islamaumaroc

تاريخ الأقاليم المغربية في العصر الحديث

  دعوة الحق

العددان 194 و195

تقديـــــم:
      شهد النصف الأول من القرن العشرين بالمغرب، نشاطا فكريا هاما شمل كل مناحي الثقافة والتعبير، بالرغم ما كانت تتخبط فيه البلاد من مشاكل وأحداث خطيرة نتيجة التكالب الاستعماري والتآمر على السيادة الوطنية، لذا كان اهتمام الشعب المغربي و الطبقة النيرة المفكرة على الخصوص منصبا بالدرجة الأولى على إعلان رفض الانقياد للمستعمر، وحمل السلاح، والتعبير عن معارضة كل عمل يؤدي إلى المسخ والإفناء للشخصية الوطنية الوخدوية(1)، وضمن هذا النضال والجهاد أنشئت المدارس الحرة في كل المناطق المغربية(2) لنشر التعليم العربي الإسلامي الذي حاول الاستعمار محاصرته والقضاء عليه عن طريق الإكثار من مدراس التعليم الفرنسي، وتأسست، في سرية تامة، الفرق الرياضية والمسرحية(3)، فسادت الساحة المغربية حركة فكرية نشيطة، ونهضة علمية بارزة لا شك فيها.
       فما هو عامل هذه النهضة؟ هل هو، كما يرى الأستاذ عبد الله كنون، يتمثل في إعلان الحماية، هذا الحادث الذي « رج المغرب رجة نبهت الغافل وأيقظت النائم.. فان هذه تسببت بواسطة تنمية الوعي القومي في مضاعفة الجهود العاملة لذلك البعث»(4) أم أن العوامل الحقيقية لهذه النهضة ترجع إلى القرن الماضي زمن السلاطين محمد بن عبد الرحمن والمولى الحسن الأول، حيث أرسلت البعثات العلمية إلى الشرق والغرب، وبذلت محاولات لإصلاح الإدارة وتنظيم الجيش والصناعة وتطوير التعليم، وإدخال المطبعة، وظهور الصحافة(5)، إلا أن هذه العوامل لم تعط نتائجها وتثمر إلا في هذا القرن.
         ومن مظاهر هذه النهضة ازدهار التأليف كما وكيفا إذ ساهمت المطبعة في إخراج الكثير من الكتب في ميادين متنوعة من المعرفة، من تاريخ وتراجم وأدب... وإن كانت أكثرية الكتب المطبوعة آنذاك اهتمت بالفقه والنحو(6)، بالإضافة إلى بعض الموضوعات الجديدة التي عالجت قضايا طريفة أملتها الظروف الجديدة، كقضية احتلال الجزائر وما نتج عنها من تأليف(7)، ومشكل الحمايات(8)، وتاريخ الأدب والفكر المغربي(9).
      وما أهم الموضوعات الجديدة في عالم التأليف المغربي، تاريخ الأقاليم الذي انتشر في هذا القرن بشكل بارز، فالفت كتب في تاريخ الرباط وفاس ومراكش وسلا وأسفي والصويرة وتطوان وقبيلة بني زروال ومكناس ومنطقة الريف وغير ذلك من المناطق... لهذا من الصعوبة التعرض لكل هذه التأليف، وإنما سنحاول، بقدر المستطاع، التوقف عند بعضها فقط.

1 – كتاب « الاغتباط بتراجم أعلام الرباط » لمحمد بوجندار:
      إن مدينة الرباط، في الحقيقة، قد ظفرت بكتب كثيرة أرخت لها ولآثارها وفكارها، فالمؤلف بوجندار نفسه خصها بمؤلفات عديدة أخرى منها: «شالة وآثارها »، و« تعطير البساط بذكر تراجم قضاة الرباط»، و«مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح»، و «قصبة الرباط الأثرية »، كما نالت الاهتمام نفسه من طرف معاصر له هو محمد بن علي السلاوي الدكالي(10) الذي عرف بكل ما يتعلق بالعدوتين ( الرباط وسلا ) في كتابه « الإتحاف الوجيز بأخبار العدوتين المهدي لمولانا عبد العزيز »(11) واستمد هذا الاهتمام إلى الفترة الحديثة، إذ نجد الأستاذ عبد الله الجراري قد أثرى المكتبة الرباطية بكثير من التأليف مثل كتابه القيم« من أعلام الفكر المعاصر في العدوتين» وسلسلة « شخصيات مغربية» التي يعرف ضمنها بأعلام الرباط.
    فمن هو بوجندار؟ لقد ولد(12) بالرباط وعاش بها إلى أن توفي سنة 1345 هـ/1926 م ولم يناهز عمره الأربعين، أسندت إليه مهمة الترجمة في الإقامة العامة للحماية، فكان لمكانته الحكومية ولباقته وأدبه أن اجتمع حوله الكثيرون من الأدباء حتى صار بيته،
بحق منتدى أدبيا في الرباط، كما اشتغل أستاذ اللغة العربية في معهد الدروس العليا، نظرا لمستواه العلمي المرموق، ولو لا ما أصيب به من داء الشلل العضال، في سن مبكر، لأفاد الثقافة والأدب والتاريخ في المغرب.
     ولقد كان تأليفه لكتاب الاغتباط سدا للتقصير الذي اتسم به علماء الرباط نحو تاريخ بلادهم ورفعا للوم الذي وجه إليهم على كسلهم عن كتابة تاريخ يضم أعلام بلادهم، وحبا في الاستفادة من أقوال وآراء أهل الرواية والدراية في هذا البلد. يقول في مقدمة كتابه:«وقد من الله على، ولله الحمد، فجمعت من تراجم علماء وأولياء الرباط ما يقرب الثلاثمائة ترجمة، كلها أو جلها كانت في خبر كان – و ليس في الامكان أبدع مما كان- ولعل في هذا الفرض ما يسقط على علماء بلدنا ذلك الواجب والحق المفترض بل فيه ما يحمل ذلك الأديب الصحراوي على الاعتراف بفضل العصر الحار مع التماس العذر لأهل الجيل الغابر – وكم ترك الأول للآخر»(13).
     والحقيقة انه كان ملتزما بمنهاج واضح رتب تراجم أعلامه على حروف المعجم، و قصر كاتبه على ترجمة الأموات من الأعلام، مستخلصا تاريخه وإخباره في التراجم من مصادر عديدة لا يتيسر الإطلاع عليها بواسطة هذا الكتاب، مثل الرسوم والانكحة وشجرات الأنساب والكنانيش، مما اكسب الكتاب قيمة، خصوصا وأن أسلوب التعبير عنده كان متحللا من قيود البديع والصنيع والزخرفة اللفظية، فالاهتمام كان موجها إلى تأدية المعاني والأفكار، ولا غرابة في ذلك من كاتب مارس الصحافة وكتب المقالات والتعليقات، فجريدة السعادة تضم الكثير من إنتاجه الصحفي.

2 – اتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حضرة مكناس
     للمؤرخ النقيب عبد الرحمن بن زيدان العلوي (14) المتوفى سنة 1365 هـ /1946 م عن سبعين سنة من العمر، درس في المغرب والمشرق حتى صار كاتبا مرموقا وشاعرا موهوبا ومؤلفا مقتدرا، له تآليف كثيرة منها مجموعة كتبه التي خص بها الدولة العلوية مثل «الدرر الفاخرة» و«العز و الصولة»... أما كتاب الاتحاف، فهو أهم كتبه جميعها، لأنه خص به إقليم مكناس، كان قد أهداه إلى المرحوم محمد الخامس بكلمة وقصيدة شعرية.
    والكتاب يقع في عشرة مجلدات، كما يذكر الأستاذ محمد داود، طبعت منه خمسة فقط، قسمه مؤلفه إلى مقدمة وأربعة مطالب.
    فالمقدمة يستغلها للحديث عن التاريخ، ونظرة الدين الإسلامي إليه، مع إعطاء رأيه في الأدب وقضاياه. وفي المطالب، التي تعنى الأبواب في الاصطلاح المألوف، يتحدث عن صلب الموضوع الذي ألف من اجله الكتاب، وهكذا يخصص الباب الأول للتحدث عن مكناسة لغويا و تاريخيا، مركزا على بعض أماكنها بالتحديد والدقة في التعرض لأصلها، بفعل ذلك حين يتحدث عن جامع مكناس الكبر بأبوابه وذخائره التوقيتية وصومعته وخزانته، ومجلس القراء الأسبوعي، سالكا نفس الطريقة الدقيقة مع باقي المساجد الأخرى بمكناس وسقاياته، وحماماته، ودوره، ودكاكينه، وحوماته وأفرانه، وزاويته، ومدرسته، مستعرضا في نفس الوقت تاريخ المدينة عبر العصور المختلفة ومستطردا لمناقشة بعض القضايا الهامة مثل مناقشته لآراء ابن خلدون حول اصل البربر.
  ويعقد الباب الثاني لاستعراض ما قيل في مكناس شعرا ونثرا بأقلام المتقدمين والمتأخرين مما جعل
هذا الجزء هاما وممتعا، فهو بمثابة ديوان للشعر والنثر، خصوصا وأن كثيرا من النصوص لا توجد في غيره، نتعرف بواسطته على قصائد لابن عبدون المكناسي، والمسناوي، وأبي القاسم العميري، وأبي العباس... مصباح، وبوجندار، وغريط، والمدني...
     ويصل في الباب الثالث إلى تراجم أعلام مكناس من سلاطين وأمراء وعلماء وأدباء وأعيان وأولياء ومتصوفين... وأهمية الباب لا تقتصر على التعريف برجالات مكناس والتعرف على إنتاجهم بل تجلى أيضا فيما يستطرد إليه من أخبار تاريخية وتفاصيل مفيدة  نادرة؛ فترجمة الوزير احمد بن موسى(15) مثلا مناسبة لتسجيل أحداث قتل موشان واحتلال وجدة، والبيعة الحفيظي...
    وينتهي في الباب الأخير إلى ذكر ما لم يتعرض له مما له علاقة بمكناس، و الإشارة إلى«ما مر بها من أنواع الحبور و المحال».
   وبكلمة مختصرة فالكتاب موسوعة مكناس سجل فيه كل ما له صلة بالمدنية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا وفكريا، خصوصا إذا علمنا بان المؤلف توفر له، ما لم يتح لغيره، الكثير من الوثائق والمخطوطات والنصوص النادرة، وهو يشغل منصب نقيب الأشراف العلويين ومؤرخ المملكة، مما جعل كتابه مملوءا بصور هذه الوثائق النادرة من عقود ومراسلات وصور تذكارية.. ومما زاد في أهمية الكتاب أن تناول الأفكار فيه كان واضحا، فلم تضع الآراء والمعاني وسط الاحتفال باللفظ والشكل، بل إن أسلوبه، باستثناء التقديم، لا نحس فيه بأي ميل إلى التثقيف والحرص على السجع والصناعة اللفظية، بل سهولة اللفظ وبساطة التعبير هما طابع هذا الأسلوب، رغم ما يبدو من التأثر الواضح بالثقافة التي تلقاها الكاتب في سعة الإطلاع والرغبة في النقاش والأخذ والرد والتمحيص، والاستطراد الكثير مع طغيان الثقافة الفقهية والنحوية وهيمنة مصطلحاتها أحيانا على أسلوبه.

3 - «كتاب الأعلام بمن حل بمراكش واغمات من الأعــلام»:
      لمؤلفه عباس بن محمد بن إبراهيم المراكشي(16) عرف فيه بمراكش ورجالها وأحوالها عامة. والمؤلف عالم مشارك في كثير من العلوم، فكان فقيها، ومحدثا ومفسرا، ونحويا لغويا، ومنطقيا، وموقتا، وأديبا، ومؤرخا، حذق كل هذه المعارف وبدأت عبقريته فيها تظهر منذ الصغر لذلك يذكر الأستاذ عبد الكبير الفاسي بأنه« لما ورد إلى فاس، في ركاب المولى عبد الحفيظ في زمرة من جاءوا معه، أدهش علماء فاس واعتبروه أعجوبة العلم والأدب والشعر»(17)  مما جعله يتقلب في عدة مناصب قضائية، فزادت خبرته بعلم النوازل والفقه وألف فيهما يقول عنه الأستاذ عبد الكبير الفاسي أيضا:
       «لقد كان الفقيه من خيرة علماء المغرب على الطراز القديم»(18) توفي سنة 1378 هـ موافق عام 1959 م.
       أما كتابه «الأعلام»، الذي يقع في ثمانية أجزاء، فقد ترجم فيه لحوالي خمسمائة وألف شخصية من جميع الطبقات، فالمترجم لهم شعراء وكتاب وملوك ووزراء وقضاة ومتصوفون وأولياء سواء كانوا من المراكشيين في الأصل أو من الوافدين على المدينة من مناطق المغرب أو خارجه.
      ولقد كان للمؤلف حريصا على جميع الأخبار وتسجيلها دون تمحيص أو انتقاء، مما جعل كثيرا منها يبدو متضاربا ومتعارضا أحيانا، ولها ذلك راجع إلى الأمانة العلمية التي تحلى بها في نقله عن المصادر، إذ بعد الترجمة يشير إلى المصادر التي اعتمدها، ويسجل ما يصادفه من نصوص شعرية ونثرية لصاحب الترجمة.

        ولا بد من تسجيل ظاهر تحرر الكاتب في أسلوبه من الصنعة والبديع على الرغم من انه ألفه في الربع الأول من هذا القرن. ومن هنا كانت قيمة الكتاب تاريخية وأدبية، أدركت ذلك جامعة ليدن بهولندا حين كرمت الكاتب سنة 1934 وهي السنة التي ظهر فيه الكتاب.
        وحظيت مراكش في نفس الفترة تقريبا بكتاب آخر لمحمد بن الموقت المراكشي(19) المتوفى سنة 1369 هـ/1940م بعنوان «السعادة الأبدية في التعريف بالحضرة المراكشية» وهو في مجلدين.

4– كتب المختار السوسي عن الإقليم الجنوبي المغربي، أو موسوعته عن إقليم سوس
        فمن هو المؤلف؟ إن محمد المختار السوسي(20) من مواليد الغ بسوس التي درس بها على أبيه قبل أن يواصل التعليم بمراكش  ثم القرويين حيث تتلمذ على علماء وشيوخ أجلة، كما اخذ في  الرباط عن الشيخ أبي شعيب الدكالي و غيره.و لما اكتمل تكوينه اشتغل بالتدريس في مراكش مع ممارسته النشاط الوطني مما جعل المستعمر يقرر بشأنه الفني و الإبعاد إلى بلده الغ ليقيم حصارا بينه و بين رفاقه في الوطنية، ألا أن هذا النفي أفاد الثقافة، إذ ساعده التفرغ على المطالعة والدراسة لامعات الكتب في الأدب والتاريخ والحديث، ثم الاتصال  بالشيوخ ومشافهة أعلام سوس وتدوين المعلومات والأخبار، فكانت ثمرة هذه الفترة هي تلك الكتب التي أغنى بها المكتبة السوسية. ولقد كرم في آخر حياته فأسندت إليه الوزارة التي لازمها إلى أن توفي سنة 1383 هـ/1963 م عن سن يناهز الستين.
      أما موسوعته السوسية فتتضمن كتبا كثيرة منها كتاب «المعسول» في عشرين جزءا، «الالغيات» في ثلاثة أجزاء، «خلال جزولة» في أربعة أجزاء، «سوس العالمة»، «من أفواه الرجال» في جزأين، «الغ قديما و حديثا» في جزأين، «الرؤساء السوسيون » الذي ترجم إلى الفرنسية، «مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس».
      وكل هذه الكتب هامة تسد فارغا كبيرا كان يستشعره الباحث في تاريخ هذه المنطقة. اتجه إلى هذا النوع من التأليف بعد أن شعر بالمسؤولية الملقاة على عاتق المثقفين، إذ لاحظ، في مقدمة كتابه المعسول، بان كثيرا من التراث يضمحل بمرور الزمن، وأن عادات الناس وتقاليدهم تندثر مع الأيام، وكما لاحظ سريان روح التفريط بين الشباب في المثل العليا وفي اللغة العربية، لهذا يرى ضرورة توفير المراجع التاريخية عن المغرب وماضيه لتكون عمدة الأجيال المقبلة في التعرف على تاريخها وعمل أجدادها، يقول في مقدمة المعسول «وإنا لا ازعم في هذا الكتاب إلا انه مجموعة مهيأة لمن سيستقي منها غدا ما يريد، ولذلك احرص على ذكر العادات وطرائف الأخبار والنكات الأدبية والقوافي... وإنما ادعي أنني حرصت على أمانة النقل عن المصادر وغالبها من أفواه رجالات الأسر...ليلاحظ القارئ ما تقوم به طائفة من أبناء امازيغ الشلحيين البدويين من نشر اللغة العربية وعلومها وآدابها».
    وهكذا كان منهجه هو الجمع، فمهمته الأولى هي توفير المادة الخام، أما عملية التحويل والصياغة ومناقشة الأفكار، فيرى بأنها تأتي في المراحل  القادمة، ومن هنا تصادف أخبار الفقهاء والأدباء والرؤساء والصوفية والأولياء، فالقارئ للكتاب «كالداخل إلى السوق التي تجمع كل شيء» كما يقول في مقدمة المعسول، إذ لا يترك صغيرة ولا كبيرة من حياة المترجم له وإنتاجه، وأدبه، وأفكاره، وشيوخه، وطلبته، وأقوال معاصريه فيه. مستطردا إلى كثير من أخبار الجزء الشمالي من الوطن مما له علاقة بالمترجم له، فأصبح الكتاب مرجعا أيضا عن تاريخ فاس ومراكش والرباط. ومن هنا تأتي أهمية كتابه المعسول وكتبه الأخرى في الاحاطة والشمول، وسهولة اللفظ وبساطة التعبير

5– تاريخ تطوان امحمد داود (  20مكرر)
     وإذا كان المختار السوسي قد أرخ لجنوب المغرب فان الأستاذ محمد داود قد دون تاريخ شماله منطلقا من تطوان. والمؤلف عالم مرموق متضلع مارس الصحافة والتدريس واشتغل محافظا للخزانة الملكية. يقول امحمد بنونة في تقديم الكتاب ملخصا أهم مراحل حياة المؤلف «فان الأستاذ داود معرفة المعارف هنا بتطوان، بل والمغرب أيضا، فان الناس لم ينسوا مجلة السلام أول مجلة تطوانية، ولا جريدة الأخبار، ولا مختصر هذا التاريخ، ولا المقالات الرابضة في العلم والتربية والسياسية والوطنية، ولم ينسوا المدرسة الأهلية، والمطبعة المهدية، والعهد العالي، ومناهج التعليمين الديني والعصري، الدروس والمحاضرات، ولم ينسوا كذلك الكتل الوطنية، والجمعيات السرية، والمجازفات السفرية لأجل الجهاد الوطني مع النزاهة والتعفف والاعتدال والشجاعة في ذلك » (21)رغم ما يمكن أن يكون في هذا القول من مجاملة وبعد عن الموضوعية لما يربطهما من صداقة، فان الذي لا شك فيه أن الأستاذ داود كان نشيطا، ساهم في إنشاء التعليم العربي المنظم وقدم برنامجا متكاملا دعا فيه إلى تعليم البنت أيضا، وخلف الكثير من المشاريع الثقافية.
    أما الكتاب الذي يقع في ثمانية مجلدات لم يطبع منه إلا خمسة فقد تحدث فيه عن ولاة تطوان ورجالهما و لوافدين عليها والأحوال التي طرأت عليها سالكا منهجا خاصا يقول انه جعل القرن من الزمان« وحدة مستقلة متماسكة، فجمعت أخبار كل قرن في باب واحد تحته عدة فصول بحيث إذا قرأ الشخص ذلك الباب بمختلف فصوله عرف تاريخ هذه المدينة من جميع نواحيه في ذلك القرن».(22)
   وهكذا كانت معلوماته متنوعة تشعر بان صاحبها كان حريصا على الجمع، وهو نفسه يقرر ذلك إذ يعتبرها من المواد الأولية التي تحتاج إلى الصقل، والصياغة، والتمحيص، والتركيب الجديد.
   ولعل الأستاذ داود – أمد الله في عمره – قد استفاد كثيرا من كتاب أبي العباس احمد بن محمد الزهوني التطواني (23) المتوفى سنة 1373 هـ / 1953 م في نفس الموضوع بعنوان «عمدة الرواين في تاريخ تطاوين» في عشرة  مجلدات بسط فيه القول في عائلات تطوان، وعوائدها، والواردين عليها، وتاريخ تأسيسها، على طريقة لم يسبق إليها احد.
   وليس في استطاعتنا إن حاولنا الإلمام، في هذه العجالة، بكل ما كتب في تاريخ الأقاليم المغربية في بداية هذا القرن، فالقائمة طويلة تكاد أن تغطي الخريطة المغربية بكاملها، فهناك مثلا بالإضافة إلى ما تقدم محمد الكانوني (24) المتوفى سنة 1357 هـ / 1938 م الذي اهتم بتاريخ إقليم اسفي، واحمد بن الحاج الركراكي (25) بتاريخ الصويرة، والبشير الفاسي (26) بقبيلة بني زروال ولد سنة 1316 هـ / 1898 م. واحمد بن العياشي سكيرج (27) المتوفى 1363 هـ / 1944 م بمنطقة الريف.
     ولكننا نستطيع القول بكلمة موجزة بان تاريخ الأقاليم وأدبها وفكرها خطوة لا بد منها لتدوين التاريخ الوطني الشامل.

(1) تجلى هذا الرفض في ثورات كثيرة مثل ثورة احمد  الهيبة في تارودانت، و ثورة موحى وحمو الزياني في الأطلس المتوسط، و ثورة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي، كما نظمت مظاهرات و تعالت أصوات الاحتجاج و المعارضة للظهير البربري.
تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب ج1 ص20. لشعر الوطني المغربي في عهد الحماية ص 28،29. المغرب العربي منذ الحرب العالمية الأولى ص 38.
(2) يذكر إبراهيم السولامي ثمانين مدرسة حرة كانت تمارس التعليم العربي بالمغرب إبان هذه الفترة، مما يظهر الإقبال و الرغبة لدى الشعب على تعلم اللغة العربية في المدن و القرى الصغيرة على السواء. العشر الوطني ص 43.
(3)  انتشر المسرح في المغرب منذ 1923 حينما تقدمت الى للمغرب أول فرقة مسرحية شرقية حيث تلاها تأسيس فرق مغربية مسرحية في فاس و سلا و تطوان و البيضاء و اتجه الشبان المغاربة آنذاك إلى التمثيل و التأليف و الاقتباس في موضوعات التاريخ و الاجتماع و السياسية و الوطنية.
أبحاث في لمسرح المغربي ص 35. تاريخ الحركة الوطنية ص39. الشعر الوطني ص 60.
(4)  أحاديث عن الأدب المغربي الحديث ص 34.
(5) ظهرت الصحافة في المغرب لأول مرة منذ سنة 1889م. انظر النضال في الشعر العربي بالمغرب ص4. المناهل، عدد 3، ص 107، مقدمة الشعر الوطني ص 6.
(6) انظر « فهرس التآليف المطبوعة بفاس» الذي كان يصدر بالجزائر سنة1921-1922 م بإشراف بروفنسال.
(7) مظاهر يقظة المغرب الحديث ص 13-26 فيه ذكر للنماذج و الشخصيات.
(8) مثل كتاب (كشف النور عن حقيقة كفر أهل بصبور )المخطوط بالخزانة العامة تحت رقم 1326د. مظاهر يقظة المغرب ص257. معجم الشيوخ ج 1 ص 55.
(9) يدخل ضمن هذا المجال« الشعر و الشعراء للنميشي» و «فواصل الجمان لغريط» و «تاريخ الفكر السامي» لمحمد الحجوي.
(10) ترجمته في«من أعلام الفكر المعاصر» ج2 ص 177. الشعر الوطني ص 239.
(11)  مخطوط الخزانة العاملة رقم 42د.
(12) ترجم له في الأدب العربي بالمغربي الأقصى ج1. الموسوعة المغربية للأعلام البشرية ج 3 ص 19 من أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين ج 2 ص 207. الشعر الوطني المغربي ص 227. دلل مؤرخ المغرب ج 1 ص 33.
(13) الاغتباط مخطوط الخزانة العامة رقم 1278د ص 4. يشير إلى الأديب محمد الأمين الصحراوي في كتابه المجد الطارف حيث يذكر في رحلته بالرباط انه لما سال علماء الرباط هل تحت يدهم تاريخ يعرف بالعلماء و الأولياء في هذه المدينة أجابوه بالنفي، فتأسف الأديب، و أدرك الفرق بين علماء المغرب و المشرق.
(14) ترجمته في الأعلام للزركلي ج 4 ص 11. تاريخ تطوان ج 4 ص 42. فواصل الجمان، الشعر الوطني المغربي ص 220. الموسوعة المغربية ج 1 ص 118. الأدب المغري بالمغرب الأقصى ج 1
(15)  الانحافج1 ص 372-455.
(16) دليل مؤرخ المغرب ج1 ص 32. دعوة الحق، الدد 10، السنة 2 ص 46
(17) دعوة الحق، السنة2، عدد 10، ص 46.
(18)  نفس المرجع.
(19) دليل مؤرخ المغرب ج 1 ص 33، 69.
(20)  ترجمته في مقدمة الجزء الأول من المعسول، من أعلام الفكر المعاصر ج 2 ص 197. الشعر الوطني ص 241.
(20 مكرر) دليل المؤرخ المغرب ج1 ص 39. تاريخ تطوان ج 1 المقدمة.
(21) تاريخ تطوان ج 1 ص 10.
(22) تاريخ تطوان ص 27 من الجزء الأول.
(23) دليل المؤرخ ج 1 ص 64 و الجزء الثاني ص 418.
(24) دليل المؤرخ ج 1 ص 27.
(25) دليل المؤرخ المغرب ج 1 ص 69.
(26) دليل المؤرخ المغرب ج 1 ص 69 و كتابه المطبوع.
(27) دليل المؤرخ المغرب في مواضع كثيرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here