islamaumaroc

مسيرة الفتح عملية أصيلة.

  دعوة الحق

العددان 194 و195

ظهر جلالة الملك- يومها- في الشاشة الصغيرة جميع المعايير و التقديرات رأسا على عقب، وشحا يلبسه المدني لا الحربي، و خطب في شعبه، فقلب التراب في وجه كل«استراتيجية» أو «تكتيك حربي»، حين أعلنها مسيرة فتح خضراء سلمية! تيم رمال الصحراء المغتصبة، رافعة أعلامها في أيد، و مصافحها في أيد أخرى! و حين حث شعبه- و هو الخبير بنفسه، المتعمق في فهم تاريخه- فقال: «لا أرضى لك شعبي العزيز أن يسبقك لمسيرة استرجاع، شعب آخر... و لا اقنع لك أن يسبقك للمفاخر احد غيرك من الشعوب».
للمغرب معالم و مآثر و مفاخر كثيرة، أقامها و نصبها في طريق تقدمه و نشاطه و تحديه، تتمثل خلال جهاده الطويل في سبيل تأسيس أسس الحضارة الإسلامية، و تثبيت دعائمها، و إثبات ذاتيته بين الأمم ذات المجد الاثيل. و من ابرز تلك المفاخر، مسيرة الفتح تعتبر حدثا تاريخيا عالميا هاما. و تأتي أهمية هذه المسيرة من عدة نواح:
1. أنها حدث من نوعه في العالم.
2. أنها عمل سياسي سلمي مسالم.
3. أنها متفوقة من حيث التنظيم، رغم كثرة المتطوعين في المسيرة، و رغم عدم تمرسهم بالنظام العسكري المبني على الطاعة و حسن الامتثال.
4. أنها بجدتها و جديتها بهرت العالم و أثارت عجبه و إعجابه، الأمن شذ و خرج على القياس، و الشاذ- كما قيل - لا حكم له.
5. أنها صورة أخرى من صور التحدي الذي كتب عنه صاحب الجلالة كتابه المعروف و بنى عليه فيلسوف التاريخ المعاصر، ابن خلدون الأمة الإنجليزية، العلامة ارنولد توينبي نظريته المعروفة بالتحدي:
فكرة التحدي هذه هي التي جعلت المغاربة يسجلون مفاخرهم على صفحات التاريخ بمثل هذه الروعة. لقد التفتوا يمنة و يسرة، أمام و خلف، فوجدوا أنفسهم في موقع متطرف من الدنيا القديمة: بحر الظلمات من الغرب، و أوروبا المسيحية من الشمال، و مجاهل افريقية السمراء من الجنوب، فكان عليهم إن يقفوا مواقف البطولة طوال تاريخهم،قبل السلام و تحت راية الإسلام. و يتجلى بعض هذه المواقف البطولية ما يلي:
أ - أن عملية الفتح العربي للمغرب طالت طولا لم يشاهده أو يلمسه العرب في كل الفتوح التي مارسوها خارج شبه جزيرتهم. يعلل ابن خلدون ذلك بتشابه الطباع بين العرب و البربر سكان البلاد الأصليين، و يعلله آخرون تعليلات أخرى ترتكز على سوء فهم (الامازيغ) لمغزى الفتح الإسلامي تارة، و على حب المغاربة الفطري للحرية تارة أخرى... و هكذا.
ب - إن المغرب- و قد آمن بالإسلام، و اعتنقه عن اقتناع- اعز جانب الإسلام، و عزز مركزه، و أضاف مساحات شاسعة من قارتي أوربا و افريقية إلى رقعة الإمبراطورية العربية- الإسلامية، بالتعامل و التعايش  و المخالطة و القدوة الحسنة أحيانا، و بالقوة وحد السلاح أحيانا أخرى.
ج - انه لأول مرة في تاريخ الفتح الإسلامي، سلمت مقاليد الفتح كلها إلى قائد غير عربي هو طارق ابن زياد، و إلى جيش غير عربي الأصل، فقد كان الجيش كله بربريا، و لم يكن معهم من العرب سوى عدد رمزي يسير.
د - هذه المسيرة الأولى في تاريخ المغرب المسلم كانت ستلد مسيرة أخرى أهم و أعظم، حيث كان مشروع الفتح الإسلامي يرمي إلى التقدم عبر أوروبا حتى يمكن العودة إلى عاصمة الخلافة دمشق عن طريق بري آخر غير الطريق الإفريقي. و لكن الخليفة الوليد بن عبد الملك استعجل الفاتحين: طارقا و موسى بن نصير، و استقدمهما للتشاور أو غيره، الأمر الذي أدى إلى نكبتهما على يد خلفه و أخيه سليمان.
و الغريب في أمر هذا الخليفة انه ولي الخلافة و كأنه تولاها فقط لتصفية قواد الإمبراطورية الإسلامية العظام. لقد نكب أيضا فاتح بلاد السند ( باكستان الآن) البطل محمد بن القاسم بن محمد الثقفي، قريب الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق الشهير، و احد أركان الدولة الأموية بالمشرق.
تفتخر الثورة الفرنسية بأمها احتضنت- في أيامها الأولى- اصغر جنرال في العالم، فقد نال
نابليون بونابرت هذه الدرجة العسكرية الفاخرة و هو ابن ست وعشرين سنة. أما بطلنا محمد بن القاسم فقد نال إمارة الجيوش، و قاد عملية فتح رائعة و هو لو يتجاوز السابعة عشرة من عمره! و قد أبلى البلاء الحسن، و بدا فنح شبه القارة الهندية و هو في هذه السن المبكرة.
هـ - أن المغرب و هو موقف التحدي هذا كان هدفا، أول هدف للانتقام الايبيري الأوربي الذي حصل بمجرد ما تمت- أو كادت تتم- حرب الاسترداد. و هكذا بدأت حملات الانتقام بغزو شواطئ المغرب، و احتلال بعض مدنه الساحلية.
بعد الحديث عن موافق التحي، ورد الفعل الحاصل من اجل التحدي، لا يسعنا إلا أن نعود لمسيرة الفتح فنذكر اصالتها، هذه الاصالة التي تتمثل- كما اشرنا منذ قليل- في جديتها وجدتها التي بهرت العالم، و تتمثل في تجديدها أيا لمسيرات مغربية سابقة:
1 - فمسيرة الفتح الخضراء تجديد و امتداد لما فعله الجد الثامن لصحاب الجلالة الحسن الثاني، و نعني به السلطان المظفر أبا النصر مولاي إسماعيل ابن الشريف العلوي الحسني. فهذا السلطان – كسائر سلاطين المغرب و ملوكه و أمرائه - حافظ في توازن عجيب على السلطتين الروحية و الزمنية، الدينية و الدنيوية معا. لقد اثبت التاريخ أن مولاي إسماعيل أم الناس في الصلاة، و شارك رعاياه في صلاة الاستسقاء، فقلب جلبابه، و مشى حاسر الرأس، حافي القدمين، و دعا ربه الدعاء المأثور: ( اللهم اسق عبادك و بهيمتك و انشر رحمتك، و احي بلدك الميت). و هو السلطان الذي سن رواية حديث الإنصات قبل صلاة الجمعة و الإمام متأهب لإلقاء خطبته. و هو السلطان الذي احيي سنة جده رسول الله – صلى الله عليه و سلم- في الدعوة إلى الإسلام بمكاتبة الملوك و الأمراء، فكتب في هذا الشأن إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر- الملقب بالمكل الشمس-، و كتب إلى ملك الإنجليز المخلوع جيمس الثاني، فنصحه دينيا و دنيويا، و دعاه إلى الإسلام.
و فوق هذا و ذاك، نجده السلطان الذي خاض مضمار الحروب، و قاد الجيوش بنفيه، أما إقرارا للأمن في البلاد، و أما تحريرا للشواطئ المغربية التي طالما عانت من الاحتلال الأجنبي، و أما ناديبا للمرتدين في الصحراء، و نجده- أيضا- السلطان الذي تصدت له امرأة صحراوية بقومها، و كأنها الكاهنة (داهية) بعثت من جديد، فتحدت أن ينازلها حقنا لدماء جيشهما، فإذا غلبها، خضعت له هي و قومها. و قد تمت الغلبة بالفعل، فتم الخضوع و الاستسلام بدون إراقة دماء.
2 - و مسيرة الفتح الخضراء تجديد و امتداد لما فعله السلطان السعيد الحظ مولاي احمد المنصور الذهبي بطل معركة وادي المخازن. أراد المنصور غزو السودان الغربي، فعارضه مجلس شوراه، فظل يجادل أعضاءه، و يقرع الحجة بالحجة حتى أقنعهم، و رضوا بتيسير الحملة المظفرة... و راق للمرحوم أمير البيان شكيب ارسلان أن يصف موقف المنصور هذا قائلا: ( لله در المنصور السعدي! كأنه دولة استعمارية تتكلم).
3 - و مسيرة الفتح الخضراء تجديد و امتداد لما فعله الأمير الشهيد أبو بكر للمتوني في نشر دين الله في إرجاء الصحراء، ثم هي تجديد و امتداد لما فعله ابن عمه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في زحفه نحو الشمال، و عبوره المضيق لثاني مرة بعد سلفه طارق بن زياد، فانتصر في معركة الزلاقة: و مد في عمر الإسلام بالأندلس أربعة قرون أخرى.
بعض أعداء يوسف الناقمين، يرمون تقشفه و تواضعه و بساطته الإسلامية بالتبدي و الخشونة و الفضاضة و التوحش، و يرمونه حتى بالأمية، و ما كان أميا في الواقع، و حتى لو كان كذلك، أفما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أميا؟ غاية الأمر أن أمير المسلمين كان مثقفا لبيبا حاذقا. انه الذي اعترض على كاتبه البليغ حين كتب إلى الفونصو السادس المتهب لخوض المعركة، رسالة مطولة لم يرض عنها فقال لكاتبه: دع عنك هذا و اكتب الذي يكون ستراه). أي الله، جواب حكيم قصير، اقصر من رسالة البطل خالد بن الوليد الذي قرر إنجاد القائد عياض بن غنم فكتب له: ( من خالد إلى
عياض إياك أريد)، و اقصر من توقيع يعقوب المنصور الموحدي مخاطبا «الاذفونش» : ( الجواب ما ترى لا ما تسمع) ست كلمات «خالدية» بما فيها اسما المرسل و المرسل إليه، و ثلاث كلمات«يعقوبية» إذا ما حذفنا الإطناب ( لا ما تسمع)، و كان المقام يتطلب هنا الإطناب، لان المخاطب أعجمي، و لكل مقام مقال.
و تشبه رسالة أمير المسلمين في كلماتها الثلاث رسالة يوليوس قيصر و قد نجح في إخضاع ثورة بالجزء الشرقي من إمبراطوريته فكتب إلى روما يخبر تهلها قائلا:.... يعني: أتيت، رأيت، انتصرت. إن ميدان الحرب لا يحتاج إلى بلاغة أو تطويل أو تنميق في الأسلوب، و هذا ما أدركه يوسف بعبقريته، و غاب عن كاتبه في هذا الظرف الحرج(1).
و أود هنا أن أشير إلى أن المغاربة لا يعانون –إزاء المرابطين- أي مركب للنقص، ذلك أن البعض يزعم أن المغرب كان يوما ما مستعمرة لهؤلاء الإخوان القادمين من الصحراء. و تنفيذا لهذا الزعم أقول: إن اللمتونيين ( المرابطين) لم يقوموا إلا بما قام به إخوانهم في الشمال: الموحدون و المرينيون و السعديون و العلويين، كلهم رأوا بعض الخلل و الفساد يدب في دواليب الدولة، فشمروا عن سواعد الجد للإصلاح و التقويم، فاستقام لهم الأمر و نجحوا. بل أراني في هذا الموقف قمينا بان أعلنها حقيقة ناصعة: أن مجيء اللمتونيين من الصحراء اكبر دليل على الصحراء كانت جزءا لا يتجزأ من الكيان المغربي.
ربما خفيت هذه الحقيقة على بعض العقول، خصوصا بعد القطيعة التي سببها الاحتلال الأجنبي عقودا من السنين، فجاءت مسيرة الفتح لتصحيح الأوضاع، و تعيد المياه إلى مجاريها. و قد تم تصحيح الوضعية بالفعل، و عادت الصحراء المغربية – بعد طول شوق و حنين- إلى أحضان الوطن الأم، و لا رجوع في هذه العودة مهما كلف الأمر من تضحية بنفس أو بنفيس.

(1) اقصر رسالة وقع تحريرها في ميدان أدب لا في ميدان حرب، و بلغة عالمية يفهمها الجميع: بقد كتب الأديب الفرنسي فرانسوا دي فولتير، يسال مدير مؤسسة للنشر، عن مصير كتيب له، فأرسل إليه علامة استفهام هكذا (؟). و كان الجواب علامة تعجب (!) أي أن الكتب نشر و يبعث كل نسخه!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here