islamaumaroc

نظرة على "بغية الرائد" (للقاضي عياض).

  دعوة الحق

العددان 198 و199

قبل أن نتعرض للجانب الهام الذي عنينا من هذا الكتاب، نسجل ارتياحنا لإخراجه هذا الإخراج، الذي لا يكاد يسلم من آفاق الطباعة التي تتعرض لها منشوراتنا في الغرب والشرق على السواء.
إذا الأخطاء من هذا القبيل قليلة في هذه النشرة،ولا تتعدى عدد الأنامل، مثل «أي» بالسطر السابع من الصفحة 65 مصفحة عن «أن» ومثل «لبيته» مصفحة عن «مخافة» ببيت طرفة الوارد في الصفحة 100 وربما كان البيت كذلك بالأصل لدى المؤلف. ومثل زيادة «ألا» في بيت بالصفحة 103 ورد هكذا:
وزاد أكلناه ولن ننتظر به غذا
            إلا أن بخل المرء من أسوأ الفعل
وصوابه هكذا :
وزاد أكلناه ولن ننتظر به 
           غدا وزاد أكلناه ولن ننتظر به إذا
وفي الصفحة 202 ورد «ولف» ببيت ذي الرمة وربما كان كذلك، بالأصل، وصوابه «ساق» ولا يستقيم المعنى المقصود من كونه «ساق الثريا الصبح» الا به ومثل ورود مصراع بيت بالصفحة 123 هكذا :
فإنك لبن بالضيف تامر
وصوابه كما هو من البيت :
وغرتني وزعمت أنك لابن بالضيف تامر
وهو من شواهد العروض في الكافي وغيره، كما أن النحو يستشهد بلابن وتامر على كون الصيغة تغني عن ياء النسب وهو ما أشارت إليه الخلاصة بقولها :
ومع فاعــل وفعــال فعــل
            في نسب أغنى عن اليا فقبل
ومثل «المهلهل» الوارد بالسطر الثالث من الصفحة 201 ، مصفحا عن «المسلسل»  من بيت ذي الرمة :
قف الغيس في أطلال مية فاسأل
                رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
ونستبعد أن يكون البيت واردا بذلك في الأصل عند المؤلف لأن الرواية لم ترد به، أما الجانب الذي يهمنا من الكتاب، فهو النقد الأدبي، الذي يعد أقدم ما لدينا للمغاربة فيه، ولا غرو في هذا فالقاضي عياض بآثاره العديدة، أقدم شخصية علمية أدبية في التاريخ المغربي على الإطلاع، وما زالت الأيام تطالعنا أو تطلعنا على كنوزه الثمينة ودفائنه الخفية ، ومنها هذا النقد الأدبي ، الذي لم يعرف للمغاربة منه إلا القليل جدا، وفي لمحات خاطفة كذلك، كما نجد للشريف السبتي المعروف بالغرناطي، واستمر النقد في غفوته، حتى كان في القرنين الحادي والثاني عشر تلميذ لليوسي وهو أحمد بن يعقوب الولالي المكناسي، ينبعث به في شرحه للتخليص «مواهب الفتاح». ففي هذا الشرح نجد له كثيرا من المواقف النقدية الهامة، أشرنا إلى بعضها، منذ ثمان وعشرين سنة في تناولنا لتاريخ البلاغة العربية، بما جعلناه كمقدمة في نحو سبعين صفحة، على كتاب «دلائل الإعجاز» الذي علقنا عليه أيضا. ولم نكن آنذاك قد اطلعنا على هذه «البغية»، وألا لكنا جعلنا ما فيها من نقد بلاغي تاجا على مفرق النقد المبكر عند المغاربة، كما أننا لم نكن قد أطلعنا على كتاب «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» لحازم القرطجني، وألا لكنا قد عصبنا به جبهة النقد الأدبي عند الأندلسيين.
وصنيع عياض كتابه فريد، وهو وليد له، كما قال فيه : «مما لم يتقدم فيه كلام بلغه علمي وانتهى إليه ذكرى».
هكذا قال عياض رحمه الله، وإن كان في مواقفه النقدية الأدبية يفصح باعتماده على علماء النقد والبلاغة، كالرماني والباقلاني والحاتمي والثعالبي والسبتي والآمدي والخفاجي والأخفش والمعري وقدامة ابن جعفر الذي أكثر من النقول عنه، كما اعتمد على النصوص الأدبية التي ساقوها ويستشهد بما يستشهدون به من أشعار غالبها تضمنها ديوان الحماسة لأبي تمام، ولم يذكر من شواهد مغربية الا واحدا له في المتشابه وهو :
إذا ما بسطت بســاط انبســاط
             فمنــه فديتـــك فــأطو المزاحا
فــإن المــزاح كمـا قـد رآه
            أولـــو العلـــم قبل عن العلم زاحا
بهذا ورد البيتان، والمعروف لنا فيهما « فعنه فديتك » ثم « كما قد روى » وهو أظهر وأليق بالتركيب ثم بالاصطلاح الحديثي.
وبعد فمن مواقف القاضي النقدية أنه لا يرتكن في بعضها على أقوال النحاة، بل يحتكم إلى الذوق، ولهذا نجده يقول فيها : « لم أر ذلك من جهة النحاة، وتقويم الألفاظ، ولكن من جهة المعنى وتصحيح الأغراض، وترتيب الكلام ونظامه، ورد إعجازه لصدوره وتفصيل أقسامه » فهو  بهذا يخالف في الظاهر، عبد القاهر الجرجاني، الذي يرتكز البلاغة على «توخي معاني النحو»، وإن كان في العمق يتفق معه في « جهة المعنى» المتوخاة من لدن جهابذة النحاة كالفارسي وابن جنى وزميله محمد بن الحسين الفارسي تلميذ الأول وشيخ الجرجاني الوحيد في النحو. وطبق بعض نظراته على ما ورد في أحاديث النسوة، فقال في قول إحداهما «زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر»: إن هذه المرأة أودعت أول كلامها تشبيه شيئين بشيئين ... فشبهت باللحم الغث بخله وقلة عرفه، وبالجبل الوعث شرسة خلقه وشموخ أنفه. ففصلت الكلام وقسمته، وأبانت الوجه الذي به علقت التشبيه وشرحته، فقالت : لا الجبل سهل فلا يشق اتقاؤه، لأخذ اللحم الغث المزهود فيه، لأن الشيء المزهود فيه ربما أخذ إذا جاء عفوا ... ثم قالت ولا اللحم سمين فيتحمل في طلبه ... مشقة صعود الجبل ومعاناة وعورته ... فقطع الكلام عند تمام التشبيه والتمثيل، وابتداؤه بحكم التفسير والتفصيل، اليق بنظم الكام، وأحسن من نفي التبريد وسرد الصفة في نمط البيان، وأجلى في رد الإعجاز على صدور هذه الأقسام.
ثم أتى بنظائر لهذا التقسيم المفصل من القرءان الكريم، فقال في ذلك : وحيث وردت المنفيات فيه لصفات أشياء، أو لتشيئين يختص كل واحد منها بوصف، وقصد كل شيء منها بنفي عيب، ابتدأ الكلام حينئذ مستأنفا فقال : «بيضاء لذة للشاربين، لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» فقوله « لا فيها غول» من صفات المشروب وقوله « ولا هم عنها ينزفون» من صفات الشاربين. وهذا من الترتيب البديع والتناسب العجيب ... ومثله :
قلبـــي وطرفـــي منك هذا في حمـى
                  قيظ وهـذا في ريــاض ربيـــع
فإنه حمل « حمى القيظ» على القلب، وحمل « رياض الربيع» على الطرف. فتناسب النظم على نسقه، وتطارد الترتيب ... وفي الفصل الذي عقده أخيرا للبيان، تعرض- كما قال –لفنون البلاغة، والأبواب الملقبة بالبديع من لفظ رائق، ومعنى فائق ونظم متناسب، وت؟أليف متعاضد متناسب ...من الكلام الفصيح الألفاظ، الصحيح الأغراض، البليغ العبارة، البديع الكناية والإشارة .. فكرر في بعض هذا ما سلف له مختصرا، وهو كون جمال الكلام من حيث الانسجام وإحسان النظم فيه، مع مراعاة فصاحة ألفاظه وصحة معانيه، وتلوين العبارة بصور البيان والبديع من نحو الكناية والاستعارة والتشبيه كما جاء ذكره بعد قوله السالف.
ويقول في أهمية التشبيه الذي صنف شكله : أنه « أحد أنواع البلاغة، وأبدع أفانين هذه الصناعة، وهو موضوع للجلاء والكشف، والمبالغة في البيان والوصف، والعبارة عن الخفي بالجلي، والمتوهم بالمحسوس، والحقير، بالخير، والشيء بما هو أعظم منه وأحسن، أو أخس وأدون، وعن القليل الوجود بالمعهود المألوف، وكل هذا التأكيد البيان، والمبالغة في الإيضاح». ثم صار يمثل بآي من القرءان الكريم لذلك وبعده قال : وقد يقع تشبيه الشيء بالشيء تشبيها مجردا، ليس في شيء من الأبواب المتقدمة، كقول امرئ القيس :
كـان قلـوب الطيـر رطبـا ويابسـا
               لدى وكرهــا العنـاب والحثــف البالي
لكنه يلحق بنوع التوليد والتخريج، الذي بلاغته الفطنة لإدراك التشبيه، لا غير، وصدقه فيه، وإن كان لبعضهم في هذا البيت مقال لا أرتضيه.
ومن قبل هذا مثل للتخريج والتوليد لغريب الشبه ومخيلة المثال، وهو وجه بلاغته، بقول المعري في كف الثريا :
كـان يمينهـا سرقتــك شيئـا
            ومقطـوع  عـلى السـرق البنـان
وعلى كل فقد شرط في التشبيه أن يكون صادقا ( أي موفيا غايته) من الوجه الذي وقع به التشبيه، وإلا اختل به الكلام كما قال، وزاد في شرحه بعد ذلك. أما بيت امرئ القيس الذي نظر إلى معناه الآن، فقد سبق له أن نظر إلى رصفة، وأعجب به من حيث التناسب في الإتيان بالعناب للقلوب الرطبة وبالحشف لليابس منها، على الترتيب والتنسيق في الذكر، الأول للأول والثاني، كما قال بعضهم :
سـل عنـه وانطـق به وانظر إليه تجد
               ملئ المســامع والأفـــواه والمقل
وفي الترضيع قال : وقد يسمى بالموازنة وبالتسميط وبالتضفير وبالتشجيع، وهو أن تتضمن الفقر أو بيت الشعره قاطع أخرى بقوافي متماثلة، غير فقر السجع وقوافي الشعر اللازمة، فيتوشح بها القول، ويتفصل بها نظم اللفظ، كما (رأينا المرأة) أتت بجمل في وسط الفقرة الأولى وجبل في وسط الفقرة الأخرى ( فيما سبق به التمثيل آنفا) وجعل عياض منه «فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا» ففيه مقابلة (بين «فأثرن» وبين «فوسكن»). وبعد ما تكلم عن المجانسة قال :واختلف أرباب البلاغة والنقد في هذا النوع (من البديع) إذا لم يكن مشتقا من أصل واحد، فسماها بعضهم مجانسة تغليبا للأكثر، وأما أبو الفرج قدامة، فسمى هذا النوع مضارعة، ومثل له بسرى مع شرى، وفساح مع فياح، وعجر مع بجر، وتعشيش مع تغشيش، ولكنه- أي عياض- قال : وأما التجنيس الحقيقي فهو أن يكون في الكلام لفظتان، إحداهما مشتقة من الأخرى، مثل «انصرفوا صرف الله قلوبهم» ومثل «الربا ويربى» أو بمنزلة المشتق نحو «تنقلب فيه القلوب» ونحو     « وأسلمت مع سليمان» وكله من القرءان الكريم. أو تكون لفظتان على صيغة واحدة مختلفي المعاني، نحو «الظلم ظلمات» وقريب منه « ناظرة إلى ربها ناظرة» وقال : وكان أبو الفتح البستي يسمى ما كان على قول الأفوه «ملقى عظام لو علمت عظام» متشابها. ثم قال عياض- رحمة الله- واخترع قوم من المتأخرين أنواعا غريبة سموها تجنيس التركيب، كقول المعري :
مقــالينـا مقــاليتــا
        ومطــايــا مطــايـا
وهو كما قال- «نوع متكلف من غير حدود البلاغة» إذن فشرط البلاغة عنده خلوها من التكلف. وهي منه قوله قيمة رددها غير ما مرة. ولكنه مع اعتماده على هذه القاعدة، استثنى فقال، ربما يندر منه المستحسن، كقول الميكالي :
تمـت محــاسنه فمـا يرزي بها
          مع فضلــه وسخـائه وكمــاله
إلا قصــور وجــوده عن جوده
         لا عــون للرجــل الكـريم كماله
وقال البستي « فهل لمنهاجي من هاجي» «فدعني فإن يقيني يقيني» وقل الآخر « أرى قدمي أراق دمي» وبعد هذا قال «وألحقوا به تجنيس التصحيف»، وهو مشاركة صورة الحراف في الخط دون اللفظ، وهذا لا يدخل في باب البلاغة المستجادة ولا المتكلفة أصلا، ولا في شيء من حدود الكلام، ولا صناعته، إذ لا يقرع السمع منه لهجة ، ولا يقوم له في النطق حجة، وقد رأيت أبا منصور الثعالبي، وقد عد هذا الباب في باب التجنيس وذكر فيه قوله تعالى: «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» وأشباها لهذا من الكلام، وليس عندي من هذا الباب وهو من الباب الأول الذي سماه قدامة بالمضارعة، وهو التجنيس في أكثر الكلمة أو بعضها، وذكر في هذا الباب قول بعضهم : النار في الفتيلة كالتعادي للقبيلة، والصب مع الضب . . . وشبه هذا فلم يحسن هذا ، ولم يقل شيئا لأجل صورة الحروف، إذ لاحظ لهذا كما قلنا في الفصاحة ولاحظ ل من التجنيس.
وفي رده شيء من التناقض إذ المضارعة من التجنيس – كما قال – والثعالبي عد ذلك الباب في باب التجنيس، فهو أن كان مضارعة داخل فيه وفي كلامه على المطابقة قال، هو مقابلة الشيء بضده، ومثل له الوعر مع السهل، والغث مع السمين ( مما تقدم ذكره) وهو مما يحسن الكلام بمقابلته، ويروق بمناسبته  . . واختلفوا في تلقيبه، فكان قدامة يسمى هذا بالمتكافئ ، وخالفه في هذا الجميع، ولا يكون هذا النوع عنده متكافأ إلا إذغ كانت الكلمة وضدها الحقيق، مثل السمن والهزال والسهولة والوعرة والسواد والبياض والنطق والسكوت. أما البياض مع الحمرة والسواد مع الضوء، فبعضهم يجعله طباقا ويجعله آخرون طباقا غير محض، أو مخالفا (بخلاف الأول فيجعله مطابقا . . . ) ونحو أسد وفهد، مقابلة ولا يسمى طباقا، ثم مثل للمقابلة أيضا بقول المرأة «لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقى» فهو عند أهل النقد مقابلة، كما قال فحملت ( المرأة) اللفظ على اللفظ وردت المقدم إلى المقدم والمؤخر إلى المؤخر، فتقابلت معاني كلماتها، وترتبت ألفاظها كما تقدم لها، وفي الآي التي ذكرت بعد ذلك.
تم تكلم لزوم ما لا يلزم فقال : وبعضهم يجعله أحد أنواع الترصيع،في نحو «فيرتقى وينتقى» في أنواع كلام المراة وذلك لالتزام القاف والتاء قبل القافية التي هي الألف المقصورة وكذلك التزام القاف في «ينتقل ويتوقل» . قال عياض : «وهذا نوع زيادة في تحسين الكلام وتماثله، واغراق في جودة تشابهه وتناسبه . . . وأولع به المتأخرون، فمن مجيد ومن مقصر. وبالجملة فلا يحسن منه، ومن جميع ما مخضنا القول عنه إلا ما ساقه الطبع وقذف به الخاطر دون تكلف ولا مقاساة، ووجد لفظه تابعا لمعناه منقادا له ، موضوعا عليه، غير مرغم فيه ولا منافر له».
وهكذا فهو يكرر هنا شرط التكلف والإكراه، ويجعل الزينة اللفظية خادمة للمعاني، وبذلك وبالنظم سلفا، يكون كعبد القاهر الجرجاني وكالذين قالوا : إن المعاني أرواح والألفاظ أشباح، وقد قال بذلك حتى الجاحظ نفسه مع تقديره للألفاظ وجعلها الأساس الأول أو الوحيد في الشعر  كما قال به ابن شرف القيرواني.
نكتفي بهذه اللمحات والألماعات ، كما سماها عياض، وهي تدل على ما كان عليه الرجل من واسع أطلاع ونقول نظر ووضوح رؤيا في النقد الأدبي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here