islamaumaroc

الفكر الإسلامي والقدس

  دعوة الحق

العددان 198 و199

** تمثل قضية القدس الشريف تحديا صارما للفكر الإسلامي المعاصر، ذلك أن العمل السياسي، سواء في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، أو على الصعيد الدولي دفاعا عن الأراضي الإسلامية المحتلة، وجهادا في سبيل تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين، لا يمكن أن يكون إلا إسهاما في إثراء هذا الفكر بصورة أو بأخرى، بخلاف ما يعتقده البعض من أن النشاط الفكري محصور في مظاهر محددة، ومجالات معينة، لا تتعدى الكتابة والتأليف والمحاضرة والدعوة والحوار، بما يقتضي ذلك من انغماس في التنظير، واستغراق في التفكير المجرد.
ونستطيع أن نقول باطمئنان كامل أن غياب الفكر الإسلامي عن الساحة السياسية كان وراء سقوط القدس، لا نقصد بذلك انعدام حرية الدعوة، وحصار النشاط الإسلامي في هذه البلاد أو تلك، ولكننا نقصد بالدرجة الأولى طغيان المفهوم القومي الضيق وهيمنة الاتجاهات العلمانية على المواقف والجهود المبذولة من أجل التحرير والخلاص. وقد وصل بنا الحال في تلك الفترة العصيبة إلى ما يمكن أن نسميه بالتجرد الكامل عن الصبغة الإسلامية فيما كان يصدر وينشر ويذاع من أقوال وشعارات وتصريحات. ومثل ذلك ما قاله أحد القادة من أن رفع الراية الإسلامية في معركة فلسطين يفضي بالعالم إلى الحروب دينية جديدة تعود بالبشرية إلى القرون الوسطى ، وما درى هذا أن الحرب الدينية معلنة علينا فعلا، وأن الصهاينة أقاموا دويلة دينية، وأن جميع أنظمة الدول العظمى نشأت بدافع عقيدة غيبية، أن لم تكن دينية، فهي خرافية من نوع ما يعرف بالمادية الجدلية، وما يمت إلى هذا الهراء بصلة.
* بيد أن ضراوة معركة الأمة الإسلامية مع الاستعمار والصهيونية والشيوعية، وشراسة المؤامرات المدبرة ضد أرضها وعقيدتها وعقلها ،
كان لهما ، رد فعل عنيف بما أحدثتاه من انقلاب في التصورات والمفاهيم، كان أهم مظاهره في سنة 1969 التنادي إلى انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول بالرباط، الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه نقطة تحول كبير في الفكر السياسي، ومنعطف حاسم في ملابسات معركة فلسطين، منذ أن عرف العالم هذه المعركة سنة 1948.
* ولقد خرجت قضية فلسكين بقدسها الشريف في هذا المؤتمر من القوقعة القومية العنصرية الإقليمية إلى رحابة الإسلام وسعة مفاهيمه وامتداد رقعته وكثافة أهله، مما يصح أن يعد تطورا إيجابيا في الحركة الإسلامية المعاصرة وتعزيزا لجهادها ومساعيها، وبذلك لم يبق الفكر الإسلامي كتبا تؤلف لتزيد من ضخامة المكتبة الإسلامية في طول العالم الإسلامي و عرضه، أو خطبا تلقى من فوق المنابر لتحرك القلوب ساعة تزيد أو تنقص، ثم يضعف تأثيرها وكأن شيئا لم يكن، وإنما خرج إلى الدنيا الواسعة وخاض معترك السياسة الدولية بدسائسها وألاعيبها ومؤامراتها وأسرارها وتناقضاتها، فارضا وجوده من خلال دفاعه عن أرض الإسراء والمعراج وملتقى الأنبياء. وكان في ذلك تفجير للطاقة الإسلامية التي ظلت مكبوتة زهاء ثلثي قرن، بينما كرامة الإنسان المسلم تنتهك، كأشد ما يكون الانتهاك للكرامة الإنسانية.
ومن مؤتمر القمة الإسلامي الأول بالرباط سنة 1969 إلى المؤتمر العاشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية بفاس سنة 1979 شهد العالم الإسلامي تحولات وتطورات مهما قيل في شأنها فقد استطاعت أن تبرز العقيدة الدينية كطاقة دافعة وقوة مسيرة وعامل ضغط وتأثير، بحيث اصطبغت كثير من المواقف الشعبية والرسمية في ديار العروبة والإسلام بالصبغة الإسلامية، إن كان بعضها تم بدافع الاستهلاك المحلي والدعاية الرخيصة وحرارة الإيمان.
* والحق أن أول من رفع شعار البعث الإسلامي غداة إحراق المسجد الأقصى المبارك بإخلاص جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، الذي عبأ ما أتاه الله من علم وخبرة وطاقة لنصرة القضية الفلسطينية، والدفاع عن قدس المسلمين، ورد الغارات الصهيونية والتبشيرية الشيوعية عن الوطن العربي الإسلامي الكبير، فجاهد وأخلص في الجهاد، وأعطى وأجزل في العطاء، وضحى فكانت تضحياته مضرب المثل في الإيثار ونكران الذات، وتحمل أعباء دعوته بصبر المؤمنين وحلم المجاهدين . ولا يزال – حفظه الله – هذا دأبه، ولا تنال من عزيمته المعارك الهامشية التي يشغل أوارها الاستعمار بشقيه. فكان ثباته هذا
 على المبدا قدوة طيبة، وكان صمود جلالته في معارك الحق والعدل أسوة حسنة، الأمر الذي يجيز لنا أن نقول بأن سياسة العاهل المغربي على صعيد العالم الإسلامي تعتبر مدرسة متميزة في السياسة الدولية.
* ولقد أحسن المؤتمر الإسلامي صنعا بإسناد رئاسة لجنة الدفاع عن القدس إلى جلالة الملك الحسن الثاني. فهو أهل لها، لا بأخلاقه النضالية، وصفاته القيادية فحسب، ولكن – وعلاوة على ذلك – بما يمتاز به جلالته من مكانة دولية مرموقة، وصيت ذائع في أوساط القادة المحنكين، وقدوة سياسية عالية على خوض غمار العلاقات الدولية إلى الأرض المحتلة ودخول القدس الشريف.
ولسنا في حاجة إلى القول بأن هذه العوامل الإيجابية التي تتوفر لجلالة الملك رئيس لجنة الدفاع عن القدس، إنما هي صدى لمكانة المغرب وانعكاس للدور الحضاري العظيم الذي ما فتئ يضطلع بأعبائه الجسام منذ أن أكرمنا الله بهذه الرسالة.
* جهاد جلالة الملك الحسن الثاني من أجل القدس، لا يمكن أن يكون إلا جهاد في سبيل الله. وبالتالي فهو عمل عظيم ، متواصل ومستمر من أجل تعزيز الفكر الإسلامي وإثرائه ورد الاعتبار لحملته ودعاته والمؤمنين بأحقيته في السيادة والقيادة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here