islamaumaroc

الأصالة سمة العرش المغربي

  دعوة الحق

العددان 194 و195

      انه لمن أعظم نعم الله على هذه الأمة المغربية أن وكل أمر قيادتها للعرش العلوي المناضل، الذي عرف سلاطينه الامجاد. كيف يدوذون عن حياضها، ويوحدون صفها، ويجمعونها كلمة سواء، في تعبئة تامة، ووحدة متناسقة، وصف متراص... وهذه حقيقة لا تجحد، وبديهية لا تقبل المناقشة، والتاريخ الأمين خير شاهد على ذلك.
      أما نحن، جيل الأربعينيات والخمسينيات، فقد كانت نعمة الله علينا أعظم، وفضله لنا اشمل، حيث قبض، سبحانه، لقيادتنا بطل التحرير، وقائد النضال، ورائد التضحية، محمد الخامس طيب الله تراه، ونور ضريحه، وأكرم مثواه، ذلكم القائد المغوار، والربان الماهر، الذي عرف كيف يقود سفينة التحرير بلباقة تامة، وحنكة فذة، ومهارة نادرة، والذي لم تغره المظاهر البراقة، ولم تستهوه الوعود المعسولة، والعروض المغرية التي طالما لوح له بها المستعمرون عله يقف إلى جانبهم ضد أمته وشعبه.. ولكنة- رضوان الله عليه- قد سخر من كل ذلك، وأعلنها صرخة مدوية في وجه المستعمر الباغي، أبيا إلا الوقوف إلى جانب شعبه في نضاله المستميت، للتخلص من قيود الحماية وأغلال الاستعمار، بيد انه –نضر الله وجهه- لم يكتف بالتأييد والتشجيع، ولكنه دخل المعركة من أوسع أبوابها، ملقيا فيها بكل ثقله، قائدا، مناضلا، مكافحا، يضع الخطط، ويسطر البرامج، ثم يسهر على تطبيقها وتنفيذها، ضاربا بنفسه وبأسرته الشريفة، وعلى رأسها ولي العهد، يومئذ، جلالة الحسن الثاني نصره الله، أروع الأمثلة واسماها في البذل والفداء والتضحية، مما اقض مضاجع دهاقنة الحماية، واقلق راحتهم، وعكر صفو هنائهم، وأصابهم بالسعار... فصبوا جام غضبهم على الشعب المغربي الباسل، وسلطوا نقمتهم على المناضلين من خيرة أبنائه، ممن عانوا الاسار، وسئموا حياة العبودية... مستهدفين من وراء شعارهم المحبوب أن يرهبوا قائد المسيرة، ويحملوه على التخلي عن المناضلين من أبناء شعبه، ثم الاستسلام للأمر الواقع...! بيد أن ضرواتهم الوحشية لم نزده –رضوان الله عليه- إلا ثباتا في العقيدة، وصلابة في الحق، واعتزازا بما رسمه لنفسه ولشعبه من مواصلة الكفاح ومتابعة النضال حتى النصر، وتحقيق المطلوب، فكان في موقفه المتصلب هذا، وثباته على الحق، شبيها بموقف جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حين تألبت عليه جموع المشركين، الذين ذهبوا إلى عمه أبي طالب يطلبون منه عدم الحيلولة بينهم وبين ابن أخيه، أو الالتزام بإقناعه بالتخلي عن رسالة ربه، فكان جوابه – وقد ظن انه بدا له فيه بداء- ردا حاسما، وعزما صارما على مواصلة الدعوة: والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك دونه...! نعم، وهكذا، فبعد أن يئس المستعمرون من تفريق كلمة الشعب، وعجزوا عن إحداث ثلمة في الآصرة المتينة التي تشده إلى العرش – رمز الوحدة والسيادة- شدا محكما، اقبلوا، في واضحة النهار، على ارتكاب جريمتهم النكراء، وهي أشنع جريمة سياسية عرفها قرننا العشرون، حيث تمت مؤتمرة عشري غشت 1953 الدنيئة، التي أسفرت عن إبعاد ملك البلاد الشرعي محمد الخامس –طيب الله ثراه- عن العرش، ونفيه صحبة أسرته الكريمة إلى جزيرة مدغشقر النائية، ظانين أنهم بذلك سوف يضعون حدا لتطلعات الشعب المغربي، بحيث يسكتون صوته إلا الأبد، ويحملونه على التلهي بهذه الدمية المصطنعة التي أجلسوها على العرش، ناسين أن محمد الخامس المنفي، لم يكن يتبوا ذلك العرش الرمزي وحسب، وإنما كان يتبوا عرش القلوب التي أحلته السويداء، ووفت له في السراء والضراء، وأخلصت له في الشدة والرخاء...!  ولكن إرادة الله كانت أقوى من إرادة المستعمر، « ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين »، فما هو إلا أن مس الشعب في أقدس مقدساته الذي هو العرش ضامن الوحدة، وحامي الديار، حتى اندلعت الشرارة الأولى على يد البطل المغوار علال بن عبد الله مؤذنة بانتفاضة شعب حر أبي كريم، لا يرضى الهوان، ولا يستسلم للحدثان.! فإذا المعركة محتدمة الأوار، وإذا المتعاونون و أوليائهم من دهاقنة الاستعمار يتساقطون بمختلف أنحاء المغرب الواحد تلو الآخر صرعى برصاص الفدائيين كأنهم أعجاز نخل خاوية،... وإذا المستعمرون يفيقون من أحلامهم ليجدوا أنفسهم أمام الحقيقة الأزلية الخالدة، التي تقرر أن إرادة الشعوب لا تقهر لأنها مقتبسة من إرادة الله...
       إذا الشعب يوما أراد الحيـــــاة
                  فلا بد أن يستجيب القــــدر!
       ولابد لليل أن ينجلـــــــي،
                  ولا بد لليد أن ينكســـــر!
       وهكذا لم يجد المستعمرون بدا من الانصياع لإرادة الشعب، الذي لم يرض بديلا بمليكه الذي بادله حبا بحب، ووفاء بوفاء، وإخلاصا بإخلاص، فعاد أبو الأمة محمد الخامس في مواكب النصر والظفر، ليتبوا عرش القلوب، وليأخذ الزمام لقيادة الأمة نحو التحرير الكامل الشامل الذي جاء تتويجا للتضحيات الجسيمة التي بذلها العرش المغربي بقيادة محمد الخامس – رضي الله عنه- ومساعدة ولي عهده الأمير مولاي الحسن، و إلى جانبهما الشعب المغربي الباسل، الذي تفانى في التضحية والفداء.
      ومن تمام النعمة الإلهية علينا –نحن المخضرمين- أن عاصرنا جلالة الملك الحسن الثاني ملكا، وقائدا، ومحررا، وموحدا، بعد أن عايشناه أميرا فتيا، يساعد والده العظيم، وسانده في الملمات، ويشد أزره في الخطوب، بماوهبه الله من بعد النظر، وثقوب الذهن، وصائب الرأي... لم تشغله مهام الدراسة الجامعية- التي كان فيها من الموفقين المجلين- عن الإسهام في معركة التحرير، ولم تقعد به عن الإضلاع في معترك التنوير، كما تفصح عن ذلك مواقفه الخالدة الرائعة إلى جانب والده المغفور له، وكما تشي به خطبه الوطنية، ومحاضراته التوجيهية، وتصريحاته السياسية. فما تخلى-حفظه الله- يوما ما عن مقدمة الركب، ولا تأخر عن الطليعة في ميدان البناء والتشييد، ومعترك التحرير والتوحيد... وكان لسان الحال يردد:
     شيم الالى أنا منهمـــــــو
                ولأصل تتبعه الفـــــــروع!
     فهذه الإنجازات العظيمة التي تطفح بها بوادينا وحواضرنا، في مختلف المجالات وشتى الميادين، كلها تقوم شاهد صدق على ما لجلالته من اهتمام كبير، وعناية فائقة بإرساء قواعد المغرب الجديد على أرضية صلبة آمنة من العثار، والوصول بهذه الأمة إلى قمة المجد التي تمكنها من اللحاق بركب الدول المتقدمة.
    ولو لم يسجل التاريخ لجلالته إلا تنظيم المسير الخضراء الرائعة، مسيرة الخمسين وثلاثمائة ألف متطوعة ومتطوع لتحرير الصحراء وتحقيق الوحدة، لكان ذلك كافيا لان يبوئه أعلى الرتب بين قادة الدول وسياسة الأمم، فكيف وسجل سيدنا، أيده الله حافل بالأمجاد، عبق بالمكرمات؟ فمن نصر إلى نصر، ومن مأثرة إلى أخرى، مما يفوق الحد، ويجل عن العد، ويقصر دونه الوصف، الشيء الذي أفحم الخصوم والأعداء بقدر ما أثلج صدور الأصدقاء والأقرباء، فهنيئا لنا ما حصلنا عليه في عهد جلالته من أمجاد، وما ننعم بنعمة الحرية، ونستظل تحت لواء الوحدة، ونرتع في بحبوحة الازدهار، ونقطف ثمار كفاحنا مجسمة في مؤسساتنا الدستورية، أن نتنكر لأولئك الذين عبدوا أمامنا الطريق ورووا شجرة الحرية والوحدة بدمائهم الزكية الطاهرة! فهل فكرنا – ونحن نعيش في غمرة الاحتفال بعيد العرش_ في أولئك الجنود المجهولين الذي جادوا بأرواحهم- وهي اعز ما يملكون- فداء للوطن؟ وهل دار بخلدنا أن تسفر عما أسفرت عنه من حسن النتائج إلا بفضل الالتحام الكامل بين العرش والعشب؟ ولم يحالفها النجاح إلا بفضل القيادة الرشيدة التي تولاها ملكنا الراحل محمد الخامس بمساعدة ومؤازرة ولي عهده ووارث سره ملكنا الخالد الحسن الثاني أمد الله في عمره؟ وهل فكرنا في أن جلالة الحسن العظيم كان الساعد الأيمن لوالده المرحوم في قيادة المعركة ووضع الخطط لإنهاء عهد الحماية البغيض؟ وانه – إلى جانب هذا- كان القلب الرحيم الذي كان يجد فيه محمد الخامس- عليه رضوان الله- العزاء والسلوى في منفاه السحيق؟
       ألا فلينعم الشعب المغربي النبيل بما حباه الله سبحانه من تحرر كامل، ووحدة ترابية شبه شاملة، ونهضة عامة في مختلف الميادين تحت القيادة الرشيدة لبطل الوحدة، باني السدود، ومبدع المسيرة الخضراء، ومرسي قواعد الديمقراطية جلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده الذي عرفنا في ظله وعلى عهده الخير الكثير، والنعم الوفيرة، والاستقرار الممزوج بالأمل الباسم نحو غد أفضل، في مغرب سنة ألفين، إن شاء الله!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here