلاف القلوب و اتحاد المشاعر الى الله الرءوف الرحيم بالدعاء و الابتهال ان ينزل شئائيب رحمته على شهدائنا الإبرار الذين كافحوا من اجل الوحدة و الاستقلال و ناضلوا لتوطيد دعائمها للدفاع عن الوحدة الترابية و صيانتها.
شعبي العزيز :
لقد شاء الله الذي القى إلي منذ تسعة عشر عاما زمام أمرك و مقاليد تصريف شؤونك ان تسايرني وأسايرك متضافرين متكاتفين لجعل هذا البلد الذي هو موطن الآباء و الاجداد و مناط سهرهم الدائب وحدبهم المتصل بلدا يصبوا الى التقدم و يكلف بالازدهار و يتعشق الحضارة ما خلف الاسلاف من تراثها وماجد من صحيح و صالح الوانها فحققنا من المسيرات اعودها خيرا على البلاد و اجداها نفعا للاجيال الحاضرة و الاجيال اللاحقة و ابقاها ذكرا في حسبان التاريخ و المؤرخين ، وسنظل شعبي العزيز سائرين على محجة الاصلاح و التقويم متطلعين باستمرار الى اعلاء البناء و رفع الصروح في وئام لا ينتكث و انسجام لا ينقطع و اتقان لا تبلى على الايام جدته ولا تذوي مدى الحياة نضرته.
 فأحفظ اللهم الآصرة الواصلة بيني وبين شعبي قوية لا تنحل و لا تنفصم و سدد خطاي و أيد مسعاي فيما ابتغيه لشعبي واكتب لي و لشعبي توفيقا منك يهديني و يهدي شعبي الى الأعمال والأقوال المقبولة لديك المحفوفة برضاك المنصورة بتعزيزك المستنيرة بنورك وادم اللهم علي وعلى شعبي الاعتصام بكتابك المبين وسنة رسولك و نبيك الامين وثبت الايمان في قلوبنا وقلوب المسلمين ولا تحرمنا جميعا من فضل الخشية و نعمة التقوى فقد قلت و قولك الحق:
(( و لو ان اهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الارض)).
 صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here