islamaumaroc

محمد الخامس الرائد المحرر.

  دعوة الحق

العددان 194 و195

ينفرد هذا الملك العظيم من بين ملوك الدولة العلوية و سلاطينها و أمرائها ملكا رائدا و قائدا محررا جبلت نفسه الأبية و روحه الكريمة على حب الحرية و عشقها و الجهاد من اجلها و التضحية بكل غال و نفيس في سبيلها و الدعوة إليها بالقول و العمل في السر و العلن و هو من اجل ذلك لم يكد يتسلم زمام أمور الأمة و يتخلص من البطانة التي أحاطت به مدة الوصاية محاولة جاهدة صرفه عن غايته و هدفه حتى أعلن بوضوح و جلاء عما تجيش به نفسه و يمتلئ به خاطره من آمال و أماني لتحقيق تحرر وطنه و استقلال بلاده.
فقد كان محمد الخامس-رحمه الله- يومن و يوقن منذ البداية و قد أدى و شاهد ما آل إليه وطنه، و على أية حال أصبحت عليها أمته، و من ظلم و استعباد، و فاقة و حرمان، فآمن و أيقن، بان هذا الشعب لا يمكنه أن ينهض من كبوته، أو ينتبه من غفلته، و هو يجديه أي إصلاح و لن يفيده أي ترميم و لا صلاح لامته و لا فلاح لها إلا بالحرية، حرية الوطن من الاستعمار و حرية المواطن من الظلم و الاستعباد، و حرية الفكر من الدجل و الجهل.
و أن الدارس المدقق المحقق لحياة هذا الرائد العظيم، منذ أن بويع ملكا على المغرب، و سنه لا يتعدى السادسة عشرة، يلاحظ جليا انه كان من اكبر رواد الحرية و دعاتها، و انه كان يصدر في كل تصرفاته، و موقفه و قراراته، منذ البدء، كان يصدر عن مبدأ ثابت لا يريم عنه و لا يحيد، و هو تعلقه بالحرية، و إيمانه الراسخ بها، و دعوته و جهاده الدائم من اجل شعبه و أمته، و قارته، بل و من اجل تحرير المظلومين و المضطهدين و المستعبدين، في كل مكان في العالم اجمع، فلنستمع إليه في أول نطق ملكي له بمجرد بيعته و اعتلائه عرش المغرب، حيث قال مخاطبا أمته سنة 1927:
«أن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا،  لا من اجل تنمية سعادته المادية وحدها، و لكت لنكفل له الانتفاع من تطور فكري، يكون متلائما مع احترام عقيدته، و يستمد منه الوسائل التي تجعله، يرتقي درجة عليها في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة».
لقد آمن محمد الخامس منذ أول ممارسته لمهامه أن الاستعمار يقف حجر عثرة في وجه شعبه و يضع شتى العراقيل في طريقه، ليبقيه مستعبدا مضطهدا، جاهلا خاملا، و لذلك بدا يعمل في صمت، و يخطط في هدوء ليحرر الإنسان في بلاده، ليحرر عقله و فكره أولا، ثم يحرر عيشه و مجتمعه ثانيا
لقد آمن بان سبيل التحرر الكامل و الاستقلال الشامل، هو تحرر الفكر المغربي، من الجهالة و الضلالة، و أن تحرر الفرد من الجهل، هو أعظم أنواع التحرر، و انه اقصر طريق نحو الحرية و الاستقلال، و هو من اجل ذلك نادى بفتح المدارس و إنشاء المعاهد، و أغرى شعبه و مواطنيه، بالإقبال على التعلم و التعليم، و الجد في التحصيل، كي يعرف المواطنون  حقوقهم و واجباتهم، و ليكونوا أكثر وعيا و أقوى شكيمة، في الدفاع عن أنفسهم و بلادهم، و خوض معركة الجهاد و النضال بوعي و تفهم و إدراك.
و قد خاطب شعبه و أمته في احد المواسم الثقافية بقوله:
«لقد أتفق العقل و الدين على أهمية المعرفة لتقدم البشرية و تطورها، إذ الإنسان لا يكون-في نظرهما- كاملا إلا إذا زالت عن بصيرته غشاوة الجهل، المانعة من التمييز بين ما يضر و ما ينفع فاستفاد من موهبة التفكير الحي بها عن باقي المخلوقات، ما يجعله قادرا على أن يغمر بالسعادة هذه الأكوان التي سخرها الله له».
و لذلك بدا بنفسه و بأسرته، فعلم أبناءه الأمراء و الأميرات على السواء، و ثقف عقولهم و حرر أفكارهم، كأحسن ما تكون الثقافة، و رباهم تربية إسلامية صحيحة كأحسن ما تكون التربية، و جعلهم مثالا حسنا و نموذجا رائعا يحتذى للشباب من أبناء وطنه، و اخذ يؤسس المعاهد و ينشئ المدارس من ماله الخاص و يدعو الشعب إلى التسابق إلى بنائها و تأسيسها، و الإقبال عليها و يسميها باسمه و بأسماء الأمراء والأميرات ويدشنها تارة بنفسه و أخرى بواسطة أنجاله، فقامت في طول البلاد و عرضها مؤسسات تعليمية، و معاهد عظيمة كانت أساسا للوعي الشامل، والنور الساطعة، الذي عم إرجاء الوطن و كانت سببا و نتيجة لما جناه الوطن من خير و تقدم و انتصار.
و قد اغتنم محمد الخامس فرصة زياراته التاريخية لطنجة سنة 1847 فقدم أبناءه الأمراء  و الأميرات للعشب و للعالم اجمع كخطباء و دعاة للحرية و الجهاد و مازالت خطب الأمير مولاي الحسن، و خطب الأميرة عائشة باللغات الثلاث، شاهدا حيا، و مثالا يقتدي قائما على مر التاريخ و الأجيال.
لقد رمى محمد الخامس من تعليم الأميرات و تقديمهم إلى الشعب في مجال الخطابة و التعليم و الرعاية الصحية و الشؤون الاجتماعية و غيرها لتقتدي بهن الفتاة المغربية و الأسر الوطنية في تعليم بناتها و تثقيفهم و دفعهن إلى مجال الحياة ليشاركن في معركة الحرية و الكفاح و بناء لاستقلال علما منه –رحمه الله- بان العنصر النسوي نصف المجتمع و لا صلاح لأي مجتمع بدون تعليم المرأة و تهذيبها و تثقيفها و بذلك سجل ريادته لتحرير المرأة في وطنه و تعليمها.
و لما كان هدف محمد الخامس تحرير بلاده تحريرا شموليا فكريا و اجتماعيا و سياسيا فقد تابع نضاله و جهاده و عمل من اجل ذلك سواء ضد المستعمر أو مع من يرى و يلمس فيه مساعدته من اجل غايته و هدفه و لذلك كان يغتنم الفرص و يتحين المناسبات و بكل الوسائل للخروج ببلاده من حالة الحجر و الاستعباد إلى حياة الحرية و الكرامة و لم يأس أبدا و هو يناضل و يجاهد عندما يقابل من طرف أعدائه بالجحود و الإعراض و المناورات بل كان يتابع سيره في ثبات الصالحين و صبر المؤمنين.
و هكذا نراه سنة 1943 يغتنم فرصة اجتماعه بالأقطاب في مؤتمر آنفا التاريخي و يحدث ضيفه عن آماله و آمال بلاده و حقها في الحرية و الاستقلال لتصبح مثل بقية الدول الحرة الديمقراطية ويعلن لهم عدم رضاه و عدم رضى شعبه عن حالة الذل و العبودية التي كان عليها و لم يزل كذلك مع مضيفته يقنعهم و يدافع عن حق بلاده حتى حصل منهم على وعد بالوقوف إلى جانبه وتحقيق مطمحه.
و لم تكن عريضة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 إلا ترجمة لآماله و آمال أمته و إعلانا مكتوبا لما عبر عنه للأقطاب في مؤتمر آنفا التاريخي.
ثم جاءت رحلته التاريخية إلى طنجة سنة 1947 لتكون امتدادا لعلمه العظيم من اجل الحرية و الاستقلال و تركيزا له و إعلانا للعالم اجمع في خطاب
التاريخي الذي هو كيان الأمة و أكد أهدافها و كان له صداه في الداخل و الخارج.
كما كانت رحلته المنظمة إلى فرنسا عقب ذلك سنة 1950  لمفاوضة رئيسها و قادتها و تأكيد حق بلاده في الحرية و الكرامة و إصراره على حملها على الرضوخ إلى مطالب الأمة و رغبتها الأكيدة في العيش الكريم تحت ظلال الحكم الديمقراطي و قد سجل موقفه هذا في خطاب العري بقوله:
«و لك يكن هدفنا من المحادثات السياسية التي أجريناها بفرنسا أن نظفر لتقوية سلطتنا لغاية شخصية و إنما قصدنا بمساعينا و جهودنا صالح البلاد و رقيها و تقدمها و لم يغب عنا لحظة واحدة أن أفضل حكم ينبغي أن تعيش في طله بلاد تتمتع بسيادتها و تمارس شؤونها بنفسها هو الحكم الديمقراطي الذي تقوم عليه الدول المعاصرة و الذي يوافق مبادئ ديننا الحر و يضمن للأفراد و الجماعات حياة الطمأنينة و الاستقرار، و أننا ما زلنا عل مبدئنا ثابتين و في تحقيقه جادين إيمانا منا بان هذا النظام هو الذي يكفل لرعايانا أقصى ما يمكن من حرية و عدل و كرامة».
لقد كان في ميسور محمد الخامس أن يساير الوضع، و يرضى بالسلطان المزيف، و الأبهة الفارغة، و يخلد إلى الراحة و الدعة، و يتمتع بالطيبات من الحياة، و لكن نفسه الأبية، التواقة إلى الكرامة، المتعلقة بالحرية الطامحة دوما إلى الأعلى، و الأسمى، و الأنفس، أبت عليه ذلك، فآثر المصالح القومية، على المصالح الشخصية، و فضل العناد و الجهاد، في سبيل حقوق بلاده و كرمتها، و آثر النفي و السجن على البذخ و النعيم، و قد كان موقفه الثابت و صموده الرائع هو الذي وحد الحركة الوطنية وراءه و جمع صفوف الأمة و شتاتها و بعث فيه القوة و العزة، و الشجاعة و الحماسة للوقوف صفا واحدا، متراصا قويا ف يوجه عدوها و مستعمريها، و القضاء على كبد الكائدين، و طمع الطامعين، و شك المتشككين.
و ظل كذلك مخلصا للكفاح الوطني، وفيا للمثل العليا، متشبثا بمبدـ الحرية و روحها، داعيا شعبه إلى الاستمرار في النضال و الكفاح، متمسكا بالصبر و الثبات، إلى أن يحقق الله النصر.
«فلنجد إذن في العمل، و لنتابع في يقين و ثبات المطالبة، جاهرين بتمكيننا من حقوقنا المشروعة، الجلية البينة، فإذا كان ضياع الحق في سكوت أهله عنه، فما ضاع حق من ورائه طالب».
و كلما اشتد سعار المستعمرين و زاد أذاهم و ظلمهم للشعب و قائده ازداد هذا القائد العظيم ثباتا على المبدأ و تعلقا بالغاية، لا يخيفه توعد أو وعيد و لا يثني عزيمته بطش و لا تهديد، و لا تغريه مساومة عن حق بلاده و رغبتها في العيش الكريم حتى إذا هدد بالعزل و النفي، و التشريد و التعذيب اثر حياة النفي عزيزا كريما، على حياة البذخ و النعيم في ظل العبودية و الظلم، و كان موقفه هذا هو الوقود الذي ألهب حماس الشعب، من اجل الحرية، و الفتيل الذي فجر الموقف ضد الاستعمار، فغدت الأمة كلها بعد نفيه، جيشا واحدا و صفا واحدا و يدا واحدة، تناضل و تقاتل، في ثبات و صبر وراء رمزها القومي، و رائدها التحرري، و لم يفت في عضدها حديد و لا نار و لا تهديد أو تقتيل حتى حقق الله للشعب ما كان ينشده و لرائد ما كان يناضل و يجاهد من اجله، و اضطر الاستعمار راغما مكرها، إلى النزول عند رغبة الأمة و الرضوخ إلى إرادة الرائد العظيم فكان محمد الخامس و من ورائه شعبه المتشبث به هو الذي أرغم الاستعمار على التخلي عن الحماية و الإقرار باستقلال البلاد و الاعتراف بحريتها و سيادتها.
و إليه يرجع الفضل في توحيد الشمال و الجنوب واسترجاع بقية المناطق المغتصبة تباعا بعد ذلك و هو الذي اقنع الرئيس ايزنهاور بدهائه و حكمته عندما زار المغرب سنة 1959 بالموافقة على إجلاء القواعد الجوية الأمريكية عن بلادنا.
و عندما عاد إلى وطنه منصورا مظفرا لم تبطره النعمة و لم يرض بما حصل عليه المغرب بل كانت آماله عراضا و مراميه بعيدة فقد كان هدف الاستقلال عنده يعني ثورة اجتماعية واسعة تشمل طبقات الأمة جميعا لتحرر المواطنين من آلام البؤس و ظلام الجهل و ترفع مستوى العمال و الفلاحين و ترفع عنهم كابوس الحرمان و إلا كان الاستقلال مشلولا ناقصا.
و ها هو في أول الاستقلال سنة 1956 يخاطب مواطنيه و ينبههم و يحدد لهم هدف الاستقلال ليتبنوه ويعملوا من اجله إذ قال:
«يجب أن نفهم من الاستقلال انه توطئة لثورة اجتماعية واسعة تتناول جميع طبقات الأمة و تعني بصفة خاصة برفع مستوى الطبقة العاملة التي تكون السواد الأعظم و تفسح المجال أمام المكتوين بنيران البؤس و الحرمان ليتذوقوا عيشة راضية و يحيوا حياة مطمئنة. و لا نرتاب في أن الاستقلال الذي لا تعقبه هذه الثورة هو استقلال أشل بعيد كل البعد عن أن  يؤدي ما أراده منه أبناء الشعب و ما علقوا عليه من آمال...»
و لم يكن مفهومه لحرية البلاد و استقلالها مفهوما ضيقا يقف عند جلاء المستعمرين عن بعض المناطق دون بعض بل ظل دائما يعلن و يصرح و ينادي بان الحرية تعني بالنسبة إليه استقلال كل أجزاء الوطن و توحيدها في إطار المغرب الموحد القوي كما كان دائما و طوال تاريخه.
و قد أكد موقفه هذا أمام رئيس جمهورية فرنسا عندما بدأت المفاوضات بين الوفدين المغربي و الفرنسي سنة 1956 حيث قال:
«و نريد أن نصرح علانية انه لا يوجد بالنسبة إلينا أية حرية جديرة بهذا الاسم و مقبولة من النفوس إلا في دائرة وحدة التراب القومي و عدم قبول أية تجزئة فيه».
كما كانت الحرية عنده تعني حرية الفرد و تمتعه بجميع حقوقه سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية و ليست هي حرية الحاكم وحده بل لا بد أن تشمل الأفراد و الجماعات على السواء ليتمتعوا بحقوقهم سواسية كما نادى بذلك في خطاب العرش في السنة الثانية و الثلاثين لجلوسه قال:
«أما في الميدان الداخلي فقد كانت السياسية التي رسمناها نحن و حكومتنا تستهدف دائما ضمان العدل للمواطنين و تمتيعهم بكل الحريات و اشتراكهم في حمل المسؤوليات وتشييد مجتمع راق يعيش أفراده متضامنين و يعملون متعاونين و ينعمون بعدالة اجتماعية و مستوى مادي و معنوي رفيع تنفتح به مواهبهم».
و لم يقف حبه للحرية و جهاده من اجلها عند حدود بلاده بل شملت الأشقياء و الجيران و كذا القارة السمراء بأكملها و لذلك أعلن مرارا و تكرارا انه يعتبر أن بقاء الجزائر مستعبدة مقيدة تهديد لحريتنا و استقلالنا لان حريتها من حريتنا و استقلالنا لا يتم إلا باستقلالها بل يذهب ابعد من ذلك و يعتبر قضية تحرير الجزائر قضية حياة أو موت بالنسبة للمغرب و أن استقلالها هو الضمانة الكبر لحرية و استقلال المغرب العربي و إفريقيا، و في ذلك يقول في يوم التضامن مع العب الجزائري الشقيق في أكتوبر سنة 1960:
«بل نحن في هذا الطور الحاسم من كفاح الجزائر مصممون العزم على مواصلة التأييد لجهادها و الدفاع عن قضيتها في كل مكان، و لو كلفنا ذلك أغلى التضحيات، لان قضية تحرر الجزائر قضية حياة أو موت بالنسبة لنا إذ هي الضمانة الكبرى لاستقلال بلدنا و وحدة المغرب العربي و حرية القارة الإفريقية جمعاء».
و كم تحمل-رحمه الله- هو و شعبه من أنواع المعاناة و مكائد الاستعمار و كم تعرضت له بلاده من المخاطر و المساومات كل ذلك من اجل أن يترك قضية الجزائر و يتخلى عن المجاهدين و لكنه أبى و أصر على موقفه الخالد إلى أن تحق النصر للشعب الجزائري الشقيق.
و كما حقق محمد الخامس الحرية و الاستقلال لبلاده و شعبه و ساهم بقوة و إصرار في تحرير و استقلال جيرانه و أشقائه أراد أن يشع شمس لحرية على قارتنا الإفريقية أيضا و أن تشمل أرجاءها روح الثورة و الكرامة و العزة حتى تتحرر شعوبها من الظلم و الاستعباد، و من اجل ذلك اخذ يعمل و يعلن منذ سنوات الاستقلال الأولى للمغرب بان استقلالنا سيظل ناقصا و مهددا إلى أن تتحرر إفريقيا كلها ويخرج الاستعمار منها إلى الأبد، و قد أكد أن كفاح المغرب مستمر و نضاله دائم و لن يهدأ له بال أو ينعم بحياة حتى تستكمل إفريقيا حريتها و يتم استقلالها.

« و المغرب قطر إفريقي تفرض عليه روابط الحوار و تداخل المنافع و تشابه الأهداف أن يهتم بأحوال جاراته الإفريقية و يعمل بكل ما يطيق لتحقيق تحررها».
و ما فتئ-رحمه الله- يتصل برؤساء إفريقيا و قاداتها و زعمائها من اجل توحيد الخطط لرسم سياسية افريقية مشتركة متحررة كما سعى بالغ السعي لوضع ميثاق إفريقي و جمع الدول الإفريقية المستقلة تحت لواء منظمة واحدة تدافع عن كيان إفريقيا و توحد صفوفها و تبلور عملها و يفرض كلمتها و هيبتها في الميدان الدولي.
و مازال على دأبه و عمله و كفاحه حتى حقق الله له غايته و بلغه أمنيته فانعقد في رحاب المملكة أول مؤتمر إفريقي سنة 1960 عرف بمؤتمر الدار البيضاء، الذي وضع الميثاق الإفريقي و ساهم في تحرير بقية شعوبها و رسم المناهج الواضحة لإفريقيا الجديدة المستقلة المتحررة و كان الأساس القوي الذي قامت عليه منظمة الوحدة الإفريقية و ما زال شعوب إفريقيا و قادتها إلى اليوم يدينون له بهذا العمل العظيم و يعتبرون ما وصلت إليه إفريقيا اليوم نتيجة من نتائج كفاحه و نضاله.
و قد سجل خطابه الافتتاحي لمؤتمر الدار البيضاء آماله العراض و أمانيه في تحرير أفريقيا و استقلالها و إحلالها المكانة اللائقة بها كقارة فتية قوية حيث قال:
«إذا كانت الأقدار اتاحت للدول الإفريقية المجتمعة في هذا المؤتمر السبق إلى الاستقلال والحرية فانه دين عليها أن تخطط المساعدة إلى الشعوب الإفريقية الأخرى حتى تتمتع بنفس الحرية و الاستقلال، و حتم عليه أن تخط من الآن المناهج الواضحة التي ينبغي لإفريقيا الجديدة أن تسلكها والسياسة التي يحسن أن تتبعها فلا ينبغي أن تعالج مواضيع هذا المؤتمر على أساس الاعتبارات الخاصة بالدول المشاركة فيه فحسب بل على أساس الاعتبارات العامة و المصالح العليا لإفريقيا».
و بعد فقد كان محمد الخامس محررا عظيما و زعيما رائدا لا بالنسبة للمغرب فحسب أو لإفريقيا وحدها بل للعام اجمع، فقد كان رائد التحرر و الاستقلال لبلاده، و كان رائد تحرير المرآة فيها و رائد توحيد وطنه و بنائه.
كما كان رائدا إفريقيا عظيما كافح من اجل جمع شمل شعوبها و توحيدها و تأسيس أول منظمة فيه أو وضع أول ميثاق إفريقي لاستكمال تحريرها و توحيد صفوفها.
كما كان رائدا من أعظم رواد الحرية في هذا العصر و ما زالت قرارته ومواقفه و أقواله و أفعاله في هذا المجال شاهد ثابت و آية قائمة.
فإذا اعتبره الشعب المغربي باه و زعيمه و قائده و باني استقلاله و المهندس الأعظم لتحريره و رمزه القومي الخالد فقد كان مصيبا و موافقا وما عليه اليوم إلا أن يتابع طريقه وسيرته ويبقى مخلصا ثابتا على مبادئه و أفكاره.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here