islamaumaroc

مصطفى صادق الرافعي-2-

  دعوة الحق

201 العدد

ولئن كانت الأعراف تقتضي من الموظفين الإسراع بتهنئة الرؤساء المباشرين لدى تعيينهم، فإن الرافعي قد خرق هذا العرف ولم يتقيد به، بحيث كان الرئيس الجديد متى فرغ من تقبل التهاني من موظفي المحكمة ينزل بنفسه إلى مكتب الرافعي، فيتبادلان التهاني، ثم يرد الرافعي الزيارة بعد ذلك ...
وما كان كل الرؤساء على شاكلة واحدة، بل كان منهم من لا يتحمل هذا التمرد، ويعتبره إهانة يستحق مرتكبها الطرد من العمل ..." فقد حدث في إحدى المرات أن عين رئيس جديد للمحكمة، ولما صعد إليه الموظفون لتهنئته لم يجد من بينهم الرافعي، فلما سأل عنه تحدث بعض الموظفين في شأنه ما تحدثوا، فاستاء الرئيس وأرسل يدعوه إليه فلم يجده الرسول في مكتبه، فغضب الرئيس وثارت ثائرته، وأمر باستجوابه عن الاستهانة بنظام المحكمة ومواعيد العمل الرسمي، وجاء الرافعي، فبلغه ما كان، فهز منكبه وجلس إلى مكتبه يمزح ويتحدث على عادته كأن لم يحدث شيء... ورفع الرئيس كتابا إلى وزارة العدل يبلغها فيه أن في المحكمة كاتبا أطرش لا يحسن التفاهم مع أصحاب المصالح، على شدة اتصاله بالجمهور، وهو مع ذلك كثير التهاون بنظام المحكمة، ومواعيد العمل، ولا يخضع للرأي.. وطلب الرئيس في آخر كتابه إقالة الرافعي من الخدمة ...".
طرحت القضية على الوزارة فأرسلت مفتشا للتحقيق فيها، وكان المفتش المنتدب لذلك هو الشاعر المرح المرحوم حفني ناصيف الذي لم تكن بينه وبين الرافعي من الوشائج إلا وشيجة الأدب، الذي يجمع بينهما، وإلا كلمة قاسية كان الرافعي قد نشرها سنة 1905 بمجلة الريا عن شعراء العصر، صنف فيها الشعراء إلى طبقات، وجعل فيها حفني ذيل الطبقة الأخيرة ... !
" وجاء حفني فحيا وجلس وبسط أوراقه ليحقق ... فقال له الرافعي : قل لهم في الوزارة ان كانت وظيفتي هنا للعمل فلواخذوني بالتقصير والخطأ فيما يسند إلى من عمل، وغن كانت الوظيفة تعال في الساعة الثامنة واجلس على الكرسي كأنك مشدود اليد بحبل حتى يحين موعد الانصراف، فلا على أن تمردت على هذا التعبد، قل لهم : انكم لا تملكون من الرافعي إلا هاتين الأصبعين ساعة من النهار ... !."
"واستمع الأديب الشاعر إلى حجة الأديب الشاعر، ثم طوى أوراقه وحيا صاحبه ومضى، فلما كان بخلوته كتب تقريرا إلى وزارة العدل يقول فيه :
" إن الرافعي ليس من طبقة الموظفين الذين تعينهم الحكومة بهذه القيود .. ! إن للرافعي حقا على
الأمة أن يعيش في أمن ودعة وحرية، أن فيه قناعة ورضى، وما كان هذا مكانه ولا موضعه لو لم يسكن إليه، دعوه يعيش كما يشاء أن يعيش، واتركوه يعمل ويفنن ويبدع لهذه الأمة في آدابها ما يشاء أن يبدع، وإلا فاكفلوا له العيش الرخي في غير هذا المكان ..."
وبلغ التقرير وزارة العدل، وطويت القضية، وصار تقليدا  من تقاليد المحكمة من بعد أن يغدو الرافعي ويروح متى شاء لا سلطان لأحد عليه، وله الخيرة في أمره، ولكنه، مع ذلك لم يهمل في واجبه قط، ولم ينس يوما واحدا أنه في موضعه ذلك بحيث يرتبط به كثير من مصالح الجماهير.
وظل الرافعي، الأديب الكبير الذائع الصيت، في وضيفته البسيطة، موزع الجهد بين أعماله الرسمية وأعماله الأدبية، وم تتطلبه شؤون الأبوة، على المورد المحدود، والبساط الممدود ... وما زاد مرتب الأديب المبدع، الجاري اسمه على كل لسان بمشرق العروبة ومغربها، الموظف البسيط بمحكمة طنطا الأهلية، على بضعة وعشرين جنيها في الدرجة السادسة، بعد خدمة قمان وثلاثين سنة في وظائف الحكومة ... !
على أنه كان للرافعي – فيما حكى الأستاذ العريان – مرتب آخر من عمله في المحكمة، هو ثمن ما كان يتقاضاه من بيع كتبه للموظفين والمحامين والمتقاضين الذين يقصدون إليه في مكتبه لعمل رسمي، وكانت ضريبة فرضها الرافعي من طرق الحق الذي يدعيه كل شاعر على الناس، أو فرضها أصحاب الحاجات على أنفسه التماسا لرضاه ... !
وفي الرابعة والعشرين من عمر الرافعي اقترن بسيدة فاضلة، هي أخت الكاتب الصحفي الشهير عبد الرحمن البرقوقي، صاحب مجلة البيان، وشارح ديوان المتنبي، التي قاسمته لاواء الحياة وشظفها، وشاركت في نعمائها ومراتها، وكانت له الزوجة المثالية التي وجد فيها السكن، وبادلته الرحمة والمودة...
وقد هيأت هذه السيدة الكريمة للرافعي، على ضآلة مورده وكثرة بنيه، الجو الدافئ الهادئ الذي يحتاج إليه الأديب، فما كان هناك شيء يشغله أو يقلق باله من أمور البيت، الشيء الذي سمح له بالانقطاع للقراءة والدرس، والإبداع في الإنتاج. فقد كان الرافعي – كما حكى المرحوم العريان – يعيش في بيته عيشة مثالية، يحدب على بنيه، ويخصهم بالكثير من الرعاية، ويسهر على تربيتهم وتنشئتهم كأحسن ما يكون السهر، وحرصا منه على تهيئة الجو الإسلامي الخالص لبنيه داخل البيت فقد كان يتخذ بيته امرأة مقرنة حافظة للقرءان الكريم، تقرأ كل يوم ما تيسر من القرءان، وتعلم بناته في أوقات فراغهن ما يقيم السنتهن ويغرس في قلوبهن مثله السامية وأخلاقه الرفيعة.
يقول الأستاذ سعيد العريان : "وأنا ما عرفت أبا لأولاده كما عرفت الرافعي، يتصاغر لهم ويناغيهم ويدللهم، ويبادلهم حبا بحب، ثم لا يمنعه هذا الحب الغالي أن يكون لهم أبا فيما يكون على الآباء من واجب التهذيب والرعاية والإرشاد، ناصحا برفق حين يحس الرفق، مؤدبا بالعنف حين لا يجدي إلا الشدة والعنفوان ... !.
ويمكننا أن نستشف – وبصفة أكثر وضوحا – مبالغة الرافعي في السهر على تنشئة أبنائه والعناية بتربيتهم في عدة مظاهر، كإشرافه بنفسه على إعطائهم دروسا خاصة بالمنزل في مختلف مواد اللغة العربية، ووضعه لهم برنامجا يوميا للعمل داخل البيت، إلى التوجيه الصالح والإرشاد القويم المبنيين على الخبرة والتربة، إلى نشره مقالات في الصحف السيارة في نقد المناهج الدراسية، وإبداء الملاحظات القيمة حول طرق الامتحانات، وكيف ينبغي أن تصاغ أسئلتها .. إلى طرقه مواضيع انشائية بهدف تقديم نماذج في مادة الإنشاء لهم، إلى غير ذلك مما تعرض له في رسائله إلى محمود أبو رية، مما ينبئ عن اهتمامه الكبير بمستقبل بنيه، وحرصه الشديد على جعلهم مواطنين صالحين، وأعضاء نافعين في مجتمعهم .. وقد حقق الكثير مما هدف ...إليه.
وقد كان الرافعي متدينا، شديد التمسك بدينه، يحافظ على أداء الشعائر الدينية، ويبث داخل بيته وبين أهله جوا مشبعا بروح الدين، كما كان يبث نفس الروح في كل من يتصل به ويلتف حوله من الخلان والأصداقاء، ولشدة تدينه فقد كان يثور ويزمجر كلما انتهكت حرمة من حرمات الدين، أو أهين جانب من مقدساته، بل إنه ليثور ويغضب حتى لدى الاخلال ولو بجزئية صغيرة من الآداب الدينية، ومن هذا القبيل ثورته العارمة على السيد حسن الفاياتي، الذي نشر بجريـــدة " كوكب الشرق"، التي كان يشرف على تحريرها الدكتور طه حسين، كلمة في الموازنة بين قول الله تعالى : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، وبين قولهم : القتل أنقى للقتل .. ! فانبرى له الرافعي حيث كال له بالكيال الأوفى في بحث نفيس بعنوان : " كلمة مؤمنة في رد كلمة كافرة" نشره بجريدة البلاغ، وكان له دوي كبير، وصدى استحسان واسع في الوسط الأدبي.
ومن غضبته للإخلال بالجزئيات الدينية الصغيرة تأنيبه لصديقه أبو رية على إهماله اتباع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في كتاباته بالصلاة عليه، قائلا له ف إحدى رسائله إليه، في لهجة تنم عن شديد غيرته على المقدسات الدينية : "وقد رأيتك تكرر ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم دون أن تتبعه بالصلاة عليه، وهذا سوء أدب لا أقرك عليه، ولا أقبله من أحد .. !
لكن شدة تدينه هذه لم تمنعه أن يحمل بين جانحتيه قلبا هفهافا يستجيب للدواعي العاطفية، ويتفتح للحب الطاهرالبريء، ولا غرو في هذا، فهو أديب بطبعه، قوي الإحساس، مرهف المشاعر، متحرك الوجدان، يعشق الجمال ويهيم بكل جميل، وهدفه من كل ذلك اشباع نهمه من نسج الأبراد البيانية الساحرة، وارواء غليله من الصور الشعرية الرائعة التي تستوحي من الجمال، فتأخذ بالألباب وتأسر العقول ... ! بيد أن الرافعي كان في حبه كالطائر الغرد، لا يستقر بمكان ما، بل لا يرى إلا متنقلا من فنن إلى فنن، ومن غصن إلى غصن، شاديا بأعذب الألحان، مغردا بأروع الأنغام... ! لا يهمه من الحب إلا ما يلهمه رائع البيا، ويوحي إليه بأروع المعاني، فكان حبه عذريا بريئا، وكثيرا ما كان ذلك الحب افتراديا ومن ناحية واحدة، كما هو الشأن بالنسبة لـ : " عصفورة" صاحبة "حديث القمر" وكذا بالنسبة لـ : "صاحبة القلب المسكين" بل وحتى بالنسبة للأديبة الكبيرة الآنسة "مي" حسبما أكده بعض "المحققين .. !" ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الرافعي، في بعض الأحيان كان في حبه أقرب إلى السذاجة والغفلة،يرى في كل حسناء من بنات حواء آية من آيات المصدور البارىء تسبح في ملكوته، ونجما مسخرا بأمر الخالق لهداية الحائرين وإرشاد التائهين .. ! وكان المفتونون بأدبه من أصدقائه وخلانه، يعرفون نقطة ضعفه هذه فيتفننون في إيجاد الحوافز لدفع إلى تصوير معاني الحب والجمال بكل الوسائل، واوضح مثال لذلك مقاله النفيس الذي نشره بمجلة الرسالة بعنوان : "في اللهب لا تحترق .. !" في وصف راقصة ماجنة، صوروها له في صورة ناسكة عابدة متبتلة، عفيفة، طاهرة الذيل، دفعتها الحاجة والحفاظ على "شرفها" إلى الاشتغال بالمراقص الليلية ... ! فصدق الرافعي زعمهم، ! واقتنع بأن رقصها إنما هو ضرب من العبادة .. !فكتب يصف من حالها ما وصف .. وهكذا انطلت عليه الحيلة فوقع في الفخ، ولم يتفطن إلى جلية الأمر إلا بعد فوات الأوان، وبعد رحيل الراقصة عن المدينة ... وإلا بعد أن أضاف إلى تراث اللغة العربية هذا المقال النفيس الذي يعزله النظير ...
فمن هذا التفتح العاطفي نتجت هذه الآثار النفيسة التي دبجتها يراع الرافعي، ومنه كانت هذه الرسائل القيمة التي ضمنها آراءه في فلسفة الحب والجمال، مثل : "حديث القمر" و"السحاب الأحمر" و" رسائل الأحزان" و"أوراق الورد" ... ولكل منها قصة كفانا مؤونة عرضها، ووفاها حقها من لشرح والتحليل المرحوم محمد سعيد العريان في كتابه : "حياة الرافعي".
                                                ***
وقد عانى الرافعي من ضيق ذات اليد الشيء الكثير، بحيث قضى حياته بتلك الوظيفة البسيطة وعلى ذلك المرتب الهزيل الذي لا يفي – ولن يفي – بحاجيات رجل مفكر، مثقل الكاهل بالأعباء، يطمح إلى أن يقدم لجيله وللأجيال المتعاقبة زادا فكريا دسما، بنير الظلماء، ويبدد الحيرة، ويدفع إلى التشبت بالمثل العليا والقيم الروحية الخالدة، ولذلك فقد ذل طول حياته يشكو مجتمع الذي لم يقدره حق قدره، ولم يحلله المنزلة التي توازي مكانته، وتلائم عبقريته، وتسارق سمو أدبه ورفيع بيانه ... فلم يشعر نوعا ما بالتوسعة ورخاء العيش وهناءة البال إلا في الفترة التي قضاها شاعرا ببلاط الملك أحمد فؤاد من سنة 1926 إلى سنة 1934، حيث حصل على منحة دراسية لابنة محمد لمتابعة دراسته بالخرج، بالإضافة إلى تذكرة مجانية بالدرجة الاولى بالقطار بجميع الخطوط المرابطة بين أنحاء القطر المصري ... ! فلما قطعت المنحة عن ابنه، لسبب ما، عاد الرافعي إلى ضائقته المادية، فكان لا بد له من البحث عن مورد جديد يمكنه من تسديد نفقات ابنه الذي لم يبق على تخرجه إلا بضعة أشهر ... ! فكان أن اتفق مع المرحوم أحمد حسن الزيات على المشاركة في تحرير مجلة الرسالة التي ظل يوافيها أسبوعيا – إلا لعذر قاهر – بمقالاته الشيقة الرائعة، التي كانت فتحا جديدا في أدب الرافعي، بقدر ما كانت سببا في تعرف العديد من القراء بمختلف الأقطار الإسلامية والعربية على الرافعي الكاتب الإسلامي المبدع، الذي يحدو ركب العروبة والإسلام ببيانه المشرق الناصع، وأفكاره النيرة الأصيلة، بشكل لم يكن للرافعي عهد به قبل اتصاله بالرسالة، مما دفعه إلى العمل على زيادة الاقتراب من قرائه وتمتين صلته بهم، وذلك بتبسيط أسلوبه الكتابي، واختيار مواضيع مقالاته، وتقديم النماذج الطيبة الصالحة من تراثنا الأصيل، وحضارتنا الرائعة، الشيء الذي زاده تمكينا في القلوب، وجعل منه الكاتب الإسلامي الأول، الذي تهفو إلى بيانه الناصع قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وترنو إلى ما يدبجه براعه أنظار العالم الإسلامي قاطبة ... ويتلقف جمهور المعجبين به فيض قلمه ووحي إلهام في شوق وتلهف ... !
ولكن، ما ان استقام له الأمر، وخفت مشاكله المادية، وأخذ طريقه إلى قلوب القراء، حتى ذوى غصنه، وجف عوده، فلبى داعي ربه وهو أشد ما يكون صحة وعافية، في صبيحة العاشر من شهر مايو سنة سبع وثلاثين وتسعمائة وألف، فحزنت لموته المفاجئ آلاف المسلمين في المشارق والمغارب، وشيعته إلى مثواه الأخير الآلاف من عشاق أدبه، بقلوبها المكلومة، ودموعها الممزوجة بالحسرة على ركن عظيم من أركان الأمة الإسلامية تهدم، وطود شامخ من أطوادا الشماء أنذاك وتحطم تاركا وراءه ثروة فكرية ضخمة انطلاقا من ديوان الرافعي بأجزائه الثلاثة، وانتهاء بوحي القلم في أجزائه الثلاثة، وما بين هذين من مؤلفات ورسائل تعد كلها ذخيرة فنية رائعة لا تبلى بتقادم السنين ... إلى غير هذه وتلك مما لم يطبع، ومما لم ينشر بعد من آثار الرافعي الخالدة، وانها لاجمل هدية، يقدمها مفكر لأمته، وأثمن بضاعة يزجيها رائد لني قومه، رحم الله الرافعي وأجزل مثوبته !
وما كان قيس هلكه هلك واحد 
            ولكنه بنيان قوم تهدما
من الشعر إلى الكتابة :
لم يكن الرافعي – رحمه الله – يطمح في بداية أمره إلى هذه المنزلة السمية التي أدركها – عن جدارة واستحقاق – في الكتابة والبحث، وإنما كان كل همه أن يكون شاعرا يحتل مكانته بين شعراء العصر، وينشر ديوانه – أو دواوينه بين المتأدبين، وتترنم الجماهير بأناشيده وأهازيجه كما تترنم بأشعار فلان وفلان من الشعراء ... وقد أدرك في عالم عبقر مكانا مرموقا، وخاصة بعد أن أخذ في نشر أجزاء ديوانه، حتى لأمسى يحمل لقب شاعر الحسن ... كما غدا شاعرا ناقدا، له في الشعراء رأي يعتد به، وفي الشعر نظريات لها وزنها واعتبرها في مجال النقد، واتجهت إليه الأنظار تستكشف من أمره ما تجهله، وتتطلع إلى معرفة هذا الفتى الأديب الذي أصبح اسمع على كل لسان ... وبالخصوص بعد نشره سنة 1905 بمجلة الثريا مقاله الذي صنف فيه شعراء العصر إلى أربع طبقات، أقحم فيه نفسه في الرتبة الرابعة من الطبقة الأولى ليقول عن نفسه ما تقتضيه الدعاية من تطلع بطبعه الغرور والإعجاب بالنفس، والاعتداد بالشخصية ... وذلك أسلوب من أساليب الرافعي في الإعلان عن نفسه والتعريف بإنتاجه، لازمه في جل أطوار حياته، وهو أسلوب قد لا يرتضيه الكثير من الأدباء، غير أن الرافعي قد ارتضاه من أول أمره مسلكا ومنهجا، ولم لا يسلك هذه الطريق على علاتها، والأبواب موصدة في وجهه، والصحافة، وهي الوسيلة الوحيدة – يومذاك – للتعريف بالإنتاج الأدبي، في يد الأحزاب والمنظمات السياسية، التي لا تقدم على المنتمين إليها والمسيحيين بحمدها احدا .. والرافعي رجل بعيد عن السياسة، وإذن فمن حقه أن يجري وراء الشهرة عن طريق تعريف الرافعي بالرافعي تحت ستار أسماء مستعارة، وتوقيعات رمزية، وله في هذا الباب نوادر وطرائف لم يذكر بعضها تلميذه العريان، وكشف هو عن بعض آخر منها في رسائله لأبي رية ... وقد بلغ بهذه الوسيلة بعض ما أراد، وأكثر مما كان يريد ...
ولأمر ما هجر الرافعي طريق الشعر ولم يعد يعرج عليه إلا في مناسبات قليلة، وفي فترات متباعدة، فلماذا هجر الشعر، وهو الطي كان يطمح إلى أن تكون له بين شعراء عصره مكانة ملحوظة تعفي على ذكر فلان وفلان ممن سارت بذكرهم الركبان؟ أيكون قد هجره لأنه وجد القافية أضيق من أن تستوعب كل ما يجول بخاطره من المعاني؟ كما عبر هو نفسه في رسالة منه لأبي رية بتاريه : 17 دجنبر 1928 يقول فيها : " ومن تكد الشعر العربي" أنه لا يتسع لبسط المعاني، فإذا بسطت المعاني فيه وشرحت سقطت مرتبه من الشعر، واصبح نظما كنظم المتون في الأكثر، وهذا هو ما صرفني عن الأول إلى الكتابة ووضع حديث القمر والمساكين وغيرهما، فإن هذه الكتب هي شعر، ولكن في غير الظروف الموزونة".(1) أم يكون قد هجره وتخلى عن قافلة الشعراء لأن قيود الشعر تحد من عواطفه المشبوبة وتحول بينه وبين التعبير عن خلجات النفس ودقات الوجدان كما يشاء أن يعبر؟ أم يكون قد هجره لأنه وجد نفسه بين شعراء عصره أعجز من أن يجاري كبارهم ويدوسهم بقدميه لاحتلال الصدارة التي كان يطمح إليها، فتخلى عن المعركة واستسلم مقتنعا بعدم جدوى الصمود أمامهم ...؟
الحق أن كل هذه الأسباب وجيهة، ومن شأنها أن تصرف الرافعي – وهو الفوضوي الثائر على النظام والرتابة – عن الانصراف الكلي إلى الشعر الذي يحد من طلاقته وحريته، ويجعله مقيدا في التعبير عن أحاسيسه ومشاعره بطلاقة لا تحدها قيود، ولا تقف في طريقها عوائق أو حواجز... !
وليس معنى هذا – رغم اقتناع المرحوم العريان به – أن الرافعي قد عجز عن مجاراة شعراء عصره، وهو الذي له في الشعر الآيات المحكمات، وكل بيانه شعر رفيع من النسق العالي، لا ينقصه إلا الوزن والقافية، ولكن معناه أنه وجد الشعر – كما صرح هو – لا يتسع للتعبير عما يعتلج في نفسه من خواطر وصور عن الحب والجمال، فهجره، أو جفاه، إلى المجال الأرحب الخالي من القيود والسدود، وحسنا فعل،فإنه كان مهيأ بطبعه للتبريز في ميدان الكتابة، ليكون في يوم ما آية الآيات بين أقطاب البيان في عصره .. ! ويكفيه مجدا ان كان طبقة وحده في أسلوبه وطريقه تفكيره، ويزيده فخرا أنه ظل طول حياته متشبتا بمثله العليا الأصيلة التي ارتضاها لنفسه وتطوع للتعريف بها والذياد عنها، في غير لين ولا هوادة، وهي المثل القرآنية السامية التي تدعو إلى المكارم والفضائل، بقدر ا تندد بالنقائص والرذائل، مما جر عليه عداوة خصومه من المجددين الذين يمقتون هذه "السلفية" في التفكير والتعبير، ويعتبرونها رجعية وجمودا .. ! بيد أن الرافعي لم يثنه شيء عن متابعة السير في الطريق اللاحب الذي اختطه لنفسه، ولم تصده كثرة المناوئين له والمتربصين به عن التصدي لهم وحدانا وجماعات، دفاعا عن "الجملة القرآنية"، وحمية لمقدسات الإسلام ومثله العليا ... وكان أن حالفه التوفيق فاستطاع الخروج من أكثر معاركه منتصرا ظافرا، كما استطاع بثباته وقوة حجته، أن يكون فكرا أدبيا عاما، ومدرسة بيانية ينتشر أتباعها ومريدوها في كل أنحاء العالم الإسلامي ... وذلك توفيق من الله يطبع به حياة وأعمال المخلصين الأخيار من عباده ...
ولقد أحسن – رحمه الله – التعبير عن رسالته الأدبية والفكرية في هذه الكلمات التي ألقاها لسان الغيب على لسانه وهو في الشهور الأخيرة من حياته، حيث قال : " أنا لا أعبأ بالمظاهر التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقبلة التي اتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها، وسمر غابتها، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا ... ثم أنه يخيل إلى أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرءان ولغته وبيانه ..."(2).
والآن، وبعد أن صاحبنا الرافعي في مختلف أطوار حياته، وتعرفنا على عدة جوانب من سيرته، نريد أن ترافقه في بعض فيوضاته والهاماته الأدبية المتمثلة في مواقفه البطولية في الدفاع عن قضايا العرب والإسلام، وهي الواجهة التي فضل الانحياز إليها، وأعطاها من جهده ومن فكره الخلاق وبيانه المشرق كا ما يتوفر عليه من طاقات وامكانيات .. بحيث كانت كل أبحاثه وانتاجاته – حتى الحبيسة منها – تدور حول هذا المحور الثلاثي : "الإسلام، العربية، الشرق". هذا المحور الذي ول الرافعي معركته بعد أن استعد لها الاستعداد الكامل، من اطلاع واسع على التراث الإسلامي العربي الأصيل، بكل ما يزخر من مقومات عالية، ودراسة مستوعبة للفنون الأدبية على اختلاف أنواعها ومشاربها، وبعد تمكن كبير من ناصية اللغة العربية التي ألفت فيها حجة لا ينازع، واماما لا يقارع، ورائدا مقتدرا لا يتقهقر ولا يتراجع ... فلما أن استوى عوده ورسخت في البيان قلمه المرهف وهب للدفاع عن أمجاد العربية وكتابها الأقدس، القرءان الكريم، باعتباره الحارس الأمين للغتنا، والدليل الناصع على أصالتها وصلاحيتها للتعبير عن جميع المتطلبات الحضارية، والرابطة التي تشد المسلمين، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، إلى بعضهم البعض، وتجمعهم على كلمة سواء ... فكانت له – رحمه الله – وقفات ومواقف لن تنساها له الأجيال الإسلامية المتعاقبة، كما لن ينساها له التاريخ العادل، يوم يقول كلمته الفاصلة في أنصار العربية وخصومها .. ! فمن دفاع مستميت عن اللغة العربية والبيان العربي، إلى دفاع لا يقل استماتة وعن : "الجملة القرآنية"، والإعجاز النبوي، إلى تسليط الأضواء الكاشفة على عدة جوانب من التشريع الإسلامي، إلى استخلاص العديد من القيم الروحية،  والأمجاد الخالدة من أصيل تراثنا، إلى انتقاد ما خالط حياتنا من العادات الدخيلة والانحرافات المسلكية، إلى إثراء تراثنا بطائفة من الأفكار القيمة والآراء الصائبة ....إلى آخر ما حفل به الإنتاج " الرافعي" من مقومات خالدة وقيم رفيعة، مما بواه – عن جدارة – هذه المكانة السامية التي يحتلها بين شوامخ الفكر الإسلامي المعاصر، وجعل انتاجه في الدورة من الأصلة والإبداع .. ويكفيه فخرا وسمو مكانة أن ظل واقفا في ساحة الدفاع عن القيم الدينية والحضارية، لمدة ربع قرن من الزمان، دون كلل أو عياء، شاهرا قلمه المرهف في وجه دعاة التشكيك والتزييف، يفند ادعاءاتهم، ويصحح أخطاءهم، ويقوم انحرافهم، ويرد على أراجيفهم وأباطيلهم وترهانهم التي كانوا يهدفون من ورائها إلى الطعن في مقدساتنا، والنيل من قيمنا ومقوماتنا، والتشكيك في صالتنا، وما كان مبلغا ولا مجازفا عندما قال عن نفسه أنه ليخيل إلى أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرءان ولغته وبيانه ... ولقد أصاب كبد الحقيقة ذلك الباحث الذي وصفه بأنه : "مسلم العقيدة، عربي التفكير، شرقي الفضيلة"(3).
وهذا الجانب الإسلامي من أدب الرافعي هو ما أهدف إلى التعريف به، ووضع باقات عطرة منه على مائدة " دعوة الحق" التي آمن بها وأعطاها الكثير من جهده وتفكيره، وحتى تكون باقتنا زاهية الألوان، مفتوحة الأبراد، عبقة الشذى ... فقد صنفتها إلى العناوين التالية :
أ-لقرءان الكريم : اعجازه وأثره في توحيد العرب وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
ب-الإسلام دعوة عالمية خالدة.
ج- من أسرار التشريع الإسلامي.
هـ- رسالة الجامعات الإسلامية، ودور علمائنا في الدعوة إلى الله.
و- اجتماعيات.                          
                                                ***
وقبل عملية"الاقتطاف" أضع بين أيدي القراء الكرام تعريفا موجزا بإنتاج أديبنا الكبير :
1- ديوان الرافعي، ثلاثة أجزاء، طبع بين سنة : 1903 وسنة : 1906، صدره بمقدمة بليغة كان لها دوي كبير في المحافل الأدبية، وذيله بشرح نسبه لأخيه، حتى لا يته بتقريظ نفسه...
2- ديوان النظرات، صدر جزؤه الأول سنة : 1908 مصدرا بكلمة بليغة ولم يصدر منه إلا هذا الجزء.
3- تاريخ آداب العرب في ثلاثة أجزاء، طبع الأول منها، وهو الخاص ببحث الرواية والرواة، سنة : 1911 وبه احتل الرافعي مكانته كأديب باحث، وقد لقي من التقريظ والاستحسان ما شغل المحافل لأدبية والصحافة بالحديث عنه شهورا، ولاقى من كبار النقاد على جدة طريقته، وابتكار نهجه، وسمو اسلوبه ما أثلج صدر الرافعي ودفعه إلى المضي في البحث والانتاج.
أما الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب، وهو الخاص بإعجاز القرءان والبلاغة النبوية، فقد طبع سنة : 1912 وقد تعددت طبعاته في حياة المؤلف وبعد وفاته، وكانت أحسن طبعاته تلك التي طبعت على نفقة أحمد فؤاد سنة 1926.
وأما الجزء الثالث فقد نشر بعد وفاة الرافعي، ومن فصوله ما هو تام التأليف، ومنها ما كان لا يزال قيد التأليف، مما جعل المرحوم العريان يتحمل في إخراجه عناء كبيرا فصله في المقدمة التي صدر بها.
4- حديث القمر : وهو أولى رسائله في الحب، أنشأه في صاحبته الأولى التي تعرف عليها بلبنان سنة : 1912.
5- المساكين: أنشأه سنة : 1917 والحرب الكونية الأولى على أشدها، ليضاهي به كتاب "البؤساء" لفتور هوجو، وقد ضمنه من المعاني الفلسفية العالية، ومن فلسفة الرضى بالقدر والقضاء ما يدل على بعد نظره وتأثره بأهوال الحرب وأثرها السيء في الطبقات المحرومة يصفة خاصة، وقد استقبل استقبالا حسنا من لدن النقاد.
6- أغاني الشعب، جمع فيه طائفة مما نظمه من الأناشيد الدينية والوطنية، وكلها من النسق العالي، بدأ بطبعها سنة : 1923، ودار حولها كثير من النقاش، أذكى جذوته الرافعي بصولاته وجولاته.
7- رسال الأحزان، وهو مجموعة من الأفكار والخواطر عن حبه الأول للآنسة ماري زيادة : "مي"ضاه به كتب " آلام فرتير" للكاتب الألماني فوته، صدر سنة : 1924.
8- السحاب الأحمر، صدر بعد صدور رسائل الأحزان ببضعة أشهر، وهو ثاني ما أصدره من الرسائل في فلسفة الحب، ويتضمن فصلا من فصول حبه لـ : "مي .."
9- المعركة تحت راية القرءان، صدر عام 1926 يتضمن ردودا على كتاب " في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وهو من أجل كتب الرافعي، بل أنه ليعتبر أهمها عند العديد من النقاد.
10- علي السفود، ويتضمن عدة فصول فى نقد المرحوم عباس محمود العقاد، الذي كانت الخصومة بينه وبين الرافعي محتدة على الدوام، كل منهما يتحين الفرصة للإيقاع بصاحبه ... صدر عن مجلة العصور التي كان يصدرها المرحوم اسماعيل مظهر، غفلا من اسم المؤلف الذي اكتفى بالرمز إليه بأنه : " إمام من أئمة الأدب" وقد حوى علاوة على النظرات الصائبة في النقد والتوجيه، ركاما من المهاترات ما كان أحرى بقلم الرافعي أن يتنزه عنها.
11- أوراق الورد : أرجه سنة : 1930 وهو ثالث ما ألف في حبه "لمي"، ضمنه تجاربه وفلسفته في لحب، وكان مفتونا به إلى حد كبير، بل لقد بلغ من افتتانه به أن كان يرى أنه الكتاب البكر الذي عقمت العربية فلم تنجب غيره .. وان ليس في أدبنا العربي – وحتى الغربي – عل امتداد عصوره ما يقف إلى جانبه، بل أن يضارعه جزالة أسلوب وسمو معاني، والحقيقة أنه كتاب فذ في
بابه، غريب في موضوعه، لا يقدر على صياغته في أسلوبه وعمق تفكيره غير الرافعي.
12- وحي القلم : في ثلاثة أجزاء، طبع الأول والثاني بإشراف مؤلفهما، بينما نشر الثالث بعد وفاته بإشراف تلميذه محمد سعيد العريان، وهو سجل لمقالاته وفصوله التي نشرها بمجلة الرسالة ما بين سنة 1934 وسنة 1937، بيد أن جزأه الثالث ضم مقالات وأبحاثا نشرت قبل هذا التاريخ بمختلف الصحف والمجلات...
هذه هي مؤلفات الرافعي المطبوعة، وله مؤلفات غيرها لم تر النور بعد، أهمها كتابه : "أسرار الإعجاز" الذي كن يهتم به كثيرا، ويعلق كبير الآمال على أن يوفقه الله لاتمامه وإخراجه، ليسد به ما كان يشعر به من فراغ في هذا الجانب، وقد أطلب في الحديث عنه إلى خلصائه وجلساته، كما يستفاد ذلك من غير ما رسالة من رسائله إلى محمود أبي رية، وكان – رحمه الله – يعتد بهذا الكتاب، ويعتبره كتابه الول، والحسنة التي سيقدمها بين يديه يوم العرض..
وتجدر الإشارة إلى أن كل من ترجموا للرافعي نصوا على أنه ما تزال هناك طائفة من البحوث والمقالات من إنتاجه المبثوث في ثنايا الصحف والمجلات لم تر النور بعد، فعسى أن يوفق الله من أدباء العربية من يقوم بجمع هذه المتفرقات ونشرها.

(1)  من رسائل الرافعي، ص : 180 – الطبعة الثانية.
(2) وحي القلم، ج 3، ص : 300.
(3)  انظر كتاب : نشر الرافعي للأستاذ ضيف الله م.ح.م.245.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here