islamaumaroc

تأثر الأدب العربي بالفارسية -1-

  دعوة الحق

25 العدد

لسنا في هذا التعليق الوجيز متعرضين للتنويه بتلك المحاضرة القيمة ولا مثيرين إلى جوانب عظمتها. فهذا وذلك مما يدخل قي باب «الخبر بمعلوم»، بل ربما يغمط المحاضرة حقها الذي يشهد به الجميع كما يشهد لمثيلاتها العديدات التي ألقيت في مشارق الأرض ومغاربها.
وإنما الذي يعنينا في هذا التعليق هو بعض الملاحظات أو المراجعات التي نعتقد أن أستاذنا الكبير يسر لها خصوصا وإنها صدرت عن تلميذ له مدين لفضله ومعترف بجميله الذي لا حد له..
وأولى تلك الملاحظات أن أستاذنا قال في محاضراته : أن الدب العربي لم يتأثر بالفارسية بقدر ما تأثر باليونانية..
فهذه المسألة يبدو لنا فيها خلاف : ذلك أن الأدب العربي كان في تأثره بالفارسية أسبق وأمتن من تأثره باليونانية أما كونه أسبق فيشهد بذلك التاريخ والنصوص الأدبية التي بأيدينا ثم من وراء ذلك طبيعة الأشياء نفسها..
ففي الجاهلية نجد الحيرة بمناذرها الذين كان يؤمهم الشعراء من الأطراف القريبة والبعيدة كما كان بجانبهم آخرون مقيمون.. وجميعهم تأثر شعره بالفارسية وورد فيه كثير من الألفاظ التي تفوق كثيرا تلك الواردة فيه من غير الفارسية..
وحسبنا أن نذكر من هؤلاء عدى بن زيد والأعشى الأكبر.. اللذين ورد في شعرهما من الفارسية ما يزيد على مائتي لفظة..
هذا ما كان بالجاهلية أما في الإسلام فهذا الجاحظ مثلا –يذكر في كتبه عدة نصوص تثبت أن الفارسية كانت قد تدخلت بصورة جدية في الأدب العربي. وقد نقل نفسه في البيان بعض الأشعار الفارسية التي عرفت في الأدب العربي بنصوصها. كما يذكر أن بعض الوعاظ كان يعظ العرب بالعربية ثم يتجه إلى الفرس فيعظهم بالفارسية في أسلوبه القوي وفصاحته التي لم تنل منها إحدى اللغتين شيئا...       
فهذا النص يدل على أن الفارسية كان لها شأن لم يكن لتلك اليونانية التي حتى الآن لا نعرف أن واعظا كان يعظ بها : ف يذلك الحين ولا بعده..
وترجمة (كليلة ودمنة) من الفارسية تعطينا مثلا آخر لتأثير هذه الفارسية في الأدب العربي في عهوده المبكرة.. فالكل يعلم أن هذه الموضوع كان طريفا في الأدب العربي، ثم يعلم الجميع أيضا مقدار ما استفادته الدولة العباسية من لغة الفرس التي أندلست في قصورها وتقاليدها وآدابها.. وأخيرا نجد من الكتاب الذين تفتخر العربية بهم أبا بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمداني. وكلاهما لا ينكر له أثره الفارسي فيما استحدثه في الأدب العربي من ألوان لم تكن بتلك النضارة فيما مضى... وكذلك يقال في شعر مهيار الديلمي الذي زها به الشعر العربي زهاء قل نظيره..
أما اليونان فقد اتصلت بهم عقول العرب قبل أن تتصل بهم وجداناتهم وأخيلتهم، فعرف المنطق الذي ذكره الجاحظ في كتبه وبقية العلوم التي كانت متصلة بفلسفة أرسطو. ومنها البلاغة التعليمية التي وضع الفيلسوف لها أسسا لم يستفد منها الأدب العربي إلا استفادة عكسية جعلت بلاغته بها تبهت ألوانها وتتقيد حركاتها. على حين أن الأدب اليوناني ظل في منأى من الأدب العربي. ولم يستفد حتى فلاسفتنا منه إلا استفادة مشوهة يذكرها الدكتور نفسه في مقدمته على كتاب الشعر لقدامة بن جعفر..
أما عبد الحميد الكاتب فإن أسلوبه ليس بدعا بين الأساليب العربية. واستعمال الجمل الحالية التي تأخذ بتلابيب الجمل الرئيسية ليس كذلك من التأثير اليوناني. وإن أفرط فيه صاحبه فلعقليته الدقيقة التي يشاركه فيها عقليات أخرى عربية لا شأن لها والتأثير اليوناني..
وأخيرا ها هو القرآن وها هي الأحاديث النبوية وفيهما من المعربات الفارسية أكثر مما فيهما من معربات غيرها، ثم هذه كتب اللغة العامة أو الخاصة بالمعربات؛ تجد فيها المائات من هذه الألفاظ الفارسية كما نجد أصحابها يندفعون إلى الحكم بالفارسية في عدة ألفاظ ليست في الواقع فارسية، وإنما كان شعور أصحاب تلك المعاجم قويا في أن هذه الفارسية لها الأثر كله أو الأقوى في اللغة العربية. فحتى أخطاؤهم هذه نستفيد منها كما رأينا...
وثانية الملاحظات أن الأدب الفارسي –كما قال أستاذنا- لما جدد في العصر الإسلامي لم يظهر فيه إلا الشعر الفارسي وحده وأنه حتى في أوزانه كان لا يعدو الأوزان العربية، بل أنه تتخلل بعض أبياته أبيات عربية...
والحقيقة أنه ظهر بإزاء الشعر نثر فارسي فتي اشتهر كتابه به في رسائلهم الديوانية، وفي مؤلفاتهم الأدبية، وفي مناجاتهم الصوفية..
وعروضي في كتابه (جهار مقاله) يذكر في مقالته الخاصة بالكتاب كثيرا من الأمثلة والحكايات الواردة حول هؤلاء الكتاب. ومن إحدى هذه الحكايات أن كاتبا لبني سامان كان يحير رسالة ديوانية، وفي أثناء ذلك دخلت عليه خادمة فأخبرته بأن الدقيق خلص من البيت، فارتبك في رسالته وكتب (آرد نماند) أي الدقيق لم يبق. ثم سلم الرسالة إلى مخدومه فلما قرأها تحير من هذه العبارة وما حصل بعدها من ارتباك في أسلوب الرسالة، ونادى الكاتب وسأله عما ورد في هذه الرسالة، فخجل وقص عليه ما جرى له، فأجابه : أن أول الرسالة كان بمثابة «قل هو الله أحد» وإن الباقي كان بمثابة «تبث يدا أبي لهب»...
وكتاب عروضي نفسه يصح أن يعد أسلوبه الراقي من تلك الأساليب النثرية الفنية التي كانت تعايش الشعر الفارسي في أواخر القرن الخامس.. وهذا كتاب آخر للبيهقي أحد كتاب مسعود الغزنوي في النصف الأول من القرن الخامس نجد فيه عشرات الأمثلة من نثر الرسائل الديوانية التي حبرت أيام محمود الغزنوي في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس، كما نجد أخرى لمؤلف الكتاب ولغيره في منتصف القرن الخامس.. وكلها يشهد بما كان للنثر الفارسي الفني من مكانة خطيرة بين الآثار الأخرى الفنية.. أما مناجات الصوفية التي نشأت بنيساور في عهد سحيق فإننا نجد فيها روعة فنية ف ينثرها كما نجد ذلك في شعرها.. وحسبنا أن نتناول كتاب (مناجات نامه) لعبد الله الأنصاري فنجد ما يثبت هذه القضية إثباتا قاطعا..
وأما الأوزان العربية فقد استغلها الفرس حقيقة في أشعارهم ولكنها لم تكن وحدها تستعمل فيها بل نجد أن أول محاولة لنظم الشعر الفارسي في العهد الإسلامي كانت في ذلك الوزن الذي عرف «بدوبيت» واحتذاه حتى العرب فيما بعد كما فعل الأندلسيون المنتصرة باختراعهم الموحشات والأزجال واحتذاها غيرهم خارج الأندلس. ويذكر الفرس أن أول نواة لهذا الوزن كان عهد الصفارين الذين وقف أحدهم على طفل له وقد رمى ببندقة إلى الحفيرة التي كان زملاؤه يرمون أليها فلما وصلت لمكانها فرح الابن وطرب بهذه العبارة راقصا : (رفتان رفتان ميرود تالب كو) أي تذهب جارية جارية حتى شفة الحفيرة. فسر الملك لفرحة ابنه وصيحته السارة، وقال لرجاله : أتموا هذه الفقرة فأتموه، ونشأ من ذلك الوزن المعروف (دوبيت) أي البيتان وما زلنا حتى الآن نقول فلان يعمل البيتين..
وإذا كنا نجد في الشعر الفارسي مثل قول الجاحظ :
 
ألا أيها الساقي                                   أدر كأسا ونالها
كه عشق آسان نمود أول                         ولي افتاد مشكله
      أو قوله :
 
در حلقه كل ومل خوش                         خواند دوش بلبل
هات الصبوح هيو                                يا أيها السكارى
      ثم قوله :
 
آن تلخوش كه صوفي                          أم الخبائشش خواند
أشهى لنا وأحلى                                 من قبلة العذارى
فإننا نجده كذلك يأتي لنا بأوزان أخرى لا صلة لها بالعربية في أوزانها مثل قوله :
ميـــد مـــد صبـــح وكلـــه بســـت سحـــاب
                        الصبــــوح الصبــــوح يــــا أصحــــاب
وغير هذا مما هو في ديوانه وفي ديوان غيره من شعراء الفرس..
نعم إن الفارسية أخذت من العربية أكثر مما أعطتها ودخلت فيها مواد لغوية لم تكن موجودة في الفارسية قبل ذلك ولكن مع هذا فالفارسية أصبح لها منذ القرن الرابع الهجري كيانها التام في أدبها بنظمه ونثر.. وهي عن عدت اللغات التي لها الأثر الواضح في العربية فهي أولى اللغات وأشدها تأثيرا فيها ولا ريب...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here