islamaumaroc

[كتاب] المولى إسماعيل بن الشريف، للدكتور عبد الله العمراني.

  دعوة الحق

العددان 194 و195

يسرني أن أقدم للمستمع العربي بحثا بعنوان ( مولاي إسماعيل بن الشريف) للأستاذ الدكتور عبد الله العمراني، الأستاذ بكلية أصول الدين في المملكة المغربية. و الدكتور العمراني يعد بحق احد دعائم النهضة الثقافية الحديثة في بلاد المغرب العربي، بل في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه. و قد تخرج من كلية دار العلوم – جامعة القاهرة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم عاد إلى مسقط رأسه في المغري ليسهم في الحركة الثقافية الواسعة التي شملت البلاد في تلك الأثناء. و قد جمع بين التدريس و التأليف و الترجمة و الصحافة و الإذاعة و قرض الشعر. و لم يمنعه كل ذلك عن الانتساب إلى جامعة غرناطة الأسبانية، حيث حصل منها على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي. و قد ساعده إتقانه للغتين الأسبانية و الإنجليزية على ترجمة بعض الآثار الأدبية الهامة في هاتين اللغتين، و من ذلك مسرحية ( العرس الدموي) تأليف فديريكو غارسيا لوركا، و رواية (ايفنهو) تأليف ولتر سكوت.
و من الصعب علينا في هذه السطور المحدودة، أن نعدد وجوه نشاط الدكتور العمراني، أو نذكر أسماء المجلات الأدبية التي يمدها بفيض غزير من عطائه الخصب، و لذا أفضل أن أوجه الأنظار إلى إحدى المزايا الهامة التي يتجلى بها زميلنا الكريم، و التي جعلت منه مؤرخا له احترامه في الأوساط العليمة، و اعني بذلك حياده المطلق. و قد تجلى ذلك في الكتاب الذي بين أيدينا، كما سنذكر بعد قليل. و الآن، نعود فنسال: من هو مولاي إسماعيل ابن الشريف الذي يتحدث عنه كتابنا اليوم؟
هو السلطان المظفر أبو النصر الذي حكم بلاد المغرب خمسة و خمسين عاما في أواخر القرن السابع عشر الميلادي و صدر الثامن عشر. و هو ثالث الأسرة العلوية المالكة، و يرجع نسبهم إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. و قد جاء جدهم الأكبر الحسن ابن القاسم إلى المغرب بدعوة من أهل تلك البلاد. و ظل أولاده و أحفاده فيها أربعة قرون كاملة قبل أن يؤسسوا دولة مغربية خلال القرن السابع عشر ما توال قائمة حتى الآن.
و مولاي إسماعيل شخصية فريدة جديرة بالدراسة الواعية. فقد حكم المغرب فترة طويلة من الزمن، و ثبت دعائم الحكومة المركزية، و نشر الأمن و الاستقرار، و رد أطماع الدول الأجنبية، و حرر معظم المدن التي احتلتها الدول الأوربية على سواحل المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط، و ذلك بفضل الجيوش القوية التي أنشاها و أمدها بالسلاح و العتاد. و بفضلها توقف زحف الجيوش التركية من الشرق، و الأوربية من الشمال و الغرب.
يأتي دور الدكتور العمراني، فيقف من الروايات موقف المؤرخ المحايد الذي يحترم نفسه و عقول قرائه، فتراه يذكر الروايات المختلفة بأمانة و دقة كما رواها السابقون من المؤرخين، لأنها صارت في ذمة التاريخ و حراسته، و من حق القارئ أن يطلع عليها و يرى فيها رأيه الخاص. و لكنه بعد ذلك يعود فيناقش تلك الروايات في ضوء العقل و المنطق و ظروف العصر و شخصية الرواة و المؤرخين و ميلوهم الخاصة. و يخرج من ذلك كله برأي وسط يتمشى مع العقل و يساير المنطق و ينسجم مع الطبائع البشرية.
و خلاصة رأيه أن مولاي إسماعيل كان يميل إلى الشدة، و لكن ذلك لم يصل به إلى الحد الذي ذكره المؤرخين. و استدل على ذلك بان جميع ما كتب من تاريخ تلك الفترة، يرجع إلى مذكرات كتبها المبشرون و الأسرى الأوربيون الذين دخلوا في خدمة السلطان، و صاروا من حاشيته و عبيده. و قد اتهمهم المؤلف بالتحيز و الرغبة في تشويه حكم ذلك السلطان القوي الذي حرر سواحل بلاده من الاحتلال الأوروبي، و وقف في طريق المبشرين و غيرهم من الطامعين في بلاده.
و بعد أن رفض المؤلف ما في تلك الروايات من مبالغات، عاد تحت تأثير الحياد المطلق الذي يلتزمه في بحوثه، فاعترف بان تلك الروايات لا يمكن أن تكون افتراءا محضا و هراء خالصا، بل فيها- للأسف- شيء غريب قليل من الحقيقة المرة. و هنا اخذ يلتمس الأسباب التي دفعت السلطان إلى القيام بتلك التصرفات، فأشار إلى انه كان محوطا بالأعداء و المنافسين و الثوار حتى من أهله و عشيرته، و كان فيمن خرج عليه و حاربه، ابنه محمد العالم، و ابن أخيه احمد بن محرز، و من ورائهم قبائل قوية متمردة، تميل إلى العنف و سفك الدماء، و الخروج على الحكومة المركزية.
و يأتي فوق ذلك كله الأعداء الزاحفون عليه من خارج البلاد، و قد دفعه موقفه العصيب إلى مقابلة العنف بمثله، الأمر الذي جعله ينجح في المحافظة على التراب المغربي و وحدة البلاد و تحريرها من الجيوش الأجنبية؛ و بنشر الأمن و النظام في ربوع البلاد. و يرى انه قضى على اللصوص و قطاع الطريق نهائيا، حتى امن الناس على أرواحهم و اعرضهم. و لعل خير عبارة تلخص هذه القضية، هي ما قاله طوماس بيللو في مذكراته:« و يمنك اعتبار شخصية مولاي إسماعيل مزيجا من القسوة والحنان، لذا أصبح رعاياه يحترمونه لتمسكه بالشعائر الدينية من جهة، و يخشون باسه و جبروته من جهة أخرى».
و بعد، فلا يسعني إلا أن أشير إلى إحدى فضاءل مولاي إسماعيل الكبرى التي لا يجحدها إلا مكابر، و هي انه كان يستفتي علماء الدين، و يستمع إلى رأيهم، و يتعرض للنقد الشديد من جانبهم إذا لم يأخذ بوجهة نظرهم. و من ذلك مثلا رسالة شديدة اللهجة أرسلها إليه الشيخ أبو علي اليوسي حين جرد قبائل المغرب من سلاحها خوفا من ثورتها على الحكومة، فقد قال له الشيخ:
« إن ذلك و هن في الدين، و إضعاف للمسلمين»... مع السلطان لم يفعل ذلك إلا بعد تكوين جيش نظامي قوي، يحمي حدود دولته. و هو من هذه الناحية أفضل بكثير من الحكام المستبدين المنتشرين في الشرق و الغرب، و الذين لا يسمحون لأحد أن يتعرض على قول أو فعل يقومون به، مهما خاف العقل و المنطق، و اضر بحاضر الدولة و مستقبلها.
و لا يعوننا في الختام أن نوه بهذا البحث التاريخي و بقيمته التي لا جدال فيها، و أن نذكر أن المكتبة العربية كانت في حاجة إلى ملء فراغها بمثل هذه الشخصية القوية الفريدة من نوعها: شخصية مولاي إسماعيل بن الشريف العلوي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here