islamaumaroc

التغيير والتطور في الإسلام -1-

  دعوة الحق

العددان 198 و199

قال تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال».
هذه الآيات البينات من سورة الرعد، وهي سورة مدينة آيتها 43 أو 45 على خلاف بين علماء أسباب النزول، تبتدئ بقوله تعالى « آلمر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك بالحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون» وتنتهي بقوله تعالى : «ويقول الذين كفروا لست مرسلا، قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب».
وهذه السورة تعرض بالتحليل لحقيقة كونية ثابتة وهي أن الله تعالى يتصرف في الكون كله وفق إرادته تعالى. والإنسان جزء من هذا الكون العظيم الخاضع لتصرفات خالقه .. الذي كرمه بأمانة الخلافة في الأرض فالتزم الإنسان يحمل هذا العبء وزوده خالقه بالعقل والإيمان، وأمده بعنايته ولطفه .. فكان على الإنسان الذي تحمل هذه الأمانة العظمى، والذي أقر بخالقه ومنشئه منذ يوم الميثاق أن يكون في مستوى تحمل هذه الأمانة وعيا وسلوكا، كما تعرض السورة لما في الكون من عجائب شاهدة على أن لهذا الكون خالقا لا مديرا حكيما لم يخلق شيئا عبئا، ولا يعزب عنه شيء. وتصوره مظاهر الكون الظاهرة للإنسان والخفية عنه في السماء والأرض، مبرزة أن الإنسان مخلوق له بداية ونهاية ومعاد .. غر أن الإنسان يجحد ما بعد نهايته فينكر البعث، لعدم قدرة عقله على استساغته، وبذلك يكفر بخالقه الذي يظهر باستمرار في أسرار الكون كله، فالله يدبر الكون وفق قاموس مرسوم وقوانين ثابتة ... والإنسان يستطيع أن يعي هذه الحقائق، إذ أن ما في السماء من كواكب ونجوم، وما في الأرض من أشجار ومياه لها صلة بهذا الإنسان، حيث يختلف عليه الليل والنهار ... ويعيش وينمو بما على الأرض من نعم ورغم ذلك يكابر، ويتنكر للعناية الأهبة به، فيعصى أوامر خالقه العالم بالحقائق كلها لأنه عين الحقيقة ... وعلمه تعالى علم بما في الظاهر والباطن، وما يعلنه الإنسان وما يخفيه، وسائله عما قدمت يداه ... وهو رحمان رحيم مدبر حكيم وسعت رحمته كل شيء ...
وتشرح السورة الكريمة هذه الحقائق في أسلوب خاص بها، والقرءان له أساليب خاصة متنوعة تبعا للموضوع حيث تختلف بين الموعظة، والحكمة، والتشريع والتوجيه ...
وأسلوب سورة الرعد له إيقاعه الخاص المعتمد على تناسق الكلمات، ووحدة موسيقاها في الجملة الواحدة وفي نهاية الفاصلة المطردة في الآيات، وفي حرف الفاصلة ذاته، كما أن عناصر الإيقاع واحدة في هذه السورة فيما عدا اتجاه المد وحرف الفاصلة في الجزء الأول منها حتى الآية الخامسة، وأما منهجها الوعظي فيعتمد على خلق ظلال، ومشاهد ترتاد بالقلب آفاقا وأكوانا، وعوالم ليبصر الإنسان ويتأمل ويشعر، وتفاجئ العقل بحجج وبراهين عقلية، وتجريبية تقنع الفكر والعقل، وترسخ الإيمان ... وهدف السورة إطراح قضية العقيدة، وما يلزم الإيمان به من توحيد وبعث وإيمان بالغيب، ووحدة الكون، وخضوعه لخالق مدبر قادر متصرف بالرحمة والعدل. ومردها أن الله تعالى عالم بسر كل إنسان، ما يظهر في قوله ولغته، وما يختلع به قلبه وذلك في أمر الله الذي يجل عن العقول فلا تعرفه، والإنسان حسبه أن يدرك بعقله ما يتصرف به لخير ذاته، وجماعته الإنسانية .. وقد خلق تعالى الإنسان فأحسن خلقه وهداه ليكون عضو خير في الجماعة الإنسانية، فهو يتعقبه بالحفظة على أمره لمراقبة ما يحدثه من تغيير ذاتي في نفسه وأحواله، ذلك التغيير الذي يترتب عليه تصرفه (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله). فالمعقبات لا تراها الأنظار، والحفظة تتعقب كل إنسان، والله تعالى لا يغير نعمة أو بؤسا ولا عزة أو ذلا، ولا رفعة أو نهاية إلا إذا غر الناس من مشاعرهم وأعمالهم. والله عالم عما سيكون منهم قبل أن يكون، وكل ما يقع عليهم مترتب على ما يكون منهم ... وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..
ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية : «لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم التغيير، إما منهم أو من الناظر لهم أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة، فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل تنزل المصائب بذنوب الغير كما قال (ص) وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون، قال : نعم: إذا كثر الخبث ..
هذا تفسير الآية كما هو عند أغلبية المفسرين، وليس ما يتعارض مع إحدى المقولات التي سجلها القرءان الكريم من المشركين الذين قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وفي غير ذلك في الآيات التي جاءت عن قوم صالح وقوم شعيب، فالمراد بذلك تسجيل الظاهرة الاجتماعية وهي مقاومة الإصلاح بدعوى عدم التغيير ... وموضوع تلك الآيات أن الأنظمة الفاسدة والعقائد الزائفة، التي ليس لها سند في الفطرة والطبيعة الإنسانية، وفي عدم تقييم (التراث) بل في الجمود عليه لخدمة مصالح خاصة، دون التحكم للمعايير المنطقية والتاريخية والاجتماعية، كل ذلك دعوى للمحافظة على حالة خاصة دون التطور المشروع، فالإسلام يقيم كل دعوة على طريقته الخاصة في الجمع والتحليل والاختيار والاستمرار والتجديد بالرجوع إلى الأصل، فقيمة القديم لفائدته لا يقدمه وقيمة الحديث لفائدته لا يحدثه.
إن الآية الكريمة تعترض لحقيقة اجتماعية، فقد قضت مشيئة الله والكون تابع لإراداته، أن تترتب هذه المشيئة بالسير على تصرف البشر أنفسهم وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم ... هذه الحقيقة الاجتماعية لا تختلف، وهي تمدنا بالحقائق الآتية .. تلك الحقائق هي أن الإنسان قادر على العمل مميزا للحق من الباطل، وأن الكون وقضاياه تسير وفق قانون باطني واضح، وهذه القوانين إذا تخلفت فسدت الأمور واضطرت الأحوال، فتغير الإنسان من حال إلى حال ... وكذلك فإن قوانين الكون كما خطها الخالق منسجمة لصالح الإنسان والإنسانية وتدخل الإنسان ليغيرها لا يطورها بل ذلك إفساد لها، إذ هي معاشه وسعاته فعليه أن يتحمل مسؤوليته.
وهذه القوانين الكونية هي تقدير الخالق وإرادته، فمن أحب السير وراءها فليسر على الهدى والطمأنينة، ومن أحب نبذها فليتحمل عواقب ذلك ( وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حبي عن بينة) إن هذه القوانين ذات أبعاد تنعكس على الحضارة (الإنسانية) .. وهي من أسباب الاختلاف والتطور، أو الانحدار في المسار الحضاري .. هذه هي القاعدة الاجتماعية المتعلقة (بالتغيير) وما يلحقه ...
فهي لا تعني (الفرد) وإنما تعني تغيير الجماعة .. لأن الفرد يتحمل وزره وحده (ولا تزر وزرة وزر أخرى). وقد يتغير الفرد لأسباب مرضية أما (التغيير) الاجتماعي فهو الذي يفضي إلى الانحدار ... والتغيير ليس هو التطور، بل هو إبدال الوضع الفطري الهادف إلى وضع مضطرب، وليس هناك من داع إلى التغيير، لأن الإنسانية تسير وفق الطور ..
والتغيير مشتق من كلمة (غير) أي تقليد (الغير) فهو استلاب ويحدث بإرادته جماعة ضد أخرى قصد استغلالها، واستبعادها وأن التطور غير التغيير .. فالتطور يعني التغيير البطئ في إطار الأسس الضرورية والفطرية للانتقال من حال إلى أحسن، حسب نواميس الكون .. ولذلك فالتطور أحكام في الانتقال من حال إلى حال دون طفرة أو خروج عن قانون الكون كله ... ومن هنا ظهر الإتباع كعنصر أساسي في فهم السير الاجتماعي بدل الاجتماع .. وليس معنى ذلك جمود على الوضع بل هو تغيير محكم هادف إلى الأحسن. وقد روي عن أبي مسعود قوله ( اتبعوا ولا تيتدعوا فقد كفيتم) والكافي هو الخالق جل وعلاه الذي أوحى بالمادي والأصول وطبق ذلك الرسول عليه السلام، فكان عمله مقياسا ومرجعا يرجع إليه المختلفون .. فالله أكمل دينه فلا حاجة للإبداع .. ويستلزم مذهب الإتباع لصمود الدائم لمقاومة المزاعم الوهمية لمذهب (الإبداع) بالمفهوم المناقض للإتباع .. إذ أن الإتباع إبداع مستمر وليس جمودا وسكونا، وليس تناقضات إلا إذا لم تحترم قوانين الإتباع التي تعني السير الدائم على أساس النهج القرآني والاجتهاد الدائم في الملائمة بين المنهج والبيئة والزمان ولا يعني (الإتباع) ما يسمى (بالمحافظة) أو مذهب المحافظين لأن هذا المذهب أناني ينكر على طائفة حقوقها، وتنقصه الشمولية المذهبية التي يتسم بها(الإتباع)، والتغيير في الجماعة أو الطبقة الهادفة إلى الاستغلال على حساب الطائفة المغيرة بالتحريف العقائدي، واللغوي، والاجتماعي، والاقتصادي. أما التغيير العقائدي فبتحريف الكلام عم مواضعه وبالاستلاب الثقافي، وأما التغيير اللغوي فبتغيير حقيقة اللغة ومزاحمتها بلغة أجنبية ... وأما التغيير الاجتماعي، فيخلق الطبقات ودفعها للتناحر والصراع، وأما التغير الاقتصادي فيمص جهود العاملين وابتزاز خيرات الأمة.
نعم، إن العقيدة الإسلامية واضحة، فقد أنزل الله تعالى آياته المعجزات على نبيه الكريم ليبلغها، وتلقى المسلمون الأولون القرءان مباشرة بإيحاءاته وتوجيهاته، فاستجابوا لدعوته بعد أن فهموه عقليا، وآمنوا به وجدانيا، وما هي إلا برهة حتى تطورا من حال إلى حال، وحققوا للإنسان المعجزة في الأرض. لقد غيروا أحوالهم فتطوروا، ثم نقلوا تجربتهم للعالم فطوروه، وما يزال المسلمون في مناعة رغم ضعف التأثير القرآني اليوم عما عليه فيما مضى.
لقد كانت اللغة القرآنية واضحة، لم تفهم بواسطة شروح وتفاسير، بل كانت تخاطب القلب والوجدان مباشرة، لذلك طورت الإنسان، فتكون وفق هدف القرءان، وهدف الرسالة السماوية، لقد كان التشريع بإيحاء القرءان دون تدخل العقل البشري بعبثه وكبريائه، فقد حطم الإسلام الوثنية داخل الإنسان وهي من هواجس الشيطان، كما حطم الأوثان والأصنام ليطهر الإنسان من رجس الشيطان،وجعل، يحاول دائما أن يطبق بالمثل العليا الإسلامية على طريقة الهدى المحمدي، لا على طريقة المثالية الأفلاطونية، ولا على طريقة الفرار من الواقع والدنيا حسب نهج المسيحية، ولا عن طريق المادية والاستغلالية اليهودية.
فاللغة القرءانية لها أسلوبها الخاص، فهي لغة الوحي، ولهذا فدلالتها في ميدان العقيدة بالإيحاء لا بالإصلاح، وفي ميدان التشريعات الإنسانية، بالاصطلاح لا بالإيحاء، وهي بين هذا وذاك ميدان تطور العقل الإنساني والأخلاق للبشرية كلها، فالإسلام يطور الإنسان من حال إلى حال، من أسفل سافلين إلى أعلى عليين .. لأن التطور( الحق) هو طبيعة فطرية إنسانية، وهو في الإسلام يعتمد(أولا) عقيدة سليمة فطرية. (ثانيا) لغة واضحة إيحائية و (ثالثا) معرفة شمولية وشعبية و (رابعا) تشريعات اجتماعية وأخلاقية و (خامسا) ذاكرة ثقافية حضارية، وكل تغيير سواء في العقيدة أو تغيير اللغة، أو تغيير المعرفة أو تغيير التاريخ.. كل ذلك تحريف وتردي للإنسانية إلى الدونية، لأن العقيدة الإسلامية هي توحيد الخالق عن طرد الشعور الوجداني، والبرهان العقلاني .. وهي عقيدة فطرية أقرها (الميثاق) الإنساني للخالق، كما أنها واضحة في آية (الميثاق)، وفي تدرج الرسالات السماوية إلى أن حققت مطافها في رسالة خاتم الأنبياء حيث وصل الإنسان إلى مرحلة الرشد، ولم يعد في حاجة إلى معجزات تثبت الرسالة بقدر ما هو في حاجة إلى معجزة القرءان ككتاب الإنسانية الأكبر، وقائدها الأبدي، وليس في حاجة إلى فلسفات تمنطق تفكيره، بقدر ما هو في حاجة إلى معرفة شمولية تنظم مجتمعه، فأي تغيير في هذه العقيدة يعتبر إفسادا ورجوعا بالإنسانية إلى الوثنية، والتثليث، والتحريف وبالتالي إلى الرقة والفساد العقيدي والانحراف الثقافي ..
لقد جاءت دعوة الإسلام للنمو بالإنسان، وما كاد المسلمون بعون الدعوة القرآنية حتى تطوروا .. لأن العقيدة الإسلامية ترتكز على الإيمان والعقل والسلوك ... وهي فطرية في أساسها وتطورها وهدفيتها، منسجمة مع الكون كله، كما أن العقيدة الإسلامية دينميكية في حركة دائبة، لها أركان الإسلام الخمس كالمحور يتحرك في كل اتجاه لينقل الإنسان إلى السعادة والاطمئنان، وحركتها الدائمة ليست على أسلوب القضية وعكسها للتولد أطروحة ثالثة لا تلبث أن تقوم بنفس المدار كما ترى الفلسفة المثالية، بل حركتها هي التجمع المستمر ثم النقد، ثم الاختيار والتمسك به، إلى أن يضمحل بتدخل الفكر من جديد في التجمع والنقد والاختيار والتمسك مع العودة الدائمة إلى (القيم الواقعية) .. وفي مرحلة التجميع يتحكم التواضع والفهم بالعقل والبصيرة والوجدان، والبحث عن الطريق ومن هذه الأرضية ينتج عن (المخاض) قبول كل الأشياء حتى يتم التجميع، ثم النقد المتواضع الطبيعي والتلقائي، وانتهاج الشك للتواصل إلى اليقين، على أساس المقارنة والوعي فإذا اطمأن المجتهدون إلى عملهم أصبح (إجماعا) يعتمد عليه إلى أن يتلاشى مفعوله لنعود إلى الأصول السليمة مجددين، والنقد دائما منهاج للبحث على أساس المتحركات في المعاملات، لا في الثوابت في الأركان.
ويفرض الإسلام في فهم تطوره بما يأتي:
أولا : يرى تعاقب الوجود والماهية في حلقة متصلة، لا كما ترى الوجودية.
ثانيا: يرى أن الشيء وضده لا يتولد عنهما نقيض، ولكن استمرار حركة القضية، وضدها جزء من التجمع والاختيار، لأن الحقيقة نسبية ولا توجد حقيقة كاملة إلا حقيقة الوحي الإلهي، وكل الحقائق هي عملية موازنة وتوازن، وعدل، وعلى الإنسان أن يظل في خضم الموازنات في حركة فكرية ووجدانية دائما ليحقق (السوبرمان) المسلم الذي ليس معناه (السوبرمان) في فلسفة النيتشية ولكنه النموذج الذي تحقق كاملا في النبوات والذي له نظرة واضحة عن الإنسان يمكن احتذاؤها، وهذا الإنسان نزاع إلى الخير في تعاليم الدين الذي يرى أن على الإنسان أن يظل متطروا روحيا وماديا معا، فلا يمكن لأي إنسان أن يسبع رغباته المادية فقط، فذلك مستحيل كالسلحفاة التي تسير دائما وعلى ظهرها القصبة الهدف. ومن كان على مستوى الحياة الإيجابية، فيجب أن يظل فكره لاهثا حيا، وروحه راضية، ولهذا فالإسلام ل يقر (الوثنية الثقافية)، ولا الوحدة الثقافية أيضا، وحتى توحيد الشهور ليس من الضروري ما دام الحساب القمري يعطي التحرر الإقليمي، والحركة الدائمة، والتطلع إلى الغد (إلى أن يشاء الله) فالتطلع إلى المزيد من المعرفة وعدم الكفاية بالحد الأدنى من الحياة، الذي ليس من طبيعة الإنسان الاكتفاء به، ولهذا فعلى الإنسان أن يعمل باستمرار والمشيئة ليست قدرية، ولكنها لقاح لتواضع الإنسان الدائم، والسير دائما وراء التطور. فإذا غير الناس حالهم انقلبوا إلى الدونية، وهذا مصداق قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) إن كلمة ( التغيير) كما قلنا مشتقة من الغير، والغيرية معناها، ما يقابل (الذات) و (الأنا) فهي ليست التطور الذي يعني إثبات الذات والتحول من حال إلى حال والذي يقتضيه التطور والنماء ولهذا فالتطور ضرورة بشرية لأنه ارتقاء في سلم الحياة، مثله مثل تطور الجسم البشري وتغييره من مرحلة الصغر إلى مرحلة الكبر .. أما التغيير، فهو محاولة غير فطرية تفرض من طرفين طرف مغير تعسفا على الآخر وطرفا يقبل( التغيير) ضعفا واستسلاما، فالتغيير موضوع يحتمل أن يكون من طرف مغير أو متغير، ولهذا جاء التغيير (كما) في قوله تعالى ( ما بقوم).
وإذا كان الإسلام يقر التطور السليم، فهو ينكر التغيير، ويرى فيه طريقة الانحدار والتأخر.
فالتطور ضرورة إنسانية سليمة، وتلك ميزة الإنسان تحدث وفق مقتضيات سليمة. وقد أحدث الإسلام تطورا سليما في تاريخ الإنسان والرسالة المحمدية تعتبر الحلقة المحكمة لتربط بين ماضي الإنسان السليم ومستقبله السعيد، وهي في أسلوبها منهج لكل تطور، وبتحليل حقيقة التطور الإنساني في الإسلام يستمد الإنسان الأصول السليمة لكل تطور اجتماعي وتقني وأخلاقي حتى تقابل بين التطور والتغيير والفرق بينهما ...
والأمة إذا كانت تحافظ على سلم التطور تتقدم باستمرار، أما الأمة التي تغير لغتها وثقافتها فتغير تبعا لذلك حضارتها وتسقط في الضياع، والتبعية، وتربط مسيرتها ضالة جاهلة وراء عربة أجنبية، عنها خطا وسائقا وهدفا، وهي مسئولة عن التغيير إلى الجونية والتبعية والإنحاط، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وفي وسع كل أمة أن تتجنب عوامل التغيير، لتكون في الخط السليم والتطور الرزين.
ونستنتج مما سبق أن العقيدة هي النواة الأولى في بناء شخصية الأمة ...
ثم تأتي الأداة اللغوية للحفاظ على الشخصية الفطرية الطبيعية، فاللغة أداة الاتصال الجماعي .. ونعني بها موضوعيا صلة بين الفكر والفكر عن طريق التعبير .. وموضوع اللغة شائك ومعقد، لأنه يتصل بالطبيعة الإنسانية وكيان المجتمع ولأن لغة الحق متطورة بذاتها لتعبر عن التفكير المنظم، والتطورات والمفاهيم ولتواصل الأفكار، وتنقلها، سواء على مستوى الجماعات الحضورية، أو على مستوى التاريخ، ونقل التراث من جيل إلى جيل، ولهذا فلا عجب أن ترى البيولوجيين يرون اللغة والفكر في مرتبة أعلى الخصائص البيولوجية، وأن نرى السوسيولوجيين يرون أنها من الخصائص الثقافية التي تفرد بها المجتمع الإنساني، وأنها أهم من الفن والعلم والتقنية، ويرى علماء الحضارة أنها أهم عامل ساعد على إنشاء الحضارة الإنسانية فهي أساس ظهور السلوك الإنساني الذي يحتاج إلى اتصال كلامي مستمر بين الأفراد.
ويقرر الإسلام أن اللغة أساس الثقافة والحضارة، فالله تعالى علم آدم الأسماء كلها، وإذا علمه الأسماء فقد علمه المسميات، أي أعطاه ملكة البيان اللغوي، ومعنى هذا أن اللغة أساس المجتمع وسلامتها وفطريتها وعدم تحريفها واستيلابها أساس لسلامة المجتمع أيضا. وعلماء تاريخ اللغة يقرون هذه الحقيقة الدينية بلغة العلم، فالكلمة تعني العقل والفكر، وكلمة المنطق في اللغة اليونانية Logos (لوجوس) هي الكلمة الفرنسية Logu ومعناها الكلمة ... وفي نفس الوقت تدل على الصلة بين الفكر والعقل واللغة ... فالكلام هو الفكر، ويقرر علماء النفس السلوكي أن لا غنى للتفكير عن اللغة فالتفكير حركة لا شعورية للأحبال الصوتية، وهو الهمس الذي يدور بين المرء ونفسه. وأني أميل إلى اعتبار اللغة علما بيولوجيا لاعتبارها علما طبيعيا، وبالأحرى فنا أدبيا ... لأن اللغة ملازمة للفكر واللغة، والفكر، كالبيضة والدجاجة لا تعرف أيهما أسبق، والتفكير بلغة الكلام بجانبه صور أخرى للتفكير لا تعتمد على اللغة بمفهومها الضيق، والشفرة البيولوجية في اللغة تقتضي الأخذ والعطاء، أي التلقي الخارجي، والتلقي الذاتي والإقصاء، فالفكر جهاز تلقي، وجهاز استيعاب ودرس، وجهاز عطاء ومواصلة ... والتلقي يكون عن الإلهام في الكون نفسه والدرس يكون بالتحليل اعتمادا على التجربة والمعرفة، والعطاء يكون عن طريق الاتصال خارج الذات بواسطة (الرادار) الإنساني المركب من المقولتان وعلى قدر طاقة الفكر يعظم الإنسان أو يصفر ويكون مفكرا أو عاطفيا ... وعلى قدر سلامة الحواس، والعلم والتجربة، يكون الإنسان في صميم قدرة التعبير والنفوذ إلى معرفة ما حوله القدرة على الاستيعاب والفهم، والانسجام مع الكون كله والإنسان جزء منه وعلى قدر الاتصال بالحق يكون الإنسان في صميم الدين الإسلامي لو بعيدا عن الحقيقة في متاهات الانحراف.
وقد جرف علماء اللغة في دراستهم البعيدة عن هذه الأصول الفطرية إلى أخطاء وتحريفات كان من نتائجها تحريف الفكر والعمل الإنساني ..
فقد أخطأوا حين زعموا أن اللغة سابقة على الثقافة عنها مع أن الإسلام يقرر التلازم بين اللغة والفكر، وبين المعرفة واللغة، ولا لغة دون علم، ولا علم بدون لغة ... وليس في استطاعتنا أن
ندرس المصطلحات ونعرب التعليم لتطور الفكر، لأن التلازم أكيد بين العمل والفكر وبين المعرفة واللغة، وبين التطور الاجتماعي والنماء الفكر ... ولن نخلق اصطلاحا لغويا لما لم نخترعه، كما أننا لن نخترع شيئا دون أن نعطيه مصطلحا، فلو لم تكن اللغة لم تكن المعرفة، ولولا المعرفة لم تكن اللغة ... وأن نشأة اللغة كما يرى الإسلام بداية فطرية في الإنسان وهذا لا يمنع من أن أبناءها وتطورها يحدد بالبيئة، والعالم الخارجي عن الذات والتصورات الخاصة وموقف الإنسان من نفسه ومن الآخرين، ولهذا (فالمناغاة) لغة وراثية ه سلوك ثم هي بعد ذلك لغة بالمفهوم الأدبي للغة ... وهي بيولوجية في نشأتها، طبيعة بعد ذلك، وأخيرا أدبيا وقتا ... وفي تاريخ على المنطق ما يدل على ذلك، فالمنطق الأرسطاطالي منطق فكر ولغة، والمنطق الاستقرائي، يرى أن قواعد اللغة هي الجزء الأول للمنطق، وهي بداية التحليل، ومبادئ اللغة هي الوسيلة التي تتم عن طريقتها الملاءمة بين الصيغ اللغوية، والصور الكلامية للفكر، وفي المنطق الرياضي تعتبر اللغة تعبيرا أدبيا ملازما للتفكير الرياضي.
ومن التحليل الفلسفي للغة يظهر أنه وسيلة للتعبير عن العواطف والأفكار وتوصيلها للآخرين عن طريق الأصوات الكلامية التي تجمع لمبادئه بل تكسرها أحيانا عن عمد وأحيانا عن غير وعي.
ومن هنا فاللغة القرآنية لها مميزات خاصة أصيلة، أن ما لكلمة القرآنية تسير في اتجاهات ثلاث، في اتجاه العموم والإيحاء، وفي اتجاه التحديد الاجتماعي وفي اتجاه التحديد الإنساني الشمولي، فكلمة(الله) تعالى تعطي في مدلولها الأول المفهوم الإيحائي البعيد عن التصور، ولكن قد تضاف إلى الضمير، فترتبط بالمفاهيم الإنسانية، وأخيرا لها دلالتها العامة الإنسانية، ولهذا فالقرءان يفهمه كل إنسان عن طريق الإيحاء دون حاجة إلى اصطلاح لغوي، ولا يمنع ذلك من فهمه على أساس اصطلاح اللغة التي نزل بها، ثم يفهم على أساس اللغة الإنسانية العامة المعجمية ... فالكلمة القرآنية هي شحنة صوتية بين عالم الإنسان، والسمع كالثور الذي هو شحنة كهربائية بين عالم الاحتكاك والعين .. والإذن جهاز التقاط إذا استمعت في وضوح في العقل الواعي والوجدان المتدفق، غيرت المعرفة في الإنسان من حال إلى حال ... وبما أن الكلمة القرآنية شحنة نورية، فالتعبير القرآني أساسه الوضح، فلا كهانة ولا استئثار بالمعرفة، ولا نفاق ولا سفسطائية.
والاشراقية نورانية القرءان لم تتدخل في شرحه المعاجم والمصطلحات والتأثير الفكري الإنساني بفهمه الخاص، ومدرسته الخاصة واصطلاحاته ... لأن الإيحاء تعبير صادق كالضحك والبكاء وهو خطاب من السماء إلى الروح ...
فاللغة المشرقة هي المقياس الصحيح لمدى قدرة العقل الإنساني على الاستيعاب والفهم والدليل على نسبيته لأنه لا يستطيع أن يدرك المعرفة التي تتجاوزه، والمفسرون يختلفون في معارفهم، مما يدل على أن المجهول عند فرد قد يكون معلوما عند آخر.
ويقول ناقد انجليزي معاصر (جرج شتاينز) في كتابه اللغة والصمت إنه لم يعد في إمكان اللغة اليوم أن تستوعب شيئا خارج سطح التجربة وكل ما يتجاوز هذا السطح، وهو القسم الأكبر والأكثر أهمية، يلفه الصمت ... والسبب هو أنه لا يمكن التعبير بالكلمات عن لا نهائية المكان مادة وقضاء، وعن نسبية الزمان والبنية الذرية للمادة، وحالة الموجة الخ.  وقد حرص علماء السلف من المحدثين والفقهاء والبلغاء أن لا يخرجوا اللغة عن الخط الإسلامي الفطري، فالصدق هو مطابقة الكلام للواقع ولما في العقل، والكذب عدم مطابقته للواقع ولعقل .. وهكذا يظل الصدق واضحا فلا مجال للتلاعب بالقيم عن طريق اللغة، ولا عن مجال للسفسطائيين والمغريين والمنافقين ... فالتحريف اللغوي أساس تحريف الديانات السابقة، والمسلمون لم يحرفوا الكلام عن مواضعه وإنما تلك ثقافة الكهان والأحبار.                                

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here