islamaumaroc

صفحات مشرقة من تاريخ السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام العلوي

  دعوة الحق

201 العدد

يكتب المؤرخ فيقرأ ما كتبه هواة التاريخ والدارسون له. أما الإنسان العادي فا يسمح له وقته إلا بقراءة صحيفته المفضلة وتصفح بعض المجلات.
وأحرى ببعض التاريخ أن يبقى مهملا في كتب التاريخ يقرأه المتخصصون فقط ويطلع عليه أقل ما يمكن من الناس.
أما مثل هذه الرسائل فيجب، في نظري، أن تنشر على نطاق واسع ويقرأها أكبر عدد من القراء. يجب في نظري أن تدرس في مدارسنا ليرى شبابنا القيم الأخلاقية، التي كانت تنير طريق رجالات المغرب، وليتعرفوا على وطنهم وعظمتهم وزهدهم وصدق إيمانهم. هذه الرسائل كفيلة أن تجعل من شبابنا رجالا فخورين معتزين بماضيهم ، مؤمنين بمستقبل بلادهم.
أما الرسائل فهي من السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام إلى وكيل الملك بجبل طارق – قنصل عام بلغة العصر – الحاج محمد بن الحاج أحمد الرزيني أو إلى أخيه الحاج أحمد الرزيني أمين الأمناء بطنجة.
ولربما لعب جبل طارق دورا هاما ف هذه الحقبة من تاريخ المغرب، فقد كان باب المغرب الوحيد للاتصال بالعالم الخارجي، إذا استثنينا الاتصال غير المباشر الذي كا يتم على يد قناصل الدول المعتمدين بطنجة. وقد كتبت هذه الرسائل في وقت كانت فيه أروبا في بداية ثورتها الصناعية وأوج مدها الاستعماري. وكان بداية المعركة التي شنها الاستعمار على المغرب لتمزيق وحدته وانهاك قواه.
وكان على المغرب ليجابه هذا المد الاستعماري أن يجد قائدا له مثل عليا يؤمن بها، وإيمان راسخ بدينه وبوطنه. وقد وجد المغرب هذا القائد في شخص كاتب هذه الرسائل ملك هبد الرحمن بن هشام العلوي.
وسيجد المغرب قائدا في المستوى كلما اشتدت الأزمات وعظم كيد الكائدين.
وهذه رسالة تبين لنا مدى تدين هذا الملك وزهده ونصها :
" الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وأله وصحبه
(الطابع السلطاني ونقش داخله عبد الرحمن بن هشام لله وليه)
خديمنا الأرضى الحاج محمد الرزيني وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد فلا بخفاك أن النصارى يتغالون في الفرش ولأوان وغير ذلك مما هو محرم علينا شرعا. ككون الفرش أو الفوط من الحرير، والأواني من الذهب والفضة ونحو ذلك. وعليه فإذا جاءوكم بشيء من ذلك فردوه عليهم بالتي هي أحسن وعرفوهم بأن هذا حرام في ديننا وكذلك كل ما جاؤوكم به مما هو غير حلال لنا فلا تقبلوه منهم، وها الفقيه والحمد لله معكم يبصركم فيما يحل وما لا يحل والسلام في 12 رمضان المعظم عام 1274 هـ ".
إن كانت هذه الرسالة في ظاهرها تعليمات من ملك إلى موظف من موظفيه عما يقبل وما لا يقبل من الهدايا وما هو حلال وما هو حرام، فهي في جوهرها تعليمات واضحة وصريحة ويجتنبوا البذخ في العيش. فمهما عظم دخل الدولة أو دخل الفرد، فإنه لا يكفي ولن يكفي إن كان يصرف من غير حساب وفي اقتناء كل ما على وندر.
ويكتب هذا الملك الصالح لوكيله، وهو الذي سيصاحب أولاده إلى حج بيت لله الحرام فيقول :
"واعلم أننا أقمناك في هذا الأمر الذي كلفناك به مقام أنفسنا وجعلناك للأولاد أصلحهم الله أبا وهم لك بنون وقد أوصيناهم بذلك ونوصيك بهم ومثلك لا يحتاج لوصية ..."
ويمضي قائلا :
" وأما ما يجعل حبسا في سبيل الله فقد عينا له عشرين ألف ريال. ولكم النظر فيما يناب للوقت بحيث تبقة منفقته جارية وأجره ثابت ان شاء الله. فإن الحاضر بصيرة فما اقتضاه نظركم ورأيتم فيه المصلحة والمنفعة الجارية فافعلوه غير أن ما تجعلونه بالمدينة المنورة عينوا منه قدرا معلوما لمن يكون يستعمل كل صباح عددا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويهديها لقبره الشريف بحسب النيابة عنا بحيث يقول، هذه هدية من فلان بن فلان".
وفي رسالة أخرى وفي نفس الموضوع يقول السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام :
" وبعد فقد كنا نفدنا لكما بتطوان وطنجة عشرين ألف ريال بقصد ما يجعل في سبيل الله بالحرمين الشريفين، وكانا غرضنا أن نجعله من أثمان غلل أجنتنا وكنا ننتظر ورودها من مراكش، فلما تأخرت كتبنا للحداد والخطيب بدفع ما عينا لكل واحد منهما دفعه لكما كنطردة ثيران الانجليز وكنطرة العلق لأن ذلك من الحلال الطيب، فإذا بأثمان الغلل ورد في هذه الأيام، فأردنا أن يكون ذلك منها بعينها لكونها من أطيب ما يمكن وليعود بالبركة على أصوله وعليه، فها نحن وجهنا لكما منها عشرين ألف ريال على يد وصيفنا فرجي فاجعلاها في الفرض المذكور بعينها".
وفي الطريق يجدون حجاجا قل مالهم أو انعدم، فيعينهم من مال الملك حتى يتابعو سيرهم ويقضوا غرضهم. ويخبر الملك بذلك، فيجيبه هذا الملك الرؤوف برعيته في رسالة جاء فيها :
" وقد استحسنا غاية الاستحسان ما فعلته من الاكتراء للحجاج الذين ألقيتهم منقطعين بالاسكندرية، وبسويس فجزاك الله أحسن الجزاء، وحمدنا الله إذ وفقك للنيابة عنا في ذلك، ففي مثله فليتنافس المتنافسون،وكل من ألقيتموه منقطعا من فقراء الحجاج بأي مكان حللتم به فواسيه، واستقدمه للاسكندرية وأكثر له. في 14 حجة عام 1274 هـ".
وهذه رسالة موجهة إلى أمين الأمناء بطنجة الحاج أحمد الرزني. وهناك العديد من أمثالها،فقد جرت عادة هذا الملك الصالح أن يعين أي حاج طلب المعونة. وجاء فيها ما يلي :
" وبعد فحاملاه مصطفى بن محمد القاريا وأخوه محمد وللأول سبعة وللثاني خمسة، أركبهم في مركب الحجاج واصلين إلى الاسكندرية من غير شيء يلزمهم واجعل لهم من الزاد ما يوصلهم إلى المحل المذكور وادفع للأول منهم عشرين ريال وللثاني عشرة ريال والسلام في 16 جمادى الأولى عام 159 هـ ".
وفي رسالة أخرى يقول له :
" وقد خصصناكم بهذا الأجر وضربنا لكم بسهم في اكرام وفد الله ومعونتهم على وجهته المباركة والريح هو الدعاء الصالح".
وهو يستقصي أخبار الحجاج ويسأل عنه ولا يرتاح حتى تأتيه أخبارهم السارة فيكتب : "ولاهتمامنا بأمور المسلمين سألنا عما بلغنا حتى وقفنا على الحقيقة، فاطمأنت نفوسنا أصلحك الله".
وهو يحدد مهام وكيله في ظهير تعيينه بجبل طارق فعليه " أن يأخذ بأيدي المسلمين التجار والحجاج والصادرين والواردين وإجرائهم على القوانين المعروفة والسبيل المحمودة المألوفة من القيا بحقوقهم ورفع الاذاية التي تلحقهم" إلى أن يقول " ويسعى في رفعة المسلمين وعزتهم بحيث لا تصلهم مهانة ولا ما يؤدي لمضرتهم".
وهو يشفق من حال التجار متى وقع الكساد فيأمر أمينه أن يسقط عنهم المشاهرة حتى " يكثر البيع والشراء ويؤديها (اطرأت) إن شاء الله لانا نشفق على التجار ونريد جلب النفع لهم لينشطوا في تجارتهم ويعود ذلك بالنفع على بيت المال عمره الله".
وهو المدافع عن حوزة الوطن وكيانه وهو الذي يستعد لأعدائه كما أمره ربه فيكتب إلى وكيله بجبل طارق قائلا : "فغير خاف عجز جباية قبائل المغرب وقلة داخل مراسيه، وهذا مال المصالحة قد علمت سبب انقطاعه والصائر على الجيوش والمصالح كثير مع عدم عمارة بيت المال وفره الله، وليس إلا فضل الله. وقد أحدثنا جيش النظام لانفاق الخاص والعام على جعله لما فيه من اغاظة العدو ومقابلته بما يوهن كيده وقوته، ولا بد من داخل يقوم براتب الجميع وما يوفر للمصالح وأخذ الاهبة والاستعداد للعدو والكافر قصمه الله، ولم نرد تكليف التجار بالسلف والتضييق عليهم، واعتمدنا على الشعر العزيز وارتكبنا ما هو الأرفق بالرعية والأقرب للسداد ورأينا اختصاص بيت المال بيع السكر والحديد مع زيادة في ثمن كليهم لا تضر. إذ الناس كلهم لها محتاجون ولمثل هذا مستحسنون ولقد اخترنا أن يكون جلب ذلك على يدك من بر النصارى من غير مشاركة أحد معك وتجعل أمناء بمراسينا السعيدة على يدك لقبوله وبيعه ترضى أمانتهم وثقتهم وتعرف حزمهم وضبطهم ومن أراد أن يشتري قليلا أو كثيرا من ذلك يشتره منهم ويكون الأمر مضبوطا في ذلك والسلام في 19 ربيع الثاني 1261 هـ ".
وهو المهتم بالتعليم – لا التعليم الديني كما جرت عادة رجالات عصره فقط، بل التعليم العملي التطبيقي، فيرسل وراء الكتب من الشرق ويحاول ترجمة ما وقع في يده بلغات أروبية فيكتب للحاج أحمد الرزيني :
" وبعد فيرد عليك تأليف من تآليف النصارى في الحساب وأخذ الارتفاعات ومطالب التوقيت يسمى (اللغريتم) وهو أنواع منه غي الفتين المذكورين ومنه في عمل البحر إلا أن الناس يتعاطونه من غير تعريب فلا يستفيدون منه كل الاستفادة وعليه فبوصول كتابنا هذا إليك انظر من له معرفة باللسان والفن وعرب هذا الذي رد عليك، الرسالة المقيدة في جهة اليسار تعرب وحدها كل ورقة تعرب في ورقة حسبما هي متصلة على التوالي، وباقي التأليف المذكور المشتمل على الحسابات المكتوبة على كل قاعدة بالعجمية فائدتها تبين بالعربية على العجمية ولا يغادر منه كلمة واحدة. وانظر نسخة من هذا التأليف تكون كبرى وافعل بها مثل هذا ووجهها لحضرتنا العلية بالله وإن رأيتم ما هو أخصر من ذلك عربوه أيضا، ووجهوه لحضرتنا فإن عمل المتأخرين اليوم أخصر وأوعب من عمل المتقدمين والسلام 24 رجب 1261 هـ"
هذه ليست فقط دعوة إلى تعريب ما جد من العلو لتكون الاستفادة أكبر وأعم بل هي دعوة لمسايرة ركب التقدم حتى لا نبقى إلى الوراء.
وهو المدافع عن كرامة بلاده المؤيد لوكيله متى ما وقف في وجه التدخلات الأجنبية فيقول له :
" وبعد فقد وصلنا كتابك وعرفنا مضمنه وعلمنا ما أجبت به حاكم جبل طارق حين خاطبك في أمر الزيادة في الصاكة لما ألح عليه التجار في ذلك وطلب تمييزسلعة الانجليز بالنقص، ويمثله اجبت قونصل الانجليز لما خاطبك بمثل ذلك وذكرت لهما أن كل واحد يفعل في بلده ما شاء وسردت عليهما قضايا مما هو في اللندرة فاتصفا للحق فقد أصبت في ذلك اصلحك الله، واما ما كان بقي مسكوت عنه ولم يحمل الصاكة التي قدرنا ولم يقع تنصيص عليه مثل اللوبان والمرجان والزجاج والزافر والعطرية، فقد أمرنا في جميع مراسي ايالتنا السعيدة بتقويمه وقبض عشره، بحسب عشرين في المائة، وفق ما أشرت إليه مع التعجيل أصلحك الله. والمسألة التي أغفلناها نبهنا عليها والسلام، في 12 جمادى الثانية 1961".
في السطرين الأخيرين من هذه الرسالة تتجلى عظمة هذا الرجل، فهو يتقبل ويعمل بما يشير إليه وكيله ويزيد فيسأله أن ينبهه إن هو غفل عن شيء، وهو أمير المؤمنين، وهو الملك ذو الصولة والصولجان !
ان قيس هذا الملك بمعيار الديمقراطية العصرية فهو أعلى مثال لها.
وان قيس هذا الملك بمقياس الدين قد بلغ مبلغ الزهاد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here