islamaumaroc

من ملاح الذكرى 18 لجلوس الحسن الرائد على العرش.

  دعوة الحق

العددان 194 و195

إن لكل ماض ينسلخ من الحياة أحداثا و مجريات لها مزاياها المنبثقة عما طوت في ثناياها أعمال هي بطبعها ميسم حق، و نموذج يحتذى، و مثل أعلى للشعوب تجعله نصب أعينها كمرآة صقيلة صادقة يبصر الجيل الحاضر من صفائها ما يجعله يترسم خطوات أحداثها الخيرة متكيفا بما تجود به حكمها المنبثقة من صميم الفكر الرصين و الوعي المتزن، و التثقيف الحق الذي يهدف الصالح العام، و يخلق من الشخص إنسانا مثاليا يبدع و ينشئ و بالتالي يشق الطريق و بعيد السبيل مزيلا عن شعبه و مجتمعه كل عراقيل التخلف و التذبذب.
ونموذج من هذا القبيل تطلع به الأيام من فينة لفينة قد تطول و قد تقصر تحقيقا للحديث:« إن الله يبعث لهذه الأمة على راس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها».  ونحن نرى العبقري الإفريقي راس نهضة الشعب المغربي ينظر في تلك الحقبة بمنظار الواقع الملموس و المحسوس فيطويها طيا واضعا إياها في مدى العشر و ما يمت إليها بصلة قربا و قصرا. و ورد: « أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم أخره» و ها هو ذا الحسن المبدع و المفكر المقنع الذي إذا خط و صمم أحسن الرسم و الشكل، و حقق الهدف و هدى الحيران في مهامه المتاهات شاقا بين يديه المسيرة فاتحا عينيه على الحقيقة و الوقاع مما لا جرم يجعله عضوا عاملا على الخلق فيما يرمي إليه في الحياة و ما تتمخض عنه في مختلف مجالاتها و قطاعاتها سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و عسكريا بروح مطمئنة، و أهداف بناءة لها مستقبلها المنتج و مآلها الخير.
ثم لا نذهب بعيدا فهذه خطبة الارتجالية كخطابه المدهش يوم افتتاح الدورة الثانية للبرلمان في سنة 1978 و هو يضع لرجاله المنتخبين أسس السير و أصوله العامة كي يترسموا مناهجها تشريعا و منطقا متلمسين الهداية و الصواب فيما هم مرشحون له من تخطيطات لها أبعادها تتفق و الهدف المنشود للعشب في عامة مطامحه و مطالبه ماديا و أدبيا، ذلك أن العاهل الموفق و هو ينثر على المسامع ما اوتيه من حكمة، و الهمة من تبصر حتى لكان بين يديه لوحا مسطورا يرى من بين حروفه و كلمه قلوب شعبه و قد جال في أعماقها سالكا تحقيق المرامي و الرغائب التي تشغل بال الفرد و الجماعة على السواء، واهبا كل أوقاته و طاقاته و أفكاره رجاء الوقوع على المخرج المرضي و الحلول المتجهة لكلا الطرفين مضحيا بقوته و راحته شان الساسة و الأبطال في كل الأمم و الشعوب الذين يظهرون على مسرح السياسة في ندرة معبئين كل قدراتهم للإنقاذ و التكوين و مجاراة الشعوب المتقدمة ثقافة و خلقا و اقتصادا و تصنيعا وتفكيرا رغبة اللحوق بالركب و السير قدما صادفين عن الوراثية و التبعية في إرضاء و خنوع تأباهما النفوس العلية، و يسخطهما الآباء المطبوع عليه المغاربة منذ كانوا لا يفل لهم صف، و لا تلين لهم قناة لا مع الأجنبي البعيد، و لا مع الجار الجاحد الماكر و من لف لفه.
و هذا خطابه الواعي المتعلق بالمخطط الثلاثي الذي انطوى في مدلوله على أن الحكومة ستتقدم بمشروعه إلى مجلس النواب فعلى الجميع أن يستعد للمناقشة و المشاركة، و التهيء و الدراسة، و طبيعي أن يكون هذا دعوة ديمقراطية لا جرم تفتح للجميع الإسهام كي يضيف إليه من يريد الإضافة، و ينتقد من ينتقد، و يوجه من يوجه، و شيء من هذه الظاهرة لا محالة له جدواه الايجابية في تقرير ما يقرر و شجب ما يشجب و يسحب. تلك طبيعة الحسن المخطط في كل ما ينشئ و يبدع و هو راع بما انشأ و أبدع أن يعرض ذلك على حكومته بمرأى و مسمع من الشعب الوفي، ثم على نوابه و منتخبيه إيمانا من جلالته و هو المثقف القانوني المجرب أن رأيين خير من رأي واحد.
 فرأيان خير من الواحــــــد
                 و رأي الثلاثة لا ينــــــقض
و لله در حافظ إبراهيم في بائيته العمرية إذ يقول:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد بــه
                 رغم الخلاف و رأي الفرد يشقيها
هذا و هو وحده ما عشناه و نعيشه مع الحسن الرائد فلست تراه مرتاحا يوما ما دون أن يكون له مع دائرته و حكومته و اجتماع تطرح في بساطه مشاكل الدولة على اختلاف ألوانها سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و عسكريا، و هو في خضم ذلك مثال المحنك الخبير تعرض عليه الأفكار في شتى أنماطها فيراها بمنظار النطاس الماهر الذي لا يفتأ ( يضع الهناء عل النقب) و عن كثب تنشرح الصدور ملهمة لحل ما اعتصى على الأذهان من مختلف القضايا، و جلى تنشرح النفوس لما ينطبع فيها من كلمات يعلوها الصفاء و يحوطها نور القلب الذي تبرز منه، و نعلم كلمة ابن عطاء الله في حكمة:« أن كل كلام يبرز إلا و عليه حلة القلب الذي برز عنه».
و ها هو جلالته يذكر شعبه الوفي و كله إيمان بصدق ما يقول، أقول: يذكر شعبه الذي منذ كان و لا يزال مثال الخلق الحميد و السلوك الطيب متقمصا آداب القرءان و السنة و ما كان عليه المسلمون الأولون الذين دوخوا العالم منتصرين في كل الأحداث والوقائع شرقا و غربا يساندهم الصدق و الإيمان، و تهديهم تعاليم السماء في سائر المحاولات و المجالات حتى إذا ما أعطوا اليمين و اقسموا بروا و أنجزوا و استماتوا في الوفاء.
و من هذا المنطلق نجد جلالة الحسن الراعي بمناسبة «الذكرى الثالثة للمسيرة الخضراء» يشيد بأخلاق الشعب الطبية و المنبثقة عن أخلاق القرءان التي كانت حلية الرسول الكبرى بقوله جلت عظمته: « و انك لعلى خلق عظيم» و استمر حفظه الله يعدد من سلوك الإسلام ما كان عليه النبي الكريم و أصحابه و من جاء بعدهم من هداة المسلمين وسراتهم في كل عصر، و بعد أفاضته في خلق المسيرة و ما كان لها من انعكاسات و محامد أثارت إعجاب دول العالم اجمع لافتة أنظاره بوجه خاص صوب مبدعها الحسن الواعي بما يأخذ و ما يذر مقدرة فيه النضج و البطولة الضامنين البعث و الاطمئنان.
و هو القائد الرائد يعلم من صدق شعبه و وفائه ما لا يحتاج إلى تأكيد و تقوية حيث العرش و الشعب توأمان لا ينفك احدهما عن الآخر تحت ظل ملكية دستورية مؤمنة يقيم الإسلام و تعاليم السماء. نعم ما دمنا نمت بسبب وثيق إلى خليل الرحمن أبينا إبراهيم عليه السلام و هو يخاطب ربه تعالى: « و إذ قال إبراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى قال أو لم تومن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي» نجد العاهل المبدع يقول أثناء خطابه بمناسبة الذكرى الثالثة للمسيرة: أظن شخصيا أن أحسن خطاب يمكن أن أوجهه لك هذه السنة هو ما قل و دل، و هو أن نبدأ حياة جديدة و ذلك في طل القرءان و ظل قسمنا أمام القرءان و كتاب الله. و قال شعبي العزيز: ها هو القسم فأريد أن تردده معي في كل بيت كما سيردده معي الحاضرون هنا:
«اقسم بالله العلي العظيم أن أبقى وفيا لروح المسيرة الخضراء، مكافحا عن وحدة وطني من البوغاز إلى الصحراء. اقسم بالله العلي العظيم أن ألقن هذا القسم أسرتي و عترتي، في سري و علانيتي. و الله سبحانه هو الرقيب علو طويتي و صدق نيتي».
و استمد جلالته هذا القيم ( كما قال حفظه الله) من أواخر آية سورة المائدة في ذلك الحوار الرائع القدسي الذي بين الله سبحانه و تعالى و بين روحه و كلمته عيسى عليه الصلاة و السلام، و في آخر الحوار يقول سيدنا عيسى صلوات الله عليه: «و كنت عليهم و أنت على كل شيء شهيد».
هكذا نرى الحسن الموفق يقتبس من فينة لأخرى ما يكون كتكأة و سند يعتمده في خطبه الواعية من إرشادات و تعاليم تضيء الطريق للشعب فيما يقدم عليه أو يحجم.
أما رحلة جلالته إلى الديار الأمريكية فكانت آية الآيات بما حوته من مواقف شجاعة قضى منها أبناء العالم الجديد العجب العجاب و كل من يمم القطر الأمريكي آنئذ رأى هو الآخر ما حير و أدهش خاصة يوم عقد الندوة الصحافية التي حضرها الكتاب و الصحفيون من أقطار المعمور و قد ملآوا حقائبهم بما كان يدور في نفوسهم من أسئلة مختلفة الأنماط و الهوايات سياسية و اقتصادية و ثقافية و فكرية مع اختلاف اتجاهاتهم فيما يطرحون على العاهل الموفق من مشاكل، شيء بدوره يستدعي افارده بالذكر و بالتأليف.
و ختاما اهنىء الحسن العظيم بذكراه الثامنة عشرة لجلوسه على عرش أسلافه المنعمين محفوظا في ولي عهده الأمير المحبوب سيدي محمد، و صنوه النجيب مولاي رشيد، و سائر الأسرة العلوية المنيفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here