islamaumaroc

الرؤية المستقبلية الإسلامية-1-

  دعوة الحق

201 العدد

" سنريهم أياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شيء محيط".  صدق الله العظيم. ( سورة فصلت ) القرآن الكريم

الانسان والتاريخ:
الرؤية المستقبلية من خلال الثقافة.
الانسان حيوان ناطق، أي حيوان يفكر، وهو بذلك حيوان تاريخي، واع وشاعر بحيويته الزمان وأحداثه ماضيا ومستقبلا...ومن ثم فإن تطلعاته إلى المستقبل من خلال وعي حاضرة هي هدفه في الحياة، وهي بعد من أبعاد تفكيره. وإذا فالإنسان متطلع باستمرار للمستقبل، ولعل قيمة الثقافة ودينمتها تكمن في قدرته على تحريكها ليتطلع للمستقبل. أما إذا كانت الثقافة تعيش على الذكريات فهي ثقافة ركودية لاتلبي للإنسان اهتماماته بالتطوير والنماء ولذلك فإن الشعوب التي تعيش بذاكرة التاريخ والأمجاد متخلفة دائما عن اللحاق يركب الحضارة التقدمية الطلائعية...وليس معنى ذلك أنكار عمل التاريخ وقدرته على إعطاء نفس للمستقبل من خلال التجربة الماضية، ولكن التاريخ أقل المواد المحركة للحضارة الاستقبالية مساعدة على إستبانة الرؤية، فإن الأغراق فيه إرهاق للذاكرة بصور وخيالات لاتحمل في تفسيرها إلا أقل الحقائق، لأن وجود التاريخ في اللغة أكثر من وجوده في الحدث. فالمؤرخون إذا توفروا على عبقرية (المؤرخ) يحملون الحدث استنتاجات شخصية ظرفية عالمة في وقائع هيكلية...ولهذا (فالتاريخ) هو أسلوب المؤرخ وتبقى الحقيقة عائمة...
غير أن بداية كل رحلة تاريخية تمتد بأعينها إلى المستقبل، والمجتمعات الناشئة تظل تتطلع دائما إلى الغد، عكس المجتمعات الرجعية الراكدة المستكينة إلى التقاليد دون تطلع للأحسن، فهذه مجتمعات قابلة للإنهيار والاستيلاب والسقوط في الدونية، ولذلك فإن الاعتماد على ذاكرة التاريخ هو تأكيد للركود...والتحدث عن أمجاد الماضي هذيان أحلام اليقضة، ولقد كان (نيتشه) من الفلاسفة الذين لايقرون دراسة التاريخ لأنه يرهق ذاكرة الشعوب.

الاسلام والتاريخ:
أما موقف الاسلام من (التاريخ) فيبدو واضحا في حرصه على أن يجعل من الأحداث التاريخية (قصصا اخلاقية) لتكون موعظة وذكرى، وانطلاقا للسير في المستقبل على اساس وعي تجربة الماضي، لاعلى أساس تحليل الحاضر، والاغراق فيه، والخضوع لوطأته وتبني مواقفه...كما أن التخطيط للمستقبل يجب أن لايخلق في الانسان غرورا ممعنا في الثقة بمنطق العقل والحس، والعلة والسبب، فكم يخطيء العقل في الاستنتاج وكم تتخلف العلة والاسباب...ولذلك (فلا تقولن لشيء إني فاعله غدا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت).
والاسلام يرى أن التاريخ وحدة زمنية تحكمها قوانين ثابتة لايفصل فيها الماضي عن المستقبل إلا بالشعور المنطلق من وحدة زمنية تلاحقها وحدة أخرى، فهو حركة استمرارية وتموجات للزمان ليصبح حركة بعد أن كان فكرة...ولذل فإن رصد حركة الماضي بكل افرازاته العقلية، والفكرية والوجدانية، يعتبر أيضا دفعا إلى الأمام، وإلى المستقبل، لأن لذاكرة الماضي في عقل الانسان تسجيلا مختصرا للتركيز على المواقف حتى ينضج الاختيار الاستقبالي على اساسها. ولذلك فالاسلام لايهتم بالبحث الاكاديمي في التاريخ وهو عنده مجرد (رجم بالغيب() وإنما يهدف إلى حركة الزمان ودفع الانسان للمستقبل على اساس السير على السنن (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
فالسنن هي النواميس، والقوانين التي تحكم الكون، والمجتمع جزء من الكون، وذلك لأنه لايمكن التخطيط والبرمجة الاستقبالية إلا على أساس فهم الثوابت والمتحركات، والحتميات، والاختيارات، ماينجزه البحث الاحصائي والعقلاني والبحث الاخلاقي الماورائي واللا معقول، مع التحكم في الفطرة التاريخية ومدى انعكاسها على التطورات الاستقبالية حتى تتآزر المؤثرات الظرفية والهيكلية في تحقيق (المشروع) حسب كل مرحلة، والتقديرات المرصدة له على المستوى المحلي، وعلى المستوى العالمي، لأن أحداث العالم المعاصر أصبحت تؤثر بعضها في البعض، كالرنين الذي يحدثه النقر في كاس البلور.
ولقد كان الشاعر المغربي صادقا، حيث رأى ماتلاقيه تخطيطات الانسان من مفاجآت فقال: (وتقدمون فتضحك الأقدار). إن ضحك القدر يعني فشل تطبيق المشروع، وما تتحمله المشاريع من إسقاطات، ولهذا فالإسلام يعتبر الماضي تصميما للمستقبل، وتوضيحا لرؤيته على أساس واقعي لا هو متفائل، ولاهو متشائم (لأن الله لايحب الفرحين) المغرقين فيى التفاؤل، ولايجب (اليائسين) الضائعين في الياس...ويتحقق مشروع الانسان الاستقبالي على اساس فهمه لحركة التاريخ الاستقبالي التي هي نتيجة إرادة متبادلة بين الطبيعة والانسان لتحقيق مسؤولية الانسان في تطوير ذاته ومجتمعه حتى يتخذ موقفا اختياريا في مواجهته المواقف الاختيارية لافي مواجهته الحتميات التي هي نفسها قد تتبدل في حركة الزمان لتصبح بدورها اختيارات ليست بثابتة إلى الأبد ولكنها تصبح هي نفسها اختيارا عندما تتوفر الأسباب، والحتمية الاستمرارية هي نتيجة سوء التفسير أو البقاء في مواقع الخطأ، فالانسان في الماضي لم يستطع الصعود إلى القمر، وكان من الحتميات أن يظل ثابتا على الكرة الأرضية لأن ذلك نتيجة التأخر في دراسة العلوم وارتياد الفضاء، لضعف إمكاناته في علم الفيوياء والرياضيات والكسمو لم يحقق الرحلة إلى القمر، فلما سمت معرفته في هذا الميدان تجاوز حتمية الجاذبية على الخروج منها، وتحقيق الصعود إلى القمر بعد أن كان ذلك اختيارا مستحيلا...وبعد الاختيار، يأتي الفعل وهو في التاريخ نتيجة تحقيق حرية الانسان، لأن الحرية هي إرادة الله في خلقه فإذا أراد شيئا (يقول له كن فيكون) ولذلك فالانسان يصنع تاريخه الفردي والجماعي ويشكل مصيره اعتمادا على ماوهبه الله من عقل وارداة وقدرة...وهذه الحرية بها يوجه مصيره، ويصوغ مستقبله، ولقد أعطى الانسان كل مؤثمرات نجاحة...فلديه الزمان والمادة والمكان والعقل والمعرفة والقيم ليصوغ مستقبله الاجتماعي والسياسي على اساس العدل والحق والكرامة، ولايمكن بدون حرية أن يكون للانسان موقف اختياري، فالحرية معادلة آنية لمواجهة الاخيارات الاستقبالية، فالحرية معادلة آنية لمواتجهة ا لاختيارات الاستقبالية، وهي حركة حضورية يجب أن يعيها الانسان لينتقل منها...إلى الحركة الاستقبالية، ولذلك لابد من الاحتفاظ بالدينمية العقلية والوجدانية الآنية الكامنة الغيب الحركة، مع استعمال المخيلة لملاحقة الغيب المجهول، وفك (الحصار) المحدق بالعقل والوجدان، واللجوء إلى الإيمان والعمل والحركة، لأن الحياة صراع بين الانسان وذاته الداخلية، وما حواليه، وخمول الانسان فكريا ووجدانيا تعطيل للحرية، وذلك حصار قوي ضد حيويته ورشده فعليه أن يفك هذا الحصار بقوة وإيمان، فليس قانون العلة والمعلول الذي جاء به الفلاسفة القدماء، بقادر أن يحرك الانسان للإمام، ولا قانون التحدي والاستجابة الذي جاء به تويتني بمفر للصراع والكفاح، ولكن (يخيل إلي) أن قانون (فك الحصار) هو الدافع للحركة إلى الأمام، ويبقى أن يتعلم الانسان كيف يفك الحصار باستمرار عن طريق ملء النفس بالثقة والإيمان بالحق والعدل والعلم والارداة والحياة. فصفت الخالق ظاهرة في خلقه.
(والإيمان بالغيب) جزء من الرؤية الاستقبالية، إذ الغيب هو المحجب عن الانسان ماضيا وعاضرا ومستقبلا...فالإيمان بالغيب ليس تعطيلا للعقل ولكن اعترافا بقوة الفعل خارج وجود الانسان الذاتي، وهو يعني ايضا غيب المستقبل، وغيب الجزؤ الأخروي الذي معناه معادلة بين حياتين، حياة وجودية طبيعية، وحياة استقبالية (علمها عند ربي) فهو كالمعادلة الرياضية بين ما فوق الصفر وما تحته...

المستقبلية الفلسفية:
ولتوضح الصلة الوثيقة بين عالم المشاهدة..وعالم الغيب، فإن الإنسان يسعى لتأكيد وجوده بالكلمة والصورة والعمران وليبرهن على الفعل الماضي والحاضر ويخطط للفدية كما يؤكد وجوده على طريق البعد الاستقبالي، والاستفادة من (مخيلته) التي هي من أهم أجهزة العقل، إذ بها يتجاوز الزمان والمكان (والمقولات) ليخلق من التاريخ الماضي |أو من الغيب الاستقبالي الرؤية المستقبلية العلمية...وعن طريق المخيلة والمعطيات العلمية والاحصاء والارقام التجربة يخطط للمستقبل بوضوح نسبي...ثم أن التخطيط لايشكل المستقبل بوضوح وإنما يوضح الرؤية، ولذلك، فالاعتماد على التحطيط كليا نوع من الأغراق في الأحلام...وهذا ما تردده الثقافة الإسلامية التي تنص صراحة أن المستقبل غيب لايمكن معرفته بدقة (ولا تقولين لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) ( والمشيئة تعني تشيىء الشيء) أي طواعيته لأرادة الخالق، فلابد إا من أن تتكون الإرادة الانسانية موازية ومنسجمة وطائعة لإرادة الخالق، وهي إرادة منسجمة وطائعة لإرادة الخالق، وهي إرادة منسجمة مع الكون منسقة له، فاعتماد عليها تحقيق لجزء كبير من التخطيط الاستقبالي، ومجال هذا "التخطيط) مجال علمي أكثر منه وجداني، لأن المستقبل هو المجال الواضح للمعرفة العقلية في العلوم البيولوجية والنباتية والطبيعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك، وفي هذا المجال تظهر معجزة العقل الانساني بابتكاراته المتعددة، (سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق)...وقد أجهض بعض المفرين المتأثرين بالاسرائيليات عمل المفسرين السلفيين لتحقيق دعوة القرءان الاستقبالية، حين اعتمدوا على الاسرائيليات في تأوبلاتها وخيالها التاريخي، بدلا من الاتغمار في عالم المستقبل كما كان يرسمه البعد القرآني، وجاءت آيات قرآنية مبشرة بالمستقبليات، أو ما يعبر عنه المفسرون (الأخيار بالمغيبات) تأكيدا لدعوة القرآن الاستقبالية وتأكيده إلى هذه النظرة في تعاليمه...كل ذلك حتى يستطيع العقل نفسه أن يغير من (معرفته) وأسلوب (تطبيقها) وتقنية علمية والمامة بموضوعاته، لغير المعطيات كلها، فدينامية العقيدة الاسلامية ترتبط بوعي الحدث ومشكلات الموقف، وضرورة التطوير لبعدها الميتافيزيقي حتى تضع الانسان أمام (مستقبيلين) أحدهما (مادي) يلخصه الحديث...أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا. وثانيهما (روحي) ويلخصه شطر الحديث الثاني و(لاخرتك كأنك تموت غدا) وبالنسبة للشطر الأول، الانسان يجب أن يعمل في دنياه كأنما يعيش دوما ومعنى ذلك يقبل عليها ليدرسها ويعرفها وليكون مفكرا متأملا معمرا مسيطرا على الطبيعة ومنقبا عن أسرارها، حتى يعيش في تطور ارتقائي، ويتبع ذلك أن يكون عالما علما بشريا عقليا يعينه على اقتحام مشكل المستقبل المجهول.
وبما أن الانسان يعمل في دنياه ليطور انسانيته فهو في الوقت نفسه يطور الطبيعة والمادة، ويسمو بالمجتمع الانساني سياسيا واجتماعيا وعلميا ويتجاوز ذاته إلى الجماعة كلها. وبالنسبة للشطر الثاني في الحديث فإن النظرة الأخروية تظل (ميزانا) (ونقدا ذاتيا) لمحاسبة الانسان لعمله، ومدى انسانيته أو انحرافه عن رسالته.
وكان (الاسلام) قادرا على الوفاء لهذه الاختيارات والحتميات في نظرته (الاستقبالية) فقد قدم مشروعه الاسلامي عن العصر الجاهلي، ووردت الآيات القرآنية التي تتجدد في كل مرحلة من تاريخها، ولم تضعف النظرة الاستقبالية عند المسلمين إلا بعد (الحروب الصليبية) التي دمرت القوة الاسلامية المادية والمعنوية، ثم أجهز عليها بالاستعمار المسيحي والأروبي، والصهيوني لتفويت الخصائص الحيوية والدينية في التفكير الاسلامي، وفي تقينة الاستقبالية الاسلامية حتى تسوق ثورة الارض الاسلامية عن طريق سرقة العقل والوجدان الاسلاميين.
إن المنوقف الاسلامي من التطور الاستقبالي  يقوم على اساس المعادلة بين الماضي والمستقبل لانتاج خط انساني متفائل واثق من نفسه. فالتاريخ يسير وفق الارادة التي يصوغها القدر، وهو في معناه الارادة الجماعية الخاضعة لنواميس الكون...وعلاقة الانسان بالحدث والزمان علاقة تحددها الارادة الجماعية المتطلعة وفق ما يريده الخالق، وإرادته تتفق تماما مع الفطرة الانسانية المنسجمة مع خلافة الانسان في الارض حتى يعمرها وتزدهر بعمل الانسان وتفكيره وعمله في نطاق عبوديته للخالق، أي توحيد الله، والاستسلام إليه وحده فقط..فالمستقبل ليس (ديالكتيكيا) منبعثا من حركة العقل الكلي الشامل المتحكم في الوجود، والمثبت في الطبيعة، والمعبر عن نفسه في الدولة كما يرى هيجل، ولا الديالكتيك الذي يعتمد على نظام الانتاج الذي يحدد النظم السياسية والجتماعية المؤذن بإفلاس رسالة الانسان.
أن علاقة الانسان مع الكون تمكنه من صياغة التخطيط الاستقبالي واستغلال المواهب العقلية والجوانية، لأن الإنسان يعمل حرا في إطار الاختيارات دون أن يكون عليه أي ضغط اجتماعي أو سياسي. إذ بوسعه أن يغير ذاته لغير مجتمعه إلى الكرامة والحق دون أن يكون له عذر (وقالوا ربنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا).
أما عن طريقة علمية التخطيط، فإن العلم دراسة موضوعية للطبيغة..وهو أساس للثقافة التي تعني (وعي العلم) وعيا ذاتيا ليصبح وسيلة للتطور والتقدم والعمل الدائب (فالتنمية) هي العلم عندما يصبح (ثقافة)...والتنمية هي حركة التطور وصلتها بالعلم صلة جدلية، ولذلك فلا تنمية بدون علم، ولاعلم بدون تنمية ويبقى أن تستعمل عناصر العمل وهي (التقنية) التي تعني بلورة العلم إلى واقع بأحسن الوسائل وأخفها وأقربها إلى الإشاعة، وبالمال الذي لاغنى عنه لتحقيق العلم.

المستقبلية الطوبائية:
المستقبلية ليست طوبائية لأن الطوبائية ظاهرة فردية واحتماعية عند الانسان عندما يستخدم وجدانه ليغير حاضره متطلعا لمستقبلية زاهرة وافرة بالصور والنعيم...أي يكون تواقا إلى عالم مثالي سعيد يستكمل فيه ماافتقده في حياته الآتية.
فالطوبائية قرار من الواقع، فهي أحلام بقظة، وهي تعارض الواقع التاريخي في الدراسة العلمية، ولاتستبان فيها الرؤية لدى الجميع، لأنها أحلام نفسية ذاتية يتداخل فيها تصور الحاضر في المستقبل وتصور المستقبل في الحاضر، أن الطوبائية في الواقع ظاهرة إنسية تعني الفرار من الواقع ولا تعني "الرفض" الذي يغير الحالة بالثورة، فهي تعبير خيالي عن توتر نفسي داخلي، وفقدان قوة ذاتية ضد الصراع الواقعي...فموقفعا مرحلي في التعبير عن إرادة التغيير عن طريق التطور الحالم الانتظار، وهي مزاج متشائم يريد أن يرى الطبيعة على غير ما هي عليه دون تدخل علمي...وكانت (المدينة الفاضلة) لافلاطون، و (المدينة الفاضلة) للفارابي...وحي بن يقظان لابن طفيل تعبيرا أدبيا عن الطوبائية الفلسفية، ولعل فكرة (المهدي المنتظر) التي ظلت ترواد الخيال الشيعي تبعث فيه الأمل بعد انهزامه أمام الأمويين، والعباسيين، وبعد فشل مذهبه أمام مواقف السنيين والخارجيين، كانت تعبيرا صادقا عن مفهوم الطوبائية، وطبع المجتمع الشيعي (بالانتظارية) وقد حاول المفكرون المسلمون بفضل وعيهم للمستقبيلية الاسلامية الخروج عن هذه الطوبائية إلى المستقبيلية العلمية كابن رشد عميد الارسطاطالسية وبعده ابن خلدون عميد الرشيدية الذي يرى واقعية المستقبل في قضاياه ومشاكله بخضوعه للطبيعة البشرية ومستقر العادات.
وإذا كان أرسطو يرى ترابط الأحداث في قانون العلية، والعلة الكبرى. فإن الرشيدية اعتمدت هذه الفلسفة على حساب النظرية الاسلامية التي تجعل الانسان مخلوقا خارج العالم ومرتبطا بالكون، وبذلك فهو خاضع لتصرف خالقه، دون السقوط في مقولة قدم العالم وحتمية العلة...
غير أن النظرية الاسلامية لايمكن استمرارا سلامتها دون يقظة عقلية ووجدانية لموقفها المرن بين عقل الفرد ووجدانه حتى لايكون أرسطاطاليا عقلانيا، أو افلاطونيا يضع الفرد داخل الكون، أي داخل العقل والمجتمع والطبيعة، وتغيير المستقبل بتغير الفرد، والعكس كذلك، بل يقر الوسطية بين العقل واللامعقول، وما يدرك بالعقل ومايدرك بالايمان...وبذلك ينسخ خيوط المستقبلية في تعادلية بين التفكير والايمان، وقدرة الانسان واختياراته، وإذا فقد مررئته؟، فقد يسقط في الالحاد أو التصوف السلبي، ولذلك فإن المغاربة أدانوا الرشيدية، ولم يثقوا في الخلدونية. والنظرية الاسلامية تعتمد دائما على مستقبلية الانسان باعتباره أداة للتطور...ولكن عدم تقدم العلوم الطبيعية لدى نشأة العلوم الاسلامية ترك الانسان المسلم ينظر إلى المستقبلية الأخروية فقط، ليربط بين عمله الآتي والماضي، وبين الجزاء الأخروي، فلو كان عمر ازدهار التفكير الاسلامي يرتكز على المنظور العلمي الجديد في فهم الطبيعة والانسان والعلم، وعلى منظور التطور التكنولوجي، لاعطي للمستقبلية الاسلامية دفعا متلاحقا في عمل الانسان المسلم، ولكن اعتماده على التحليل التشريعي والعقائدي فقط جعل ارتباط المستقبلية الاسلامية ترتبط بقانون الجزاء الأخروي فقط . فشعف اهتام المسلمين بدنياهم دين العمل والفعل، لادين الخرافات الكفير عن الخطيئة، فنظريته استقبالية، وذلك لطبيعة عقيدته، واللغة العربية التي جاء بها القرآن هي لغة لاترى في المسقبل مجرد زمان سيأتي، بل ترى فيه مستقبل الخلق، ولذلك فالزمان في النحو العربي هو (فعل الأمر) أي الخلق واستمرارية المستقبل ويعبر عنها أحيانا بالسين، وأحيانا بتداخل الزمان، فيكون (الماضي) نفسه تعبيرا عن المستقبل تشخيصا لصورته الحاضرة كما يقول علماء البلاغة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here