islamaumaroc

فيلسوف ينقد الشعراء.

  دعوة الحق

201 العدد

ولد الشعر العربي الحديث-الذي اصطلح على تسميته بالشعر الحر-معزولا عن الفنون الآخرى، ولايزال إلى اليوم يعاني من هذه العزلة. والسبب الرئيسي والجوهري في هذه العزلة، أن ميلاد الشعر العربي الحديث ونشأته وتطوره، كل ذلك جاء تعبيرا عن غضب وسخط وتذمر عارم على الشعر العمودي-الذي اصطلح على تسميته بالشعر الكلاسيكي-، وعلى شكله بالدرجة الأولى، ثم على مضامينه ومعانيه بالدرجة الثانية. وهكذا ارتبطت حركة الشعراء العرب المحدثين بشكل القصيدة أكثر من ارتباطها بمحتوى القصيدة. فثورة شعرنا الحديث أذن، هي ثورة التفعيلة على العمود، أي ثورة معمار وشكل جيدين على معمار وشكل قدمين.
ومن ثم اتجخت الدراسات والكتابات النقدية التي صدرت عن حركة الشعر العربي الحديث، منذ فترة الاربعينات حتى الآن، إلى إبارو هذا الفارق بين شعر جديد وشعر قديم، أو قل بتعبير أصح بين شكل جديد وشكل قديم، ولم تستطع تلك الدراسات والكتابات أن تتجاوز هذا الفارق الشكلي إلى ماهو أهم وأخطر في التجربة الشعرية الحديثة، كما لم يستطع أصحاب تلك الدراسات والكتابات والآبحاث-الا في حالات نادرة-أن يرقوا بأفكارهم وآرائهم ومواقفهم إلى مستوى المضمون والقيم الجمالية والاخلاقية والفلسفية والفنية التي ينطوي عليها شعرنا العربي الحديث.
وظل هذا الشعر عاجزا عن استقطاب أصحاب الفكر والفلسفة والتحليل النقدي الواضح والتقييم العقلي الصارم إليه، اذ بإمكان هؤلاء وحدهم أن يكشفوا لنا جوهر التجربة الشعرية وصدقها وأصالتها بغير انفعال أو تصف. ولقد حدث ذلك مثلا في الفنون الأبية الاخرى كالقصة والرواية والمسرحية-رغم أنه فن أدبي حديث- ولكنه لم يلج دائرة الشعر، بحيث توقفت الدراسات والبحوث التي تتناول الشعر العربي ا لحديث عند الشكل والتفعيلة فقط، ولاتزال فئة كثيرة من النقاد العرب مولعة ولعا شديدا بهذا الاتجاه والضرب من الدرس والبحث.
ولسنا ندري بالضبط أسباب وبواعث هذه الفجوة التي فصمت بين الشعر الحديث وبين المفكرين العرب المعاصرين، ولسنا ندري من يتحمل وزر هذه القطيعة بينهما؟ هل الشعراء أنفسهم، أم النقاد، أم المفكرون؟ أو أن القضية لاتحتاج إلى تفسير، لأن الشعراء بخاطبون العاطفة والمفكرين يخاطبون العقل، فلكل أذن مجاله المرسوم الذي يتحرك ويبحث فيه، ولاالتقاء بينهما إلا مادبرته المصادفة البحتة.
ولقد تلقفت الأجيال الجديدة الشعر الحديث بمجرد ظهوره، وتبنته وارتبطت به وبثورته على القديم، غير أن تجاوب جيل الرواد من الشعراء والادباء والكتاب والمفكرين مع الشعر الحديث كان فاترا ان لم أقل باردا، إذ أعرضوا عن هذا الوليد الجديد، ونفروا منه، والغزير الذي توالى كالسيل الجارف في نهر عرف ركودا طويلا، حقا، لقد كان الشعر الحديث تعبيرا حيا وقويا عن تطلع الأجيال العربية الشابة التي كانت تتوق إلى عالم تسوده قيم جديدة في كل كجال من مجالات الحياة العربية المتوثبة المتطورة، سيما بعد حرب عالمية طاحنة، لم تسلم تلك الأجيال من الانفعال والتاثر بها وبما تمخضت عنه، فإذا لم تكن تلك الحرب قد صهرت الانسان العربي في أتون المعاناة والألم والحزن والمشاعر المتفجرة مثلما فعلت للإنسان الأوروبي، فلقد مست جلده بحروق، وألهبت ضميره، وأرهقت احساسه وشعوره.
والحق أنه كانت تحين بعض الفرص لواحد من هؤلاء الرواد الدين كانوا يمثلون-خير تمثيل-الوجدان العربي الأصيل ليقترب من الشعر الحديث ويهضمه ويتمثله بطريقة صحيحة، ويتفهم أسباب ظهوره وبواعث وجوده، ويعترف بعد ذلك اعترافا ضمنيا أو صريحا بهذا الهمس الجديد الذي لم يكن يفرض نفسه فرضا، ألا أن ذلك لم يحدث مطلقا، فانقسم الناس في موقفهم منه إلى ثلاث طبقات تبنت ردود فعل متباينة ومتفاوتة، فالأقلية وهي معدودة على رؤوس الاصابع، أيدت بدون تحفظ هذه الثورة الجديدة في الشعر واعتبرتها روحا جديدة له وبعثا جديدا لشعرنا العربي، وفئة ناهضتها وناواتها بأعلى صوت في كل المنابر الأدبية، وبينهما فئة ثالثة آثرت الصمت، لعلها كانت تنتظر من سينتصر في النهاية لتؤيده وتمنحه صوتها.
وربما كانت اسوأ تلك الطبقات، طبقة اختارت أن تحارب الشعر العربي الحديث بالسلاح الأبيض، أي المقالات والأبحاث والأحاديث والتصريحات القاسية والجارحة التي تتسم بالسخرية منه والتهكم عليه وازدراء دعاته وأتهامهم بالانتماء الايديولوجي لهذه الجهة أو تلك، وكان هؤلاء الدعاة يستمعون لذلك كله، وويستقبلون أصوات المعارضين لهم وأحكامهم ومواقفهم بروح من الاستعلاء والاستخفاف والاستهزاء، لأنهم كانوا يعرفون مسبقا أن القديم لن يرحب بهم، وأن هجمته على الجديد ستكون عنيفة وشرسة، وأن وقع الهجمة ودويها لن يكونا بأقل من وقع ودوي الساعقة في الآذان، فالمعركة أذن ليست سهلة، أنها سنة الحياة، فالقديم لايخلي الطريق للجديد بسهولة، وسيقاوم طلائع التيار الجديد، فلابد إذن أن تتعاظم وتنمو تورة الجديد على القديم،حتى بتبت أقدامه على الارض ويرسي دعائم الرسالة الجديدة التي يدعو إليها.
وكانت النتيجة أن انسعت الفجوة بين الجيل القديم والجيل الجديد، وأسوأ من ذلك، ازدادت الهوة عمقا بين النقاد والشعراء، وهكذا حيل بين الشعر العربي الحديث وبين النقد الناضج الذي يصحح خطوات الشعراء المحدثين في وثبتهم الجديدة يفكر متزن وأدوات واعية متبصرة. وشاع وانتشر في الميدان النقد النهائي الذي ينهج اصحابه أيسر وأسهل الطرق والسبل، مثل اختلاف الاتهامات وتوجيه الشتائم وأصدار الأحكام الجاهزة وأسداء النصائح ومحاولة إنشاء جبهات ومحاور نقدية هدفها مناسرة هذا الشاعر على ذلك بدون اسباب منطقية. والمهم أن النقد الأدبي لحركة الشعر العربي الحديث ناى عن وظيفته الأساس وأصبح دمية يلهو بها الصغار في محراب الكلمة.
وهكذا خسر الشعر الحديث بمقدار ما خسر النقد الحديث أو أشد، وكانت خسارتها كبيرة وجسيمة، ومن الصعب والعسير تعويض هذه الخسارة في سنة أو في سنوات، بل الأمر يحتاج في رأيي إلى جيل على الأقل يحمل مسعل النقد الواعي ليضيء به المسالك ويحدد معالم الطريق.
إلا أن الصورة لم تكن دائما قائمة ومعتمة إلى درجة توحي لنا بالتشاؤم من مستقبل النقد تجاه حركة الشعر الحديث، فلقد كانت ساحة النقد لا تعدم- بين الحين والآخر- واحدا أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر يحاولون بصدق واخلاص وحسن نية أن يضعوا حركة الشعر الحديث في مسارها واطارها الحقيقيين، وأن يشكلوا- على غير اتفاق بينهم- موقفا معتدلا يدعو أو يتبنى رأيا نقديا وسطا، ليس فيه القبول التام أو الرفض التام.
بيد أن واحدا من جيل الرواد أبي ألا أن يواكب ثورة الشعر العربي الحديث، وأن يتأبى الانسياق مع الآخرين في إصدار الأحكام والمواقف النهائية، بل فضل أن يقرأ جيدا وبعمق أجود وأحسن نماذج ذلك الشعر، وأن يخضعها للتحليل والنقد والتشريح، وذلك هو الطريق السليم الذي تفرد به شيخ المفكرين العرب في العصر الحديث الدكتور زكي نجيب محمود، الذي بسط آراءه وأفكاره حول الشعر في كتابه القيم "مع الشعراء".
ولعلي لست في حاجة إلى تعريف القاريء الكريم بهذا المفكر الكبير الذي أغنى المكتبة العربية الفلسفية والادبية بالمؤلفات الجادة والعميقة، ويكفي القول عنه أنه يكتب منذ أزيد من خمسين سنة في الفلسفة والنقد وفروع المعرفة الإنسانية، علاوة على قيامه بتدريس الفلسفة في عدد من الجامعات العربية، وقد جمع آراءه ومواقفه في الحياة والانسان والادب والمجتمع والتراث والحضارة في كتب هي من أحسن وأمتع الكتب التي يلوذ بها المرء اليوم بعدما أقفرت وأوحشت المكتبة العربية الحديثة من الفكر الجاد والجريء والعميق الذي يثري العقل ويغذيه تغذية صحيحة، ويرقى بوجدان القاريء إلى مستوى العصر ومستوى قضاياه ومشاكله التي نعيضها. وإذا كانت مؤلفات الدكتور زكي نجيب محمود لم تصنع له بين جماهير القراء في الوطن العربي شهرة واسعة وعريضة يحسد عليها بين المشاهير، فلأن العقل العربي الحديث انجرف مع تيارات ونتاج ودعوات الفكر الساذج والفج والبسيط الذي يدغدغ الحواس والعواطف، ولا يسير أعماق الانسان، ولايحرك وجدانه، ولايهز عقله، ولا يلمس منه الا الظاهر والسطح.
والحق أننا حين تنتهي من قراءة كتاب "مع الشعراء" نحس بأن الشعر العربي الحديث فقد كسب عقلا غنيا بالأفكار والنظرات الثاقبة والصائبة، سيما وأن صاحب هذا العقل لم يتعسف على نقد الشعر، ولم يقتحم ممالكه وعوالمه اقتحاما، بل تزود أولا بثقافة شعرية ونقدية غزيرة وواسعة ومزدوجة، حيث أعترف منذ اتصاله بالشعر من معين التراث الشعري عربيا كان أو غربيا، تعينه-علاوة على ذلك-ثقافة فلسفية عميقة وجادة تسعفه على إصابة المعنى والهدف، وعلى أصدار الحكم الصائب.
والحق أيضا أننا نحس ونستمتع بالقيم الجمالية والفنية والاخلاقية والفلسيفية من الشعر، حينما يتصدى لتقد الشعر فيلسوف عميق في نظرته، نزيه في حكمه، موضوعي في تحليله ودراسته، بسيط وواضح في أسلوبه وعبارته، مثل الدكتور زكي نجيب محمود، وهذ ظاهرة بارزة في شخصية الدكتور الفلسفية والنقدية، لأنه إذا كان نقاد الشعر يثبتون عادة من الفنون الأدبية، فالدكتور زكي نجيب محمود جاء إلى نقد الشعر من خلال الفلسفة. وقد ساعده تطوره الفكري والنظري في مجال الفلسفة على الاحتكاك والتمرس بنقد الشعر وممارسته من أبوابه الواسعة.
لقد اتجه الدكتور زكي نجيب محمود في مطلع حياته الفكرية وبداية انتاجه الفلسفي اتجاها ميتافيزيقيا مثاليا، ثم انقلب على الميتافيزقيا حتى أصبح من خصوصها الالدة، ودعا إلى الوضعية المنطقية دعوة شديدة لاهوادة فيها حتى بات رائدا من روادها، ولذلك يلح الدكتور نجيب محمود على ضرورة مراعاة الدقة في استخدام الألفاظ وتحديد معانيها واستعمال العبارة الواضحة التي تؤدي معنى بعينه.
ومن البديهي أن ينعكس انتماء الدكتور زكي نجيب محمود الفلسفي على أسلوبه وطريقته في النقد الأدبي، وأن يتأثر هذا بذاك، وفي ذلك يقول:
"لايجوز للناقد أن يسأل عن لوحة مثلا قائلا: مامغزاها؟ ومامعناها؟ لأنه لامغزى ولامعنى في الفنون، ان الفن ( خلق ) لكائن جديد. هل نسأل عن جبل أو عن نهر أو عن شروق أو غروب قائلين: ما مغزى وما معنى؟ أو هل ترانا ننظر إلى التكوين وحده معجبين أو نافرين؟ وهكذا ينبغي أن يكون موقفنا إزاء العمل  الفني. لأنه خلق وإنشاء وليس كشفا عن أي شيء كان موجودا بالفعل ثم جاء الفن ليصوره".
ويحصر الدكتور نجيب محمود وظيفة الناقد- بناء على تفسير مدرسة الوضعية المنطقية للفن-فيما يلي: "أن مهمة الناقد أنما تنصب على تحليل العمل الفني نفسه، دون الاهتمام بشخصيته الفنان، أو العمل على دراسة الظروف التي أحاطت بانتاجه الفني".
ومهما اختلفنا مع هذه النظرة الجديدة وأصحابها إلى النص الأدبي، فإن حاجتنا شديدة إليها وإليهم. إذ أننا واجدون فيها رأيا جدبدا حول الشعر يختلف عن الآراء السائدة حوله، وواجدون فيها نقدا وتفسيرا وتحليلا يضيف إلى تذوق النص الأدبي متعة جديدة قائمة على أعمال العقل لاعلى العطفة وحدها.
نحن إذن في كتاب "مع الشعراء" أمام فيلسوف ينقد الشعراء وشعرهم، وهي ظارهة حرية بالتسجيل-فضلا عن التحليل-، لأن القاريء العربي لم يتعود منذ ميلاد حركة الشعر الحديث إلا على قراءة ومتابعة ما تكتبه فئة من النقاد عرفت يميلها إلى نقد النص الأدبي وربطه بصاحبه وبحياته ويظروفه النفسية والاجتماعية والسياسية.
ومما لامراء فيه أن القاريء سيغتبط لهذا النقد الجديد الذي يكتبه ويتزعمه الدكتور زكي نجيب محمود، لأن الشعر العربي الحديث كتب عنه الشيء الكثير والكثير جدا بلغة العطف والتعاطف، أما ما كتب عنه بلغة العقل والتحليل فقليل وقليل جدا، إذ نكاد لانجد كتابات ودراسات نقدية عن شعرنا الحديث خالية من الصراخ والصوت العالي الذي يؤدي الشعر والشعراء في أغلب الأحيان.
وإن الشعر عند الدكتور نجيب محمود- الفيلسوف والناقد الأدبي-ليس نصا أدبيا جامدا لا حراك فيه، بل هو خبرة وجدانية شفافة تنطوي على الجياة وعلى التغير والاستمرار والتأثير حتى في كعزل عن صاحبه، وهو أيضا تجربة نفسية غائرة تملك من الدلالات الشديدة الخصومية مايجعلها (مادة) تخضع لنظر العقل وصرامة أحكامه، وتنصهر في أتونه، وتثير الدهشة والتساؤل، وتستثير الفكر، وتبحث عن التفسير الخاص بها.
ومن يكتسب نقد الشعر عند وكي نجيب محمود أبعادا ومعاني جديدة، فهو باعتباره فيلسوفا لا ينسى أنه أمام (ظاهرة فنية) تعبر عن تجربة شعرية خاصة ومتفردة قد تتعدد تفسيراتها بتعدد نقادها وقرائها، على خلاف التجربة العقلية التي لا تقبل أكثر من نفسير واحد لها، ولا ينسى كذلك أن تلك التجربة النفسية تسلك في سبيل التعبير عن ذاتها طرقا معقدة وشائكة، تختلف عن المسالك التي يشقها العقل في بحثه ونظره للوصول إلى فروضه.
وسيدهش القاريء-ولاشك-لهذه الحياة الخصيبة التي ملأها صاحبها الدكتور بجيب محمود بالفكر العلمي والتأمل الجاد والكتابة العميقة والابداع الصادق، وسيدهش أيضا اما تنوع وتعدد قراءاته الشعرية المتأنية، وأمام قدرته على تمثل التجارب والنماذج الشعرية واسشفافها، وأمام بحثه يستخلص للقاريء حقيقتها ويستخرج له جواهر العمل الشعري ولبه الكامن فيه، وينضو عنه مسوم وأردية اغموض والأبهام التي نغلفه.
أن وضع الشعر في غربال الفلسفة سيعرض كثيرا من الشعراء إلى السثوط بسرعة من ثقوبه، فلا يصيحون سوى نيازك محترفة بعد ماكانوا تجوما تشع بالبريق واللمعان في سماء الشعر- وهذه الحقيقة-إلى جانب حقائق أخرى عديدة- ستطالع القاريء في أجلى صورها حين يطوي معي الغلاف الأخير من كتاب "مع الشعراء" للدكتور زكي نجيب محمود.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here