islamaumaroc

الاشتراكية المغربية من خلال الخطب الملكية

  دعوة الحق

العددان 194 و195

     الاشتراكية مذهب له فلسفته ومفاهيمه ونظامه الاقتصادي، وهو اتجاه نشا في أوربا لصد تيار «الرأسماليين الكبار» اللذين لا يسمحون للدولة بالتدخل في توجيه اقتصاد بلادهم ولو أدى ذلك إلى طغيان طبقتهم على طبقة التجار الصغار والمعوزين. وقد شهدت أوربا في القرن التاسع عشر« حركات اشتراكية» متعددة المذاهب ومختلفة المشارب تحاول معالجة التفاوت الاجتماعي بين قوانين تصنف العمال والفلاحين وذوي الدخل المحدود وتكبح جماح ذوي المجال للدولة كي تتدخل في« استثمار رؤوس الأموال ومراقبة وسائل الإنتاج». وبذلك قد تحقق الدولة – في نظر دعاة هذه الحركات الاشتراكية - «العدالة والتكافل الاجتماعي» بين المواطنين وتقضي على مظاهر «التفاوت الطبقي» وتمحي أسباب الفاقة والحرمان.
      ولقد سميت القوانين والأحكام الإسلامية التي وردت في القرءان والسنة ومصنفات الفقه وكتب الحديث وتعاليم الأنبياء والصحابة ورسالات المصلحين – «لتنظيم التملك وتعميم النفع وإقامة العدالة وإنصاف الناس والإحسان إليهم والمحافظة على كرامة الإنسان باشتراكية الإسلام».
     وقد وقع خلاف بين علماء الإسلام في هذه التسمية فمنهم من يحبذها لان الاشتراكية هي «موضة »هذا العصر، ومنهم من ينبذها لان الإسلام في نظرهم هو نظام مستقل قائم بذاته هو : « سبيل ربك»، شرعه الله ليخلص البشرية من الظلم والطغيان واضطراب أوضاعها الاجتماعية بواسطة الدعوة السلمية والموعظة الحسنة، قال تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة».
     فللإسلام إذا أسلوبه وطريقه الخاصة في تطبيق التنظيم الاقتصادي المبني على المصلحة الجماعية وتحقيق المساواة الاجتماعية بين مختلف الطبقات، والتوفيق بين مصلحة الأفراد والجماعات.
     وعلى سبيل المثال لا الحصر: فالدولة الإسلامية تتدخل لمنع الاحتكارات الغير المشروعة وتأخذ قدرا من بيت مال المسلمين – عند عدم الاكتفاء بالزكوات – لمواجهة حالة حرب أو للدفاع عن وحدة البلاد وحوزتها أو لمواجهة حالة اقتصادية صعبة تتضرر منها الطبقات الفقيرة ما تقيد من الملكيات الفردية الشاسعة «لجلب مصلحة أو لدرء مفسدة».
    « فاشتراكية » الإسلام تحبذ إذا تدخل أولي الأمر لإسعاف الضعفاء والفقراء من مال الذين أفاء الله عليهم من خيراته وأرزاقه تطبيقا لتعاليم الإسلامية
الهادفة إلى إقرار مبدأ المساواة بين الطبقات وفرض« تحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام» مثل قول الرسول صلى الله عليه و سلم: « المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل رجل منهم موضع فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا له ما تصنع؟ قال هو مكاني اصنع فيه ما شئت، فان اخذوا على يده نجا ونجوا  إن تركوه هلك وهلكوا».
      بالإضافة إلى ذلك تطالب « اشتراكية » الإسلام بمبدأ الحفاظ على كرامة الإنسان، ففي القرءان نص صريح: « وكرمنا بني ادم »- يقول جلالة الملك الحسن الثاني- ومنذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا لم يكن احد من الخلفاء المسلمين ولا من تبعهم بحاجة لإصدار وثيقة تعترف بحقوق الإنسان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المؤمنون سواسية كأسنان المشط ».
     فانطلاقا من مبدأ الحفاظ على كرامة الإنسان ومن مبدأ ضمان الحقوق الأساسية للجميع نستطيع أن نعطي كل مسلم فرصا متكافئة وحظوظا متساوية ثم نتركه يجتهد ويحتفظ بمبادرته...
    فكيف نريد أن تكون اشتراكيتنا نحن؟
    نريد – يقول جلالة الملك – أن نعطي لكل مغربي « الحظ في أن تكون له قوة شرائية حتى يتمكن من شراء السيارة والبيت الذي يريد أن يتركه لأبنائه ويمكن أن نقول: إنني مالك وإنني اشتريت سهما من شركة الدولة وتركت لأولادي ما يعيشون به» ذلك لان ديننا الإسلامي يضمن للمسلم« الحرية والكرامة والملكية الخاص » وهو مع ذلك« دين اشتراكي واجتماعي في مظهره» « واشتراكيته تجلب الإنسان لأنه يحب أخاه لا لأنه مكره على أن يحب أخا ».
      «نريد – يقول جلالة الملك – لأسرتي الكبيرة أن تعيش في بلد ثرواته – ولله الحمد – كثيرة و لكن ثرواته ليست مصورة على طائفة دون طائفة بل في إمكان كل مغربي وثاب ذكي نشيط عامل أن يصل إلى أقصى مستوى» من الرقي والكمال، لان ديمقراطيتنا التي ننشدها تقوم على الازدهار الاقتصادي – المبني على الإنتاج والمبادلات على الصعيدين المحلي والدولي – وعلى الازدهار الاجتماعي – المبني على محق الطبقات وفروقها، كما تكفل للأفراد والجماعات ما يجعلهم في مأمن من الخوف والفاقة ومن المرض والجهالة وفي حرز من جميع أسباب التخلف والضياع.
     ولما أراد الله أن يهذب البشرية أوحى بهذه الآية إلى خاتم النبيئين والمرسلين صلى الله عليه و سلم: « وكذلك جعلناكم امة وسطا».
     لان الأمة الوسط- يقول جلالة الملك- هي التي تعرف كيف توفق بين الدول النامية وبين الدول التي هي في طرق النمو في المؤتمرات الاقتصادية فيما يخص التبادل التجاري والطاقة والمواد الأولية، والتي تعرف كيف يمكنها أن تجعل نظاما محترما محكما يتعايش مع حريات خاصة وعامة. فلأمة الوسط هي التي تعرف أخيرا كيف توفق بين طاقاتها أو امكاناتها وبين مطامحها وأمالها».
     فلا إفراط ولا تفريـط !
     لذا نريد أن نجعل من نظامنا – يقول جلالة الملك – الذي يعيش عليه المغرب« نظاما وسطا لا هو بالنظام الرأسمالي البشع الأعمى الذي لا يترك تنفسا ولا حرية لأي فقير ولا بالنظام الاشتراكي المندفع النظري الصعب التطبيق بل نظاما يضمن في آن واحد للفرد وللأسرة حقوقها في الملكية الخاصة – كحق الاستمتاع والاستغلال والتفويت والإرث»- مع اعتبار أن تلك الملكية هي في نفس الوقت لصالحهم و لصالح المجموعة التي تحيط بهم.
    نريد أن نكون تلك الأمة الوسط – يقول جلالة الملك - «التي يمكنها أن توفق بين النظامين فتفرق بين الميادين التي يجب أن كون في يدها و تحت مراقبتها وبين الميادين والقطاعات التي يجب أن تبتعد عنها وتتركها في قبضة المبادرات الحرة» قصد إعطاء كل مواطن الحظوظ والفرص لخدمة بلده في ظل عيشة ديمقراطية حرة كريمة. فلا نريد إذا تلك الاشتراكية بمعنى« الفقر المدقع» ولا نريد تلك الرأسمالية بمعنى«العجرفة الرأسمالية» بل نريد مجتمعا مغربيا يعطي الفرصة لينمي كل مغربي خبراته ويزكي ممتلكاته بكامل الحرية وبدون محسوبية أو
تميز بين هذا وذاك. فيكون مصير المغربي بين يديه ويكون كما يريد أن يكون!
      إن اشتراكيتنا – يقول جلالة الملك – ليست اشتراكية« إفقار الغني » بل هي اشتراكية« اغناء الفقير ». ولكن لا ضرر ولا ضرار! إنها اشتراكية محاربة العوز والفاقة والقضاء على الميز الطبقي بين « الفقير والغني » بين « الضعيف والقوي »، وهي أيضا اشتراكية ضمان العيش الكريم للجميع وتعميم الرخاء والازدهار ورفع مستوى الأفراد والجماعات.
      بل لا نريد – يقول جلالة الملك – أن أرى في هذه الأمة المغربية «الغني والفقير» ولكن أريد «أن أرى المغربي الكريم العزيز، المواطن الصالح المتحلي بحسن المواطنة والسلوك والأخلاق، المتشبث بالاصالة والفضيلة الذي يحمد الله تعالى ويحمد بلده على أن وفر له رغد العيش والطمأنينة والأمن والتعليم والصحة والسكن والشغل و الطعام».
     إن اشتراكيتنا اشتراكية «الأفكار والسواعد» واشتراكية« كن في عون أخيك يكن الله في عونك» حتى نبلغ أهدافنا المقصودة وغاياتنا المنشودة، وما ذلك علينا بعزيز !
    « قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني »!

من مراجـع البحـث:
ـ « اشتراكية الإسلام » للدكتور مصطفى السباعي
ـ « الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار المغربية » للسيد محمد المبارك
ـ « قال جلالة الملك الحسن الثاني » من إعداد صاحب المقال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here