islamaumaroc

دور العرش والأمة في استكمال الوحدة الوطنية

  دعوة الحق

العددان 198 و199

هذه اللمحات التي أعرضها تشكل فصلين من فصول الكفاح الوطني، الأول معلوم من طرف الجميع ود كتب عنه الكثير، وتنقسم الكتابة بحسب نوايا أصحابها إلى مؤيدين وناقدين- فأولئك الذينأجروا أقلامهم لسلطات الاستعمارين الفرنسي- والاسباني والمؤرخين من نفس العنصرين، قد شاهدو حقائق الفصل الأول من كفاح المغاربة الصحراويين تشوبها إذا كان لم يستطيع إنكار واقع المعارك، وأسماء بعضها، وذكرها ما نضر جبينها من بطولات مغربية أبان عنها أبناء الصحراء رغم عدم تكافؤ الفرص، وتباين مصادر التسليح والتدريب والتوجيه والتخطيط، إذا كانت تلك الكتابة أرغم أصحابها على سرد الوقائع مما حملتهم على الحديث بشيء من الدهشة عن صلابة المقاتل المغربي فإنهم مع ذلك استشاطوا مرحين لأقلامهم العنان، مستغلين عدم إدراك الجميع للحقائق، من أجل أن يعطوا لواقع- أهداف- ذلك الجهاز، أو تلك البطولات المنبثقة من صميم الفكر المغربي بتوجيه وتخطيط، وأوامر أصحاب الجلالة الملوك العلويين الذين بويعوا طواعية، واختيار من طرف جميع المغاربة قاصيهم، ودانيهم، من أجل الدفاع عن وحدة هذا الوطن، الذي طل عبر التاريخ حلم الغزاة، وهدف كل الطامعين من عظماء الدول، ولكن عزيمة أبنائه ظلت هي أيضا الطود الشامخ، والسد المنيع الذي يصد كل طمع أجنبي امتدت طموحاته للنيل، من مقدسات بلادنا .. أن أصحاب تلك المطامع لما أعيتهم شجاعة أبناء هاته الأقاليم، وحالت بينهم، وبين أي تخطيط، أو غزو حاولوا، فصلها عن الوطن الأب حاولوا تبرير خيبة أملهم، بنعت تلك المراحل من كفاح أبناء الأقاليم المغربية الصحراوية، أما بأنها كانت تشق عصا الطاعة، أو أنها كانت الأقاليم المعروفة ببلاد لا تتحكم فيها سلطة، ولا تنظيمهم أية قوانين.
وللرد على تلك المزاعم سنبين جملة وافرة من الوثائق، إلي تثبت تسبب أبناء الأقاليم الصحراوية بالطاعة وتحركهم في كل مرحلة من مراحل كفاحهم بنظام متقدين إلى أبعد الحدود بكل التوجيهات، والأوامر لصادرة إليهم من طرف العرش حرسه الله.

أولا : بداية الغزو الاستعماري
قليلون هم أولئك الذين يردجعون بداية محاولات الغزو الأجنبي في ربوع الصحراء المغربية إلى بدايتها الحقيقية، ثم أيضا إلى الأسباب التي دفعت بالاستعمارين الإسباني والبرتغالي يلحقهما الإنجليزي والفرنسي فيما بعد إلى محاولة السيطرة على هذه الإصاع التي لم تكن آنداك أكثر إغراء من غيرها من بقية أقاليم المملكة الشريفة.
والمتتبع لتلك المراحل- تاريخيا لابد أن تذهب به الأحداث إلى دور المغرب في بث الإسلام في مختلف
القارة الإفريقية، عم طريق صحرائه، ثم إلى نهاية الوجود الإسلامي بالأندلس، وما تركه من رواسب الحقد الدفين في نفوس رجال الدين الإسباني، ثم ما بقى ماثلا أمام رجال السياسة بها أيضا من شبح مغربي، يتوقعون انقضاضه عليهم من حن لآخر، لرد الثأر من جهة، وللقيام بواجب الجهاد المقدس من جهة أخرى، فكان لابد من اتحاد حيطة سريعة وقوية للحيلولة دون ي تحرك مغربي يتاح له، عندما تتقوى دولته بعد فراغها من التغلب على مواجهة مضاعفات سقوط الأندلس، وما نتج عنها من مشاكل إنسانية وسياسية، وعسكرية، وقبل أن يتم ذلك توالت مناوشت الجيوش الإسبانية، قبل حكم دولة السعديين، على جميع الأطراف المغربية، بادئة بتحركات تجارية يقوم بها بعض رجال الاستخبارات السياسيين، للتعرف على طبيعة البلد، وقدرة أهله الدفاعية، وخصوصا بالسواحل الجنوبية المغربية الصحراوية التي تشكل التي تشكل متنفسا قويا، لأي تحرك مغربي.
وتلافيا لأي تضارب، أو تصادم يقع بين الدولتين اللتين تعاونتا عل إسقاط الأندلس، واللتين لازالتا ترتعد فرائضها آنداك من ردة فعل إسلامية تنطبق من المغرب مثل مثل ما انطلق منه الجهاد الإسلامي الذي أنجب دولة الأندلس، فمن أجل الحيلولة دون قيام أية مواجهة بينهما أبرمتا اتفاقية( الكوسباس) سنة 1479، التي لم يبق أي مؤرخ تعرض لتلك المرحلة إلا حللها بتفصيل وبمقتضى هذه المعاهدة أصبحت البرتغال تتحرك لاحتلال جميع تراب المملكة المغربية، واسبانيا تتحرك لبسط نفوذها على الجزر الخالدات.
ويروى المؤرخون أن البرتغاليين استعملوا تلك المعاهدة فسيطروا حتى على بعض النقط الموريطانية، رغم ما واجهوه من معارضات سافرة من طرف جميع سكان الساحل الأطلسي، ابتداء من طنجة إلى وادي الذهب، من طرف المغاربة، ونفس الشيء واجههم به إخواننا الموريطانيون.
وقد أدت تلك الحملات بدعم من عوامل الطبيعة إلى تكوين شركة أطلق عليها اسم (الشركة المختلطة لصيد السمك،  وتصدير الصمغ) وإن كانت هذه الشركة لم تقم بأي دور يذكر، فإنها شكلت لغاية استعمارية، هي محاولة بسط النفوذ، على الأماكن الجنوبية، زفي هذه الأثناء، وبعد أن ضعفت البرتغال بسبب الهزائم المتتالية انقض المعمر صغير يقع في السواحل لصحراوية، سماه سانتا أكروز ديمار بيكينيا (الصليب المقدس للبحر الصغير) محاولة لجعله مركز اتصال، مع الجزر الخالدات.
وقد نجم عن تلك العملية خلاف حاد بين الإسبانيين والبرتغاليين، لم ينته إلا بتدخل البابا الاسكندر السادس لإعادة الوفاق بين الدولتين، مستعملا سلطته دينية سنة 1494 لحسم النزاع، وتحديد النقط المسموح لكل من الدولتين التمركز بها مما دفع البرتغاليين إلى استعمال كثير من الدولتين التمركز بها مما دفع البرتغاليين إلى استعمال كثير من المواقع الساحلية المغربية، التي إجلالهم عنها بأكملها السلطان المقدس محمد بن عبد الله في منتصف القرن السابع عشر. وتوالت الاتفاقيات الاسبانية البرتغالية، في شأن اقتسام الشواطئ المغربية، ابتداء من سواحل البحر الأبيض المتوسط، حتى نهاية ساحل الرأس الأبيض، مثل اتفاقية سانترا سنة 1508 التي تعترف للبرتغال باحتلال الساحل المغربي الجنوبي، باستثناء سانتا أكادير في حين تتخلى البرتغال لاسبانيا، عن بقية الساحل المغربي، وخصوصا الواقع على البحر الأبيض المتوسط (سبتة، ومليلة). ولم يستطع الإسبانيون والبرتغاليون أن ينفذوا ما تطمح إليه نفوسهم، من تركيز السيطرة على السواحل الصحراوية المغربية بسبب ما كان يقوم به المغاربة الصحراويون، والسوسيون من هجمت مظفرة تحطم كل المنشآت الأجنبية.
وفي مطمع القرن السابع عشر دخل، إلى حلبة السيا الاستعماري هذه طرفان آخران هما الفرنسيون والانجليز، كما انزوت البرتغال تاركة مكانها لاسبانيا وإن كانت الوثائق التي بين أيدينا لا تحدثنا عن اتفاق متعمد على ذلك، إلا أن اسبانيا تشددت في محاولة السيطرة على الساحل المغربي، من جنوب أكادير حتى الرأس الأبيض مستعملة في ذلك جميع الوسائل.
فالتحركات التجارية، والاتفاقات الثنائية دعمت بعمل دبلوماسي مكثف امتاز بالتشدد تارة، واللين، والمراوغات تارة أخرى، حسب ظروف الحالة العسكرية للمغرب فإذا ضعف بسبب هجوم أجنبي
عليه، كان الملك الاسباني يلح في ضرورة تعيين مركز سانتا اكروز الذي لا يجهل أحد أنه هو رأس رمح الشؤم الذي تسرب عن طريقه الاستعمار الإسباني، إلى هذه الأجزاء المغربية.
وفي سنة 1766 عين ملك اسبانيا «شارل كالوس» المسمى (خوريخي اخوان) كسفيره لبلاده لدى السلطان الجليل سيدي محمد بن عبد الله، الذي طهر الحصون والقلاع المغربية من الاستعمار البرتغالي، وقد حددت مهمة السفير الاسباني المذكور في محاولة تعيين نقطة، سانتا أكروز ديما بكينيا، ولكن السلطان المشهور بوطنيته وكفاحه، حال دون تحقيق الرغبة الاسبانية، متدرعا بإعطاء « سماء الإعلام الجغرافية، على حقيقتها للمفاوضين الاسبانيين، حتى منعهم من احتلال أية نقطة تحت اسم سانطا اكروز ديماربيكيا وفي سنة 1799 عقدت اتفاقية مغربية اسبانية، لإقامة منشآت في إحدى النقط الساحلية بجنوب المغرب، وحاولت اسبانيا في عهد السلطان مولاي سليمان، التوصل إلى السيطرة الفعلية، على تلك الشواطئ لكن السلطان العلوي مولاي سليمان رفض مطالب ملكاسبانيا آنذاك شارل الرابع».
واستغلت اسبانيا معاهدة سنة 1860 التي بعدها انحصر هم الاسبان في البحث عن السيطرة على نقطة ما في الساحل الجنوبي للمغرب، وفي سنة 1861 تكونت في اسبانيا لجنة عليا لمواصلة العمل من أجل تحديد مكان النقطة المعروفة «بساتنا اكروز ديماربكينيا» والتي اعتبرت آنذاك هي حجرة عثرة في طريق أية مذكرات مغربية اسبانية وفي سنة 1878 ألحت اسبانيا على ضرورة تحديد المكان المفقود وأقلعت باخرة تابعة لها من طنجة مرورا بالصويرة فلتم تترك ثغرا على الساحل إلا وادعى الأسبان أنه سانتا أكروز، وكان المغاربة يردون عليهم بأن تلك النقطة هي المعروفة بكذا: اخيفيس، بوجدور، الداخلة، الكويرة، مثلا، وهذا يعطي أكبر برهان على تشبث العرش، بدوام السيادة على هذا الربوع، التي ظلت ولا تزال، وستبقى بحول الله، من أقرب الأقاليم، وأهلها من أعز سكان بقية أقاليم المملكة، على قلب صاحب الجلالة نصره الله.
سنة 1883 تأسست الشركة الاستعمارية لإسبانية وأطلقت على نفسها الشركة الاسبانية الإفريقية للمستعمرات، ووقع اختيار خبراء تلك الشركة يوم 30 مارس 1885 على أن الداخلة هي مكان سانتا أكروز الذي ظل البحث جاريا عنه طيلة المدة السالفة التي ذكرنا. ورغم أن السلطات الاسبانية، بادرت بإقامة بعض المنشآت الخشبية على ساحل الداخلة، وأرسلت مذكرة دورية إلى كثير من دول العالم، وخصوصا المهتمة منها بالسيطرة، على السواحل المغربية، تخبرها فيها بأن نفوذها قد توطد في جميع السواحل المغربية، من أكادير جنوبا حتى الرأس الأبيض لكويرة، وقد سجلت مجلة العالم الإسلامي، وكتاب تنظيم الحماية في المغرب، ومجلة الوحدة وجريدة الجنوب وكذلك كتابا عن المعجزة المغربية والسلقية الحمراء ووادي الدهب هذه الوثائق، وقد كان تاريخ تلك المذكرة يوم 20ديسمبر 1885 (المذكرة الإسبانية للدول المهتمة).
وبالرغم من هذا الإجراء الاستعماري. فإن أبطال قبيلة أبناء ذليم المشهورين بجهادهم وتمسكهم بوطنيتهم، أغاروا على تلك المنشآت، واقتلعوها ثم أساروا أحد النصارى، وقدموه لجلالة السلطان المقدس مولاي عبد العزيز على يد خليفته في الصحراء الشيخ ماء العينين حسب ما تنص عليه رسالة الزعيم المغربي، والدنا الشيخ ماء العينين لجلالة السلطان المنشورة في كتاب «الجاش الربيط في النضال عن مغربية شنقيط» للشيخ محمد الإمام رحمه الله، وقد ألف هذا الكتاب سنة 1947 والاستعمار في أوجه، مبرهنا به مؤلفه عن بعد التفكير، وإدراك المطامح البعيدة، للحكام الإسبانيين، ولم يقتصر قلق الدولة الإسبانية، في أواخر السنة المذكورة، وأوائل التي تليها على انزاعاجهم، من ثورة السكان عليهم، وتصديهم لهم في كل شبر من الشاطئ الصحراوية، بأباء وشمم، وإنما زاد من تخوفاتهم ما قامت به السلطات البريطانية لدى السلطان بفاس تلتمس منه السماح لها، بإقامة منشآت تجارية على الشاطئ، الواقع جنوب بوجدور، ونفس الضغوط البريطانية كانت تتابعها السلطات الفرنسية بغية ترك الحرية ليواخرها، لتتوغل في الساحل الموريطاني، وفي هذه الأثناء، وبعد عدة محاولات، كانت تقابل بما أمكن من المواجهة ، من مختلف سكان هاته المناطق وتتوالى هجمات الجيوش الأجنبية على أطراف المملكة الشريفة، من كل جهة وفي سنة 1885 استقرت بعثة اسبانية بالدخلة، وتوالت المحاولات الاسبانية للسيطرة على الداخلة لكن قبائل الصحراء، وبتوجيه من السلطان على يد خليفة الشيخ ماء العينين حال بينهم مع ذلك، وفي آخر السنة نفسها تكونت لجنة اسبانية مغربية، أبحرت من مدينة الصويرة، في اتجاه الساحل الصحراوي، ولما وصلت ايفني اختاره الاسبانيون ليكتب في المحضر أنه هو المكان المعروف باسم (سانتا اكروز)، لكن الوفد المغربي، امتنع عن ذلك، متذرعا بأن المكان يعرف بسيدي ايفني، وليس بسانتا كروز، ووقع الاسبان على المحضر، ورفضت البعثة المغربية توقيعه، وتتكون البعثة المذكورة ممن يلي :
الوفد الاسباني : سيزارلو ورى كاستيا، والسفير الاسباني.
الوفد المغربي : جماعة يترأسها عمر بن عمر، ويجمع المؤرخون أن اللجنة ذهبت إلى شواطئ بوجدور، وأنها لم تستطع النزول بسبب معارضة السكان بنزولها في الشواطئ المغربية. ولما وجدت اسبانيا نفسها عاجزة عن مواجهة المغرب، عمدت إلى فرنسا التي كانت توجد آنذاك في وضع استراتيجي أحسن مما عليه اسبانيا، لاشرافها على الجزائر، وبعض السواحل الإفريقية الأكثر قربا من الجنوب الغربي.
وفي هذه الأثناء بدأت مصالح الغازية تتضارب، ويقع نوع من التنافس سرعان ما ادركوا ضرورة جعل حد له، حتى لا ينسف عليهم ما أصبحوا على وشك الحصول عليه من مكاسب. وإذا كنا إن البرتغال انحسر عن ميدان التسابق على الأطراف المغربية نرى بمقابل ذلك، أن انجلترا وفرنسا دخلتا في ميدان التسابق إلى النهب لسيادة المغرب، فوقعت اسبانيا وفرنسا اتفاقيات سرية وعلنية تحدد لكل منهما أماكن النفوذ، التي ينبغي لها أن يقتصر عليها في المناطق، الإفريقية، والساحل الصحراوي المغربي.
وقد وقعت لهذا الغرض اتفاقية بتاريخ 27 يونيو 1900 حددت فيها أماكن السيطرة الإسبانية من الرأس الأبيض جنوبا إلى مصب درعة شمالا ثم تنتهي في منطقة فرنسية تستثنى منها بلاد آيت بعمران التي تبقى هي أيضا في يد السلطات الإسبانية.
وبعد هذا بأربع سنين ستضم اسبانيا بموجب معاهدة 1904 إلى خطة العمل الإنجليزية الفرنسية الخاصة بمصر والمغرب، وتتوالى الاتفاقيات بين اسبانيا وفرنسا منها ما ينص على احترام الثراب المغربي، تحت السيادة الفعلية للسلطان.
وأشير بهذه المناسبة إلى عمق مفهوم البيعة الذي نصت عليه محكمة العدل الدولية لأن سلطة رئيس الدولة آنذاك حسب النظم الدولية، كانت هي الدليل الوحيد على معرفة كيان أية دولة في العالم، وذلك أن الاتفاق المبرم يوم 3 أكتوبر 1904 بين الجمهورية الفرنسية والمملكة الاسبانية، بمدينة باريز، قد نص بالحرف على أن الدولتين تتشبتان بصفة أكيدة بوحدة التراب المغربي تحت سيادة السلطان، ثم تمضي السنون وتتلكأ اسبانيا، وتكتم فرنسا شهادتها وتقول محكمة العدل الدولية بأن هذه المناطق كانت خاضعة لبيعة السلطان، والبيعة للسلطان هي أقوى روابط الوحدة الترابية لأية دولة.
ويحاول المغررون والأقزام بالجزائر، أن ينكروا أو يمحوا وحدة هذا الوطن التي لا أظن ولا يمكن لغيرى أن يثبت أن دماء أبناء أي إقليم أريقت على مغربيتهم أكثر مما أريقت دماء أباء الصحراويين المغاربة وأجدادهم على وطنهم.
ثم تمت بعد هذه المعاهدات، عدة مراسلات، ومذاكرات تنظم شؤون تواجد الدولتين على التراب المغربي، لكنها كلها تثبت وحدة جميع التراب المغربي من البحر الأبيض إلى الرأس الأبيض.
وفي سابع أبريل 1906 تم انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي ألزمت فيه الدول الأوربية المشاركة لضمان وحدة التراب المغربي بنفس الحدود الحقة، وقد حضرته الدول التالية : الولايات المتحدة- ألمانيا- هنغاريا- بلجيكا- اسبانيا- فرنسا- المغرب- ايطاليا- هولندا- البرتغال- روسيا- السويد- اليابان.
وقد اعترفت هذه الدول كلها بضرورة بقاء السيادة المغربية، ووحدة التراب الإيالة الشريفة تحت بيعة السلطان، ثم فتحت نافذة للدول الطامعة في السيطرة تحت غطاء ضرورة الإصلاحات الإدارية المعاصرة.
هذا عرض موجز لسرد بعض المحاولات الاستعمارية للسيطرة على السواحل المغربية الصحراوية.

ثانيا : جيوش العرش من أجل صد أي غزو استهدف الصحراء
من عهد السلطان المقدس مولاي إسماعيل والعرش من أجل استتباب الأمن، والرفاهية، وصد السيطرة الأجنبية حتى يومنا هذا، ولا زال سكان الصحراء يتناقلون، خبر القائد دم وسعيد الذي عينه بناحية العيون السلطان الجليل مولاي إسماعيل ليراقب أي تحرك أجنبي يتطاول إلى الصحراء المغربية، ويصده على الفور، وإذا لم يستطع ذلك فليخبر أقرب نقطة من السلطات المخزنية إليه ليتم دعمه، ونفس الشيء كان في عهد السلطان المرحوم مولاي محمد بن عيد الله الذي طهر كل الجيوب المغربية من حكم الدخلاء الأوربيين، ثم تستمر الحملات السلطانية حتى عهد السلطان مولاي عبد الرحمن فيظهر بنوع من الاهتمام المتزايد حيث عين الشيخ ماء العينين خليفته بمنطقة الصحراء الساقية الحمراء ووادي الذهب وبقى الملوك العلويون قدس الله أرواحهم يجددون تلك الثقة له، ولجميع أبناء المنطقة المناضلين، وسأحاول أن أذكر بعض من عثر لهم على ظهائر بقيت محفوظة كان أصحابها يكلفون من طرف المخزن بصد الغزو الأجنبي، والسهر على أمن وراحة السكان، وإخبار المخزن بكل ما وقع في المنطقة الصحراوية.
ولعل القائمة المبينة تباعا، والتي وردت في شكل أجوبة، أو مواجهة للمحاولات المبينة قبل، تعطى البرهان الساطع على استمرار نضال العرش العلوي المجيد في شأن الحفاظ على الوحدة الوطنية والوقوف في وجه كل المحاولات السالفة التي اتبعتها اسبانيا متذرعة بعدة أسباب، فمن مشكلة سانتا اكروز ديمار بيكينيا، إلى الرغبة في إقامة منشآت تجارية، أو مراكز للصيد بوادي الذهب، إلى ضرورة التحكم في المناقد المطلة على الجزر الخالدات، إلى استغلال معاهدة تطوان، يرى الباحث في كل تلك الوثائق جملة وافرة من الوسائل والمحاضر التي تمكنه من معرفة بعد نظر أولئك الملوك المنعمين وتفانيهم قدس الله أرواحهم في الدفاع عن مختلف أطراف التراب الوطني، وبالأخص أقاليمنا الصحراوية، وهذه نماذج من تلك الوثائق.
ففي 28 أبريل 1877 وجه وزير الخارجية المغربي رسالة إلى السلطات الإسبانية يشير فيها إلى أن المكان الذي ترغب في الحصول عليه لا زال تحديده غير ممكن، وإنه إذا تكون منهم وفد فسيرافق بمثله للإطلاع على الواقع في عين المكان، مع إلحاح الرسالة على عدم استعمال المكان المذكور، إن حصل عليه الاتفاق، إلا في إقامة مصنع للسمك، وعدم إمكانية استعماله من طرف غير التجار الإسبانيين ... إلى آخر ما نصت عليه تلك الرسالة، التي رد عليها وزير خارجية اسبانيا برسالة مؤرخة في 22 شتنبر من نفس السنة موجهة للصدر الأعظم المغربي السيد موسى بن أحمد، فأجابها موسى بن أحمد بتاريخ 30 أكتوبر 1877 بأخرى تقول : أن صاحب الجلالة استدعى أعيان قبائل الصحراء وسوس للتشاور معهم في الموضوع، وقد فتح عن ذلك التشاور إصدار أوامر سلطانية إلى قواد قبائل ثكنة، على يد خليفته المذكور يمنع أي نزول تقوم به اسبانيا، أو غيرها، من الدول على الشواطئ المغربية بالصحراء، وتم في هذه الأثناء تعيين جملة من القواد منهم، إبراهيم ابن مبارك التكنى الذي حددت له الرقعة الممتدة من طرفاية إلى بوجدور. حسبما سنرى قريبا.
وفي هذه الأثناء عينت السلطات الإسبانية الوفد الذي أشرنا إليه في النقطة الأولى وحاولت البعثة كما أسلفنا أن تتعرف على المكان المذكور لكنها لم تستطع بسبب عدم قبول الأعضاء المغاربة تسليم أي مكان معروف باسمه الخاص عند السكان المحليين والمرسوم بنفس الاسم على الخرائط التي كانت تحت أيديهم ولأن التعليمات الملكية صدرت إليهم بذلك.
وتجدر الإشارة إلى أنه قبل هذه الفترة كان السلطان سيدي مولاي الحسن الأول قدس الله روحه يوالي جهوده من أجل إقناع الدولة الإسبانية ليتم تخليها عن كل الامتيازات الترابية التي منحتها لها اتفاقية تطوان المشار إليها، وكما أسلفت فقد كان رأس رمح توغل الجيش الإسباني في الربوع الصحراوية المغربية، هو خرافة سانتا أكروز، ولعل قائلا: يقول بأن أوامر تلك الخرافة يتعلق بأراضي إخواننا الباعمرانيين وقعة جهادهم ووطنيتهم معروفة فأجيب على هذا النوع من التساؤل بان المهم، هو أن تلك المفاوضات المضنية ما كانت تتبع بين مندوبي المخزن الشريف، والسلطات الإسبانية، على أساس أن سانتا كروز هي : ايفني، بل الذي تثبته الوثائق أنه تبق منطقة من الشاطئ ابتداء من أكادير إلى الرأس الأبيض إلا وادعى الاسبان أنها هي سانتا أكروز، ورفض المغاربة إدعائهم بإعطاء الاسم الحقيقي. للثغر المدعى عليه في حين أنه لم يستطع أي من أولئك المفاوضين الإسبانيين، أن يدعي بأن أي شبر من الساحل الصحراوي، خارج عن سيادة السلطان، أو هناك نزاعا في مغربيته، وهذا أكبر دليل على أن وحدة وجدت منذ مآت السنين، ورعتها همات ملوك مخلصين عظماء سوف لا تنال منها أطماع الأذناب المتهورين فعلى حكام الجزائر وأذانابهم من أية جهة كانوا سواء سموا أنفسهم بخرافة البوليزاريو، أو سميناهم نحن بأسمائهم الحقيقية، أي جماعة المرتزقة الخونة، علة هؤلاء الأنذال جميعا أن يدركوا بأن وحدة المغرب وتقرير مصيره بما فيه صحراؤه المسترجعة قد تمت قبل أن تولد الدولة الجزائرية، وكثير من الدويلات التي تسير في فلكها.
ولنرجع إلى محاولات السلطان الجليل مولاي الحسن الأول. ففي 3 يونيو 1879 وصل السفير الحاج عبد الكريم السوسي لإسبانيا لينقل تهنئة السلطان المغربي إلى ملك سبانيا آنذاك، وليرفع إليه عرض السلطان باستعداده لرفع تعويض مادي لها ولغيرها من مختلف الدول التي تدعى أنها خسرت مبالغ مادية في الشاطئ المغربي الصحراوي ابتداء من أكادير إلى وادي الذهب.
وزيادة على ما شاهدناه من مراسلات، ومفاوضات، واتصالات تمت بين العرش، والدول المهتمة بالصحراء المغربية ومراسلات كثيرة، فإن العرش العلوي المفدي اشتغاله بصد المد الاستعماري على الشواطئ الشمالية من المملكة والمدن الرئيسية بداخلها، فغنه بالرغم عن ذلك ظل واقفا بحزم ويقظة وتبصر في وجه جميع المحاولات الاستعمارية المستهدفة المسيطرة على أي شبر من الصحراء المغربية بأجمعها.
فبالإضافة إلى المشافهة مع رؤساء الدول الأوربية، كانت الأوامر تصدر إلى السكان المحليين من أجل مواجهة أي توغل استعماري. وهذه نماذج عن تلك الرسائل والأوامر :
رسالة موجهة من السلطان المقدس مولاي الحسن لأحد قواد قبائل ثكنة يقول فيها :
«خديمنا الأراضي الطالب لحبيب بن الشيخ أمبارك الوادنوتي الجليميي، وفقك الله ورعاك وبعد فقد وصلنا كتابك، وعرفنا ما أخبرت به من كتب قونصو الصبنيول، بالصويرة لك بالقبض على الخارجيين منهم، من الساحل، وكتبهم لك أيضا بأن تحت أيديهم كتابا سيدنا الوالد، قدسه الله، بأنه رفع يده على ماسة، وواد نون، والصحراء ولا يتكلم فيها، وإن تركتهم يفعلون مع أهلها ما يئاؤون وطلبت بيان ما يكون عليه عملك، في ذلك، وكف ابن الدليمي عما هو مشتغل به من قطع الطريق على الواردين رد ما أخذه لكم. أما تسليم سيدنا الوالد رحمه الله المسلمين أحرى منهم من رعيته فلا أصل له، ولم يكن وحاشا، وكلا، ومعاذ الله يصدر منه ذلك ... إلى آخر ما تضمنته السلطانية المؤرخة بيوم 3 من شهر المحرم عام 1294 هـ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here